Skip to content Skip to footer

نقد سردية موسى في الأسفار اليهودية: بين الهجنة والصفاء القومي | عبد الرحمن نعسان

ظهر موسى في النصوص الدينية والتاريخية بوجوه متعددة، ويدور حوله صراع تأويلي بين اتجاهين: أحدهما يسعى لتثبيت أصل نقي للهوية اليهودية، والآخر يرى فيه رمزاً لهجنة لا يمكن إنكارها. ولعلّ من أكثر هذه التأويلات إشكالاً هي القراءة التوراتية التي تسرد قصة موسى بهدف تكوين رواية قومية نقية وتاريخ ديني يُستخدم لتبرير الوجود السياسي وشرعنة الاحتلال..


 

ولكن كيف تتغيّر دلالة هذا السرد حين تُعاد موضعته ضمن قراءة تفكيكية تسائل ما هو راسخ في الخطاب اللاهوتي الاستشراقي، وتفتح النص التوراتي على مقاربات تحليلية مثل تلك التي قدمها فرويد أو المقاربة الثقافية على نحو ما قدّمه إدوارد سعيد؟ ما الذي تفضحه بنية الخطاب السردي في سفر الخروج؟ وهل تُستخدم كأداة رمزية لإخفاء التناقضات السياسية والجغرافية؟ وهل يمكن كما يشير فاضل الربيعي أن تكون جغرافيا الأسفار اليهودية نفسها مختلقة، وأن موسى لم يعبر سيناء بل عاش في اليمن القديم؟
في ضوء ما سبق من افتراضات ينطلق المقال من فرضية رئيسة: أن سردية موسى في النص التوراتي على نحو ما رسخته القراءة الاستشراقية اللاهوتية ليست فقط خطاباً دينياً، بل مشروعاً أيديولوجياً يؤسّس لمفهوم (الصفاء القومي) من خلال نفي (الهجنة) التي تقوّض السرد القومي الصهيوني. ومن هنا تأتي أهمية مساءلة هذه السردية في ضوء قراءات معاصرة نقدية، وقد تمثلت في دراستنا بثلاثة توجهات نقدية ممثلة في أطروحة: فرويد، وإدوارد سعيد، وفاضل الربيعي.
أولاً: الهوية بوصفها اختلاقاً سردياً:
لئن كانت الجماعات القومية كيانات متخيلة كما تفترض أطروحة (بندكت أندرسون)، فإنَّ تاريخها الذي تنسجه عن ذاتها ماضياً هو جزءٌ من تحقُّقها حاضراً، فتاريخ الأمم ليس مجرد ماضٍ، بل هو جزء من حاضرها. فكل أمة تُعيد سرد ماضيها لتُعيد تشكيل هويتها، والتأريخ للماضي هنا أشبه بحبكة سردية يُعاد نسجها بما ينسجم مع راهنية الذات القومية، ولعلَّ هذا يدفعنا للقول: إن تحبيك الماضي ضمن سردية قومية هو جزء من تشكيل الهوية الجماعية. وفي ضوء هذا الترابط بين ثلاثية: (الهوية) و(التاريخ) و(السرد) يغدو واضحاً تزامن المشروع الصهيوني مع حملات التنقيب والآثار عن التاريخ اليهودي المفترض في فلسطين، إذ يتضح أن الصهيونية قد اعتبرت توفر المناخ الملائم للعمل في مجال التاريخ والتنقيب عن الآثار بالغ الأهمية، وهي لا تقلُّ أهمية عن توفير المناخ السياسي والاقتصادي.
 ومما له دلالة في هذا السياق ما نصَّ عليه (وعد بلفور) بإصدار قانون الآثار Law of Antiquities الذي يؤمن السُّبل الإدارية والعلمية للحفر والتنقيب والبحث الأثري في فلسطين بما يخدم المشروع السياسي. من هنا تأتي أهمية فهم الصراع التاريخي على فلسطين ليس بوصفه صراعاً تاريخياً على الماضي، بل صراعاً في الحاضر وعليه، فالماضي والتأريخ له يغدو وسيلة (لإثبات) الوجود اليهودي في فلسطين، فهو تنقيب في الطبقات الجيولوجية كما هو نبش في طبقات المعنى النصي، وذلك في محاولة لتثبيت رواية تاريخية بعينها، تُستخدم لاحقاً كدليل مادي يدعم المشروع السياسي.
وفي ضوء ذلك يذهب أستاذ جامعة حيفا المؤرخ شلومو ساند في كتابه اختراع الشعب اليهودي (The Invention of the Jewish People) إلى تفكيك الأسس الأيديولوجية التي استندت إليها الصهيونية في بناء روايتها التاريخية؛ إذ يشير إلى أن ما يُقدَّم على أنه “تاريخ قومي يهودي” ليس سوى بناء متأخر يشتغل على إعادة تركيب الماضي في ضوء الحاضر السياسي. في هذا السياق يرى ساند في كتابه (اختراع أرض إسرائيل) أن (الشعب اليهودي) هو اختراع أيديولوجي حديث؛ إذ نشأ في سياق قومي أوروبي في القرن التاسع عشر، حيث راحت القوميات تبحث في الأسفار اليهودية عن سند تاريخي لهويتها، فكان الاختراع الصهيوني أكثرها تطرفاً، إذ لجأ إلى تجميع الأساطير المنثورة في الأسفار ليقيم منها سردية قومية لا سند لها من الواقع الأثري أو التاريخي، وبذلك اخترعت الصهيونية “شعبًا” و”أرضاً” عبر تلفيق سرديات تاريخية تمتدّ جغرافيًا لتشمل صيدا والجولان وسيناء، وتتجاوز حتى خرائط 1948. وفي خاتمة الكتاب، يسرد ساند كيف طُمست قرية “الشيخ مونس” وأُقيمت على أنقاضها تل أبيب، بما يرمز إلى نفي الجغرافيا الفلسطينية واستبدال سردية استعمارية حديثة بها.
ومن سياق المساءلة النقدية عينها يقدّم توماس ل. طومسون، أحد مؤسسي (مدرسة كوبنهاغن) قراءة تُشكّك جذرياً في تاريخية الأسفار اليهودية، ويقترح أن ما يُعرض على أنه تاريخ قديم هو بالأحرى (أدب تأسيسي) كُتب في زمن لاحق لأحداثه المزعومة. ويؤكد طومسون في كتابه التاريخ القديم لإسرائيل: مقدمة نقدية (The Early History of the Ancient Israel: A Critical Survey) أن معظم قصص العهد القديم ليست نتاجاً لتجربة تاريخية واقعية، بل هي خطاب أيديولوجي اختلق الصفاء الهوياتي لتأسيس هوية جمعية قائمة على فكرة “الاختيار الإلهي” و”العودة إلى الأرض”. هكذا يلتقي طومسون مع ساند في نقد فكرة ‘الاختيار الإلهي’، ليس بوصفها مقولة دينية فحسب، بل أداة سياسية تأسّس عليها مشروع الدولة الصهيونية بوصفها كيانًا ذا ‘حقّ استثنائي’ فوق القانون والتاريخ.
وإذا كانت الصهيونية بُنيت على سردية متخيلة، فإنَّ المقاومة في أحد وجوهها هي تفكيك لهذه السردية المتخيلة. ولفهم هذا التفكيك بأبعاده النفسية والثقافية، يمكن الاستعانة بثلاثة نماذج نقدية: من جهة، سيغموند فرويد، اليهودي الذي كتب موسى والتوحيد في منفاه بلندن مقترحاً أن موسى لم يكن يهودياً أصلاً، بل مصرياً أرستقراطياً اغتاله العبرانيون ثم أحيوا ذكراه ليغفروا ذنبهم؛ ومن جهة أخرى، إدوارد سعيد الفلسطيني الذي رأى في أطروحة فرويد مجالاً لقراءة أخرى للهوية بوصفها مركباً هجيناً لا نقاء فيه، ووسيلة لتقويض السرديات القومية المغلقة. وبين هاتين الأطروحتين يجيء فاضل الربيعي، المفكر العراقي، ليقوض من الداخل الجغرافيا التوراتية نفسها، مقترحاً أن أرض الأسفار اليهودية ليست فلسطين، بل اليمن والجزيرة العربية، بما يجعل من الرواية الصهيونية استعارة كولونيالية كاذبة. وعلى الرغم من المسافة الزمنية والمفاهيمية بين هؤلاء الثلاثة، فإنهم يلتقون في لحظة نقدية مشتركة: لحظة تفكيك المروية التوراتية وكشف البنية النفسية والثقافية والسياسية التي تجعل من الماضي المزعوم مسوِّغاً لحاضر عنيف، وتعيد مساءلة أسس الهوية والحق والتاريخ.
ثانياً: موسى في ضوء التحليل النفسي والتاريخي:
في كتابه موسى والتوحيد، يطرح فرويد فرضية أن موسى لم يكن عبرانياً بل مصرياً، ينتمي إلى طبقة أرستقراطية مؤمنة بديانة أخناتون التوحيدية. ولكن ما يهمنا في هذه الأطروحة ليس مدى صحتها التاريخية، بل وظائفها التأويلية والثقافية؛ إذ ينطلق فرويد من الاسم نفسه: “موسى”، الذي يزعم أن أصله مصري، مشتق من الجذر مو-سِه (الولد أو المولود)، كما في أسماء مصرية معروفة مثل تحوتموس ورمسيس؛ وهي اشتقاقات تُضعف الزعم التوراتي القائل بأن “موسى” مشتق من الفعل العبري “مَشَى” أي “انتشله” (من الماء). ثم يُمعن فرويد في ملاحظة التشابه بين تعاليم موسى التوحيدية وبين ديانة آتون (إله الشمس عند أخناتون) الذي دعا إلى عبادة الإله الواحد وتفكيك التعدد الديني المصري، قبل أن يُنبذ ويُحذف من الذاكرة الرسمية للدولة المصرية. من منظور فرويد موسى لم يكن إلا استمراراً أو بالأحرى “ناقلًا” لتلك العقيدة المنفية، التي انتقلت مع طائفة صغيرة من المصريين إلى خارج مصر، لتُعاد صياغتها وتثبيتها في المروية اليهودية.
ومما هو جدير بالنظر أن الأسفار اليهودية كما تبلورت في أسفار موسى الخمسة تقوم على ادّعاءٍ مفاده أن موسى هو الوسيط الإلهي الذي نقل شريعة مكتوبة من الله إلى “شعبه المختار”، ما يعني تأسيس اليهودية كـ”ديانة كتابية” (Religion Of The Book) على غرار الإسلام والمسيحية. غير أن هذا التصور يواجه إشكالات جذرية عند مساءلته في ضوء البحث الأنثروبولوجي المقارن؛ إذ يشير إلى أن اليهودية، خاصة في أطوارها التكوينية، لم تكن ديانة مؤسسة على نص منزَّل، بل كانت أقرب إلى ملة سلوكية وقومية مغلقة، تقوم على العادات، والطقوس الجماعية، والانتماء القبلي، لا على التوحيد الكتابي. ويتقاطع هذا الطرح مع ما ذهب إليه المؤرخ شلومو ساند الذي اعتبر أن ما يُسمّى “اليهودية” قبل العودة من السبي لم يكن سوى بنية اجتماعية إثنية تُصاغ من خلال الطقوس أكثر مما تتأسس عبر عقيدة. من هذا المنطلق يمكن القول: إن تهويد موسى نفسه في التوراة هو عملية لاحقة تهدف إلى “تأصيل” الشريعة ضمن سردية نبوية، تشبه في بنيتها ما عرفه التقليد المسيحي والإسلامي لاحقاً، ولكنها لم تكن موجودة في الأصل. وهو ما يلمح إليه فرويد أيضاً حين يُصرّ على أن موسى كان مصرياً لا عبرانياً، أي أن الشرعة نفسها ليست عبرانية بل مصرية، فتم استثمار شخصية موسى ونصوصه لاحقاً وتحويرها لتأسيس هوية إثنية مغلقة.
وعلى الرغم من اتساق هذه الفرضية في ظاهرها، يقف فرويد في لحظة حرجة أمام بعض التناقضات التي لم يشأ أن يتوقف عندها طويلًا، ومنها التوصيف الجغرافي في الأسفار اليهودية الذي يذكر مشاهد طبيعية ذات طابع بركاني لا وجود لها في جغرافيا مصر، بل تتماشى أكثر مع تضاريس شبه الجزيرة العربية أو مشارفها. هذا التناقض يربك أطروحته من زاوية الجغرافيا، ويهيئ لسؤال أكثر جذرية: أين وقعت الحكاية (حكاية موسى) أصلاً؟
ثالثاً: من نقد السردية التاريخية إلى نقد الجغرافيا المختلقة:
تظهر مجموعة من القراءات النقدية التي أخذت على عاتقها مساءلة الموقع الجغرافي الذي تفترضه الرواية التوراتية، لا سيما في قصة “الخروج” من مصر. ومن بين هذه القراءات، تبرز أطروحة المفكر العراقي فاضل الربيعي (بنو إسرائيل وموسى لم يخرجوا من مصر – إسرائيل المتخيلة مساهمة في تصحيح التاريخ الرسمي لمملكة إسرائيل القديمة، الصادر عام 2016)، حيث يسعى ضمن مشروع متعدد المجالات إلى إدخال الجغرافيا إلى حقل التاريخ بغية مساءلة الجغرافيا المتخيلة المهيمنة على الخطاب الاستشراقي اللاهوتي، إذ ينقد الافتراض المهيمن أن مصر الواردة في التوارة  هي نفسها مصر المحال عليها حالياً، ويستند الربيعي إلى النقوش المسندية اليمنية التي تشير إلى وجود مملكة تُدعى “مصرن”، ويقترح أن هذه هي “مصر” المذكورة في الأسفار اليهودية. وبناء عليه يعيد تفسير “سفر الخروج” على أنه رحلة دينية (حج) داخل اليمن، وليس هروباً من العبودية في مصر.
بذلك يهدف الربيعي إلى إعادة بناء التاريخ الرسمي لمملكة إسرائيل القديمة، معتبراً أن الجغرافيا التوراتية هي جغرافيا يمنية، وأن الرواية التقليدية للتاريخ اليهودي تم تحريفها لأسباب سياسية ودينية، أما افتراض الإحالة المباشرة إلى وادي النيل حين ترد في النصوص عبارة (اهبطوا مصراً)، فبحسب الربيعي، مصر بوصفها أرضاً سهلية منبسطة  لا تتناسب مع سياق (الهبوط) الوارد في النص وتفسيراته المهيمنة، فالهبوط يفترض تضاريس جبلية أو مكاناً ذا علُوّ وانحدار. إن هذا “الهبوط” في القراءة اللغوية والجغرافية لا يستقيم مع جغرافية مصر.
وتعزز هذه الشكوك نتائج عدد من البحوث الأركيولوجية الحديثة، وعلى رأسها ما كشفه المؤرخ وعالم الآثار الإسرائيلي إسرائيل فنكلشتاين في كتابه الشهير التوراة مكشوفة على حقيقتها (The Bible Unearthed يشير إلى أنه عقب احتلال إسرائيل لصحراء سيناء، تم إرسال قرابة ثلاثة آلاف باحث وعالم آثار لفحص المنطقة؛ حبة رملٍ تلو الأخرى، بحثًا عن شواهد مادية تدعم قصة “الخروج” الشهيرة، لكن النتيجة كانت مذهلة: لم يُعثر على أي أثر يدل على عبور شعب كبير أو إقامة مؤقتة فيه، بما يفند الرواية التوراتية التقليدية.
بهذا يتضح أن المسألة لا تتعلق فقط بخلاف تأويلي حول معنى “مصر” أو مكان “التيه”، بل نحن أمام بنية سردية تم تثبيتها جيوإستراتيجياً وثقافياً لأغراض إيديولوجية، تسعى إلى تملك الأرض عبر امتلاك “الحكاية”. وفي هذا السياق، لا يعود السؤال عن موسى سؤالاً عن من هو، بل أين هو؟ وأين كانت حكايته في الأصل؟ فالموقع الجغرافي ليس خلفية محايدة، بل عنصراً تأسيسياً في بناء الحقيقة التوراتية.
والأهم في هذا كله أن نقد الربيعي وسواه من الباحثين لا يُعنى فقط بإبطال الرواية التاريخية، بل يكشف عن آلية اشتغال السرد المقدس: كيف يُقوْلب النص ليخدم خرائط سياسية لاحقة، وكيف تُترجم الأسماء والأماكن بما يتوافق مع المشروع الاستيطاني. وهنا نعود مرة أخرى إلى أطروحة فرويد، لا لنفندها تاريخياً، بل لنستخرج من متنها دلالة ثقافية.
رابعاً: من نقد السردية التاريخية إلى نقد الهوية المتخيلة:
ومع أن أطروحة فاضل الربيعي تزعزع الأساس التاريخي الذي قامت عليه فرضية فرويد بشأن مصرية موسى، فإن القيمة الحقيقية التي تمنح موسى والتوحيد أهميته لا تكمن في صدقيته التأريخية، بل في ما تنطوي عليه قراءته من زخمٍ ثقافيّ يكشف عن آليات تشكُّل الهوية عبر العنف الرمزي، وعن كيفيات تحويل الدين من تجربة روحية إلى سردية قومية تُبنى على “قتل الأب المؤسس” وتعيد إنتاج الجماعة عبر الذاكرة المؤسطرة. فرويد، وإن بدا متورطاً في بعض التناقضات التاريخية، إلا أن ما فعله هو زعزعة مفهوم “الأصل”.
فحين يفترض فرويد بأن موسى لم يكن يهودياً بل مصرياً، فإنه يقوّض وهم النقاء العِرقي والانغلاق القومي، ويقترح بديلاً للأحادية الهوياتية، إذ إن الهوية اليهودية ليست “ولادة” عرقية أو دينية خالصة، بل هي “ولادة متأخرة” داخل رحم ثقافات أخرى: مصرية، سامية، عربية،  جرى محوها في التدوين التوراتي لتثبيت سردية السيادة القومية. إنّ الهوية، في هذا التصور، لا تتأسّس على صفاء، بل على اختلاط؛ ولا تقوم على يقين، بل على قلق وهجنة وتعدّد، وهو ما جعل فرويد نفسه، كما يرى إدوارد سعيد، شاهداً إشكالياً على مأزق الهوية اليهودية لا نبيّاً لها.
وفي هذا السياق يتقدّم إدوارد سعيد ليضع كتاب فرويد في سياق ثقافي ضمن نقد سرديات التمركز الغربي، وذلك في أطروحته فرويد وغير الأوروبيين (Freud and the Non-European)، حيث يقرأ “موسى والتوحيد” بوصفه نصاً تهديمياً لما تُسمّى بـ”الهوية التاريخية” الثابتة. إذ يؤكد سعيد أن فرويد رغم كونه يهودياً وأوروبياً كان مفتوناً بما هو “خارج” العقل الأوروبي، “مهووساً بما هو منفيّ أو غير معترف به أو هامشيّ”، وأن اشتغاله على موسى لم يكن تثبيتاً للهوية اليهودية، بل خلخلة لها. فبمجرد أن يكون النبي المؤسس للديانة اليهودية مصرياً، وتكون أفكاره التوحيدية مشتقة من عقيدة فرعون (أخناتون)، فإن الأسفار اليهودية نفسها تصبح موقعاً للالتباس لا للثبات، وللتهجين لا للنقاء.
ومن هنا تصبح الهويّة اليهودية، كما وصفها سعيد، “نسيجاً من رواسب ثقافية غير متجانسة”، تتشكل من “أحداث أوليّة” متراكبة مثل قتل الأب، والخروج، والشتات، وكلها مشروطة بسياقات لا يمكن اختزالها إلى أصل واحد أو جماعة واحدة.  فهي هوية “هامشية” بالمعنى الأنثروبولوجي، وعابرة للحدود بالمعنى السياسي، ما يجعل محاولة تحويلها إلى “هوية قومية نقية” نوعاً من العنف الرمزي الذي يتناقض مع طبيعتها المركبة. ولهذا يرى سعيد أن الهوية اليهودية كما قرأها فرويد “لم تبدأ بذاتها، بل خرجت من أرحام هويات أخرى”، وهي عبارة تقوّض جوهر المشروع السياسي الذي بني على إنكار هذا التشابك التاريخي مع الآخر، وخصوصاً الآخر العربي.
إلا أن الصهيونية بحسب سعيد قامت بطمس هذه الطبقات المركّبة، لتؤسس هوية متجانسة ومصقولة، لا مكان فيها للهجنة أو للتاريخ المتداخل، وهذا ما يجعل من كل السرد التاريخي قائمًا على “النسيان المتعمّد”، كما قال نيتشه، فهو استدعاء انتقائي للتاريخ، وبه تم تهميش سردية الاختلاف التي قدمها فرويد لصالح قراءة استشراقية لاهوتية، فاختزلت اليهودية في مشروع استيطاني، يقوم على استدعاء نصوص مختارة من الماضي، واستبعاد كل ما يناقضها، وعلى إعادة تفسير النصوص الدينية نفسها بما يخدم ذلك المشروع السياسي. وهنا تصبح ” سردية موسى” سردية نبوءة لأرض موعودة، لا رمزاً لصراع نفسي وجمعي مع الأب، وتتحول الهوية من صراع تأويلي إلى عقيدة حربية. إن استعادة فرويد اليوم، كما يقترح سعيد محاولة لتأسيس أفق سياسي وإنساني جديد. فالهوية حين تُفهم بوصفها مركّبة وتاريخية ومفتوحة على الاختلاف لا تعود مبرراً للإقصاء والاحتلال، بل تصبح أرضية للتعايش والتفاهم.
ولهذا يختم سعيد أطروحته باقتراح جريء يتجاوز منطق الدول الدينية والقوميات الضيقة، نحو رؤية علمانية ديمقراطية تقوم على دولة ثنائية القومية (Binational State)، تَعرِف تعدد هويات سكانها، ولا تحتكر الأرض باسم نص أو وعد أو سردية مقدسة. في هذا المعنى، يصبح موسى والتوحيد نصًا سياسياً بامتياز، لا لأنه يعيد كتابة التاريخ، بل لأنه يخلخل بنيته، ويفتحه على إمكانيات جديدة للعيش والفهم والاختلاف.
الخاتمة:
من هذا الحفر المشترك بين فرويد وسعيد والربيعي لا يعود “موسى” مجرد اسم، ولا “مصر” مجرد جغرافيا، ولا “الهوية” مجرد ولادة في الماضي؛ بل تغدو هذه العناصر الثلاث: (الرمز، والمكان، والهوية) في موقع الصراع على المعنى، ورهينة سرديات متنازعة يُراد لها أن تثبّت السيادة على الأرض عبر السيادة على الذاكرة. هكذا فإن سيغموند فرويد بقلقه التحليلي زعزع وهم “الأصل” وفكك الحكاية من الداخل: حكاية موسى التي بُنيت على نفي الآخر، بينما تحمل في طياتها جذوراً من ذاك الآخر المنفي. إدوارد سعيد التقط خيط فرويد ليضعه في سياق نقدي ثقافي يرى في كل هوية “غير أوروبية” تركيبًا هجيناً لا يُختزل بأحادية هوياتية، أما فاضل الربيعي، فذهب برؤية ما بعد استشراقية في مساءلة المسكوت عنه جغرافيًا وزمانياً، مقترحاً أن المكان وليس الزمان فقط هو ما تعرّض للتزوير، وأن كل سردية توراتية هي إعادة ترسيم للخرائط لا الروايات فقط، فداخل كل سردية ثمة إرادة سياسية تفرض المعنى على الجغرافيا وتمارس سلطتها على حدودها ومسمياتها. إن مقاربات القراءة النقدية لسردية موسى سواء من خلال تفكيك البنية الأصلية كما فعل فرويد، أو فضح الرؤية الاستشراقية، أو مساءلة الجغرافيا المختلقة، تقود جميعها إلى كشف آليات اشتغال مفهوم (الهوية الصافية) بوصفه بناءً أسطورياً. وتكمن أهمية هذه القراءات في قدرتها على نزع الطابع القدسي عن القراءات المهيمنة على النص التوراتي والكشف عن تحيزاته السياسية المضمرة، وبذلك يغدو موسى ليس مجرد رمزاً لشخصية دينية، بل استعارة مكثفة للصراع حول الأرض والذاكرة.