Skip to content Skip to footer

نظرية الصفر اللغوي ودورها في بيان إعجاز القرآن مع د. سناء البياتي

مقدمة

باسم: استخدام نظرية العامل التي ركّزت على علامات الإعراب في قراءة النصّ القرآني بالذات، ماذا فعلت؟

سناء: في قراءة النصّ القرآني، عندما يأتي المفسّرون لشرح النصّ القرآني أو الآية القرآنية نحوِيًّا، أيضًا ليس لنا سوى مرفوعٍ ومنصوبٍ ومجرورٍ، لم تُقدِّم شيئًا. لكنِ البلاغيّون قدّموا، وبخاصةٍ علم المعاني. لذلك، نظرية الصفر اللغوي تنطلق من نظرية النظم لعبد القاهر الجرجاني. عبد القاهر الجرجاني، هذا العلّامة، فهِمَ النصّ القرآني، وقال إنّ إعجاز القرآن بنظمه. حقيقة أنا بحثتُ في روافد التنغيم: من أين يأتي هذا التنغيم في البناء القرآني؟ مثلًا، يقول سبحانه وتعالى: “وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا”، لماذا لم يقل “يَصْرُخُونَ”؟ لفظة “يَصْطَرِخُونَ” فيها دلالة على الصراخ أقوى. “وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ • لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ • فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ • لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً”، كلّ هذه المقاطع مفتوحة، وكأنّك تشعر بامتداد النعيم كما امتدّت هذه المقاطع.

 

لماذا اللغة العربية؟

باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج مجتمع. في حلقة اليوم نستضيف الدكتورة سناء حميد البياتي من العراق، باحثة وعالمة لسانيات، ولكِ باعٌ طويل في التدريس والتأليف. ما الذي حفّزكِ في اللغة العربية؟

سناء: بدءًا، أشكر هذه الاستضافة الكريمة. وأبدأ دائمًا حديثي بقوله تعالى: “رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي • وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي • وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي • يَفْقَهُوا قَوْلِي”. صدق الله العظيم.

أما ما الذي حثّني على اللغة العربية، فهو حبي لها. أنا أعشق اللغة العربية وأتحسسها وأتذوّقها، فهذا التحسس والتذوّق للغة العربية يجعلني أعيش فيها، وتجري مع دمي ومع عروقي. فلهذا، حقيقةً، أنا اخترت اللغة العربية.

وكانت عندي أيضًا رغبة في الرياضيات، يعني أنا في مرحلة دراسية، أو مراحلي الدراسية، كانت الرياضيات أيضًا من المواد الدراسية التي أحبّها وأفهمها وأتفوق فيها، وكانت درجاتي في الرياضيات مئة، مئة دائمًا، وهي الدرجة العالية في الرياضيات. ولذلك، عندما اخترتُ اللغة العربية، أيضًا اخترت النحو بالذات، مع كثير من مستويات اللغة، وليس فقط النحو، ولكن التخصّص كان في النحو، لأنه علم أقرب إلى الرياضيات من غيره.

باسم: إي، النحو قريب من الرياضيات.

سناء: قريب، نعم.

باسم: كيف؟

 

النحو والعقل: بين الثوابت والاصطلاح

سناء: النحو قريبٌ من الرياضيات؛ فيه ثوابت، يعني وجود الثوابت. ربما في الأدب يمكن أن يكون لكَ رأيٌ ولي رأيٌ آخر وللآخرين رأيٌ آخر، لكن في مجال النحو يكاد يكون — أوّلًا — يُبنى على نظرية؛ النحو ينبغي أن يُبنى على نظرية والمناهج.

باسم: يعني النحو ليس عشوائيًّا؟

سناء: أبدًا.

باسم: وليس اعتباطيًّا؟

سناء: أبدًا، أبدًا. ما يمكن أن يكون عشوائيًّا أو اعتباطيًّا، ما دامت اللغة منظَّمة، وما دمتُ أتكلم وأنت تفهمني، إذن لا بدّ أن يكون هناك نظام، واللغة ليست عشوائية إطلاقًا. ولهذا نقول إنّ النحو علمٌ، علمُ النحو، ويقوم على نظريات، لكن النظريات تختلف في الرؤية إلى اللغة: كيف ينظر صاحب النظرية إلى اللغة؟ هل هو ينظر إليها بشكلٍ سطحيّ أم ينظر إليها في العمق؟ في العمق — وهي في دماغ الإنسان — هنا تختلف، لكنّه يبقى علمًا؛ علمًا لا بدّ أن…

باسم: يعني أنتِ ضدّ من يقول إنّ اللغة اصطلاحية أو اعتباطية؟

سناء: إن كانت هناك قضية تتعلّق بالاصطلاح أو الاعتباط، يتعلّق بالمفردة؛ يعني بالنسبة إلى المفردة كي يصطلح المجتمع على مفردة معيّنة، هذا اصطلاح، يعني المجتمع يتفق.

باسم: تمام، هذا اصطلاح.

سناء: عندما تقول لغةً وجملةً في دماغ الإنسان، هنا ليست القضية اصطلاحية، وإنّما هناك نظام في دماغ الإنسان يُنتِج هذه اللغة، يركِّبها ويجمعها بحيث يفهم الآخرون ماذا أقول أنا وماذا تقول أنتَ.

باسم: إذن الاصطلاح شاذّ عن القاعدة؟

سناء: الاصطلاح للمفردة، لكن ما إن صارت جملةً أو سياقًا أو نصًّا صار هناك ترتيبٌ ونظام.

باسم: إذا اتفقنا أنّ المفردة قد تأخذ معنى اصطلاحيًّا باتفاق الناس، لا يعني أنّه صار فيها مصداقيةٌ للفظ في المعنى المأخوذ؛ بدليل أنّه، طالما اللفظ هو مجموعةٌ من الأصوات، وبالتالي تمّ تصوّرها عقليًّا على شكل مفهوم وأخذتْ معنىً في سياق، بمعنى بالضرورة أنّ هذه مجموعة الأصوات التي يتكوّن منها اللفظ ذاتُ دلالةٍ خاصّة فيها، وليس من حق الناس أن يعطوها اصطلاحًا إلّا إذا اتفق، ويكون خارج نطاق سياق الفهم اللغوي.

سناء: بالتأكيد، هو كثيرٌ من الألفاظ — وبخاصةٍ في اللغة العربية — كانت محاكيةً للمعاني؛ يعني اللفظة تُحاكي المعنى، وهذا يعني قال به ابن جني من قديم.

باسم: ابن جني، نعم، صح.

سناء: نعم، أنَّ الألفاظ تُحاكي مثلًا..

باسم: أو المعاني أسيرة الألفاظ.

سناء: بالضبط. وفي القرآن الكريم هذه قضية مهمة جدًا ورائعة جدًا، لأن القرآن الكريم عندما يختار اللفظة إنما يختارها وهي توحي بالمعنى، مثلًا في قوله تعالى: “فَكُبْكِبُوا فِيهَا”، “فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ”، لاحظ لفظة “كُبْكِبُوا”، توحي لك بـجماعة فوق جماعة، جماعة فوق جماعة، فاللفظة توحي. “فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ”، “فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ”. “زُحْزِحَ” أصلًا صوت الحاء هو صوت احتكاكي، لما يقول سبحانه وتعالى: “زُحْزِحَ”، وكأن هذا الإنسان مثقل بالذنوب، ولكن رحمة الله تزحزحه، تجرّه جَرًّا لكي يبتعد عن النار.

باسم: كأنه يحتك في المكان.

سناء: بالضبط، وهذا صوت الحاء هو صوت احتكاكي، لذلك، فمن زُحْزِحَ عن النار فقد فاز فوزًا.. يعني هذه الألفاظ لما تكون.. الأصوات لها صفات، وصفات الأصوات منها الجهر، ومنها الهمس، ومنها، ومنها، فعندما تكون اللفظة مبنية من أصوات تحاكي المعنى، فيكون التأثير عظيمًا جدًا.

باسم: يعني عندما يكون الدال يطابق المدلول، وبالتالي يكون هذا، المعاني صادقة لدرجة أنه لا يمكن إعطاؤها صفة الاعتباط أو الاصطلاح.

سناء: بالضبط، يعني صوت الكاف، القاف مثلًا، صوت انفجاري، ينغلق فيه الوتران الصوتيان ثم ينفتحان فجأة. صوت القاف، عندما يقول سبحانه وتعالى: “الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ”، وكأنك تشعر أن هناك…

باسم: قرع.

سناء: قرع، يعني على دماغ الإنسان أن ينتبه لهذا اليوم، بهذا الصوت القوي الشديد الانفجاري: “الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ”. هذه الأصوات، القرآن الكريم طبعًا بالنسبة إلى الأصوات واستخدامها وتجانس الأصوات مع بعضها، سواء كان في اللفظة الواحدة أو في السياق، أحيانًا في السياق تتجانس الأصوات، مثلًا في قوله تعالى في سورة الناس، بسم الله الرحمن الرحيم: “قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ* إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ”، هنا صوت السين يتكرر 11 مرة، وهذا صوت مهموس، كأنك تشعر أنك تتعوذ بالله من وسوسة الشيطان، وهذه الوسوسة التي تكون عادةً بصوت “بس بس بس”، يعني حتى عندما اثنان يتشاوران مع بعضهما لا تسمع منهما غير “بس بس بس”، فهكذا.

باسم: بسبسة..

سناء: بسبسة، فهكذا هو الشيطان أيضًا عندما يريد أن يوسوس للإنسان، فهذا الصوت، تكرار السين، يوحي لك بهذا المعنى.

 

الصيغة اللسانية للقرآن ليست اعتباطية

باسم: إذن، يمكن الخروج بنتيجة أن الصيغة اللسانية التي عليها النص القرآني لا يمكن أن تكون صيغة اعتباطية أو اصطلاحية.

سناء: أبدًا.

باسم: وأن ما يُسمى بالترادف، يعني أنا أقول: ما يُسمى بالتماثل، لا يوجد تماثل في المعنى بين أي لفظين مختلفين مبنىً في القرآن.

سناء: أبدًا، نعم.

باسم: كل لفظة لها معناها الخاص وتأخذه في سياق.

سناء: بالضبط، هو هذا. أصلًا، ما ممكن؛ اللغة العربية لغة الإيجاز، لا يمكن أن يخترع العربي لفظتين لمعنى واحد، لِمَ؟

باسم: كيف دخل هذا على النص؟ يعني، كيف أجاز للعقل العربي، (اللغوي)، لنسمّه أو (اللساني)، أن يتعامل مع كلمات وكأنها، مثلًا: “جاء” هي “أتى”، “كتاب” هي “قرآن”؟

سناء: هو التقارب جعله كأنه التماثل.

باسم: ما دام التقارب، فهنا يمكن إطلاق صفة الترادف عليه.

سناء: لا، أبدًا.

باسم: لا، أقصد بالترادف أن يشترك لفظان في حرف أو حرفين، لكن يفترقان في حرف، هنا يقع في ترادف المعنى، لكن لا يقع التماثل.

سناء: لا.

باسم: المقصود بالتماثل هو أن يكون للفظين مختلفين معنىً مطلقًا معنًى واحدًا.

سناء: نعم.

باسم: هذا هو ما يُسمى تماثل، أمّا الترادف موجود، أنه مثلًا كلمتين: “صك” و”صد”، يعني يشتركان في صوت واحد لكن يختلفان في صوت آخر، فهنا يمكن أن يقع الترادف، يعني صوت يردف آخر، لأنه أنا في رأيي فيه خطأ في فهم الترادف عند الناس؛ يفهمون الترادف وكأنه هو التماثل.

سناء: نعم، في حين، البلاغيون وصفوا مثل هذه الكلمات بالجناس التام والجناس الناقص، فيعني، إذا كانت الكلمتان متماثلتين وتدلان على معنى مختلف: “وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ”، ساعة ساعة، لكن تختلف في المعنى.

باسم: صحيح، لأن السياق اختلف.

سناء: نعم، يعني “الساعة” الأولى شيء، و”الساعة” الثانية شيء آخر، لكن الجناس الناقص هو أن الاختلاف فيه في صوت واحد، أو حرف واحد، أو الاختلاف في حرفين فقط، فهذا يُسمى (جناس). البلاغيون أوضحوه بشكل.. نعم..

 

نظرية الصفر اللغوي

باسم: كان لكِ أنت فهم أو ما يُسمى يمكن أن نطلق عليه نظرية أسميتها “نظرية الصفر في اللغة”. كيف يمكن.. أو دعينا نفهم ما هي النظرية؟

سناء: في الحقيقة، هذه النظرية لم أتوصّل إليها هكذا بسهولة أو اعتباطًا. لأنّ أي نظرية لا يمكن أن يصل إليها صاحب النظرية إلا من خلال تراكم معرفي، ومن خلال التراكم المعرفي، صاحب النظرية يقفز إلى رؤية للأمام، يعني التراكم المعرفي هو موجود، ولكن صاحب النظرية يتمثّل هذا التراكم المعرفي ثم ينطلق به إلى الأمام في نظرية معيّنة. فبالنسبة لنظرية الصفر اللغوي، التراكم المعرفي الذي استحصلته من خلال دراستي هو التراث العربي، لأننا في العراق، وكما يعلم الجميع تقريبًا، أن الدراسات في العراق تُعنى بالتراث عناية كبيرة جدًا. يعني كان أستاذي، وأنا كنت في مرحلة الماجستير، طبعًا، كان أستاذي يقول: بعد أن تُكملي التراث بجميعه، يعني كتب التراث، من كتاب سيبويه إلى “المقتضب” إلى ابن جني إلى الجرجاني…

باسم: تقصدين التراث اللغوي.

سناء: التراث اللغوي، نعم، لأنه أصلًا أنا داخلة فرع اختصاص اللغة. فبعد ذلك انطلقي إلى الغرب، وإلى ما قاله الغرب في هذا المجال. نعم، فكانت هذه الرؤية. لذلك، عندما ندرس التراث العربي، ونفهمه جيدًا، ثم ننطلق بعد ذلك إلى ما قاله الغربيون في مجال اللغة، وعندما أعود بعد هذه الدراسة إلى التراث العربي، أجد أمورًا كثيرة كثيرة جدًا قالها القُدامى، وهي، سبقت ما قاله الغربيون في كثير من الأمور.

يعني، أنا بالنسبة لدراسة سيبويه، طيّب، سيبويه يتكلم عن الكلام المستقيم الحسن والكذب والمحال وكذا، وبعد ذلك أجد، مثلًا، ناعوم تشومسكي يتحدّث في جملة من الجمل، عن.. يقول: إنّ في هذه الجملة، مثلًا، ترجمتها إلى اللغة العربية: “أفكار خضراء عديمة اللون تُثير الغضب” أو بهذا المعنى. يعني، هذه نحويًا صحيحة، لأنه فعل وفاعل ومفعول، لكن الدلالة غير صحيحة، لا تفهم منها شيئًا. قالها سيبويه عندما قال في معرض كلامه عن المستقيم الحسن والقبيح والمحال والكذب: “حملتُ الجبل وشربتُ ماء البحر”، قال: هذه صحيحة نحويًا، “حملتُ الجبل” فعل وفاعل ومفعول به، و”شربتُ ماء البحر” أيضًا صحيحة نحويًا، ولكن الدلالة غير صحيحة.

باسم: غير موجودة.

سناء: فإذن، هذا القول، عندما قرأتُ سيبويه، وبعد ذلك قرأتُ أفكار الغربيين، وجدتُها موجودة عند التراث العربي. موجودة حتى بالنسبة إلى أيضًا قول تشومسكي بأنه جمل لا نهاية لها، يعني من الفكرة أو من النحو الكلي ننطلق إلى ما لا نهاية، هذا قال به الرماني في كتابه “النكت في إعجاز القرآن الكريم”، يقول: إن الألفاظ لها نهاية، ولكن التأليف ليس له نهاية، كما العدد. شبه أيضًا بالعدد، يعني لاحظ الرماني سنة 300.

باسم: يعني حدث ربط رياضي بينهما.

سناء: بالضبط، بالضبط، يعني في سنة 384 هجرية، يقول: كما العدد، العدد ليس له نهاية، مثل التأليف، التأليف ليس له نهاية، لكن كألفاظ، يعني المعاجم تنتهي، ممكن أنت حضرتك تعد الكلمات الموجودة في المعجم كألفاظ، لكن عندما تتركب لا نهاية لها، كما العدد، وهذه قال بها الرماني في كتابه “النكت في إعجاز القرآن”.

باسم: قبل تشومسكي بمئات السنين.

سناء: يعني، 384 هجريًا يقول هذا القول، ويشبّهه بالعدد، شيء رائع جدًا، يعني تراثنا غني، غني، غني جدًا، ولكن يحتاج إلى من يعيد قراءته، يعيد قراءة اللمحات المضيئة. أحيانًا فيه أشياء لا يستسيغها العقل ولا يقبلها، ولكن هناك لمحات مضيئة هنا وهناك. فالباحث ينبغي أن يلتقط هذه اللمحات المضيئة ويقدّمها بطريقة حداثية أكثر.

 

ما المقصود بنظرية الصفر؟

باسم: دعينا نعود إلى…

سناء: إلى الصفر.

باسم: لنظرية الصفر، هذه مقدمة كانت..

سناء: نعم، نعم، بالنسبة إلى نظرية الصفر، هي الربط أيضًا بـ.. الصفر هو مفهوم، في الرياضيات، عندما نتحدث عن الصفر، هو أيضًا مرحلة، المرحلة الماثلة ما بين الأعداد الموجبة والأعداد السالبة. فمن الصفر يبدأ العد سلبًا أو إيجابًا. طيب، كذلك الصفر هو لا يعني اللاشيء، يعني، عندما نقول مثلًا: طوفان الأقصى، ساعة الصفر في طوفان الأقصى، كانت بعد صلاة الفجر. فهي لا توجد في الساعة اليدوية أو الجدارية “صفر”، وإنما هناك مفهوم، مفهوم للصفر، أنه بدأ، انطلق، انطلق. فبالنسبة إلى اللغة، مرحلة الصفر أيضًا هي المرحلة الماثلة ما بين انبثاق الأفكار المراد التعبير عنها بجمل، والجمل المعبّرة عن تلك الأفكار. هذه المرحلة ما بين انبثاق الفكرة والتعبير عنها بجملة، وبجمل لا نهاية لها، ممكن. هذه المرحلة التي مقرها في دماغ الإنسان، هي مرحلة الصفر.

باسم: هي المكان الذي تتجمع فيه المادة الخام قبل أن تصبح مصفوفات أو منظومات.

سناء: عندما أقول: إنّ هناك نظامًا في دماغ الإنسان، وهو مشترك، يعني، جميع البشر يشتركون في النظام الأساسي.

باسم: نفس الخلق.

سناء: مع اختلاف بسيط في القواعد الخاصة بكل لغة، لذلك نحن نستطيع أن نترجم من لغة إلى أخرى. كيف لنا أن نترجم من لغة إلى أخرى ولم تكن هناك مشتركات؟ ينبغي أن يكون هناك مشترك.

باسم: صح.

سناء: يعني، المترجم يلاحظ هذه المشتركات عندما يترجم، وينتبه إلى خصوصية اللغة أيضًا، لأن كل قوم وكل جماعة، بالإضافة إلى وجود هذه القواعد في دماغ الإنسان، أوجدت كل جماعة قواعد خاصة بلغتها. فالعرب، مثلًا، لغة معربة، أوجدوا الحركات: الضمة، والفتحة، والكسرة، هذه خصوصية في اللغة. هذا لا يمنع من أنه توجد قواعد مشتركة بين اللغة العربية واللغة الإنجليزية واللغة الصينية واللغة.. وجميع اللغات الطبيعية التي يمكن أن نترجم منها وإليها. هذه تشترك في القواعد الخاصة، التي هي منظومة موجودة في دماغ الإنسان. يُولد الطفل ومعه هذه المنظومة. يعني، الطفل إذا وُلد في الصين، بهذه المنظومة، هو يتكلم اللغة الصينية لأنه يكتسب من أهله ومن ذويه اللغة الصينية.

هو نفس الطفل إذا وُلد في العراق سيتكلم اللغة العربية بنفس المنظومة، وإذا وُلد في إنجلترا يتكلم اللغة الإنجليزية بنفس المنظومة. لكن الاختلاف في القواعد الخاصة التي أوجدتها الجماعة الناطقة باللغة. هذا الاختلاف، يعني، الصفة تتقدم على الموصوف في اللغة الإنجليزية، “الصفة” the beautiful girl.

باسم: صحيح، “البنت الجميلة”.

سناء: لكن في اللغة العربية الصفة تتأخر عن الموصوف، لكن تبقى العلاقة هي علاقة صفة وموصوف، يتقدمان معًا، يتأخران معًا، في كل اللغات العلاقة بين الكلمتين علاقة صفة وموصوف، أمّا كونها تتقدم أو تتأخر، فهذه من الخصوصية التي ابتدعتها أو اصطنعتها الجماعة الناطقة باللغة.

اللغة الإنجليزية، مثلًا، الفعل يستقر في المرتبة الثانية، نقول: ” Zaid traveled”، فالفعل في المرتبة الثانية. في اللغة العربية، هناك حرية حركة: “سافر زيد” أو “زيد سافر”، فإذن، هذه من القواعد الخاصة، لكن تبقى العلاقة بين الكلمات الرئيسية هي علاقة موحّدة.

لذلك، المترجم يستطيع أن يترجم من لغة إلى أخرى. والمنظومة الموجودة في دماغ الإنسان، هذه التي بحمد الله وبفضل الله، اكتشفتُها، واكتشفتُ المراحل التي تمر بها الفكرة لكي تصبح جملة.

 

مراحل إنتاج الفكرة لغويًا

سناء: يعني، الفكرة في دماغ الإنسان، لكي تنتقل وتصبح جملة، تمر بمراحل. لذلك، اللغة في دماغ الإنسان ليست منطقة واحدة تُنتِج اللغة، وإنما ثلاث مناطق. لأن اللغة أصلًا، يعني، الفكرة تمر بثلاث مراحل لكي تُنتَج كجملة. المرحلة الأولى التي تمر بها الفكرة هي تحديد المعنى العام للفكرة. الدماغ يُحدّد، لأنّ الأفكار هي غائمة، ضبابية، تحتاج إلى تحديد، وباللغة تتحدّد معالم الفكرة.

فإذن، الخطوة الأولى أو المرحلة الأولى التي يقوم بها العقل، هو تحديد المعنى العام للفكرة. استفهامية؟ تتحدّد أداة الاستفهام. منفية؟ تتحدّد أداة النفي. شرطية؟ يتحدّد الشرط.

ينتقل بعد ذلك، ينتقل الإيعاز إلى مرحلة ثانية، أنا أسميتها: مرحلة مديرية الربط بين الكلمات، أو بين مدلولات أجزاء الفكرة، يعني، الدماغ يربط المدلولات أولًا. يعني، عندما تريد أن تقول، مثلًا: “زيدٌ ذكي”، في ذهنك صورة زيد، وفي ذهنك مفهوم الذكاء، يرتبط مفهوم الذكاء بصورة زيد بمعنى نحوي، أو بعملية عقلية نسمّيها الإسناد: أسندَنا الذكاء إلى زيد.

باسم: الذي هو التعبير عنه: الإضافة مثلًا؟

سناء: وبعد ذلك، ينتقل الإيعاز إلى اختيار الدوال المناسبة من المعجم الذهني. المعجم الذهني.. نحن مخزّنون في أذهاننا أسماء أصدقائنا، وأسماء الزهور، وأسماء الحيوانات، والتضاريس، والمفاهيم. مخزّنوها، لكن متى نستخدمها؟ نستخدمها بعد أن ترتبط المدلولات أولًا، ثم ينتقل الإيعاز إلى اختيار الدالّ المناسب للمدلول.

باسم: لهذا المعنى.

سناء: نعم، لذلك، نظرية الصفر تتناسب جدًا مع علم اللسانيات الإدراكية، لأنه “مصطلح إنجليزي”. نظرية الجِشتالت في علم النفس تقول: إن الإنسان يُدرِك الأشياء جملةً، ثم ينتقل في إدراكه..

باسم: إلى التفصيل.

سناء: إلى التفاصيل. يعني، عندما نرى شخصًا قادمًا، أوّل ما ندركه: رجل أو امرأة، بعد ذلك ندرك التفاصيل.

باسم: يعني، هو نفس الفكرة التي يُعبَّر عنها: أنه يتولّد المفهوم أولًا، ومن ثمّ يأخذ معنى.

سناء: بالضبط، فلما نظرية الجِشتالت تقول: أن الإدراك يكون من المُجمل إلى المُفصَّل، كذلك دماغ الإنسان ينتقل في التعبير عن الجملة من الكل إلى الجزء، وليس العكس. يعني، هو لا يأتي إلى كلماتٍ ويربطها، وإنما إلى مفهومٍ عام، ثم يربط المدلولات، ثم يقع الإيعاز على المعجم الذهني لاختيار الدوال بعد أن ارتبطت مفاهيمها. يعني، عملية، سبحان الخلّاق العظيم. لذلك، الله سبحانه وتعالى عندما يقول: “سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ”. واللغة آية من آيات الله بهذا النظام الذي يعمل بموجبه دماغ الإنسان لإنتاج الأفكار.

باسم: هنا المقصود “حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ”، يعني لغويًا أو لِسانيًا، ما المقصود بذلك؟

سناء: يعني، هناك من أنكر، وهناك من كذّب، وهناك من ومن ومن، ولكن الحق يتبيّن في قدرة الله.

باسم: بالوجود.

سناء: سبحانه وتعالى، في كثير.. في الآفاق، في الكون، في آفاق الكون، عندما وصل العلم إلى معرفة قضايا في الكون، يقول “سبحان الله الخلّاق العظيم”. وفي أنفسنا، يعني، هذه الأنظمة في جسم الإنسان أنظمة عجيبة، سبحان الله. الجهاز الهضمي يعمل، وعند كل البشر، بنفس الطريقة.

باسم: فهي حق إذن.

سناء: فهي حق، نعم. وعند كل البشر، جهاز الهضم عند العربي لا يختلف عن جهاز الهضم عند الإنجليزي أو الصيني. جهاز الدوران عند…

باسم: بالتأكيد.

سناء: وكذلك جهاز إنتاج اللغة، لذلك، أنا أسميته في كتابي: “معمل إنتاج اللغة في دماغ الإنسان”، معمل يمر بمراحل. الفكرة تمر بمراحل لكي تُنتَج كجملة.

 

معمل إنتاج اللغة في دماغ الإنسان

باسم: فكرةٌ جدًا جميلة، نظّرت للفكرة التي كانت قائمة عند الناس في التعبير، أنه: من يسبق؟ المفهوم أم المعنى؟ من يسبق؟ المعنى أم اللفظ؟ كيف يتشكّل اللفظ بمعزل عن المفهوم؟ والعلاقة ما بين… وكيف تتشكّل الصورة أيضًا من تآلف المفهوم والمعنى، أو المفهوم واللفظ؟ وهذا، أنا في رأيي، يجب الاعتراف أن هناك باحثًا عراقيًا اسمه عالم سبيط النيلي، فكّر بهذا الاتجاه، ووضع مجموعة كتب، ومن أهم كتبه كتاب “اللغة الموحدة”، أشار إلى… أنتِ ذكرتِ تفاصيل.

سناء: طبعًا، “اللغة الموحدة” الآن، ذكرتها.

باسم: عالم سبيط النيلي.

سناء: نعم، الذي تفضّلتَ الآن بذكره.

سناء: ويذكرها أيضًا العالم تشومسكي، يتحدث كثيرًا عن…

باسم: تشومسكي، نعم، ذكرتِه.

سناء: الدال عن النحو الكلّي، أظنّ أنّني — وبإمكانكم أن تقرؤوا أو تفيدوني — إذا كان أحد من هؤلاء العلماء قد توصّل بالتفصيل الدقيق إلى نظامٍ آليّة عمل الدماغ لإنتاج اللغة. هم يقولون: “توجد لغة موحدة”، ولكن ما هو النظام الذي يُوحِّد هذه الفكرة لكي… يعني… هنا التفاصيل الدقيقة في آلية عمل الدماغ لإنتاج اللغة، هذه التي لم يتوصّل إليها أحد على ما أظن.

 

27:43

كيفية الاستفادة من نظرية الصفر

باسم: جميل، كيف يمكن الاستفادة من هذه النظرية في قراءة اللغة أو في فهم اللغة أو في قراءة النصوص؟

سناء: نعم، طبعًا، كل نظرية ينبغي أن تكون لها نتائج وفوائد، يعني النظرية إن لم تكن لها فوائد في التطبيق، عند ذلك تبقى مجرّد نظرية، لا فائدة منها، مجرّد أن نقرأها.

باسم: أكيد أكيد.

سناء: لكن نظرية الصفر بما أنّها قابلة للتطبيق، فعندما طبّقتها في القرآن الكريم وجدتُ شيئًا مذهلًا، حقيقة، شيئًا مذهلًا.

باسم: يعني، أنتِ طبّقتِها على بعض الآيات القرآنية، يعني، أعدتِ قراءة الآيات القرآنية وفق هذه النظرية؟

سناء: نعم، نعم.

باسم: واستنبطتِ معارف مختلفة عمّا كان سائدًا من فهم للآيات؟

سناء: نعم، في بعض الاتجاهات بالتأكيد، لأنّها، حقيقة، النظرية من نتائجها: أنّك تنظر إلى المعنى العام قبل نظرك إلى الجزئيات، تنظر إلى معنى الآية عمومًا. على سبيل المثال، في قوله تعالى: “فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ”، طيب، هذه نأخذها ككلّ. هي من الأخطاء التي وقع فيها المنهج القديم، أنّه أخرج الكلمة من سياقها وحدد..

باسم: وأعطاها معنى بعيدًا.

سناء: بالضبط، يعني خَلاص، أخرج كلمة “فخرج منها” وقال: إنها فعل ماضٍ. طيب، “يترقب”؟ “يترقب” هي في نفس السياق، هل هو يترقّب الآن وهو خرج في الماضي؟ لا يمكن، لا يمكن هذا. فعندما تنظر نظرية الصفر، بما أنها تنطلق من الفكرة -والفكرة هي كاملة- ثم تُؤلَّف في دماغ الإنسان كجملة، إذًا ننظر إلى الجملة وإلى السياق كاملًا. لذلك عندما يكون هناك فعل رئيس في الجملة يدلّ على زمنٍ معيّن، ليس بالضرورة أن الفعل الموجود في الجملة نفسها..

باسم: أن يكون مطابقًا لنفس الفعل؟

سناء: بالضبط.

سناء: يعني “يترقب” الآن لا علاقة له بالزمن، لأن الزمن اتضح من الفعل خرج، “فخرج منها خائفًا يترقب”، اتضح الزمن الماضي من الفعل “خرج”، إذن “يترقب” ينبغي أن تكون لها دلالة أخرى، والأفعال في اللغة العربية لم تُدرس دراسة شافية وافية. “يترقب” هذا الفعل يدل على صورة الحالة التي عليها موسى عليه السلام، وكأنك تراه بخيالك وهو يلتفت يمينًا ويسارًا في هذا الترقب.

باسم: يعني نقل لك الصورة واضحة.

سناء: يعطيك الصورة.

باسم: وصورة متحرّكة.

سناء: فيديو، أنا سميتها فيديو، يعطيك صورة فيديو للحالة التي…، لأن الزمن خلاص انتهى، “فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ”، طيب، “جاءته” فأعطتنا الزمن الماضي، هذا الفعل “جاء”، يبقى “تمشي”، “تمشي” هي الآن، والتي لا تمشي هي، لو أراد الزمن لقال: “فجاءته إحداهما وقد مشت على استحياء”، لكنه لم يرد الزمان، لأن الزمن اتضح من خلال…

باسم: لو قال: “فمشت على استحياء” انتفت الصورة..

سناء: لذلك عندما قال: “فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ”، أنت بإمكانك أن تتخيل طريقة المشي، كيف أنها تقدم خطوة وبهدوء.

باسم: وتفكر: أأذهب أم لا أذهب؟

سناء: فإذن، بعض الأفعال ليس بالضرورة كل فعل أن يعطيك الزمن، إذا الزمن اتضح من الفعل الرئيس، فيمكن لبقية الأفعال أن تقدم لك دلالات أخرى، وهذا يُبيِّن ثراء القرآن الكريم.

باسم: ونحن نستخدمها في حياتنا اليومية، “وقفتُ أتساءل”.

سناء: نعم، صحيح، هي لذلك النظرة التجزيئية كانت مشكلة، والنظرة التجزيئية ماذا نعني؟ أنه يُخرج الفعل من سياقه ويحدد، يقدّم له القاعدة أو يقدّم لنا القاعدة من خلال إخراج الفعل من سياقه.

طيب، عندما يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: “وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ”، ألا تدل على الماضي المستمر؟ “وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ”، “كان” تدل على الزمن، و”يصرّون” مع “كان” أصبحت دالة على الاستمرارية. فإذن، توجد في لغتنا: يوجد الماضي البسيط، ويوجد الماضي التام، “إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ”. “إن كنت قلته” لا يصح أن تفصل “كنت” عن “قلته”، هذه وحدة واحدة، وحدة زمنية واحدة تدل على الماضي التام. “فقد علمته”، “علمته” هذه ماضٍ بسيط، وبالتأكيد أن القول يسبق العلم بالقول، لذلك: “كنت قلته فقد علمته”، تعلم ما في نفسي، “قد كان شمّر للصلاة ثيابه / حتى وقفت له  بباب المسجد”. كان شمّر، لا تُفصَل. هذه لا تفصل. يعني النحو التقليدي فصلها، وكان اهتمامه بالعلامة الإعرابية أكثر من اهتمامه بالمعاني. لذلك في مناهجنا: المرفوعات، المنصوبات، المجرورات، أدوات نصب الفعل المضارع، أدوات جزم الفعل، وهكذا. يعني، منهجنا التقليدي جعل محور القاعدة العلامة الإعرابية، والعلامة الإعرابية هي خصيصة جميلة من خصائص اللغة العربية، ولكن لا يصح أن نقيم المنهج على خصيصة، وإنما نقيم على…

باسم: الشمولية.

سناء: على الشمولية، على الكل.

 

من العامل إلى الصفر: أزمة النحو في فهم القرآن

باسم: لهذا، أتعـتقدين أنه أثّر، يعني، أثّر على العقل العربي في قراءة النص القرآني مثلاً؟

سناء: في.. نعم؟

باسم: قراءة النص القرآني، هل استخدام التجزيء؟

سناء: طبعًا، يعني، القرآن الكريم نحويًا لم يُكتشف إعجازه بسبب نظرية العامل، تسميتها نظرية العامل. نظرية العامل هي التي انبنى عليها النحو التقليدي، ولم تأتِ نظرية بعد نظرية العامل سوى الآن نظرية الصفر اللغوي. لأن النظريات، يعني، الساحة العربية خلت حقيقةً من النظريات اللسانية. صح، الأوروبيون، وُجدت نظريات كثيرة، لكن الساحة العربية خلت من نظرية لسانية بعد نظرية العامل.

نظرية العامل تُعنى بالعلامات الإعرابية. وحقهم، لأنه في وقتها دخل أعاجم كُثُر إلى الإسلام، واختلطت الألسنة، فخاف المهتمون باللغة، خافوا على اللسان وخافوا على اللحن في نطق القرآن الكريم، فركّزوا اهتمامهم على العلامات…

باسم: العلامات الإعرابية، على المرفوع والمنصوب.

سناء: والمنصوب. لذلك جمعت حقيقةً، يعني. هذه الطريقة جمعت أمورًا متنافرة في مكان واحد بسبب العلامة. يعني، ما الذي يجمع “ليس” مع “كان”؟ “كان” تدل على الزمن الماضي، و”ليس” على النفي، ما الذي يجمعهما في حقل واحد سوى أنهم وجدوا العلامة الإعرابية بعد “كان” مرفوع ومنصوب، وبعد “ليس” مرفوع ومنصوب. في حين المعنى يختلف تمامًا. في نظرية الصفر، “ليس” تذهب إلى مكان آخر، إلى الجملة المنفية. طبعًا. ما الذي يجمع “لن” مع “أن”؟ أدوات نصب الفعل المضارع هي “أن”، و”كي”، و”لام التعليل”، و”لن”. طيب، ما الذي يجمع “لن” مع “أن”؟ “لن” تذهب إلى جملة النفي لتدل على النفي في زمن المستقبل، في حين أنّ “أنْ” و”كي” تربط.. أدوات ربط، “يسرني أن تنجح”، هذه جملة واحدة لا يجوز تجزئتها. المنهج التقليدي جزّأها. نعم، “أن” أداة ربط، حتى باللغة الإنجليزية that)) تقول بدل “أن”: “that”، فهي أداة ربط تربط الجزء اللاحق بالجزء السابق.

إذن، توجد أدوات ربط تربط عبارتين لتتكون منهما جملة واحدة، هذه الأدوات هي “أن”، و”كي”، و”لام التعليل”، ولها معانٍ.

باسم: ما الذي دفع علماء اللغة القدماء أو علماء اللسان قديمًا بالاتجاه نحو التركيز؟ ذكرتِ أن السبب خوفًا من اللحن القرآني؟

سناء: بالضبط، لأنها كانت قضية هاجس.

باسم: دمّروا القدرة على فهم النص..

سناء: يعني، نحن لا نستطيع أن نحاسب القدماء بمفاهيمنا الحالية.

باسم: أكيد.

سناء: لا، يعني، العلوم تتطور، والأفكار تنضج أكثر وأكثر وأكثر. ففي وقتها كانت العناية مركزة على العلامات الإعرابية خشية اللحن، حتى يُقال إن الخليفة أبا بكر الصديق رضي الله عنه يقول أو قال: “لأن أقرأ فأُسقِط”، يعني أضيّع كلمة، “فأُسقِط، خيرُ لي من أن أقرأ فألحن”. وسُئل عبد الملك: ما الذي أشاب شعرك؟ يعني وجدوا أن سرعة الشيب، فقال: “شيّبني ارتقاء المنابر وخوف اللحن”. يعني، قضية اللغة واللحن كانت قضية تشغل بالهم. لذلك، القواعد تركزت على هذا الجانب.

 

ما هي نظرية العامل؟

سناء: هي في بعض الأحيان، في بعض القضايا، تتماشى مع المعنى، ولكن عندما طُبقت تطبيقًا صارمًا، نظرية العامل.. ما هي نظرية العامل؟ العامل يقول لك: هذه الجملة لا بد أن يكون فيها كلمة تؤدي إلى رفع كلمة أخرى أو نصب كلمة أخرى، أو أداة تؤدي إلى جر الكلمة. يعني، من الجملة يجدون كلمات أو ألفاظًا هي السبب، هي العامل، هي السبب.

باسم: هي العامل الرئيس الذي يقود إلى التغيير.

سناء: لهذه الحركات الإعرابية، وبالتالي، هناك معمول. يعني، العامل هناك معمول هو المتأثر بعمل هذا العامل، وهناك الأثر. الأثر هو ظهور العلامات الإعرابية على المعمول بسبب وجود العامل. يعني، هي فكرة، فكرة حقيقة، يعني، الآن لا يمكن أن… نتائجها، هي الآن، نتائجها تُطبّق في مناهج النحو العربي، نتائج هذه النظرية، صحيح أنهم لا يقولون للطالب “عامل” و”معمول”، لكن النتائج الآن هي في مناهجنا، نعم.

باسم: ولهذا هناك نفور حتى من دروس قواعد النحو في اللغة العربية.

سناء: بالضبط، وهذا يعني.. أنا درّست اللغة العربية في السويد، ودرّستها في بريطانيا أيضًا، ودرّستها في العراق، وفي ليبيا، وفي دول.. لم أجد أي طالب يحب قواعد اللغة العربية ويفهمها. يحفظها، لكي يحصل على نتائج، لكي يحصل على الدرجة، لكن أن يعشقها أو يحبها، لم أجد ذلك. وهذا سبب نفور، الحقيقة، مشكلة نفور الطلبة من اللغة العربية أحيانًا بسبب القواعد المبنية على نظرية قديمة، يُراد لها التجديد، ويُراد لها التحديد.

 

معاني النحو الرئيسة في نظرية الصفر

باسم: استخدام نظرية العامل التي ركزت على المرفوع والمنصوب، على علامة الإعراب، في قراءة النص القرآني بالذات، ماذا فعلت؟

سناء: في قراءة النص القرآني، الآن عندما يأتي المفسرون لشرح النص القرآني أو الآية القرآنية نحوياً، أيضًا ليس لنا سوى مرفوع ومنصوب ومجرور، لم تُقدِّم شيئًا. لكن، البلاغيون قدموا، قدموا للنص القرآني شيئًا، وبخاصة علم المعاني. يعني، علم المعاني ينبغي أن يكون.

باسم: القائد أو الأساس.

سناء: نعم، بديلًا لنظرية.. لذلك نظرية “الصفر اللغوي” تنطلق من نظرية “النظم” لعبد القاهر الجرجاني. عبد القاهر الجرجاني هذا العلّامة، هذا فهِم النص القرآني، وقال إن إعجاز القرآن بنظمه، وبدأ يشرح ما هو النظم. ولكنه لم… هو يقول إن “معاني النحو”، دائمًا يكرر ويركز “معاني النحو”. ولكن الجرجاني لم يجمع معاني النحو بحيث يُشكّل منها أربع معانٍ رئيسة كما وضحتها نظرية “الصفر اللغوي”، توجد أربع معانٍ فقط، هي معاني النحو الرئيسة المشتركة في جميع لغات العالم.

باسم: التي هي؟

سناء: التي هي: المعنى الرئيس -وهذه طبعًا كما قلنا إنها في المرحلة الثانية- المرحلة الأولى في دماغ الإنسان تتحدد المعنى العام استفهام أو النفي وهكذا…

باسم: معنى المفهوم المجرد عن المعنى.

سناء: بالضبط. المرحلة الثانية هي مرحلة الربط بين مدلولات أجزاء الفكرة، الربط بمعاني النحو. وتوجد فقط أربعة..

باسم: يعني تحديد اللفظ بمعنى؟

سناء: الربط، ربط الألفاظ مع بعضها بمعنى نحوي، بعلاقة. يعني الألفاظ في السياق أو في الجملة ينبغي أن تُربط، الألفاظ لا تُنثر نثرًا. ينبغي أن تكون مرتبطة، بأي شيء ترتبط؟ بعلاقات هي معاني النحو. فقط أربع علاقات في دماغ كل البشر للربط: المعنى الأول، النحو الأول، أو الرابط الرئيس، هو الإسناد. هذا يُشكّل رأس الهرم، رأس الهرم في الربط. إذا قلتَ: “زيد ذكي”.

باسم: يعني تُسنِد معنًى للفظ، مثلًا، أم..؟

سناء: لا، إذا قلتَ: “زيد ذكي”، فرضًا، نعم، لكي تربط “ذكي” بـ”زيد” ينبغي أن يكون ما بينهما رابط، نُطلق عليه تسمية “الإسناد”، يعني تُسنِد الذكاء إلى زيد. تمام؟ إذا قلتَ في اللغة الإنجليزية: “Zaid is smart”، هو أيضًا ربط بالإسناد، وهذه is في اللغة الإنجليزية هي إشارة إلى الزمن فقط، والزمن ليس هو دليل الفعلية. الحدث والحدوث، هو دليل الفعلية.

باسم: صح.

سناء: نعم، الزمن يرتبط بالحدث والحدوث، فيكون عند ذاك..

باسم: من يحدد الزمن هو الواقع.

سناء: هو الحدث، نعم، الحدث الذي يحدث، الحدث لوحده، هذا مصدر، الركض، الكتابة، هذا مصدر، هذا اسم، لكن ما إن يحدث حتى يأخذ زمنًا.

باسم: يأخذ شكلًا زمنيًّا، صحيح.

سناء: لذلك الزمن هو زمن الجملة، ولكن بمن يرتبط؟ يرتبط.. المفروض أن يرتبط بكلمة فيها دلالة على الحدوث، لأنه لا الاسم فيه دلالة على الحدوث، ولا الحرف فيه دلالة على الحدوث، فقط الفعل فيه دلالة على الحدوث. فالزمن يرتبط بالفعل، وبذلك يكون الفعل يدل على حدث وحدوث. “يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ”، “يَكَادُ” مع “يَخْطَفُ” لا تُفصل، لا تفصل، هذه تدل على قرب الحدث من الحدوث، “يَكَادُ”، “كاد الطفل يغرق”.

باسم: أو “أَكَادُ أُخْفِيهَا” مثلا؟

سناء: أو “أَكَادُ أُخْفِيهَا”، نعم.

باسم: أو “كأنّي حفيٌّ به”.

سناء: يعني “كاد الطفل يغرق”، جملة بسيطة. “الطفل كاد يغرق”، المنهج التقليدي فصل “كاد” عن “يغرق” وجعلها من الأفعال الناسخة، يعني تدخل وترفع وتنصب وكذا، بينما أنتَ، يعني، من الضروري أن تجمعها مع بعضها لتدل على قرب الحدث من الحدوث، يعني لاحظ إذا…

باسم: يعني أنتِ تستخدمين الجملة للتعبير عن حدث واضح في الوقوع..

سناء: بالضبط، يعني قريب من الحدوث ولكن.

باسم: مجرد أن تجزيئه أنتِ نفيتِ الحدث.

سناء: بالضبط هذا. يعني، فيه مثلًا سياق، لنأخذ سياق، كانت الغيوم تملأ السماء، ثم بدأ المطر ينهمر، امتلأت الشوارع بالماء، يعني. كانت الغيوم تملأ السماء، كان لا تفصلها عن تملأ، لأنها هي التي تعطيك صورة الزمن الماضي، يعني إذا فصلتها بفقط ما بعدها مرفوع ومنصوب، ضيّعت المعنى. كان، كانت الغيوم تملأ السماء، ثم بدأ المطر ينهمر بغزارة. بدأ لا تفصلها عن ينهمر، دلالة على الشروع، بدأ دلالة على الشروع، وكادت الشوارع تغرق من كثرة المطر. كاد لا تفصلها عن تغرق، هذه قرب الحدث من الحدوث.

باسم: هم استخدموها بمعنى النفي، بمعنى “لم تغرق”.

سناء: ثم جمعوا كاد وأفعال الشروع وحدها، وجمعوا أفعال المقاربة وحدها، والقضية أنه فقط ترفع وتنصب، يعني القضية كلها، محور التقعيد في المنهج التقليدي هو العلامات الإعرابية؛ مرفوعات، منصوبات. كان، طيب، كان لها الدلالة على الماضي، يعني ليس المهم فقط أن أعلّم الطالب أن كان فعل ماضٍ ناقص وناسخ يدخل على المبتدأ والخبر فيرفع الأول ويُسمى اسمه، وينصب الثاني ويُسمى.. ماذا فَهِم الطالب من هذا القالب وهذه العبارة؟ كان تدل على الزمن الماضي، اعطيها هذه الصفة، هذه الصفة التي هي مهمة جدًا. لأن الجملة.. كان إذا ارتبطت ببناء يفعل وسحبت الزمن إلى الماضي، مثل ما قلنا: “وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ”. “يُصِرّون” إذا جاءت وحدها فهي تدل على الزمن الحاضر، ولكن ما إن ارتبطت بها كان حتى سحبت الزمن إلى الماضي.

كان يلعب، كان يدرس، كان يُقدّم برنامجًا، كان يُقدّم، لا يجوز فصلها، لأن كان تسحب الزمن إلى الماضي، أما أن الفعل جاء بصيغة يفعل، فهو للدلالة على التصوير، هذا التصوير الذي ذكرناه.

باسم: لأنه يعطيك فعلًا، يعطيك صورة مباشرة.

 

قدرة القرآن الكريم على التصوير

سناء: يعطيك صورة. يعني القرآن الكريم فيه من ناحية التصوير شيء رهيب، يعني كأنك ترى الأحداث.

باسم: تقع.

سناء: رؤية العين، كأنك تراها رؤية العين. لماذا؟ لأنه يصوّرها تصويرًا وكأنها فيديو أمامك.

باسم: بينما في التجزيء قتل الصورة، وبالتالي قتل المعنى. وهنا الاستنباط صار استنباطات. صار، أنا في رأيي، ربما وفق هذه النظرية، أن سبب الاستنباط العشوائي في الأحكام القرآنية ربما للخلل في آلية قراءة النص.

سناء: هو النظرية أدّت إلى حدوث خلل في…

باسم: وهذه المقصود بها…

سناء: نعم.

باسم: آلية العامل.

باسم: التي اعتمدت التجزئة والتركيز على إشارات الرفع والنصب، هي قادت إلى أن العقل لا يستنبط المعنى الحقيقي الذي كان ينبغي أن يُستنبط.

سناء: هو صحيح، اللغة شبكة متداخلة من أصوات، ومن بلاغة، ومن نحو، ومن سياق، ودلالة، هي شبكة متداخلة. يعني، بدليل مثلًا في القرآن الكريم: “فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ”. صحيح أن التركيب أدّى إلى تقديم المفعول به “اليتيم”، “فَأَمَّا الْيَتِيمَ” مفعول به تقدم على “فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ”، الفعل. “وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ”، ولكن في الوقت ذاته حقّق تنغيمًا عاليًا في “تَقْهَرْ” و”تَنْهَرْ” بالأصوات نفسها. “فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ”.

 

ما المقصود بالتنغيم في القرآن الكريم؟

باسم: ما المقصود هنا بالتنغيم؟

سناء: التنغيم قضية مهمّة جدًّا في القرآن الكريم.

باسم: أليس هو التجويد؟

سناء: لا، لا، أبدًا، التجويد هذا تدخّل بشري. يعني التجويد تدخّل بشري على النص القرآني، لأن النص القرآني فيه قابلية…

باسم: أن يُغنّى.

سناء: بالضبط هذا. فنحن عندما نقول “التنغيم في القرآن الكريم”، إنما نقصد البناء اللغوي، البناء الصوتي في القرآن. ولذلك المجوّد، أمثال مثلًا أشهر المجوّدين عبد الباسط عبد الصمد أو المنشاوي، أعطهم كتاب تاريخ وقل لهم…

باسم: لا يستطيعون تجويده.

سناء: لماذا؟ السبب لأن البناء اللغوي في القرآن الكريم مختلف، هذا الذي أُسميه “التنغيم”. طبعًا، التنغيم هو كان الصدمة الأولى للعرب. عندما نزل القرآن الكريم، الصدمة الأولى للعرب قبل فهم المعاني هو هذه الأصوات وهذه النغمات، لأنهم هم أهل الشعر وأهل الموسيقى الشعرية وما إلى ذلك. فلذلك الكفار عندما أرسلوا أحد المعاندين وعتاة المشركين أرسلوه لكي يتنصّت على المسلمين ماذا يقرؤون، ماذا يقولون. ذهب إلى قريب من دار الأرقم بن أبي الأرقم، ليستمع، فاستمع، استمع استمع، ثم عاد إلى قومه لين القلب بعد أن كان قاسيًا وعنيدًا، وقال قولته المشهورة -هذا الوليد بن المغيرة- قال، يعني ما معناه: “إنه ليس كمثله شيء، وإن عليه لحلاوة، وإن له طلاوة، وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه. وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليحطم ما تحته”.

يعني، كانت الأصوات والتنغيم هي الصدمة الأولى للعرب التي بهرتهم. لأنهم يستمعون، أهل سمع. وبعد ذلك بدؤوا يتفكرون في المعاني.

 

من أين يأتي هذا التنغيم في البناء القرآني؟

سناء: أما التنغيم، فحقيقةً، أنا بحثت في روافد التنغيم، من أين يأتي هذا التنغيم في البناء القرآني؟ فوجدته تنغيمًا في جرس الصوت نفسه. مثلًا، يقول سبحانه وتعالى: “وهم يصْطَرِخُونَ فِيهَا”، لماذا لم يقل “يَصْرُخُونَ”؟ لفظة “يَصْطَرِخُونَ” فيها دلالة على الصراخ أقوى. فـ نعم. “الشياطين تؤزهم أزًا”، نعم، “تؤزهم أَزًّا”. هذا جرس الصوت له تأثير.

وكذلك أحيانًا يأتيك السياق بمقاطع مفتوحة تدل دلالة على النعيم الذي سيحصل عليه الإنسان في اليوم الآخر: “وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ”. كلّها هذه مقاطع مفتوحة، وكأنك تشعر بامتداد النعيم كما امتدّت هذه المقاطع.

باسم: ومنغّمة تنغيمًا؟

سناء: نعيم، نعيم ممتد. بيتما عندما يخاطب الكفار: “فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ”. حتى السين في صوتها تصبح صادًا بالنطق، “فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ”. فلاحظ مقاطع مقفلة.

باسم: فيه تفخيم فيه تضخيم للفعل.

سناء: نعم، وأحيانًا يأتيك توازن بالمقاطع: “إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا”، مقاطع موزونة يعني. كل واحدة لو تضعها في ميزان، تطلع بنفس الوزن.

أو أحيانًا المقاطع تكون متدرجة: “خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ”. يعني بدأ بمقاطع قصيرة: “خُذُوهُ فَغُلُّوهُ”، “ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ”، قليلًا كبر المقطع، “ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ”.

باسم: يعني فيه صورة تتشكّل أمامك.

سناء: تتشكّل بالتدريج.

باسم: وكأن فيه كاميرا، و”الزووم” فيها يفتح.

سناء: بالضبط، بالضبط، يعني صورة مرئية تكاد ترى بالعين.

يعني الأصوات عندما تكون متشابهة في الصفة، لاحظ كيف يستخدم القرآن الكريم في سورة الفاتحة النون والميم بالتناوب: “بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”، نون. “الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ”، ميم. “مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ”، نون. “إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ”، نون. “اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ”، ميم. “صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وَلَا الضَّالِّينَ”. نون. ميم ونون صوتان خيشوميان لهما نفس الصفة، فيبادل بينهما، وهما يحملان الصفة نفسها، فهذا تنغيم.

 

إعجاز القرآن بين التنغيم والمعنى

سناء: لذلك القرآن الكريم مليء.. هذا إضافة إلى نغم الفاصلة، الفاصلة القرآنية. فمليء بهذه النغمات التي كانت الصدمة الأولى للعرب الحقيقة. يعني الصدمة الأولى، هذه الأصوات وهذا التنغيم وهذه الطريقة في التراكيب وفي البناء، لم يعهدوها من قبل، وتحدّاهم القرآن..

باسم: ولم يعهدوها حتى في الشعر نفسه.

سناء: نعم، بالضبط. وتحدّاهم القرآن أن يأتوا بعشر سور من مثله فلم…

باسم: بعشر سور مفتريات حتى.

سناء: نعم، بالضبط. بعشر سور، ثم بسورة واحدة من مثله ولم يستطيعوا.

سناء: فالقرآن..

باسم: “قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ”…

سناء: نعم، “قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا”.

باسم: هل توجد فرصة لأن يجتمع الإنس والجن في لحظة ما من الحياة؟

سناء: في الآخرة.

باسم: يعني التحدي قائم.

سناء: التحدي قائم، طبعًا، نعم. ولذلك القرآن الكريم عندما ندرسه دراسة كإعجاز لغوي…

باسم: لساني.

سناء: لساني، بالضبط، اللغة تتشكل في الدماغ، وأداؤها في اللسان، فنجد أن في مستوى الأصوات، التنغيم هائل في مستوى الأصوات. هذا التناسق الصوتي والتناغم الصوتي ليس على مستوى الصوت لوحده، وإنما في انسجامه مع الأصوات الأخرى في سياق معيّن يتناسب مع المعنى الذي في ذلك السياق. يعني تناسب الأصوات مع المعنى شيء هائل.

باسم: مطابقة الدال بالمدلول في اللفظ.

سناء: بالضبط، أنت تتخيّل النعيم مع هذه الأصوات الممتدة، وتخشى الجحيم من هذا: “فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ”، يعني المعنى والأصوات متجانسة بشكل…

باسم: هنا صار فيه تجانس ما بين اللفظ ومعناه والصورة المتكوّنة.

سناء: الصورة المتكوّنة.

باسم: أو المتخيّلة.

سناء: بالضبط. فهذا جانب.

 

إعجاز القرآن الكريم نحويًّا

سناء: نأتي إلى جانب آخر، جانب تركيب الجملة أي النحو. نظرية العامل لا تُظهر إعجاز القرآن الكريم نحويًّا. نظرية الصفر اللغوي هي التي تُظهر إعجاز القرآن الكريم نحويًّا، لأنها تنطلق من المعاني ومن التركيب.

باسم: ومن الشمولية من شمولية الـ…

سناء: بالضبط، المستوى الثالث: مستوى البلاغة أيضًا، مستوى المجاز والاستعارة والكناية. “وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا”، هذا مستوى آخر مستوى التصوير، يصور لك الأمور بشكل..

باسم: خفض الجناح يعني…

سناء: خفض الجناح اللين.

باسم: يُفهم أنه التذلل أو التضرع أو…

سناء: نعم، هذا اللين، يعني تخفض، تكون لينًا مع والديك، مع الأم، مع الأب. فهذا المستوى أيضًا البلاغي. ثم المستوى الدلالي كما ذكرنا أنه لا توجد لفظة في سياقها ممكن أن تنوب عنها لفظة أخرى، مستحيل. يعني..

باسم: وهذا يرد البعض الذين يدّعون خطأً، يعني الترادف الشائع، معنى الترادف الشائع هو كأنه قاعدة يعني خطأ شائع خير من قاعدة مهجورة، الخطأ الشائع اعتبار الترادف هو التماثل، أنا أقول التماثل ولكن تجاوزًا، الترادف يُرد عليه البعض بأنه هل يمكن استبدال لفظ مكان لفظ..

سناء: في السياق القرآني؟

باسم: في السياق القرآني؟

سناء: أبدًا، أبدًا، أبدًا.

باسم: إذن التماثل لا يمكن أن يكون.

سناء: أبدًا، لا يمكن تستغني أو تستبدل بلفظة معينة لفظة أخرى في القرآن الكريم حتى لو كانت مقاربة.

باسم: حتى لو كان فيها جناس.

سناء: الجناس التام: “وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ”.

باسم: صحيح، هنا فيه جناس تام، ولكنِ اللفظتان مختلفتان.

سناء: نعم.

باسم: تعنيان شيئًا مختلفًا.

سناء: لا يمكن، ألفاظ القرآن الكريم وُضعت بشكل لا يمكن، لا يمكن إطلاقًا أن تستبدل بلفظة معينة لفظة أخرى لأن لها دلالتها في سياقها. لا يمكن أن تخرج اللفظة من سياقها، يعني هذا إخراج الألفاظ من سياقها سبب مشاكل في النحو العربي، وفي تقريبًا الدراسات اللغوية عامة. في النحو العربي عندما أخرجوا الفعل من سياقه وقالوا فعل ماضٍ، طيب: “أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ”، ماذا نقول، نقول فعل ماضٍ.

باسم: صحيح.

سناء: كيف؟

باسم: أتى وانتهى.

سناء: لكنه حدث مستقبلي.

باسم: “فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ” يعني.

سناء: طيب، “إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ”. زين، ماذا نقول؟ انفطرت ماضي؟ هي هذه أحداث مستقبلية، أليس كذلك؟

باسم: الآية التي تقول: “اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ”.

سناء: نعم، الآن نظرية الصفر كيف تعالج هذا الموضوع؟ تعالج هذا الموضوع بأن الفعل لا يُدرس إلا في سياقه. فبناء فَعَلَ، بناء نسميه، أو صيغة فَعَلَ، هذه الصيغة في سياقها لها دلالات متعددة تدل على الزمن المستقبل في “أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ”، “إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ”، زمن مستقبل، هي، صح، صيغة فَعَلَ، ولكن لماذا استخدمت صيغة فَعَلَ في مثل هذه؟ لكي تدل على تأكيد حدوث الحدث، فيستخدم هذه الصيغة التي هي في الجملة الخبرية المثبتة للماضي، يستخدمها في سياقات أخرى، لكي تدل على أن هذا الحدث المستقبلي كأنه حدث انتهى، مضى وانتهى وتأكد حدوثه. يعني…

باسم: يعني صدر القرار ولكن…

سناء: خلاص، خلاص. فإذن معالجة الأفعال في نظرية الصفر اللغوي؛ أنه لا تخرج الفعل من سياقه، وإنما سمه صيغة فَعَلَ، وانظر إلى السياق ماذا يحمل هذه الصيغة من دلالات. “فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ”، يعني. فإذن هناك دلالة…

 

كيف ظُلم “الفعل” في النحو؟

سناء: الفعل.. أكثر لفظة ظُلمت في المنهج النحوي الفعل.

باسم: كيف؟

سناء: لأنه لم يُعط الدلالات التي يدل عليها في سياقاته، أكثر فعل.

باسم: هنا نرجع لنظرية الاعتباط ونظرية الاصطلاح، لأن الاعتباط والاصطلاح إن لم تُعطِ الفعل معنى ليس به أو ليس دالًا عليه.

سناء: وحتى المصطلحات يا دكتور، يعني عندما يقولون فعل مضارع، الفعل المضارع أي دلالة من دلالات الفعل فعل مضارع؟

باسم: مجرد ما أن يقع الفعل وكأنه واقع.

سناء: الفعل هم أسموه فعلًا مضارعًا لماذا؟ لأنه يأتي مرفوعًا، الفعل المضارع يأتي منصوبًا، يأتي مجزومًا. يضارع الأسماء في الحركات، يعني أيضًا الأسماء تأتي مرفوعة، هذه ليست دلالة من دلالات الفعل لكي أُطلق عليه هذا المصطلح “مضارع”.

الفعل.. مصطلح المبتدأ، هذا المصطلح أيضًا “المبتدأ”، طيب يقولون إن الكلمة التي نبدأ بها الجملة نسميها مبتدأ، هذه ليست دلالة من دلالات الكلمة، ليست دلالة، وإنما.. طيب عندما تتأخر؟ هذه الكلمة عندما تتأخر نقول مبتدأ مؤخر؟ يعني حتى وُجد تناقض في التسمية.

التسمية، بدل أن نقول مبتدأ تصبح “مسندًا” و”مسندًا إليه”، يتقدم، يتأخر. ثم عندنا الفعل مثلًا عندما يقولون: “زيدٌ حضرَ”، يقولون يعني بالمنهج التقليدي: “زيد” مبتدأ و”حضر” فعل، والفاعل ضمير مستتر تقديره “هو” يعود على “زيد”.

باسم: طيب ما هو “زيد”…

سناء: الجملة الفعلية في محل رفع خبر للمبتدأ، طيب ما هذا التعقيد؟ هو “زيد حضر” أو “حضر زيد”، كلها فعل وفاعل. يتقدم أحيانًا الفعل للاهتمام به لكي يطرق السمع هو أولًا، أو يتقدم الفاعل لكي يطرق السمع أولًا، لكن تبقى العلاقة بينهما هي علاقة فعل وفاعل، فلماذا هذا التعقيد؟

حتى مثلًا عندما يدرّسون الطلاب في المنهج التقليدي: “إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ”، ماذا يقولون يعني في المناهج؟ يقولون: “السماء” فاعل لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور، كأن التقدير: “إذا انفطرت السماء انفطرت”! يعني كيف نُقدّر كلمات من عندنا على نص قرآني، النص هو الذي ينبئك بالقاعدة.

باسم: والإشكالية أنه يقول لك إن هذا الحرف زائد، وهذا يعني هكذا.

سناء: لا يوجد حرف زائد، لو كان زائدًا كانت استغنت عنه اللغة، لا يوجد.

باسم: يعني إذًا يمكن الاستنتاج كالتالي: نعيد ونكرر أن هذه الآلية التي استُخدمت في قراءة النص القرآني، عجزت عن استنباط المعارف المتضمّنة في هذا النص.

سناء: بالضبط، بالضبط.

 

نظرية الصفر اللغوي وكشف الإعجاز القرآني

باسم: كيف يمكن تعميم هذه الآلية؟ يعني أنا من الناس الذين أميل إلى أن أقول: هناك آلية اسمها آلية اللسان العربي المبين التي نزل بها القرآن، التي هي أنتِ طبعًا تفضلتِ وشرحتِ تقريبًا جوهر هذا اللسان. وقدمتِ تفصيلًا، تفصيلًا ميكانيكيًا دقيقًا في كيفية تشكل المعنى واللفظ والربط ما بين الجملة وما بين الكلمة وما بين المفهوم. الآن، لو يصير الدمج ما بين… أو نسمي هذا اللسان، هذه الآلية الكاملة المتكاملة التي أنتِ تفضلتِ بها، ونقول لهم: يا جماعة، هذه الآلية بكل مكوناتها، التفصيل الذي قُدّم، وهناك أيضًا باحثون قدموا مجهودات بهذا الاتجاه. هذه الآلية نرى أنها تكون مناسبة لمن يريد أن يفهم النص وأي نص أن يتبعها. هل وقتها نستطيع باستخدام هذه الآلية وهذه النظرية التي قدمتِها، أن نستخرج معارف مختلفة في القرآن الكريم، لم يستطع غيرنا أو من الذين استخدموا الآلية القديمة استنباطها؟

سناء: بالتأكيد، من جوانب متعددة. هو القضية تتعلق باللغة الآن، وباللسان العربي المبين، فعندما يُدرس اللسان العربي المبين يُدرس بجميع…

باسم: قواعده.

سناء: بجميع مستوياته، فعندما يُدرَس من الناحية الصوتية التنغيمية، يُدرَس كنصّ صوتيّ تنغيميّ. عندما يُدرَس من الناحية القواعدية وتركيب الجمل، يُدرَس بحسب نظرية الصفر اللغوي، التي تكشف إعجاز القرآن الكريم نحويًا، ولا يُدرَس بنظرية العامل، ولا بالنظرية التوليدية التحويلية، ولا بالنظرية الوظيفية.

نظرية الصفر اللغوي هي القادرة على كشف إعجاز القرآن الكريم نحويًّا. وإذا يدرِس بلاغيًّا، أيضًا النص فيه بلاغة. فإذًا هي مجموعة علوم، مجموعة علوم تشترك في كشف إعجاز القرآن الكريم. وليس علمًا واحدًا.

لذلك، كلما تطورت العلوم، وصول العلوم إلى هذا المستوى من المعرفة. هو الذي أوصلنا إلى كشف إعجاز القرآن الكريم ككل، وليس…

 

تراكم المعارف ودوره في فهم النص

باسم: كلما زادت معارف الناس، كلما كانت قدرتهم أكثر على فهم المعارف المتضمَّنة في النص.

سناء: بالتأكيد، هي المعارف تراكمية. يعني، المعرفة من معرفة بسيطة إلى أعمق، إلى أعمق. لأن الفكر الإنساني دائمًا.. هو ربّ العباد، عندما خلق الإنسان، خلق له هذا العقل الذي يتطور بمرور الزمن، وبالتراكم، تراكم المعارف. لذلك، يعني، نحن لا نلوم القدماء في كونهم اعتمدوا…

باسم: هذا ما استطاعوا عليه.

سناء: هذا ما استطاعوا، وقدموا جهدهم بالنسبة إلى…

باسم: يُشكرون على ما قدموه.

سناء: يُشكرون جدًّا، يُشكرون، لأنه ظهرت لمحات مضيئة، يعني، أنا استفدت من نظرية النظم لعبد القاهر الجرجاني، في أنه انطلقت منه إلى الأمام، إلى هذه النظرية، نظرية الصفر اللغوي. يعني، لو لم تكن عندي قاعدة، لا أستطيع أن أقفز هذه القفزة. ينبغي أن يكون هناك تدرّج، العلم حلقات، حلقة تُكمّل حلقة.

فيعني، دراسة اللسان العربي المبين في القرآن الكريم، تشترك فيه مجموعة من العلوم: علم الأصوات، علم البلاغة، علم النحو، علم الدلالة، كل هذه مجتمعة تشترك من أجل إبراز إعجاز القرآن الكريم.

 

كيف يمكن تعميم آلية اللسان العربي؟

باسم: طيب، دكتورة، في رأيك، يعني، واضح القيمة المعرفية المتضمَّنة في هذه الآلية. كيف يمكن تعميمها؟ لماذا هناك إصرار لحد الآن، في معاجم اللغة العربية، في المؤسسات التقليدية التي تهتم باللغة العربية، خلاص، تمسك رأسها: هذا ما وجدنا عليه آباءنا، وإنا على هديهم لسائرون؟

سناء: والله، يا دكتور، هذه هي المشكلة التي عانيتُ منها منذ الثمانينيات. هذه الأفكار ليست جديدة، وإنما هي أيضًا نضجت أكثر الآن. والله، هي بدأت عندي من مرحلة الماجستير، 1983، في كتابي أو رسالتي للماجستير: نظام الجملة العربية، وقلتُ في وقتها: هذا النظام الذي هو طبقتُه على الجملة العربية، هو نظامٌ لكل اللغات. يعني، في ذلك الوقت، 1983، وكنت دائمًا…

باسم: يعني أكثر من خمسين سنة.

سناء: نعم، والله. لكن، الآن، الحمد لله، أجد من يتفاعل معي، من يتفاعل معي في هذا. فالسبب، في رأيي، أحيانًا، الفكر الجمعي لم يصل إلى الدرجة التي يتقبّل فيها أفكارًا جديدة، لذلك تُكبح، تُكبح.

باسم: لا، هو ليس فقط كبحت، أيضًا صار هناك تدنٍّ، أو صار هناك سوء استخدام للغة من العامة عند الناس. يعني، المفردات المستخدمة بين الناس مفردات قليلة جدًّا، لدرجة حتى الأكاديميون أنفسهم، يعني، كثيرٌ منهم لا يستطيع حتى أن يُعبّر عمّا يكتب.

سناء: بالضبط، صحيح.

باسم: نتيجة سيطرة هذه الآلية، نظرية العامل، التي اهتمت بالتشكيل: فتحة، ضمّة، كسرة، دون الاهتمام بالسياق.

سناء: بالضبط. طبعًا يعني، في نظرية الصفر، نحن لا نُلغي العلامات الإعرابية، ولكن نجعل العلامة الإعرابية تقف خلف المعنى.

باسم: بالضبط.

سناء: لكي تُميز معنى من معنى آخر. وأنا ذكرتُ، في حديثي عن النظرية وتفاصيلها، أننا لا نعدم أن نجد سببًا: لماذا الفعل المضارع مرفوع هنا، ومنصوب هنا، ومجزوم هنا. نستطيع أن نجد سببًا معنويًّا، ولهذا رُفع هنا، ولهذا نُصب هنا، وليست هي علامات اعتباطية تتشكل كيفما اتفق.

باسم: أكيد لا، صحيح.

سناء: فإذًا، العلامة الإعرابية الآن تقف خلف المعنى، بينما في النظرية السابقة، العلامة الإعرابية تترأّس المشهد النحوي.

باسم: وبالتالي، عقَّدت إقبال الناس، أو قل إقبال الناس..

سناء: عقَّدت، بالضبط، مَلّوا، مَلّوا، يعني، الطلبة يملّون من دروس القواعد.

باسم: شيء جامد.

سناء: ويَمُجُّون هذا الدرس، ويهربون منه. وأنا مُدرّسة، ودرّستُ مراحل متعددة، من ابتدائي إلى ثانوي إلى جامعة. يعني، وجدتُ أن درس القواعد من أزعج الدروس.

باسم: نعم.

سناء: بالضبط، فالحقيقة، المناهج، أنا الآن، أناشد المسؤولين عن المناهج أن…

باسم: ومجامع اللغة العربية.

سناء: نعم، مجامع اللغة العربية، لا يصح أن ينفرد شخصٌ واحدٌ برأيه. ينبغي أن يكون هناك مجموعة من العلماء يتدارسون النظرية، يتدارسون الأفكار، ثم يُفعّلونها إذا وجدوا فيها شيئًا صحيحًا. لماذا لا تُفعّل؟ لماذا نبقي على القديم، على أنه، خلاص، لا يوجد أفضل مما كان؟

باسم: طيب، والإشكالية، يبدو لي، في تحالفٍ ما بين المعاجم، وما بين المؤسسات الدينية، حول الموضوع. لأنه أيضًا رجل الدين هو مُصِرٌّ أن يستخدم هذه الآلية القديمة في قراءة النص، وهو يُدرِك أنه يستخرج أو يستنبط معالم أو معارف، مرات تحسّ أنها تُعاكِس الواقع أو تُعاكِس الفطرة نفسها. ويُصِرّ على نفس الآلية.

سناء: صح.

باسم: يعني، لا رجل الدين قابل أن يُغيّر نظرته، آليته في قراءة النص، ولا عالم اللغة يريد أن يُغيّر ويستبدل هذه الآلية، بالبحث عن آليات مختلفة، أو يُطوّر الآلية، وينظر مكان الصح والخطأ فيها.

سناء: بالضبط، وخاصة في بلداننا، الفكر الحداثي أو الحديث يجد عوائق كثيرة جدًّا. يعني، أنا، مثلًا، في السويد، عندما كنت أحضر بعض المحاضرات والمناقشات، الأفكار الجديدة الصحيحة، تُناقَش وتُفعّل.

باسم: يُرحّب بها.

سناء: مباشرةً، تدخل في المناهج.

باسم: ولا تُصَدّ.

سناء: أبدًا، ولا تُصَدّ. لماذا؟ لأنه ما دام نوقشت، واتُّفِق عليها بأنها فكرة صحيحة…

باسم: تأخذ مجراها في الحياة.

سناء: لماذا لا أقدّمها للطلبة؟ وهكذا تتطور العلوم. يعني، إذا بقينا على حالٍ واحدة، كيف نتطور؟

باسم: نحن باقون على نفس الحال، ونَصُدُّ أيّ فكرة جديدة، حتى وإن كانت صادقة مئة بالمئة.

سناء: كيف نستطيع أن نتطور؟ وقِسْ على ذلك كثيرًا من الأمور الأخرى. فهذه مشكلة. نأمل، وندعو الله سبحانه وتعالى أن يأخذ بيدنا إلى ما هو صواب.

باسم: إن شاء الله. دكتورة، أنا حقيقةً استمتعتُ بالحوار معك، واستفدتُ منك الكثير، الكثير.

سناء: شكرًا.

باسم: رغم أني من متبنّي آلية اللسان العربي المبين، لكن وجدت فيكِ ضالة كبيرة؛ لأن تكوني عاملًا جوهريًّا في صياغة هذه الآلية. شكرًا لكِ، وإن شاء الله تكون لدينا فرص أخرى نلتقي في مجتمع، ونُكمِل الحوار. شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج مجتمع.