Skip to content Skip to footer

من هم بنو إسرائيل في التنزيل الحكيم؟ دراسة لسانية سياقية قرآنية محايدة | د. يوسف فؤاد أبو عوّاد

ظلّ المسلمون وغيرهم من المؤرخين قرونًا طويلة يقررون دون أدنى مراجعة أنّ إسرائيل هو يعقوب، وذلك رغم عدم وجود أية آية تشير إلى ذلك في التنزيل الحكيم، بل ولا حتّى في حديث متفق على صحته وفق معايير علماء الجرح والتعديل، ولم يكن لهذا الموروث سند سوى الروايات التلمودية، ويذكر ابن جرير الطبري آراء معارضة لذلك، لكن هذه الآراء طمست ولم يعد لها أثر في التاريخ، ولقد قمت بإعادة التدقيق والفحص العلمي المحايد تمامًا لهذه الفكرة من منظور قرآني بحت، ودون القراء الكرام نتائج هذا البحث، ولهم أن يقرروا بعد ذلك ما هو الصواب.


 

الآية الأمّ

كل فكرة في التنزيل الحكيم لها آية أمّ، هي الآية المحكمة الكبرى بالنسبة لها، ويجب أن تفهم الآيات المتشابهة بالنسبة لهذه الفكرة بدلالة الآية الأمّ، لاحظ قوله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞ﴾ [آل عمران: 7]، وإنّما يحصل التشابه أثناء عملية تفصيل المحكم؛ لأنّ النصّ يتعرّض لفصوله فصلًا فصلًا؛ ولأّنه قد يرد معه في الآيات المفصلات أفكار أخرى لها علاقة به، لاحظ قوله تعالى: ﴿الٓرۚ كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1].

إنّ الآية الأمّ في فهم حقيقة (بني إسرائيل) في التنزيل الحكيم هي قوله تعالى: ﴿وَءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلٗا۞ ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا﴾ [الإسراء: 2-3]، والسبب المباشر لاعتبار هذه الآية هي الآية الأمّ أنّها تعرّف بني إسرائيل بصفتين كبيرتين:

هم ذريّة من حُمل مع نوح في الفلك: ولو نظرنا إلى هذه الذرية لوجدناها محصورة في ذريّة نوح فقط؛ فقد ركب الفلك مع نوح أصناف ثلاثة، لاحظ قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٞ﴾ [هود: 40]، والأزواج أحياء غير الإنسان، فمن حُملَ مع نوحٍ من النّاس هم أهله، ومن آمن من غير أهله، وهؤلاء لم يكن لهم ذريّة، إنّما انحصرت الذريّة في أهل نوح، لاحظ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ نَادَىٰنَا نُوحٞ فَلَنِعۡمَ ٱلۡمُجِيبُونَ۞وَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ ۞وَجَعَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلۡبَاقِينَ﴾ [الصافات: 75-78]، فذريته فقط هم الذين بقوا، هذا ما يفيده الضمير (هم) في الآية الكريمة؛ ولذلك ترى ذكر صنف (من آمن) لم يذكر في ثاني سياقين لا ثالث لهما في التنزيل الحكيم عمّن حُمل في السفينة، لاحظ قوله تعالى: ﴿فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ أَنِ ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسۡلُكۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ مِنۡهُمۡۖ وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ﴾ [المؤمنون: 27]؛ فلم يذكر قسم (من آمن) في هذا السياق؛ وذلك لأنّه لم تكن منهم ذريّة، ومن هنا نفهم لماذا قال السياق الأوّل: “وما آمن معه إلا قليل”، وكأنه كان يشير لك إلى أنّ هذا القليل الذي آمن مع نوح لشدّة قلّتهم لم تكن منهم ذريّة.

الصفة الثانية لبني إسرائيل كما يظهر في سياق الآية الأمّ السابق ذكرها هي أنّهم أوتوا الكتاب بواسطة الرسول موسى، ولن تجد التنزيل الحكيم يخصّ نبيًّا بالكتاب قبل موسى، ولن تجده يذكر قومًا أوتوا الكتاب قبل بني إسرائيل. 

سؤال اضطراريّ

وهنا، سيرد سؤال طبيعي جدًّا: أين البشر بين نوح وبني إسرائيل؟ فإذا كان بنو إسرائيل هم ذريّة من حُمل مع نوح، فإنّ التنزيل الحكيم نفسه يذكر أقوامًا بين نوح وموسى، هم عاد وثمود ومدين وأصحاب الأيكة وقوم إبراهيم وقوم لوط، لاحظ قوله تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَثَمُودُ۞وَقَوۡمُ إِبۡرَٰهِيمَ وَقَوۡمُ لُوطٖ۞وَأَصۡحَٰبُ مَدۡيَنَۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰۖ فَأَمۡلَيۡتُ لِلۡكَٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ۞فَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئۡرٖ مُّعَطَّلَةٖ وَقَصۡرٖ مَّشِيدٍ﴾ [الحج: 42-45]، لقد أصبح الجواب في غاية الوضوح، فقد أخذ الله الكافرين من كلّ أولئك الأقوام حتى إنّ القرى أصبحت خاوية على عروشها دون سكّان، وانظر كيف يؤيد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ۞وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكۡفُرُوٓاْ أَنتُمۡ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ۞أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُۚ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فِيٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَقَالُوٓاْ إِنَّا كَفَرۡنَا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَنَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ ۞ قَالَتۡ رُسُلُهُمۡ أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَدۡعُوكُمۡ لِيَغۡفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرَكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ قَالُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتُونَا بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ۞ قَالَتۡ لَهُمۡ رُسُلُهُمۡ إِن نَّحۡنُ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأۡتِيَكُم بِسُلۡطَٰنٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ۞ وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنَا سُبُلَنَاۚ وَلَنَصۡبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيۡتُمُونَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ۞ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمۡ لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۖ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ رَبُّهُمۡ لَنُهۡلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ ۞ وَلَنُسۡكِنَنَّكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: 7-14]. والعجيب في هذا السياق أنّه كان من خطاب موسى عليه السلام مع قومه الذين سمّاهم التنزيل الحكيم في الآية الأمّ (بني إسرائيل)، ولعلك لاحظت كيف تعهّد الله بإهلاك الظالمين وإسكان الرّسل ومن آمن معهم الأرض من بعدهم.

ولقد فصّل التنزيل الحكيم ما أجمله في السياقين السابقين عن الأقوام بين نوح وموسى، وذلك في سورة الأعراف وسورة هود وسورة الشعراء وغيرها من المواضع بتفصيل أقلّ من حيث الجملة.

والآن، لاحظ ماذا قال الله بعد إهلاك فرعون وجنوده: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ تِسۡعَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ فَسۡـَٔلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِذۡ جَآءَهُمۡ فَقَالَ لَهُۥ فِرۡعَوۡنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰمُوسَىٰ مَسۡحُورٗا۞قَالَ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَآ أَنزَلَ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰفِرۡعَوۡنُ مَثۡبُورٗا۞فَأَرَادَ أَن يَسۡتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ فَأَغۡرَقۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ جَمِيعٗا۞وَقُلۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ لِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱسۡكُنُواْ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ جِئۡنَا بِكُمۡ لَفِيفٗا﴾ [الإسراء: 101-104]

هل لاحظت التطابق بين قوله سبحانه في سياق سورة إبراهيم: (وَلَنُسۡكِنَنَّكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ)، وبين قوله هنا لبني إسرائيل (ٱسۡكُنُواْ ٱلۡأَرۡضَ)، ولاحظ تماسك هذا المعنى ووضوحه التامّ في السياق التالي أيضًا: ﴿فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ۞وَأَوۡرَثۡنَا ٱلۡقَوۡمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسۡتَضۡعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلۡأَرۡضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۖ وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلۡحُسۡنَىٰ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُواْۖ وَدَمَّرۡنَا مَا كَانَ يَصۡنَعُ فِرۡعَوۡنُ وَقَوۡمُهُۥ وَمَا كَانُواْ يَعۡرِشُونَ﴾ [الأعراف: 136-137].

لقد أصبح الجواب إذن على السؤال المطروح حول النّاس بين نوح وموسى واضحًا تمام الوضوح، فقد أهلك الله الغالبية العظمى منهم لظلمهم وكفرهم برسالة الله ورفضها رفضًا تامًّا، ولم يبق إلّا عدد قليل جدًّا.

الصورة إذن كما يلي:

1) أغرق الله مكذبي نوح.

2) لم يبق من البشر بعد ذلك إلّا ذريّة نوح حصرًا.

3) كانت هذه الذريّة كلّما تشكّل منها قوم بعث الله فيهم رسولا فكذبوه.

4) كان الله يهلك المكذبين فلا يبقى إلا المؤمنون وهم قليلون.

5) كان هؤلاء القليلون الباقون من ذرية نوح الأولى يشكّلون قومًا من جديد، فيعيد الله بعث رسول فيهم، وكلّما تكرر التكذيب ومعادة الرّسل يتكرر العذاب، ولا يبقى في الأرض إلا الرسول ومن آمن معه.

رسالة موسى

والآن، هناك نقطة في غاية الأهمية يجب ملاحظتها، وهي أنّ موسى لمّا أرسل، ذهب بخطابه متوجّهًا إلى فرعون ومناصريه، لماذا؟ لأنّ من سمّاهم التنزيل الحكيم بني إسرائيل كانوا مؤمنين أصلًا، وإنّما كان عمل موسى معهم بيان الهداية من خلال الكتاب الذي أوتيه وتقويم الأخطاء التي يقع فيها القوم مرّة بعد أخرى.

والسؤال الآن، بماذا كان بنو إسرائيل مؤمنين؟ إنّ الجواب واضح تمامًا لدى تتبع سياقات النصوص القرآنية، فهم من حيث الأصل على ملّة إبراهيم، ولعلّ هذا هو السبب في عطف إسرائيل على إبراهيم دون فاصل في قوله تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٖ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنۡ هَدَيۡنَا وَٱجۡتَبَيۡنَآۚ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُ ٱلرَّحۡمَٰنِ خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَبُكِيّٗا﴾ [مريم: 58]. والتنزيل الحكيم يذكر موسى بعد مدين في سورة الأعراف وسورة هود، ويذكره مع مدين في سورة القصص، ومدين هذه تالية لقوم لوط مباشرة في الترتيب القرآني، وقوم لوط معاصرون تمامًا لعهد إبراهيم، وعلى كلّ حال، فإنّ دعوة إبراهيم وشعيب ولوط كلّها واحدة، لكنّ النبيّ الذي أسس البيت وصار أمّة وإمامًا هو إبراهيم.

الإسراء الأوّل 

والآن لاحظ ماذا قال التنزيل الحكيم في سياق الحديث عن قصة لوط المعاصر لإبراهيم: ﴿قَالُواْ يَٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓاْ إِلَيۡكَۖ فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٌ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمۡۚ إِنَّ مَوۡعِدَهُمُ ٱلصُّبۡحُۚ أَلَيۡسَ ٱلصُّبۡحُ بِقَرِيبٖ﴾ [هود: 81]

وقال: ﴿فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَٱتَّبِعۡ أَدۡبَٰرَهُمۡ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٞ وَٱمۡضُواْ حَيۡثُ تُؤۡمَرُونَ﴾ [الحجر: 65].

هذه هي المرّة الأولى التي يطلب فيها من رسولٌ أن يسري بمن آمن معه، فقد كان الأمر قبل ذلك إهلاك المكذبين وإنجاء الرسول والمؤمنين دون أن يطلب منهم الإسراء، فنوح نجاه الله في الفلك التي صنعها بالوصف المذكور في قوله تعالى: ﴿وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ﴾ [هود: 37]، وهود وصالح وشعيب يذكر التنزيل أنّ الله نجاهم دون فعل مباشر منهم: 

﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا هُودٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَنَجَّيۡنَٰهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظٖ﴾ [هود: 58]

﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا صَٰلِحٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَمِنۡ خِزۡيِ يَوۡمِئِذٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ﴾ [هود: 66]

﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا شُعَيۡبٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ﴾ [هود: 94]

أمّا إبراهيم فقد هاجر واعتزل قومه، وهناك وهبه الله الذريّة: ﴿فَلَمَّا ٱعۡتَزَلَهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا نَبِيّٗا﴾ [مريم: 49]

وأسس إبراهيم البيت المحرم الذي يتحقق فيه السلم والأمن، وأسكن ذريته هذه فيه بعيدًا عن الظالمين: ﴿رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ﴾ [إبراهيم: 37]، ودعك من حصر هذا الأمر بإسماعيل؛ فذلك خبر تلمودي لا قرآني، أمّا التنزيل الحكيم، فهو كما ترى يتحدث عن ذريته، وهم إسماعيل وإسحق كلاهما. وكان الله قد أهلك قوم إبراهيم المكذبين كما أهلك من سبقهم، وذلك واضح في قوله تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَثَمُودُ۞وَقَوۡمُ إِبۡرَٰهِيمَ وَقَوۡمُ لُوطٖ۞وَأَصۡحَٰبُ مَدۡيَنَۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰۖ فَأَمۡلَيۡتُ لِلۡكَٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرٍِ﴾ [الحج: 42-44]

الإسراء الثاني

يعود التنزيل الحكيم ليذكر الإسراء مرة أخرى في عهد موسى التالية مباشرة لعهد لوط، والمزامنة لمدين، والعجيب أنّ هذا جاء في ثلاثة مواضع من التنزيل الحكيم: 

﴿وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ﴾ [طه: 77]

﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِيٓ إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾ [الشعراء: 52]

﴿فَأَسۡرِ بِعِبَادِي لَيۡلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: 23]

ولقد كان إسراء لوطٍ بقومه، أمّا إسراء موسى فهو أوسع بكثير، (بعبادي).

وإذن، فقد كان الله أولا ينجي الرسول ومن معه، ويقف الأمر عند هذا الحدّ، حصل هذا مع نوح وهود وصالح، وشعيب ثمّ جاءت فكرة الهجرة لبناء مجتمع مسلم آمن على يد إبراهيم، ثمّ ظهرت فكرة الإسراء لحماية فكرة الرسالة من الأعداء في عهد لوط ثمّ موسى.

ألم يصبح الأمر الآن في غاية الوضوح؟ فكلمة (إسرائيل) مرتبطة ارتباطًا عضويًّا بالإسراء إلى الله، وهي المرحلة اللاحقة مباشرة للهجرة وبناء البيت الذي فعله إبراهيم، وبنو إسرائيل هم كلّ من قبل هذه الفكرة فأسرى مع الرّسل لحماية فكرة رسالة الله التي لم تكن تريد أكثر من مجتمع مسلم مؤمن (يسلم بعضه من بعض، ويؤمن بعضه لبعض)، فيتحقق السلم والأمن العالميان.

وبنو إسرائيل هم كل من بقي من ذريّة نوح، فلقد كان الله يهلك من لم يقبل فكرة الرسل، حتّى كان الإهلاك الأخير لفرعون وجنوده، ولكنه مع ذلك وصف مفهومي، فلا يمكن أن يطلق على من رفض هذه الفكرة وحاربها، وإن كان الجميع من ذرية من حُمل مع نوح.

وبنو إسرائيل إذن لا علاقة لهم بأي تصنيف عرقي أو نسبي يخصّ بعض البشر دون بعض.

ولعلّ أجمل ما نختم به هذا المقال أمران:

لاحظ كيف قرنت سورة الإسراء التي احتوت الآية الأمّ، والتي تسمّى أحيانا سورة بني إسرائيل، قرنت الإسراء ببني إسرائيل في سياق واحد: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ۞ وَءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلٗا ۞ ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا﴾ [الإسراء: 1-3]، وستعرف أنّ الدلالة الكبرى لهذا الوصف هي الإسراء من النقطة التي بدأ بها إبراهيم (المسجد الحرام) إلى أقصى ما يمكن بلوغه (المسجد الأقصى) لنشر فكرة السلم والأمن والحفاظ عليها من أن ينال منها أعداءها. وأنّها فكرة مفهومية تمامًا بريئة من الفكرة العرقية التي جعلتها تختصّ بذرية يعقوب براءة الذئب من دم يوسف.

ورد ذكر نوح (43) مرة تمامًا في النصّ القرآني، وورد ذكر إسرائيل (43) مرة تمامًا أيضًا، وما ذاك إلا إشارة إلى أنّ بني إسرائيل هم كلّ البشر الذين قبلوا الإسراء برسالة الله ممن بقي من ذرية نوح، وهذا أسلوب قرآني ليس مختصًّا بهذا الأمر، فقد تكرر ذكر آدم (25) مرة، وهو العدد نفسه الذي تكرر به ذكر عيسى في التنزيل الحكيم؛ للإشارة إلى خلقهما من غير أب.

نتائج حاسمة

لعل الناظر يصدم حين يعلم أنّ جميع هذه المواضع التي ورد فيها ذكر إسرائيل وبني إسرائيل ليس فيها موضع واحد يقرنهم باليهود، ولا بالنصارى، وإنما يذكر اليهود والنصارى باعتبارهما ملتين تمثلان سلوكيات منحرفة، وإنما جرى تفسير بني إسرائيل باليهود، أو باليهود والنصارى تحت وطأة تفسير القرآن بالروايات التلمودية، وفشا هذا الأمر وانتشر حتى صار كأنّه الحقيقة التي ليس بعدها نقاش.

كما أنه يجدر بنا هنا التنبّه والتيقظ إلى أنّ استخدام هذا المصطلح وإسقاطه على مجموعة بشرية محددة اليوم هو إسقاط تعسفي استحواذي، والقرآن بريء تمامًا من هذا الإسقاط وناقض له، فبنو إسرائيل هم كل البشر في المرحلة التي قبلوا فيها رسالة الله، وفي هذا الإطار تمامًا تبدو الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الجاثية: 16] واضحة كل الوضوح، وفي هذا الإطار أيضًا نفهم الكثرة الكاثرة من السياقات الممتدة من الحديث عن مرحلة بني إسرائيل، وهي مرحلة تمتدّ من عهد إبراهيم إلى عهد محمد -عليه الصلاة والسلام-، وفيها صواب وخطأ، وانحراف وتقويم، وقد يصل هذا الانحراف إلى الإفساد في الأرض، وقد يصل إلى الكفر بعد الإيمان، وتنتهي هذه بمجيء الرسالة الخاتمة، حيث يحلّ محلّ ذلك مصطلح (المؤمنين)، وهي الرتبة العليا التي تنشدها رسالة الله، حيث يستقر الناس في مجتمع بشريّ آمن مطمئن.