عندما أنتجت الأرضُ خليتها الحيَّةَ الأولى، لم تكن تدرك أن بعض هذه الخلايا ستشكل الإنسانَ العاقلَ، وأنه بعد مرور مليون و800 ألف عام ستتمكن هذه الخلايا من الانتشار السرطاني في كامل جسد الأرض على حساب بقية كائناتها الحية.
وأن هذا الكائن الهجين سيكون سبباً في تغيير طبيعة الكوكب قبل تدميره وموت كائناته الجميلة، ذلك أن كل ما يلد ويولد يحمل بذرة فنائه بداخله؛ بما فيه كوكب الأرض الذي خرجنا من طحالبه. يقول شكسبير في إحدى سونيتاته: “فضيُّ الينابيع لها وحل، وفي أكمام الزهر يغذي نفسَهُ الدُّودُ الكريه”؛ إذ كل شيء يحمل نقيضه بداخله، سوى الله الذي لم يلد أو يولد.
فالعقل البشري الذي ينوس بين الهمجية والتحضر، ضغط على زر العداد التنازلي لفناء الحياة فوق هذا الكوكب الجميل منذ لحظة اكتشافه أسرارَ الذرة؛ إذ راحت الهمجية تتنامى طرداً مع تقدم التكنولوجيا العسكرية، بينما الحضارة الإنسانية تتراجع أمامها، حيث يأكل الإنسانُ لحمَ أخيه بالشوكة والسكين على أنغام سيمفونية شهرزاد لريمسكي كورساكوف، بعدما كان أسلافه ينهشون كبده طازجاً قبل أن يبرد جسد الضحية على وقع قرع الطبول…
فعلى الرغم من التحضر الذي شهدته الإنسانية؛ فإن الهمجية لم تتغير وإنما القدرة على التدمير الشامل هي ما تغيَّر، ففي نهاية كتابها “أزمة الثقافة” تبدي الفيلسوفة حنة أرندت، شكَّها في “صوابية مسار البشرية نحو اكتساح الفضاء”، وفي أن “التقدُّمَ العلميَّ الذي أحرزته الشعوب المتحضرة، سوف يفضي إلى تدمير البعد الإنساني المأمول منه”، ذلك أن الثقافة الإنسانية المعاصرة تتراجع لصالح الهمجية العلمية، إن صح التعبير، حيث تحولت الحروب، بفضل التقدم العلمي، من استخدام السيف والرمح إلى السلاح النووي والبيولوجي والسيبراني الذي لا يعطي للمحارب فرصة أن يموت كبطل تبكيه النساء وتنظم فيه الأشعار وتمجده القصص والروايات، فمن يذكر اليوم آلاف الجنود العراقيين الذين حولهم السلاح الأمريكي إلى رماد في معركة مطار بغداد قبل عشرين عاماً؟ لم يتوفر لهؤلاء المقاتلين أن يدفنوا في قبر يزوره أقاربهم صبيحة العيد..
فهمجية التقدم العلمي سوف تمحو الوجود الإنساني، وقد لا يتوفر لنا وقت لشرح التفاصيل فيما لو تدحرجت الحرب الروسية مع الناتو في هذه اللحظة إلى رعب نووي يعيدنا إلى الوحل الذي خرجنا منه كعلق بائس لنمكث في طيننا مليون عام أخرى قبل أن تتشكل خلية جديدة وتثمر كائنات مختلفة، تعمر العالمَ مجدداً وتبني متاحف للعلوم الطبيعية تضع فيها هياكل بشرية ويشرح فيها الأدلاء للزوار أسبابَ انقراض البشر.
كان البشر همجاً رعاعاً يقلدون الحيوانات البرية والبحرية، اللاحمة والعاشبة؛ فلم تكن لهم برمجة أو سمة مميزة كما لبقية فصائل الثدييات، وكانوا أقرب في تكوينهم التشريحي إلى الخنازير منهم إلى القرود، وكانت الأنثى مشاعاً للذكور؛ هذا إذا لم يئدوها غبّ ولادتها. ويمكننا رصد تطور المجموعات البشرية في سلم التحضر حسب المكانة التي كانت تحوزها الإناث في المجموعة؛ حيث بدأ الذكور ينتبهون إلى أهمية حماية ورعاية إناثهم اللواتي أسهمن في أنسنة الوحش الذي يسكنهم كما في أسطورة جلجامش وأنكيدو، عندما يرسل جلجامش، ملك مدينة الورقاء، امرأة لاصطياد أنكيدو، الرجل البري (الهمجي) الذي يخرب المصائد ويفك الحيوانات من شباك الصيادين.
وبالطبع فإن جمال المرأة وسحرها وعذوبة كلماتها أسرت قلب أنكيدو فنام معها أربعة أيام بلياليها، وفي اليوم الرابع روضته المرأة وتأنسن أنكيدو، فنام الوحش بداخله، وجاءت به المرأة إلى المدينة كي يتحضر..
إذن؛ فالمرأة هي مصدر الأنسنة والمدنية، والرجال مصدر الحروب والهمجية، ويمكننا اليوم أن نفاضل في رقي الأمم حسب مكانة المرأة فيها، ويمكننا القول مع ابن عربي: “كل ما لا يؤنثُ لايعوَّلُ عليه”….
الفكرة الإبراهيمية عن حياة ما بعد الموت جعلت غالبية المتدينين لا يعبؤون بخراب العالم ما دام هناك مكان آخر خارج كوكب الأرض سيستضيفهم بعد موتهم ككائنات خالدة، في النعيم أو الجحيم. فالملاحظ أن غالبية المنخرطين في مجموعات دينية لا يأبهون لتغير المناخ، ولا بثقب الأوزون أو التلوث وانقراض بعض الكائنات الحية، ولا يناهضون انتشار السلاح النووي.. ونحن لم نسمع واعظاً أو خطيبا ًيحضُّ على حماية (دار الفناء) من الفناء ما دامت (دار البقاء) بانتظار أتباعه.
ففعلياً كل مُتشدِّد لديه وطن افتراضي متخيل يحجب عنه الإخلاص الكامل لوطنه الحقيقي ودستور دولته في ما يخالف مذهبه الذي ينتمي غالباً إلى امتداداته خارج حدود الوطن! وهذا لا يساعد كثيراً على الأنسنة والمواطنة والحفاظ على مصادر الحياة الأرضية، بالتالي فإنه لا يساعد على الحد من الأفعال الهمجية التي تدمر الكوكب، هذا إذا لم يفاقمه؛ حيث نرى اليوم كيف أن عتاة المسيحيين الصهاينة يحضون على سباق التسلح والعسكرة بانتظار تحقق أسطورة (هرمجدون) التوراتية؛ حيث يفترض أن تجتمع الجيوش في منطقة بين النيل والفرات، ويظهر الماشيح ليقودهم في مواجهة ضد المسيح الدجال وجيشه الذي يتحالف مع يأجوج ومأجوج (الصيني)؛ في سيناريو يحاكي نهاية العالم، بينما عتاة المتدينين المسلمين ينتظرون ظهور الشمس من مغربها والدابة التي تكلم الناس وعودة المهدي يؤازره النبي عيسى؛ ليقودوهم في مواجهة الأعور الدجال في معركة البشر الأخيرة؛ حيث ينفخ الرب في الصور ثلاث نفخات بالتمام والكمال، فتقوم القيامة وتكون النهاية، ويعود المؤمنون إلى مملكة السماء، وطنهم الذي أخرجهم إبليس منه! لهذا لم تكن الثقافات الإبراهيمية يوماً مصدرَ سلام بين الأمم، ولا بين الرجل والمرأة؛ إذ كل المقاتلين المنتمين إلى أديانهم كانوا يقتبسون ما يناسبهم من نصوص الكتب المقدسة لتبرير همجيتهم في الحروب، منذ قيام الأوروبيين بإبادة الهنود الحمر، مروراً بإبادة الفلسطينيين على يد اليهود الإسرائيليين، وصولاً إلى تنظيم الدولة الإسلامية الذي قتل كل شيء حتى أتباعه السلفيين!
الكم الأكبر من الأفعال الهمجية يأتي غالباً من الأحقاد التاريخية المتوارثة بين البشر؛ ففي بلدان الخوف المتوضعة شرقي المتوسط التي مر عليها كل أنواع الغزاة والثقافات والأديان والأيديولوجيات التي غرست قدراً كبيراً من بذار الفرقة والكراهية في أرضها: كراهية إثنية وقبلية وعشائرية ودينية ومذهبية وطبقية ومناطقية وسياسية وحزبية ومهنية وجنسانية..
كلهم اليوم بحاجة إلى تبريد أحقادهم في جسد الآخر المختلف، لهذا لم تكتمل دولة المواطنة في هذه البلدان، وتعرضت خلال العقود الأربعة الأخيرة إلى ثلاث حروب أهلية: في لبنان والعراق وسوريا؛ حيث عجز حكامها عن تفكيك عصبياتها، فعمدوا إلى إدارتها واستثمارها على مبدأ ميكيافيللي والسياسات الاستعمارية التي كانت تعمل على مبدأ “فرق تسد”، إلى أن جاء مَن أيقظ هذه الأحقاد وموَّلها ونظَّمها وسلَّحها ودعَّمها لوجستياً وإعلامياً واستخبارياً وفقهياً، فمكنوا الهمجي من أن يقتل جاره ويسبي امرأته ويغنم ماله ويدخل الجنة بعدما يطوب ثائراً، إلى أن تشكل لدينا أكبر تجمع همجي وبربري في التاريخ الحديث كتتويج ونتاج لهذه الأحقاد المتوارثة!
أخيراً عزيزي القارئ: هل تظن أن الهمجية التي نتحدث عنها تخصّ الآخر من دونك؟ انظر إلى أوهامك وظنونك وسلوكك تجاه الآخر الذي لا يشبهك؛ لكي تعرف نسبة الهمجية عندك.. فيا أيها السيد في أُسرتك والمحسوب على تعداد سكان مدينتك، اجعل من نفسك رجلاً مسالماً منفتحاً وغير عدائي، واعلم أن كمية العنف في العالم سوف تنقص، وأنك غدوت شريكاً حقيقياً في صنع سلام العالم.