Skip to content Skip to footer

نشأة وتطور الفكر الإسلامي الكلاسيكي | انتصار عباس

عنوان الكتاب: “كلاسيكيات الفلسفة- تاريخ الفلسفة في الإسلام” المؤلف: ت. ج .دي. بور، ترجمة: محمد عبد الهادي أبو ريدة، تقديم وتحقيق ومراجعة: كريم الصياد الناشر: مكتبة الدار العربية للكتاب/ القاهرة، الطبعة الأولى 2023، عدد الصفحات: 448 صفحة.


 

نادرة هي الكتب التي تضع الفلسفة الإسلامية ضمن تواريخ الفلسفة، إما لجهل وإما إهمال متعمد بسبب النزعة المركزية المتأصلة عند من أرخوا لتاريخ الفلسفة عبر العصور. فالفلسفة عند الدارسين تبتدئ بالعصر اليوناني ثم تستأنف في عصر النهضة الأوروبي، ولا مكان عندهم للحقبة الوسيطية إلا لبعض اللاهوتيين؛ من أمثال القديس أوغسطين وتوما الإكويني، مع إبراز الدور الذي لعبته الرشدية (نسبة إلى ابن رشد) في نشر الأفكار المتعلقة بأولوية العقل. وحتى في حالة الاعتراف بتأثير ابن رشد فإنه يصنف بوصفه شارحاً لفلسفة أرسطو لا أكثر. لهذا السبب يعتبر كتاب “تاريخ الفلسفة الإسلامية” للمؤلف ت. ج. دي. بور؛ والذي قام على ترجمته محمد عبد الهادي أبو ريدة، من أهم الكتب التي استعرضت تاريخ الفلسفة في الإسلام. وقد قدم الكتاب نظرة شاملة حول تطور الفكر الفلسفي في العالم الإسلامي، متناولاً مجموعة من المفاهيم والأفكار التي تشكل جزءاً أساسياً من هذا التاريخ. 

جاء الكتاب في أبواب عدة؛ حمل كل باب فصولاً متنوعة ناقشت في طياتها فترات زمنية مختلفة، فكانت الانطلاقة من فترة التأسيس والنشأة للفكر الإسلامي، وصولاً إلى المذاهب الاعتقادية، والتأثر بالفلسفة الفيثاغورية، والطبيعية، إضافة إلى تسليط الضوء على بعض المفكرين والعلماء والفلاسفة المشهورين في هذا المجال؛ من أمثال ابن خلدون، وابن باجة، والفارابي، وابن رشد، وابن سينا، والغزالي. قدم الكتاب بشكل عام مادة غنية لتاريخ الفلسفة الإسلامية والتعريف بأهم الفلاسفة ومدارسهم واتجاهاتهم الفكرية والسياسية. يؤرخ الكتاب للمدارس الفلسفية بدءاً من سقراط، مروراً بالفلسفة الإسلامية وفلسفة العصور الوسطى والنهضة، وعصر التنوير، وبهذا يستحق الكتاب الاهتمام والقراءة لإغناء الثقافة الفلسفية؛ حيث انفرد في الموضوعات التي تناولها، والتي قدمت مقاربات ورؤى قيمة شمولية حول تاريخ الفلسفة في الإسلام. يعد الكتاب من المراجع المهمة والأساسية لطلاب الفلسفة والدراسات الإسلامية، ولأي قارئ محب للمعرفة ولديه الرغبة في فهم أصول الفكر الفلسفي الإسلامي ومراحل تطوره. إن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: كيف نشأت الفلسفة الإسلامية؟ وهل الفلسفة الإسلامية اقتباس للفلسفة اليونانية كما ادعى الكثير من المستشرقين؟ وهل تأثر المسلمون بالفلسفة اليونانية فكانت الانطلاقة من هذه الفلسفة، ليقدموا بعد ذلك إسهاماتهم الواضحة في تاريخ الفلسفة الإنسانية؟ وهل سبقت الفلسفة اليونانية فلسفات أخرى في مصر القديمة والصين والهند؟ هذا ما يتناوله كتاب “كلاسيكيات الفلسفة”.

اشتمل الكتاب على مقدمة تعريفية أشار فيها المؤلف إلى الحركة الفكرية الكبيرة التي شهدتها نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين؛ من قيام مفكرين مصريين بتقديم ترجمات ومؤلفات في الفكر الفلسفي، والتي كان لها الدور الكبير في إنارة العقول العربية للتقدم والنهوض، وكانت السبب المباشر في نشر الفكر الفلسفي بين المصريين والعرب، ونادت بضرورة تحديث مجتمعاتنا العربية وتجديد الفكر الديني ومواكبة التقدم الغربي في مجالات الحياة. لم تتوقف إبداعات الرواد في القرن التاسع عشر عند هذا الحد من فهم للقضايا والمذاهب الفلسفية والتأريخ؛ بل تعدت ذلك وتفوقت على النظريات الغربية، سواء أكانت في فلسفة الطبيعة والوجود، وفلسفة الأخلاق والوجود. ومن هذه المذاهب الفلسفية الفكر الفلسفي التنويري والذي جاء يستعرض الأفكار الإنسانية العظيمة القديمة والمعاصرة، ونادى بالحريات والمساواة والمشاركة السياسية وحقوق الإنسان؛ مما أسهم في خلق بيئة فكرية كان من شأنها تطوير الفكر في المجتمعات العربية. تأتي ترجمة كتاب دي بور “تاريخ الفلسفة في الإسلام” في مقدمة الجهود الرامية لخلق نهضة عربية تلبي شروط المعاصرة دون التنكر للتراث الحضاري العربي؛ حيث قدم الكتاب توصيفاً لتاريخ الأفكار، وتضمن ترجمة لبعض النصوص من الألمانية إلى العربية، وأفكار الفلاسفة والمتكلمين والمتصوفة وعلماء الحضارة الإسلامية. ويعتبر الكتاب عبارة عن موسوعة شاملة لجمهور المستشرقين والدارسين للفلسفة الإسلامية. وقد خضع الكتاب للمعايير الأكاديمية الغربية، والتي شملت معيار الإبداع. وضمن هذا المعيار تم استعراض فلسفة أرسطو باعتباره الفيلسوف الأكثر تأثيراً في الفلسفة الإسلامية. كما جرى استعراض فلسفة ابن خلدون لموقفه النقدي الأصيل تجاه فلسفة الأوائل (اليونان) وفلسفة الأواخر(المسلمين)، ما يجعل ابن خلدون من أكثر الشخصيات ابتكاراً. كما يستعرض الكتاب النتاج الفلسفي الأصيل للفارابي وفضله في إيجاد بعض النظريات؛ كنظرية التمييز الأنطولوجي بين الواجب والممكن. تلا ذلك معيار المنهج الذي ميز عصر العلم؛ حيث سادت النظرة العلموية ومحاولة تطبيق المنهج التجريبي.

وفي هذا السياق؛ استشهد دي بور بنظرية ابن الهيثم الذي خالف أرسطو في فهم طبيعة الحركة، وتعد نظرية ابن الهيثم أكثر توافقاً، فهي الأقرب إلى طبيعة السببية في الطبيعة. أما المعيار الثالث فشمل معيار الأثر؛ حيث خضع كل فصل لتقييم قدَّمه دي بور للفكرة وأثرها على اللاحقين والمعاصرين من حيث استمراريتها وانتشارها، وكرس دي بور جهده لشرح مذاهب الفلاسفة المسلمين؛ من أمثال الكندي والفارابي وابن سينا وابن باجة وغيرهم. ومن الملاحظ أن المؤلف لم يعطِ النتاج الفكري الصوفي حقه من الدراسة، بالإضافة إلى تغييبه علم أصول الفقه وعلوم التفسير عند المسلمين، رغم ذكره مذهب التصوف وفلسفة الحق والقانون في علم أصول الفقه. ضم الكتاب سبعة أبواب؛ تفرد كل باب بعرضه لفصول عدة ناقشت موضوعات ومحاور متنوعة، وجاء الباب الأول ليقدم “مسرح الحوادث”؛ وفيه استعرض المؤلف السياق التاريخي والجغرافي لنشأة الفلسفة الإسلامية وتطورها، كما تطرق إلى هجمات التتار في المشرق الإسلامي، متجاهلاً حقبة الاستعمار الغربي بمراحله المختلفة. 

وفي سياق حديثه عن الأدب، أشار إلى مكانة الشعراء الكبيرة في ذلك الوقت، كما أشار إلى دور الرسول والخلفاء الراشدين في بث روح الاتحاد في العمل، وهذا يعود إلى مكانة الإسلام كدين عالمي. كما تطرق إلى دور الأمويين، حيث تبوأ العرب في عصرهم السيادة في مفاصل الدولة، فكانت “العربية” هي لغة الدين والدولة، والشعر والعلم، واقتصرت المناصب العليا على العرب.

أبرز الكتاب الدور الثقافي للبصرة والكوفة؛ والتي مثلت خليطاً للثقافات والأعراق؛ حيث التقى العرب والفرس والنصارى، وشهد هذا التنوع ازدهار التجارة والصناعة. أما في عهد العباسيين، فقد أصبحت بغداد؛ فكانت ملتقى الشعراء والعلماء، وعاصمة الإمبراطورية الإسلامية بدلاً من دمشق، وشهد عهد المأمون حركة ترجمة واسعة من اليونانية إلى اللغة العربية. وتحت عنوان “العلم اليوناني” عاين المؤلف موضوعات مهمة؛ منها أن السريان نقلوا الثقافة إلى أقصى الغرب حتى وصلت فرنسا، واعتنوا بالترجمة والفلسفة. وفي إطار الحديث عن الكنائس النصرانية؛ يضيف المؤلف أن الكنيسة النصرانية كانت منقسمة إلى ثلاث فرق، شملت الكنيسة اليعقوبية والكنيسة الملكانية والكنيسة النسطورية، منوهاً بأن اللغة السريانية كانت لغة الكنيسة الغربية والشرقية، وإلى جانبها اللغة اليونانية، وكانت تدرس في المدارس والأديرة.  

تحت عنوان “الأدب والتاريخ”؛ تطرق المؤلف إلى مجموعة من الشعراء، منهم أبو العتاهية والمتنبي وأبو العلاء والحريري، مشيراً إلى أن الخلفاء كانوا يقربون إليهم الشعراء والأدباء ويغدقون عليهم في العطايا؛ فتأثر الأدب بالثقافة العلمية والنظر الفلسفي، ودخلت فنون البديع، والتلاعب بالمعاني والألفاظ والأوزان والقوافي. كما صارت موضوعات التاريخ شاملة للحياة العقلية والقصائد والأدب والعلم. وظهر المسعودي؛ والذي مثل بدوره النزعة الإنسانية، فاعتنى بالتاريخ، وجاء بعده المقدسي؛ والذي اعتنى بالنقد والتمحيص. وحمل الباب الرابع عنوان “الفلاسفة الآخذون بمذهب أرسطو” متأثراً بالأفلاطونية الجديدة في المشرق؛ وتناولت فصول هذا الباب مجموعة من الفلاسفة، وعرفت بهم؛ منهم الكندي صاحب نظرية العقل، وهو ممن أخذوا بالمذهب الفيثاغوري الجديد، كما تم التعريف بالفارابي باعتباره فيلسوف المسلمين، وابن مسكويه، كذلك تضمن هذا الباب عرضاً تعريفياً بابن سينا صاحب نظرية العقل في ثوبها الرمزي. على الرغم من إنصاف هذا الباحث للفلسفة العربية الإسلامية؛ فإنه ضمَّن كتابه بعض الآراء السلبية حول بعض النتاجات الفلسفية. فهو على سبيل المثال لم ينصف إخوان الصفا الذين قدموا في رسائلهم رؤى فلسفية وتصورات علمية جعلت من رسائلهم أشبه بالموسوعة العلمية؛ بل إنه بادر إلى محاكمتهم من منظور العلم الحديث؛ متجاهلاً مستوى العلوم والمعارف المتاحة في عصرهم. فقد عمد إلى التقليل من أفكارهم الخاصة بالتطور والارتقاء التي تعد أفكاراً ثورية قياساً بعصرهم. وهو يشير إلى أنهم كانوا أبعد ما يكونون عن الداروينية، مستدلاً على ذلك بقولهم إن الحصان والفيل أقرب تطورياً إلى الإنسان من القرود. لم يقدر دي بور آراء إخوان الصفا حق قدرها عندما اعتبروا الإنسان من الناحية البيولوجية جزءاً من المملكة الحيوانية.