Skip to content Skip to footer

هل تريدون تطبيق الشريعة الإسلامية؟ | أحمد الرمح

أرسل أحدُ مراجع السلفية المتواجدين بسوريا رسالةً إلى الرئيس الشرع يعاتبه فيها لتأخُرِهِ بتطبيق الشريعة. وليسمح لي هذا الشيخ أنْ أسأله: هل تريد تطبيق الشريعة؟ أم الإسلام؟ وهل تعرف الفرق بين الشريعة الإسلامية والتشريع الإسلامي، والفرق بين الشعائر والحدود؟ هذه مسألة دقيقة تحتاج إلى تفصيل.

هناك فرق بين الشريعة الإسلامية والتشريع الإسلامي؛ فالشريعة ربانية، ومصدرها قال الله فقط،وتمثلت قرآنياً بالمحرمات الأربعة عشر، والنواهي الربانية التي ذُكرت قرآنياً بلا الناهية، وعددها قرآنياً (392)، منها ما هو لازم لنا، ومنها ما هو تاريخي وزمكاني، ولو عرضْتَها على أي إنسان كان فلن يرفضها؛ لأنها أخلاقيات إنسانية؛ منها (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ)، ومنها (فَلاَ تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ)، ومنها (فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ)، ومنها (َلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)، ومنها (وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم).. إلخ هذه النواهي.

أما التشريع الإسلامي؛ فهو بشري المصدر وضعه بشر، معتمدين على النص والعرف الاجتماعي.

وأما أسباب تشكل التشريع الإسلامي وإنتاجه؛ فقد نشأت الإمبراطورية العربية الإسلامية بظل وجود إمبراطوريتين الفارسية والرومية، وهما إمبراطوريتان لهما تشريعهما الخاص وقوانينهما العريقة، أما العرب فقد اعتمد تشريعهم قبل الإسلام على العرف وحكم الحكماء، ولا يوجد لديهم قانون عام يحتكمون إليه، حتى بسط الإسلام سيطرته على أرض العرب.

ويبن لنا الإمام الآمدي مصدرية التشريع الإسلامي بكتابه الإحكام في أصول الأحكام قائلاً: الفتوى نوعان نصية وعرفية، النصية ما قاله الله، والرسول والصحابة والتابعون. والعرفية ما تعارف عليه القوم دون إنكار؛ كالآداب العامة.              

وحتى يضعَ المسلمون تشريعاً خاصاً بدولتهم الفتية أبدعوا علم أصول الفقه المسمى غربياً بفلسفة التشريع الإسلامي!  وقام على ما يلي: أربعة شبهُ متفقٍ عليها؛ وهي: القرآن والسنة والإجماع والقياس. مع ملاحظتين: الأولى، أن الإجماع مستحيل التحقق آنذاك. والثانية أن الجعفرية يرفضون القياس بقولهم: إن أول من قاس هو إبليس. وأخرى مختلفٌ فيها: العرف والاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسلة ومذهب الصحابي وسد الذرائع. وشرع من قبلنا. ولكل عصر مصادرُه المعتمدة كما ذهب الأصوليون.

وأقول لذلك الشيخ: نعم الإسلام مطبق عالمياً، واسمع من يطبق الإسلام يا مسلم، يا من تتبع الدين الموازي، وليس الدين الحنيف المُنَزّل على محمد.

في دراسة أعدها الباحث البريطاني (بول هوسفورد) ونشرتها صحيفة “ذي جورنال” احتلت إيرلندا المرتبة الأولى كأكثر الدول تطبيقاً لتعاليم الإسلام على مستوى العالم كله، تلتها الدنمارك، ثم السويد في المرتبة الثالثة.

اعتمدت هذه الدراسة على خمس قواعد في معيار تطبيق الإسلام؛ وهي: حقوق الإنسان، والنمو الاقتصادي، والحريات السياسية، والعلاقات الدولية، وبنية السلطة فيها. وشملت الدراسة 208 دولة.

المفاجأة في هذه الدراسة أنّ الدول الإسلامية لم تكن ضمن قائمة أفضل 32 بلداً بتطبيق الإسلام! أما ترتيب الدول ذات الأغلبية الإسلامية في الدراسة، فهي كما يلي:

ماليزيا جاءت في المرتبة الـثالثة والثلاثين.

وأما الدول العربية فقد حلت الكويت في المرتبة الـثامنة والأربعين، تلتها البحرين في المرتبة الـحادية والستين، والإمارات في المرتبة الـرابعة والستين، فيما جاءت السعودية بالمرتبة الـثالثة والتسعين، وقطر في المرتبة الـحادية عشرة بعد المئة، والمغرب في المرتبة العشرين بعد المئة، بينما جاءت مصر في المرتبة الثامنة والعشرين بعد المئة، واليمن في المرتبة الثمانين بعد المئة، وسوريا في المرتبة الثامنة والستين بعد المئة، والسودان بالمرتبة التسعين بعد المئة.

ونسمع لمتحمسين دون عقل ولا وعي يصرخون مطالبين بتطبيق الشريعة بشرقنا البائس! فنقول لهم: هل تريدون تطبيق الشريعة أم التشريع؟ الشريعة جزء من الإسلام، وليست الإسلامَ كلَه! قبل أن تطبقوا الشريعة طبقوا الإسلام. إن تطبيق الأحكام الفقهية من عبادات وحدود وأذكار ومظاهر ليس هو جوهرَ الإسلام! هذه هيئاتُه وصورُه! إنما جوهر الإسلام أن تكون مؤمناً موحداً محباً للخير لكل الناس، إنسانياً أخلاقياً عادلاً غير ظالم للمخالف لك. ومتى ما دخلت السياسة والحكم إلى السلوك الإسلامي حَرَفَتْه عما سبق.

فالسياسة هي التي نشأت بسببها الفرق والمذاهب والملل والنحل. فطهروا الإسلام من السياسة. ومتى ما دخلت السياسة والسلطة في الدين دخل معها ظلم الآخر المختلف. فما نفع تطبيق التشريع الإسلامي والعدالة الاجتماعية مغيبة وحرية الاعتقاد مُحَرَّمة، وهناك مظلوم بسبب اعتقاده أو موقفه السياسي، ولا توجد قواعد للحكم الرشيد المتسق مع روح الإسلام.

ألم تكن الشريعة مطبقة لما اغتالوا عمر وعثمان وعليًّا، وحدثت حروب طاحنة بين الصحابة أنفسهم راح ضحيتها الآلاف. يقول الطبري في تاريخه: معركة صفين عدد ضحاياها من جيش علي خمسة وعشرون ألفاً ومن جيش معاوية خمسة وأربعون ألفاً، منهم ثمانية وثمانون صحابيًّا وتابعيًّا. في حين أسقطوا أعظم إمبراطوريتين الفارسية والرومية بـاثني عشر ألف شهيد. إذن السلطة هي سبب خلافاتِنا!

وهل تعلم بأنّ أم المؤمنين عائشة حاربت أمير المؤمنين عليًّا، وراح ضحية تلك الحرب خمسة آلاف من جيش علي، وثلاثة عشر ألفًا من جيش عائشة، وما كان هناك لا أمريكا ولا إسرائيل ولا نظرية المؤامرة! وكانت الشريعة مطبقة!

ثم منذ أربعة عشر قرناً ونحن نتصارع على الإسلام! لا من أجله. هناك صراع سني شيعي على الإسلام، وهناك صراع سلفي أشعري على الإسلام، والمذاهب متصارعة على الإسلام، وكل فريق لديه مفهوم خاص به للتشريع، ولديه اجتهاداته، فأي منهج ورؤية سنطبق.

الإسلام رسالة توحيد إنسانية ثقافية فكرية قبل أن يكون عبادة أو سلطة، بدليل أن كلمة اقرأ هي الأولى تنزيلاً، وسورة القلم هي ثاني السور تنزيلاً، كما أنّ الإسلام عالمي؛ حيث إنّ الله يعرّف عن نفسه في أول آية بكتابه الكريم بأنه ربٌ للعالمين، وليس للمسلمين فقط. وهذا يعني أن هناك فرقاً بين التشريع الإسلامي والشريعة الإسلامية كما أسلفنا.

التشريع هو فهم الفقهاء والمفسرين والأئمة لأحكام الإسلام، والشريعة الإسلامية هي الأمر الإلهي الموجود قرآنياً والمتمثل بـ(افعل ولا تفعل)، وما هو خارج ذلك فهو منطقة المباح؛ ينظمها الدستور والقانون الوضعي.

العبادة بكل أشكالها النظرية والعملية ذُكرت بالقرآن (275) مرة، أما الدعوة إلى العمل فقد ذُكرت (359) مرة، وأما العلم والمعرفة فقد ذُكرت (811) مرة. ونحن أجهل الأمم! نحن مفلسون قيمياً مخالفون للإسلام! فالقيم القرآنية الإنسانية والإيمانية نجترها للمباهاة في جدلنا مع الآخر، ولكنها غير موجودة في سلوكاتنا.

  • النظام والانضباط؛ نتحدث عنه كثيراً، ولكنه غائب عن سلوكات المسلمين.
  • النظافة؛ لدينا أحاديث وأقوال كثيرة تحثُ عليها، وتحببُ فيها، ونحن أقل شعوب الأرض نظافةً.
  • المحبة والاحترام وصلة الرحم؛ ما أكثرها في كتبنا! ولكن لا وجود لها في حوارنا وعند اختلافنا!
  • امتلاك القوة بأشكالها المدنية والعسكرية ثابتة في قرآننا، ونحن أضعف وأوهن أمم الأرض فيها.

والله يقول: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ” (الصف: 2-3).

فإذا كان فهمك للشريعة هو آيات العبادات ففهمك معوج ومنحرف، والقرآن المكي كله، وخلال 12 عاماً، تحدث عن الإيمان والعقيدة والتوحيد، لكن دون إكراه، ولم يُسجل إطلاقاً في عهد الرسالة والخلفاء الراشدين إكراهٌ لأحد على التوحيد أو العبادات.

ولكن، ممنوع لأحد أن يخرج عن القانون العام الذي سطرته صحيفة المدينة التي كانت ميثاقَ شرف وطني لاديني؛ لذلك عاقب النبي بني قريظة على خيانتهم للميثاق لا على إيمانهم التوراتي.

الإسلام مفهوم عالمي، بينما الدولة مفهوم محلي، أساس الاسلام المحرمات القرآنية، وهذه قيم إنسانية،               لا حدود جغرافية لها، أما التشريع فمفهوم ذاتي، وأساس الدولة التوافق بين مكوناتها الوطنية وليس الدين.

ولا يمكن أن تكون مسلماً حنيفاً إنْ لم تعترف بالتعددية الدينية، والسياسية والدولية، وكذلك فعل رسولنا الكريم. فالتعددية سنة الله الأبدية ومن يحاربها جهلاً أو لسلطة فهو يحارب سنن الله في المجتمع.

فإذا آمنا أنه لا إكراه في الدين يجب أن نؤمن أن لا إكراه في السياسة، ولا في الفقه ولا  في الرأي، والله يحاسب الناس لا أنت: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (الحج: 17)

إذن، الدين في خدمة الإنسان، والعكس خطيئة، والدين في خدمة الدولة وليست الدولة في خدمة الدين. فما قيمة تدينِك وأنت ظالم أو جاهل؟ وأما إكراه الناس على التشريع فهي إساءةٌ للإسلام وتوسعةٌ لدائرة المنافقين فيه وله.

  • الإكراه على التدين لا يؤسس مجتمعاً متديناً، إنما يؤسس مجتمعاً منافقاً، والله لا يحب المنافقين.
  • والعقد الاجتماعي في الدولة ليس شرطه الدين ولا المحبة، إنما الثقة والخضوع للقانون.
  • عقيدة الولاء والبراء المنسوبة لابن تيمية مخالفةٌ للقيم الأخلاقية والإنسانية التي يدعو إليها القرآن.

صحيح أنّ سوريا ذات أغلبية إسلامية سنية، ولكن، من الخطأ جعلُ قوانينِها كلِها إسلامية؛ لأن هذا فيه إكراه. الأفغان نجحوا في الانتصار على الأمريكان، ولكنهم لما أرادوا إقامة دولة فشلوا وتحاربوا. فهم فشلوا بالصراع على السلطة لا على الإسلام.

الإخوان المسلمون نجحوا بإسقاط الأنظمة في تونس ومصر والسودان وليبيا، ولما حكموا بدلاً عنها فشلوا؛  لذلك أقول: الإسلام السياسي لديه بأس شديد كمعارضة، وبؤس شديد في قيادة الدولة؛ فتعلموا من فشل الإخوان!

مجتمعاتنا متعددة الهويات؛ لذا نريد ميثاقاً وطنياً تتفاهم فيه الهويات ولا تتقاتل، نريد أن تتفاهم الطوائف على كلمة سواء، لا أنْ تخضع الطوائف لرأي واحد. وصلح الحديبية بين المسلمين والمشركين لم يقم على الدين، إنما على الأمن والأمان والسلام بين عرب الجزيرة. 

فهل نحن مسلمون؟