ما معاني المصطلحات المركبة عن أهل الكتاب؟
باسم: أهلا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مفاهيم” مع الدكتور يوسف أبو عواد. تحياتي دكتور. نستأنف ما بدأناه في الحلقات السابقة حول مفهوم الملة أو ملة النبي إبراهيم، أو أبيكم إبراهيم، وتعرضنا للكثير أيضًا إلى مفهوم الإسلام والدين، ومفهوم الملة بمعناه القرآني اللساني الحقيقي، ودخلنا أيضًا بتوصيف من هم اليهود ومن هم النصارى، ملة اليهود وملة النصارى. الآن، حابّ أن ندخل بعمق أكثر تفصيلا بالمصطلحات المركبة التي أنا أسميها مصطلحات مركبة، مثلا: “الذين هادوا”، و”الذين كفروا”، “أهل الكتاب”، أو “الذين آتيناهم الكتاب”. هذه المصطلحات، هل هي لسانيا أو مدلولها اللساني، هل هي تعني نفس الشيء؟ يعني أنا قلت “الذين كفروا” يعني هم “الذين هم الكافرون”، مثلا، أو “الذين آمنوا” هم “المؤمنون”، أو “الذين هادوا” هم “اليهود”؟ هل “النصارى “الذين أوتوا الكتاب”؟ يعني هذه، هل هذه التعابير أو التعابير اللفظية المركبة تعني نفس الشيء أم لكل تعبير مدلوله الخاص وفق النص القرآني بالمعنى اللساني؟
يوسف: تمام، أهلا بك دكتور باسم، وبالسيدات والسادة المشاهدات والمشاهدين. في الحقيقة، وامتدادًا لما قلناه في الحلقة السابقة، وبينّا التحليل اللساني لكلمة “يهود”، وقلنا إن أصلها من كلمة “هاد” لما جاءت في سورة الأعراف في قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾، فـ”هدنا” هي فعل ماضي، هاد يهود، لكن أضيفت الياء إلى الكلمة لتدل على انعكاس المعنى وتحول إلى حالة عكس الحالة الأصلية التي هي حولت حالة التوبة والرجوع إلى الله إلى حالة تقوقع وانكفاء على الذات وانغلاق وشعور بالفوقية. لذلك، أؤكد مرة أخرى على هذا المعنى، هناك ملمح لساني عجيب جدًا ورائع في آيات القرآن الكريم لما تتكلم عن الملة اليهودية. إذا كان اليهود يتكلمون على لسانهم، ستلاحظ أن هذه الياء ليست موجودة لأنهم هم ينفون عن أنفسهم طبعًا تهمة الانغلاق، ولا يريدون أن هذه الياء تعكس المعنى الأصلي للكلمة. أقول ذلك في قوله تعالى، لاحظ: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا﴾، لم يقل “وقالوا كونوا يَهُودًا”، لماذا لم تأتِ الياء في هذه الآية؟ لأن المتكلم هم أصحاب الملة أنفسهم، ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. طبعًا، الملة النصرانية هم أصلا يتفاخرون بزيادة التقديس، لذلك الاسم بالنسبة إليهم مفخرة، ولذلك جاء في آية أخرى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى”، أي حتى أثبتت الآية أنهم ارتضوا لأنفسهم هذا المسمى. كما أن أصحاب كل تعصب إلى فرقة أو مذهب، طبعًا، وهذا الامتداد اللساني للملة النصرانية يكون مفتخرًا أصلا بهذا التعصب والتقديس لشيخ المذهب أو الطريقة أو إلى آخره.
باسم: أنا أريد أيضًا أن أكرر نفس الفكرة، أن ما نتحدث عنه لا نسقط هذا المعنى على أي تقسيم طائفي أو عرقي أو حتى مجموعة سياسية ومجموعات من الموجودين حاليًا. يعني عندما نقول الذين هادوا أو اليهود، لا نقصد ما اصطُلح عليه عند العامة أن اليهود هم اليهود الموجودون حاليًا، ولا حتى النصارى. نحن نتعامل مع مفاهيم قرآنية واضحة وفق آلية اللسان العربي المبين. نحن نريد أن نعرف ماذا قصد النص القرآني بمعنى اليهود والنصارى، وملة اليهود وملة النصارى، لا نقصد أي إسقاطات سياسية على أي شيء موجود حاليًا.
يوسف: إي نعم، هذا صحيح. يعني مثلا تقسيمات الأحوال المدنية التي هي بالوراثة، هذه لا، ليس لنا فيها شيء.
باسم: لا تعنينا بشيء.
يوسف: نحن نتكلم عن التوصيفات، ولذلك دققنا في الموضوع. والآية الأخرى، ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ﴾.. لاحظ قال: ﴿كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، لكن لما يتحدث القرآن عنهم..
باسم: حذفت الياء.
يوسف: حذفت الياء: ﴿كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. لأنهم هم المتكلمون يقولون: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. لاحظ قال لهم: “أَمْ تَقُولُونَ”، التاء هذه تدل أنهم هم. ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ﴾، ما قال: “كانوا يهودًا”، قال: ﴿كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. لكن لما تتكلم الآيات عنهم في سياق الغائب أو تخاطبهم، تضع حرف الياء الذي يعكس المعنى الأصلي الذي هو “الهَوْد”، معناها العود والسكون والاستقرار إلى الله الذي جاء في أصل المعنى لما قال: “إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ”. فهذه ملاحظة مهمة. إنما في مصطلح الذين هادوا الذي افتتحت سؤالك عنه، دكتور، ما هو؟ نحن عندنا دلالات، يعني لاحظ: آمنوا، كفروا، هادوا، والدلالات هذه على فكرة موجودة بنظام متسق تقريبًا في اللسان العربي، لكن مغفول عنها بسبب الخضوع، كما قلنا، للروايات والإسرائيليات وإلى آخره في تفسير الآيات.
هل وجد اليهود والنصارى في عهد إبراهيم؟
باسم: قبل ما ندخل بمفهوم المصطلح “الذين هادوا”، أنا كنت سبق وسألتك السؤال، لكن، أنا ربما الإجابة لم تكن واضحة. هل التقسيمات السلوكية هذه، “الذين هادوا” أو “النصارى”، كانت موجودة في عهد إبراهيم، أم هي أيضًا طارئة فيما بعد؟ يعني ما بعد مرحلة النبي موسى، مثلا، ظهر مصطلح اليهود والنصارى، مثلا؟
يوسف: انطباق المصطلح بتوصيفاته هو موجود في عهد إبراهيم، ومن قبل إبراهيم، ومن بعد إبراهيم. لكن ظهور المصطلح وانتشاره وفشوه ربما ظهر بعد ذلك. هذا كان ناحية فشو. أما كدلالة، نحن قلنا إنه موجود.
باسم: يعني كدلالة سلوكية موجودة حيث يوجد بشر.
يوسف: بالضبط، لذلك لما نفى عن إبراهيم هذه السلوكيات، قال دون أن يذكر إنه قبل ولا بعد. لاحظ، لم يذكر البعد الزمني. قال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾، لكن لما تحدث عن الأمر الذي فيه بعد زمني، قال: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾. ففرقت الآيتان بين شيء له بعد زمني، وهو التوراة والإنجيل التي لم تنزل إلا بعد إبراهيم، فكيف تنسب إبراهيم مثلا للتوراة أو الإنجيل وهي لم تنزل إلا بعده؟ وبين السلوك أو الكلمات التي هي توصيف لسلوكات وأفعال محددة، فلم تذكر البعد الزمني، قالت: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾. إذن، كتوصيف سلوكي، اليهودية والنصرانية موجودة في عهد إبراهيم عليه السلام، نعم. إنما كفشو وانتشار المصطلح، لا، هذا حصل طبعا في مراحل لاحقة، لأنه أصلا الانتشار البشري واستقبال رسالة الأنبياء حصل في مراحل لاحقة. فحتى يظهر الشيء وينتشر ويكون له وجود اجتماعي ومنتشر على مستوى فرق أو أحزاب إلى آخره، يحتاج الأمر أصلا أن يكون هناك انتشار اجتماعي، كما سنوضحه بعد ذلك في موضع مناسب.
المعنى الإيجابي لكلمة “هادوا”
الآن، كلمة “هادوا” معناها هم اكتسبوا أصل المعنى الأصلي الذي ذكرناه في آية: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾. وهذا معنى إيجابي في الأصل، المعنى إيجابي، لأن الهود هو العود مع السكون والاستقرار إلى الله. فلذلك تلاحظ أن الآيات في أصل المعنى لا تأتي به، لا يمكن أن يأتي في صيغة الذم المطلق، كما جاء في وصف الملة اليهودية والملة النصرانية. دائما الملة اليهودية والنصرانية يقترن بها في معظم الحالات، حالة الذم، إلا الحالة التي ذكرناها في موضوع النصارى لما قال: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾. لأن هنا أصل المعنى موجود، يعني هو يتكلم عن الذين اكتسبوا المعنى. وهذا على فكرة، حتى على مستوى أتباع الرسالة الخاتمة، رسالة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، نفس أسلوب القرآن يسلكه، نفس الأسلوب. مثلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. لاحظ كيف لأنه أنت…
باسم: صح، هذا يفسر بالمعنى..
يوسف: بالضبط، أنت كفكرة.
باسم: يوضح أكثر المعنى.
يوسف: أنت قبلت فكرة أن تؤمن، تمام، لكن بعد ذلك لما ذهبت في الحياة، صارت تبدر منك سلوكات تناقض الماضي الذي أنت وافقت عليه. فهو يناديك باسم الماضي الإيجابي الذي وافقت عليه، أو إذا كان سلبيًّا، طبعا هذا له بعد آخر، لكن يناديك باسم الماضي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾. لاحظ، إذن معناها حصل هناك خلل في موضوع الإيمان نفسه، فيقول لهم: أنتم كنتم قد آمنتم، فيذكرهم: “آمِنُوا”. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. وهنا يقول ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾، هذا كمفتاح، يعني حتى نفهم أن الآيات تفرق بين الكلمات، وليس الموضوع. لا يوجد أي نوع من التطابق بين الدلالات، وإن كانت الكتب القديمة تجعل هذا كله شيئا واحدا.
أقدم دستور مدني في التاريخ
﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ نعم. لاحظ كيف فرّق، يعني هنا أخذ مصطلح النصارى كما هو، لكن لم يأتِ بكلمة يهود، لأن الياء تعكس المعنى الحقيقي الأصلي، فقال: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا” يعني أتباع الرسالة الخاتمة هنا، لأنه جاء معها تفصيلات أخرى، فتقتضي المغايرة. “وَالَّذِينَ هَادُوا”، أي الذين أخذوا فكرة أصلا، الفكرة الأصلية التي هي العودة والإنابة إلى الله. “والنَّصَارَى”، أي الذين أخذوا فكرة النصرة الأصلية، وإن كان حصل عندهم زيادة في الغلو في النصر. “وَالصَّابِئِينَ”، وكلمة “صبأ” يعني طبعا حرف الصاد يشير إلى حركة ثلاثية الأبعاد، قد يكون فيها نوعا من التدرج، وحرف الباء يشير إلى أن هذه الحركة يضبطها نظام يرعاها، كما شرحنا هذا. والهمزة فيها النبر، النبر معناها أن الشيء برز كأنه مختلف عن باقي الأفكار الموجودة في المجتمع. لذلك يقول لك: “صَبَأَ”، كأنه جاء بشيء يختلف عما اعتاد عليه الناس. وقد يكون هذا أصلا ليس له علاقة باتباع رسالات الأنبياء، لكن مع ذلك هو ممكن إنسان عنده فكر فلسفي معين أو نظرية محددة أو إلى آخره..
باسم: يعني دكتور محمد شحرور لما ذهب بهذا المذهب تقريبا، يعني وأوضحه أنه قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾، ما يعني ما لم يخضع لهذه التصنيفات، يعني مجموع البشر.
يوسف: صحيح، صحيح، ممكن.
باسم: يعني مجموع البشر هم الذين صبأوا، عدا عن التصنيفات التي صنفها النص، التي هي “الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى”، والآخرين الذين لم يدخلوا وفق هذه التصنيفات أيضا مشمولون بأن الله..
يوسف: مشمولون بالشرط الذي ذكرته الآية، لأنه سنذكر نحن، هناك ثلاث آيات في القرآن الكريم تذكر هذا التسلسل، سنذكرها ونفرق لماذا فرقت الآيات في السياق. يعني هنا قال، لاحظ الآن النتيجة: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. معناها هذه التسميات التي تتعلق أصلا من حيث الأصل كلها باتباع رسل أو حتى بفكرة أو نظرية لا علاقة لها بالرسل، يقول هناك ثلاثة شروط للنتيجة. النتيجة ما هي؟ ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. هذه نتيجة في الأصل حساب آخروي هذا وليس دنيويا. ما هي الشروط الثلاثة؟ “مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ”، يعني كما قلنا، آمن غيره من المجتمع بمستند يعود إلى الله، يعني لا يدخل وسطاء، حتى يكون الأمن مختصا بعرق أو فئة أو مذهب، لا، هو يعود فقط إلى سنن الله الكبرى التي يتساوى فيها جميع الناس في الحقوق والواجبات، كل بحسب ما يجب عليه في مكانه. “وَالْيَوْمِ الْآخِرِ”، شرحنا الإيمان به أنه فكرة الجزاء. “وَعَمِلَ صَالِحًا”. الآن كقيام مجتمع، أنت لما تأتي لتحاسب الناس كأفكار مجتمع، تأخذ أول كلمة وآخر كلمة بحسب الدلالات الأخرى للآيات التي ذكرناها. يعني ماذا تأخذ؟ “مَنْ آمَنَ” “وَعَمِلَ صَالِحًا”، لأنه “عَمِلَ صَالِحًا” هذه المعيار الذي أنا في حالة الدنيا، وفي حال قيام المجتمعات ومحاسبة الأفراد في المجتمعات، يمكن أن أحاسب الناس إيجابا أو سلبا بناء عليها. فمن حقق شرط الإيمان، أي عقد الأمان المجتمعي، “وعمل صالحا”، يعني أكد هذا بالعمل الصالح، بغض النظر عما سمى نفسه أو ما انتمى إليه كتسمية، ما كان ينتمي إليها أو من آمن به من الرسل، أو حتى من خرج من أفكار الرسل. في الحالة الاجتماعية، يكون ضمن المجتمع الصالح، وله كامل حقوق المجتمع، وعليه كامل الواجبات، إذا حقق فكرة الإيمان والعمل الصالح. الآن، إذا كان هذا الإيمان بالله واليوم الآخر، هذه التصورات الشخصية، يحاسبك عليها الله، أنا لا يمكن أن أدخل في تصورك عن اليوم الآخر أو عن الله، وإنما طريقة بناء المجتمع تعتمد على فكرة الإيمان بما هو عقد كبير.
باسم: يعني ساوى ما بين من دخل وفق التقسيمات الثلاثة: “الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى”، ساواهم أيضا بالتقسيم العام، الذي هو “الذين صبأوا”، للمجموعة البشرية الأخرى، بغض النظر عن العرق، التي لم تشملها التصنيفات هذه.
يوسف: إي نعم، ولذلك أنا يمكن أن أقول أن هذه الآية أقدم وأبلغ وأوجز دستور مدني وجد في التاريخ، لأنها تبني أحدث المجتمعات المدنية التي رأيناها بنيت اليوم. طبعا، نحن نتكلم بما فيها من نواحٍ إيجابية، لأن بعض الناس يظنننا أننا نعطي المدح المطلق لأي مجتمع أو أي كيان، لا لا، نحن نتكلم عن النواحي الإيجابية: الأخوة، المواطنة، القائمة على مبدأ التكافؤ في الحقوق والواجبات، ووضع كل…
باسم: هذه الآية تؤكدها.
معايير حساب الآخرة
يوسف: بشكل موجز كامل، يشمل جميع فئات المجتمع، بل وتزيد على ذلك، إن حساب الآخرة له ثلاثة معايير، لأنه تصورات الناس في التفاصيل بعد ذلك، التفاصيل الأخرى في الحياة، معناها النسك الخاصة، والتصورات عن الله واليوم الآخر، تختلف اختلافا لا نهاية له. فقال لك النجاة، حتى معيار النجاة في الآخرة: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، هذه هي الثلاثة. طبعا، صحيح، هو لا يتحدث عن حالة الكمال، لكن هو يتحدث عن حالة النجاة: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، وكما قلنا، أجر هنا جاءت في سياق الإضافة، أجرهم بحسب عملهم، بحسب العمل الصالح، بحسب مقدار الإيمان، إلى آخره، وتأثيره، ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. لذلك قلنا هي معيار النجاة، يعني الإنسان ما يقلقه إما خوف على مستقبل أو حزن على ماضٍ، معناها الإنسان الذي يريد النجاة، هذه المعايير الثلاثة، المعايير التي يقوم عليها المجتمع: الإيمان والعمل الصالح. انتهى الموضوع، أيا ما كان انتساب الإنسان، تمام؟ وهذا المعنى أُكد في سورة المائدة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
من هم المجوس؟
باسم: طيب في الآية الثانية الذي أضاف المجوس والمجوس؟
يوسف: هذا الذي سآتي إليه، يعني هذه آية سورة المائدة، تقريبا ليس فيها إضافة، هناك فروق لسانية لغوية لها مكان خاص، لكن الآن نحن نريد أن نتحدث عن هذا البعد. هذا الذي قلته، قلته لك إنه تعقيبا على كلام الدكتور شحرور رحمه الله، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، لأنه سيشعرك الآن أن المجوس والذين أشركوا هي فئات لن تنضم لعقد الأمن والسلم الاجتماعي، لماذا؟ أصبح هناك خلل يتعارض مع المبدأ الأصلي لقانون أو لمبدأ الأمن والسلم الاجتماعي الذي تتحدث عنه الآيتان السابقتان. طيب، كلمة مجوس هي في الأصل ما هي؟ يعني ترجع إلى الأصل الثلاثي “مجس”، و”مجس” ترجع إلى الأصل الثنائي “مجّ”، والـ”مج” تلاحظ أنه حرف يدل على الضم والجمع، ولذلك أخذت منه كلمة “أم”، والجيم حرف يدل على الشدة، والسين حرف يدل على الانتشار. ولذلك يعني أكرمك الله والسادة المشاهدين، نحن نعرف كلمة “مج”، الشيء يعني أخرجه من فمه، إذا كان في داخل فمه ماء مثلا، ويقول لك كلام ممجوج، يعني مرفوض، إذن من هو المجوسي؟ المجوسي هو الذي يمجّ غيره، معناه عنده نوع من العنف والعدوان تجاه أبناء المجتمع، وهذا العنف ينتشر كما هو انتشار حرف السين. فكيف سينضم إلى المجتمع الذي يقوم على رسالة الأمن ورسالات السلام؟ عنده فكرة عدائية تجاه أبناء المجتمع وبغوغائية، لذلك جاء بكلمة “مجس”. وحتى هذه الكلمة على فكرة كلمة مفهومية، الناس تُحرم من دلالتها لأنها تذهب فتسقطها على من سماهم الناس “مجوس” أو قيل عنهم مجوس، لكن هي فكرة مفهومية.
“وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا” شرحناها أن عنده معياران، مزدوج كما يقولون، هو عنده انتماء للمجتمع، لكن هذا الانتماء أيضا يتبعه انتماء لفرقة أخرى أو حزب أو إلى آخره، عابر للقارات وعابر للمجتمعات، فتتداخل الانتماءات وتتداخل شروط الأمان أو السلم الذي وقع عليه، بحيث إنه أحيانا يقدم هذا على هذا، وهذا على هذا، وهذا لا يقبله أي نظام ولا أي دولة في العالم، لا يمكن، لابد أن تكون العلوية لنظام الأمن والاجتماع القائم في دولة معينة أو كيان معين، والأخرى تبع، إذا تعارضت مع أي شيء لحساب هذا الانتماء، فإن هذا التعارض يُلغى تماما. لكن الذين أشركوا لا يسيرون على هذا المبدأ، لذلك قال هنا لم يقل “فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ”، قال: “إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”.
من هم الصابئون؟
إذن ما الذي نستنتجه من الصابئين؟ الصابئون إنهم عندهم أفكار مختلفة، وهذه الأفكار لا علاقة لها أصلا برسالات الرسل، يعني الرئيسة الثلاثة، ولكن مع ذلك هم يؤمنون ويعملون صالحا، الآن بالله واليوم الآخر، كما قلنا، هذا حساب أخروي، إنما فكرة الأمن والعمل الصالح موجودة لديهم، فإذا كان هذا الأمن اقترن به إيمان بالله واليوم الآخر، فلهم أجرهم بحسب فعلهم، ولا خوف عليهم، ولا هم يحزنون، هذا هو المعيار. لأنه ترى لو آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا وتحقق عنده الحد الأدنى من التصور أن هناك جزاءً عادلا، لا يمكن لخالق أقام هذا الكون إلا أن يُتم الجزاء العادل، سيكون هذا حقق مفهوم الإسلام الأصل الكبير الذي تحدثنا عنه، بغض النظر عن التفاصيل التي يختلف فيها.
باسم: صح، يكون دخل في أحد التصنيفات الموجودة.
يوسف: إي نعم، بقطع النظر عن التصنيفات التي يختلف فيها الناس، فأرجو بهذه الطريقة أن يكون تأسس لدينا حين يقول القرآن “الَّذِينَ هَادُوا” في هذه الثلاث آيات المتتالية، نحن فهمنا إذن أنه أصل الفكرة، وإنه في الأصل فكرة “الذين هادوا” هي ليست فكرة سلبية، هي فكرة إيجابية، وإلا لم يدخلوا ضمن بوتقة النجاة. وحتى فكرة النصارى، المشكلة فيها الزيادة في الغلو، لكن لو هذه الزيادة اقتصرت على أعمال فردية بينه وبين من يغلو فيه، لم تؤثر على العقد العام، عقد الأمان والعمل الصالح، هذا لا يؤثر. نحن في النهاية ننظر إلى بعد هذا الأمر اجتماعيا. إنما إذا أراد الزيادة في الأجر والقرب من الله، لابد أن تكون علاقاته صافية بالله، هذه هي الفكرة من ناحية الآخرة.
أساس إقامة مجتمع مدني
باسم: جميل، العودة على الفكرة فعلا دقيقة، إن هذه الآية تصلح لأن تكون أساسًا لإقامة مجتمع مدني، يعني آمن، مستقر، متعايش مع نفسه، بغض النظر عن الاختلافات الموجودة، بدليل وهذا يعني إنه يؤكد أن الألفاظ، لفظة “يهود” ولفظة “نصارى” و”مجوس”، لا تقصد مجموعة عرقية بذاتها، إنما تقصد سلوكا بشريا قد يتبدل أصحابه من فترة زمنية لأخرى، لكن يظل التوصيف قائمًا وفق السلوك البشري المتبع.
يوسف: صحيح، لأن القرآن، نحن عندنا يقين أسسنا عليه أصلا كل فكرة مفاهيم هذه، أنه تبيان لكل شيء، وتفصيل لكل شيء، وهذا معناه القرآن، لما يعطك التعريف لكلمة “مجوس” ولكلمة “يهود” و”الذين هادوا”، إذن ما الذي تفعله أنت؟ أولا، تجمع الآيات التي تتكلم عن الموضوع، ثانيا، ترجع إلى التأصيل اللساني المبني على التحليل الصوتي، ستفهم البُعد، لو كان مقصودا به فرقة معينة تتبع جهة معينة تتبع عرقا معينا، لا يمكن أن يهمل القرآن هذا. فالقرآن كتاب مفاهيمي بامتياز، لأنه يتعامل مع سلوكات ويتعامل مع أفعال، والأعراق بالنسبة له كلها على قدم المساواة.
باسم: ولربما لو كان المقصود بها مجموعة عرقية ما في لحظة زمنية ما، وقد انتهت هذه اللحظة، وقد انتهت هذه المجموعة، فالآية تصبح غير ذات قيمة.
يوسف: إي نعم، تصبح عديمة القيمة، وللأسف هذا ما يفعله كثير من الناس، يفرغون القرآن من مضامينه. يعني للأسف.
تسلسل تدبر القرآن
الآن، لما ننطلق بعد ذلك في تدبر الآيات القرآنية، نجد أنها تشير إلى سلوكات، يعني سلوكات فيها انحراف، حصلت، كما ذكرنا في الحلقة السابقة، حصلت مثلا مع اليهود أو مع النصارى أو مع الذين هادوا، لكن دائما لفظة القرآن دقيقة، لا يقول لك “الذين هادوا”، يقول لك “من الذين هادوا”. الآن، الذين هادوا، هذا مجتمع اتبع كتابا، وهذه نقطة في غاية الأهمية، لابد أن تُفهم، أنا نحن سرنا بتسلسل، فبدأنا أولا بحوار الله مع الملائكة وخلق آدم، أليس كذلك؟ ثم ذهبنا إلى قوم نوح وقوم عاد وقوم صالح، وذهبنا بعد ذلك إلى قوم ثمود، ذهبنا ثم إلى قوم شعيب، هذه الأقوام ذكرنا أيضا أنها كانت تنتهي علاقاتها بأنبيائها بعقوبة مجتثة تأتي على القوم من نهايتهم ومن آخرهم، ثم بعد ذلك تذهب الآيات دائما فتتحدث عن إبراهيم، وتتحدث عن موسى وعيسى، هكذا تسلسل النصوص القرآنية، وهكذا تسلسل ترتيب الأنبياء في الآيات التي تذكرهم متتالين.
ما الكتاب الذي نزل على النبي موسى؟
الآن، إبراهيم كما شرحنا في الحلقات السابقة، وضع الملة، وضع النواة، وضع البيت الذي يؤسس لمجتمع يقبل رسالة السماء، هذا الأمر استغرق بعد ذلك فترة، فكان أول قوم قبلوا رسالة السماء على أن تحول إلى ملة عملية على مستوى اجتماعي، لأن إبراهيم عليه السلام حولها على مستوى فردي، كان أول قوم قبلوا أن يحولوها على مستوى اجتماعي، لتصبح سلوكا اجتماعيا، هم “الذين هادوا”، يعني الذين تبعوا موسى في الأصل، ومن سار على هذه الفكرة، ولذلك قلنا أن تأصيل كلمة “الذين هادوا” ارتبطت بموسى، عادوا إلى الله، وإن كان حصل انحرافات. الآن، كفكرة قبول رسالة السماء قُبلت، لأول مرة تقبل على المستوى الاجتماعي، وكان من يعارض هذا طبعا آخر طاغية عارض هذا هو فرعون، ولم تكن لديهم من القوة عند قبول رسالة السماء وقبول فكرة تحويلها إلى ملة اجتماعية، لم يكن لديهم قدرة على مجابهة فرعون بكل ما لديه، فأيضا تدخلت العقوبة المجتثة التي أنهت فرعون، لكن بعدها وبعد النجاة، انتقلنا إلى فكرة أنه الآن أصبح هناك مجتمع كان..
باسم: وهذا المجتمع أصبح يتبنى الكتاب.
يوسف: وهنا على فكرة، نزل الكتاب لأول مرة، يعني لن تجد ذكرا للكتاب نزولا إلا أول من نزل على موسى عليه السلام، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا﴾.
باسم: الآية الثانية من سورة الإسراء.
يوسف: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾، لاحظ، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾، نعم، حتى لما يذكر عيسى عليه السلام، لا يذكر نزول الكتاب، معناها نزولا ابتدائيا، يقول ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، هذا هو. فإذن ما نزل على عيسى هو عُلّم الكتاب، وجاء الإنجيل ليحل لهم بعض الذي حرم عليهم، وهذا طبعا له سياقه، لماذا حرم، لكن الفكرة، الكتاب نزل بشكل رئيس، أنا أقول لك، مرتين، مرتين فقط، على موسى وعلى محمد عليهما الصلاة والسلام، لماذا؟ لذلك في سورة الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ﴾، ماذا قالوا في السياق؟ قال ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾. الناس يتساءلون، لماذا لم يذكر عيسى؟ طيب، هو بين موسى وعيسى؟ لأن الكتاب لم يعد إنزاله على عيسى، هو حلل لهم بعض ما كان محرما، عقوبة، وفقط نزل لتثبيت الكتاب الذي كان نازلا على موسى. وعلى فكرة، التوراة بين هذين، يعني لا يوجد نص في القرآن الكريم من أوله إلى آخره يربط التوراة بموسى، موسى نزل عليه الكتاب. التوراة، إذا تتبعت نصوص القرآن، ستجد أنها تتحدث عن أحكام عملية إجرائية لذلك ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾. إذن الذين هادوا موجودون، وأصبحت الفكرة من الماضي.
ما علاقة النبي موسى بالتوراة؟
باسم: يعني هنا يفهم وكأن التوراة أنزلت فقط للمرحلة التي للذين هادوا في مرحلة محددة.
يوسف: نعم، لمرحلة تحويل مبادئ الكتاب التي نزلت على موسى إلى عمل، يعني “الذين هادوا” أصبحت ماضيا، لاحظ “للذين هادوا”، فكان هذا بعد النبي موسى على الأغلب، أن هذا إشارة الآيات، يعني ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى﴾، نحن قلنا كلمة “هدى” دائما ترتبط بالعمل يعني، ﴿فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾، معناها أسلموا، معناها ساروا على من؟
باسم: يعني هنا يمكن استنتاج أن هناك مجموعة من الأنبياء ما بين موسى والنبي عيسى.
يوسف: بالضبط، هذا هو، ولذلك دائما يقول لك ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾.
باسم: وكأن التوراة هي “المانيوال” الذي يشغّل الكتاب أو الذي يجعل الكتاب في متناول العمل أو في متناول…
يوسف: كتيب الإرشادات يعني.
باسم: نعم.
يوسف: إي نعم، نعم، لأنه لما تتبع السياق الآن، ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾، لمن؟ ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾، لاحظ ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾، يعني المستند الدستوري الذي يُحكم به الذين هادوا.
باسم: هو الكتاب الذي أنزل.
يوسف: كأنها قوانين، الآن في العالم يوجد دستور يحتوي على المبادئ الكبرى.
باسم: وفيه آليات تشغيل.
يوسف: قوانين، قوانين تُغير، ولكن تُغير بما يتوافق مع الدستور، أليس كذلك؟ هذا نظام العالم الموجود الآن.
باسم: يعني التوراة كانت هي آلية التشغيل الأولي للكتاب الذي أنزل على النبي موسى.
يوسف: بالضبط، ولذلك قال ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾، لاحظ أن “النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن”، يعني يتحدث عن موضوع القصاص، “والجروح قصاص”، هذا الذي ذكرته الآيات عن تفاصيل ما في التوراة، صحيح، و﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، يعني لما قال ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾، معناها ما تحدث عن أحكام الأطعمة التي هي أحكام إجرائية عملية، هي التوراة، وأيضا ما تحدث عن أحكام العقوبات بتفاصيلها، يعني أيضا هي التوراة، التوراة أُعطيت للنبيين الذين بعد موسى ليستندوا على الكتاب بما استحفظوا من كتاب الله، وكانوا عليه شهداء، فيحكموا بناء على فهمهم لمبادئ الكتاب الكبيرة بهذه القوانين الإجرائية التي أُنزلت في التوراة.
باسم: فالتوراة بمعنى أنه لا علاقة… أو لا علاقة للنبي موسى بالتوراة.
يوسف: لا، لا يوجد أي نص بأي شكل من الأشكال يقرن التوراة بالنبي موسى.
باسم: بمعنى ما موجود حاليا بين أيدي الناس والذي يسمي التوراة أو بالأسفار الـ36 أو الـ39 أو ما يسمي بالأسفار الخمسة الأولى، أن هذه أسفار التوراة، أن هذه أيضا لا علاقة لها بالتوراة التي أُنزلت من بعد موسى ليحكم بها النبيون الذين أسلموا.
يوسف: صحيح، وهذا كله من الإسقاطات الخطأ التي أوقعت الناس في متاهات، يعني ما جاءنا عن التوراة في القرآن واضح جدا، يعني احتوت على الأحكام القانونية الإجرائية، أحكام العقوبات، أحكام الأطعمة، إلى آخره.
باسم: يعني افعل ولا تفعل.
يوسف: بالضبط، هذا هو. التي تُسير مسار الحياة، لكن المبادئ الكبرى التي تحتوي على الأخبار وتحتوي على القيم وتحتوي على…
باسم: كانت في الكتاب.
يوسف: كانت في الكتاب الذي أنزل على موسى والذي عُلمه عيسى والذي أعيد إنزاله على النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وهذا الأمر دقيق جدا، لا يوجد آية تعارض أخرى في القرآن الكريم في هذا، لكل من أراد أن يبحث، يعني القرآن متاح بين يدي جميع البشر.
ما حقيقة التوراة؟
باسم: الصورة وضحت أكثر حاليا، أنه لا يحق لأي إنسان أن يدعي أنه يمتلك التوراة، لأن التوراة عبارة عن تعاليم أو لائحة إرشادات لتطبيق الكتاب، وأنا يبدو لي التوراة توقفت عن التفاعل مع الواقع بعد أن نزل الكتاب كاملًا أو أعيد تنزيل الكتاب على النبي محمد.
يوسف: صحيح، لأن الكتاب الذي أنزل على النبي محمد حوى كل شيء، لذلك هو يسمى كتابا من ناحية، ويسمى “قرآن” من ناحية، ويسمى “فرقان” من ناحية، وكل اسم من هذه الأسماء يظهر بروزه وبدلالته اللسانية في آيات محددة، وهذا له مكانه في البحث والشرح إن شاء الله، لكن في النهاية المجموع الكلي للمصحف الذي بين أيدينا يشمل كل شيء، وسيما التوراة أيضا، سيما التوراة أنها تحتوي على القوانين العادلة التي تحقق العدالة، بما أشارت إليه آيات الآية التي قالت ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ…﴾ ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، وأيضا ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
باسم: يعني وكأن هذه الآية توضح ما جاء في التوراة.
يوسف: صحيح، هي موضوع…
باسم: يعني التوراة تقول لك واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، يعني افعل ولا تفعل، هذه هي، واعمل.. وليس أنها مجموعة كتب وفيها يعني أسفار ومليون سفر.
يوسف: نعم، ونلاحظ إشارات، يعني لما قال في الآيات التي تتحدث عن موسى عليه السلام ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، لاحظ ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾، وهذا هو السياق، لماذا يأخذ بأحسنها؟ لأنه هناك منها ما هو أخبار، ومنها ما هو أحكام أو قواعد للأحكام، فالأخذ بالأحسن هذا هو ما يمكن تحويله في الحياة إلى واقع عملي، الباقي قد يكون موضوع أخبار أو موضوع قيم، معناها قواعد نظرية لإعطاء القيم، فنزلت التوراة، وكأنه يعني أصبح هناك نوع من الحيرة، لأنه كان هناك كثير من التساؤلات في هذه المرحلة من حياة البشر، نزلت التوراة توضح بالتفاصيل أحكاما مستندها الكتاب.
باسم: طيب الآية اللي تقول يعني (ما معناه) قل هاتوا التوراة، أو جيبوا التوراة يعني…
يوسف: نعم، ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
باسم: هذا التحدي أين كان؟ في أي مرحلة مثلا؟
يوسف: والله هو هذا فيه إشارة، هو هذا الذي نقوله أحيانا، فيه إشارة إلى أن التوراة كانت موجودة، يعني التوراة بما تحدثنا عنه، من غير أن تدخل فيها يد أو تُخلط معها شروح أو أقوال أو إلى آخره، كانت محكومة، لأنه في آية أخرى أيضا غير التي ذكرتها، هو هذه الآية سياقها ما هو؟ سياقها ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، كيف يطلب منهم أن يأتوا بالتوراة إذا لم تكن موجودة؟ يعني هو طلب مستحيل، إذن هي موجودة عند بعضهم، وما يدل على أنها موجودة أيضا الآية الأخرى التي هي ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾، لاحظ “حكم” دائما تقرن بالحكم، يعني الأحكام، يعني التوراة ليست إخبارية وليست تعطي مثلا قواعد القيم والقواعد النظرية للحياة وإلى آخره، هي تعطي أحكاما.
باسم: إنه إذا صار هكذا تفعل هكذا، إذا صار هكذا…
يوسف: بالضبط، هي تعطي أحكاما.
هل كانت التوراة موجودة وقت النبي محمد؟
باسم: هل يفهم من ذلك أن التوراة كانت في أحد نزول… أو إعادة إنزال الكتاب في عهد الرسول محمد كانت موجودة، الكتاب التوراة مثلا؟
يوسف: آيات القرآن لما تطلب أن ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾، و﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾.
باسم: يعني كانت موجودة.
يوسف: كانت موجودة نعم، لكن مخلوطة بغيرها، مضاف إليها كلام بطريقة أصبح لا يميز الناس ما هو الصواب فيها من الخطأ، هذا قد يكون يعرفه بعض الناس وليس غالبية الناس، لأن الآيات لما تحدثت عن تعامل الذين أوتوا الكتاب مع الكتاب، شرحت أصنافا كثيرة، سنأتي إلى بيانها، قدر الاستطاعة.
لماذا ذِكر بني إسرائيل دائما بعد آدم؟
يوسف: على كل حال، هو مجتمع بشري قَبِل رسالة السماء في الأصل، وبدأ يتشكل لماذا؟ يعني لم يرفضها كما حصل مع الأقوام السابقة، وهذا السر الذي من أجله نجد أن خطاب بني إسرائيل دائما يلحق بذكر قصة آدم أو ابني آدم، يعني في موضعين جاء الخطاب مباشرة لبني إسرائيل في سورة البقرة لما انتهي الكلام مع آدم ﴿فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ…﴾ ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾، مباشرة ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، فيقول قائل لماذا مباشرة ذهب من آدم إلى إسرائيل؟ لأنه الآن آدم بداية البشر، الباقي شرحت سور أخرى وآيات أخرى أنهم رفضوا رسالة السماء كلية، إلا قد يكون بنسبة قليلة تحافظ على وجود النسل البشري، كما قال ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾، لكن لم يكن هناك قبول اجتماعي للرسالة، هذا قبول على مستوى الأفراد، وأفراد لم يكن في وسعهم وضع نواة لإنشاء مجتمع يقبل الرسالة، فلذلك قفز عن كل هذا مع أنه فصّله في أماكن أخرى. طيب لو جئنا إلى سورة المائدة التي تتحدث عن ابني آدم، قال بعد ذلك بعد قصة ابني آدم مباشرة، مباشرة ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، لماذا كتبنا على بني إسرائيل؟ لأن الكتاب حتى يصبح قابلا للتطبيق لابد أن يكون هناك مجتمع يقبله، يعني متى تحول إلى قانون يُنفذ على المجتمع ويطبق؟ لما تقبل المجتمع أصلا فكرة الكتاب، طيب بين آدم وإسرائيل لم يحصل تقبل أصلا على المستوى الاجتماعي لفكرة الرسل وفكرة الكتب، لم تنزل كتب أصلا لأنه لا يوجد من يقبلها، يعني كان الرسول يأتي بالأمر الإجمالي، فلا يوجد أحد يقبله، يعارض، وتنتهي القصة. فمن أجل ذلك فصل القرآن كثيرا هذا السياق، الناس يتساءلون كثيرا لماذا يتحدث القرآن كثيرا عن بني إسرائيل؟ لماذا يتحدث القرآن كثيرا عن أهل الكتاب؟ لأنهم المجتمع الأول الذي قبل مبدئيا رسالة السماء، طيب لماذا يتكلم كثيرا عن سلوكيات فيذمها؟ لأن طبيعة الحال التجربة الأولى وما تلاها من التجارب على مستوى الأجيال حصل فيها انحرافات، فلابد بحكم الرسالة الخاتمة أن يعطيك تجارب بشرية سابقة ترافق معها سلوكات إيجابية وسلوكات سلبية، فيقول لك هذا الإيجابي كان صوابا ويكون عادلا أيضا، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى﴾، كما قلنا ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، و﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، واضح جدا، نصوص القرآن واضحة، السلوكات السلبية يذكرها فيرد عليها ليحذر منها أتباع الرسالة الخاتمة، والمجتمع البشري بعد ذلك كاملا من هذه السلوكات.
من هو إسرائيل؟
باسم: عودة إلى قصة ابني آدم، يعني ومن ثم الانتقال مباشرة ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، هل هذه الحادثة يمكن تحقيبها في حقبة زمنية مثلا قبل إبراهيم بعد إبراهيم؟ لأنه هذه لها علاقة بتحديد من هو شخصية إسرائيل؟ هل هو إسرائيل كما يقال أو كما يشاع في كتب الفقه أن هو النبي يعقوب؟ أم أن إسرائيل شخصية سبقت النبي إبراهيم وتحدثت عنه؟ على اعتبار الآية رقم 2 المذكورة في سورة الإسراء ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾..
يوسف: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾.
باسم: يعني آية ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾.
يوسف: والله ليس هناك إشارة مباشرة في النص القرآني أن إسرائيل هو يعقوب، يعني أولا هل إسرائيل شخص أم هو مفهوم؟
باسم: لا لا هو مذكور ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾، هنا الآية تقول ﴿وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾.
يوسف: نعم، هناك ما هو أوضح.
باسم: إسرائيل مذكور في هذه اللحظة.
يوسف: هناك ما هو أوضح ما يثبت أن إسرائيل شخص، ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾، أنا أريد أن أكون دقيقا لأنه لا آتي بأي مفهوم إلا من النص القرآني، إذن إسرائيل في القرآن شخص، وحرّم على نفسه بعض الأشياء من باب معين، من باب صحي أو إلى آخره، لكن هو حرم على نفسه بعض الأمور تحريما شخصيا، إذن إسرائيل شخص، من هو إسرائيل؟ الآن هناك آيات تقرن بين إبراهيم وإسرائيل، يعني ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾، لاحظ ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ﴾، طبعا لم يقل من آدم، ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾، ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ…﴾ لأنه من ذرية آدم طبعا كان نوح، ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ هو من بقي من بعده من المجتمع البشري، الآن اندمجوا ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾، لماذا لم يفصل بينهما؟ لم يقل من ذرية إبراهيم ومن ذرية إسرائيل مثلا؟ هل كان إسرائيل في نفس زمن إبراهيم وهو مساوق له؟ فكان إبراهيم وضع اللبنة الأولى لتأسيس المجتمع البشري الذي يقبل رسالة السماء، وكان إسرائيل أول من تولى بعد ذلك الأمر وسعى إلى نقل هذه الفكرة إلى فكرة عملية، يعني تنتشر فيها المجتمع لأن إبراهيم كانت أدركته الشيخوخة في نهاية حياته لما رُزق بإسماعيل وإسحاق كما تشير الآيات يعني، أنه ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾، صح، واضح، فهل يكون إسرائيل تولى؟ فلذلك قرنت الآية إبراهيم بإسرائيل، أم إسرائيل هو يعقوب؟ يعني فيه في سورة البقرة مثلا: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، فقرنت بين إبراهيم ويعقوب في الوصية للمجتمع البشري الذي سيتشكل متقبلا رسالة السماء، الآن ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ذُرِّيَّةً مِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾، هل هذا يعني أن إسرائيل من ذرية نوح مباشرة؟ فقد يكون مساوقا لزمن النبي إبراهيم ولكنه أشب منه، يعني كان شابا لما توفي إبراهيم عليه السلام فاستكمل وراءه المهمة، ثم جاء بعده يعقوب فأكمل بعد ذلك، أم هو يعقوب نفسه؟ ليس هناك في النص ما يقطع على كل حال، لكن ما يشير إليه النص أن انتشار المجتمع البشري الذي قبل رسالة السماء كان من بني إسرائيل، هذه هي الفكرة، إذن.
في أي زمن جاء إسرائيل؟
باسم: لو نحاول تحقيب حادثة ابني آدم وربطها مباشرة ببني إسرائيل، طبعا قبل نوح ليس بممكن؟
يوسف: طبعا.
باسم: وبالتأكيد بعد إبراهيم أو في عهد إبراهيم، يعني هذه الحادثة التي وقعت التي على ضوئها تم استنتاج أنه كتب على بني إسرائيل الحدود التي ذُكرت، وهذا يدل على أن بني إسرائيل كانوا هم أول من تقبل، أو أول من تمثل الحُكم بالكتاب، معناه أن الحادثة وقعت بعد إبراهيم؟
يوسف: بعد إبراهيم أو في آخر زمنه، نعم، قد يكون بعده، هي قطعا بعد إبراهيم، لأنه كما قلنا، لاحظ الآية قسمت مراحل النبوة إلى ثلاث: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ﴾، هذه واحدة، ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾، هذه هي المرحلة الثانية، ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾ هذه المرحلة الثالثة، ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾، هذا الذي سيدخل فيه موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام.
باسم: طيب هل ذكر ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾ تختلف عن من ذرية إبراهيم ومن ذرية إسرائيل؟
يوسف: هذا الذي جعلنا نشير إلى أن عمل إبراهيم اتصل به ما عمله إسرائيل بعد ذلك، ولا يوجد طبعا ما يشير إلى أن إسرائيل نبي، يعني ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾.
باسم: ولذلك فيه آيات كثيرة، عفوا لو يمكن أن تدقق لي أكثر أو تصلح لي أكثر، أنه لا يوجد أنبياء من بني إسرائيل، إنما معظم الأنبياء أرسلوا إلى بني إسرائيل.
يوسف: صحيح، لم يقل إنه من بني إسرائيل، كل الآيات التي تتحدث تقول ﴿أَرْسَلْنَا فِيهِمْ﴾.
باسم: وهذا ينفي ربط أن إسرائيل هو يعقوب.
يوسف: لا.
أبو المجتمع البشري
يوسف: هو إسرائيل هو اللحظة التي انتشر فيها المجتمع البشري، كله طبعا، كل المجتمع البشري بعد نوح، يعني قد يمكنك أن تقول هذا. إنه عودة انتشار المجتمع البشري من ذرية من حُمل مع نوح كان من إسرائيل، فهو أب المجتمع البشري الموجود اليوم كله بكل أطيافه وكل من فيه، يعني هذا ما يشير إليه النص.
باسم: دعنا نبدي ملاحظة هنا، أنه نرجو من السادة السامعين أو المشاهدين ألا يتم الربط ما بين إسرائيل القرآني أو اللفظ اللساني بالقرآن وبين ما يذكر حاليا إسرائيل الحالية، لا علاقة بين الطرفين.
يوسف: طبعا، طبعا، هذا شيء مؤكد، يعني كل مصطلحات القرآن…
باسم: اسم إسرائيل المسقط إسقاطا عسفيا، والنبي إسرائيل… عفوا إسرائيل أو لفظة إسرائيل الموجودة في القرآن تعني شيئا مختلفا كليا عن ما هو موجود حاليا.
يوسف: صحيح، مئة في المئة، فإجمالا يمكننا أن نقول ما نفهمه من النص أن إسرائيل هو الأب الذي انتشر منه المجتمع البشري كله حين بدأ يتقبل فكرة رسالة السماء، فليس محصورا على عرق معين ولا محصورا على مجموعة معينة ولا على بقعة جغرافية معينة، هي نقطة تاريخية انتشر منها البشر مع تقبل فكرة الرسل والكتب إجمالا، وهي تبعت فترة إبراهيم الذي وضع النواة، هو إبراهيم وضع النواة، وكما قلنا إسرائيل بدأ في تحويلها إلى جانب اجتماعي عملي، يعني.. واضح؟
باسم: هل يمكن الاستنتاج كالتالي أن بني إسرائيل هم ليسوا مجرد قبيلة مثلا كما تصفها التوراة أو الأسفار اليهودية؟
يوسف: صحيح.
باسم: ليسوا مجرد قبيلة رعاة، إنما مجموعة قبائل ممكن مثلا.
يوسف: أنا أقول بنو إسرائيل كما بنو آدم، هم بنو آدم أنفسهم، ولكن مَن انتشر منهم بعد من ذرية من حمل مع نوح.
باسم: بعد نزول الكتاب على النبي موسى.
يوسف: النبي موسى جاء لاحقا، إنما نشوء مجتمع صار عنده تقبل فكرة أنه سينزل كتاب، وهذا الكتاب يُعني يحول إلى سلوك اجتماعي، فانتشار المجتمع، أنت يمكنك أن تقول الآن للمجتمع البشري يا بني آدم، ويمكنك أن تقول يا بني نوح، ويمكنك أن تقول يا بني إسرائيل، كل المجتمع البشري الذي انتشر بعد ذلك هو من إسقاط…
باسم: يعني هو خليط من هذه الذرريات مثلا، ذرية إسرائيل وذرية نوح وذرية آدم؟
يوسف: هي خط واحد، ذرية آدم هي نفسها… يعني ذرية نوح ترجع إلى آدم، وذرية إسرائيل ترجع إلى من؟ إلى نوح، ثم انتشر البشر بعد ذلك، وانتشر بعد ذلك تطبيق… لأنه قبل ذلك كما قلنا العقوبات المجتثة كانت تنهي وتقضي عليهم، الانتشار البشري الذي حصل وهو سببه طبعا قبول رسالة السماء كان من بعد إسرائيل، إذن هي ليست محصورة في عرقه، هي شاملة للبشر تماما كما أن كلمة بني آدم شاملة للبشر.
هل اليهود هم بنو إسرائيل حصرًا؟
باسم: إذن الأخذ بما تقوله أو بما تصفه الأسفار اليهودية حول بني إسرائيل هو يعتبر تشويها لحقيقة بني إسرائيل القرآنية.
يوسف: هو أنت اربط هذا بما قلناه، نحن أبناء الله وأحباؤه، والله لنا وحدنا، والأنبياء لنا وحدنا، وحتى إسرائيل لنا وحدنا، يعني هو فكرة… فكرة الأنانية.
باسم: الاستحواذ.
يوسف: الاستحواذ، إي نعم، يريد أن يستحوذ على كل شيء يخص البشر فيجعله لنفسه، وباقي البشر.
باسم: فالتشويه تم من هنا، التشويه، الأخذ بما يقال في الأسفار اليهودية هو تشويه للحقيقة التاريخية، وأيضا الحقيقة القرآنية، إن جاز لنا أن نقول..
يوسف: هي حقيقة، هذه مشكلة حصلت لدى المسلمين أو لنقل يعني أتباع رسالة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، أنهم تخلوا عن إسرائيل وتخلوا عن بني إسرائيل وكأنه لا صلة لهم بهم، يعني وقبلوا هذه الفكرة وهي.
باسم: والدمج ما بين أن اليهود هم بنو إسرائيل.
يوسف: لا لا.
باسم: و من ثم إسقاط بني إسرائيل على الدولة الموجودة حاليا هو الذي أخذ أعتقد أحدث هذا اللبس الهائل في سوء فهم اللفظ القرآني الذي موجود في القرآن أو يعني خاصة بما يتعلق باليهود أو الذين آمنوا وبني إسرائيل.
يوسف: إي نعم، وعلى كل حال هذا له جذوره أيضا، يعني حتى نحن نجد في كتب التراث أنه لما يشرحون ويتكلمون عن بني إسرائيل وكأنهم قوم غير الذين نزلت بهم الرسالة ولا علاقة لهم بهم، وهم كما قلنا بنو إسرائيل جميع البشر الذين انتشروا بعد ذلك بعد قبول فكرة النبوات والرسالات.
باسم: والذين تأسس بيت إبراهيم…
يوسف: بالضبط، يعني هم أبوهم، لنقل أبوهم الذي أسس الفكرة وبدأ يحولها على المستوى الفردي إلى عمل مضبوط، إبراهيم. والذي قاد المجتمع بعد ذلك أو كان أبا للمجتمع الذي تقبل الفكرة هو إسرائيل، الذي يذكره القرآن.
باسم: هل يمكن الاستنتاج حاليا -بشكل ما كما فهمنا- أن العرب هم ما يُسمى النسخة الجديدة من بني إسرائيل مثلا؟
يوسف: بنو إسرائيل ليسوا العرب فقط، هم كل البشرية.
باسم: كل البشرية.
يوسف: كل البشرية، والقرآن كتاب يخاطب السند والهند والصين وأمريكا وإلى آخره، يخاطب العالم، فهل يُعقل أن يخاطبهم ويتحدث بكل هذا العدد من الآيات عن قوم محصورين في منطقة جغرافية أو يتبعون لعرق محدد؟
باسم: بالتأكيد لا.
يوسف: نفس الآيات التي تحدثت وخاطبت بني آدم وخاطبت “يا أيها الناس” هي نفسها التي خاطبت “يا بني إسرائيل” في تلك المراحل، الآن الآن لما نزلت الرسالة الخاتمة وقبلها من قبلها من الناس، يعني من أتباع النبي محمد عليه الصلاة والسلام ومن دخل. صار الخطاب “يا أيها الذين آمنوا”، إنه قبل فكرة المجتمع الآمن، هذا هو، لأن بني إسرائيل لما يذكرهم يذكر مرحلة البشرية بما احتوت من سلوكات وردود أفعال إيجابية أو سلبية تجاه رسالة السماء.
باسم: فيه مرحلة تاريخية ما.
يوسف: نعم، وليست محسوبة على عرق ولا محسوبة على اليهود وحدهم، ولا محسوبة على النصارى وحدهم، ولا محسوبة على أحد، هي لجميع البشر، هكذا ينبغي أن يفهم النص القرآني، ولا يوجد في النص القرآني ما يُعارض هذا الفهم بتاتا.
ما مفهوم الأنصار والحواريين في النص القرآني؟
باسم: تحدثنا عن “الذين هادوا”، يبدو لي، كما تحدثنا من هو إسرائيل، مفهوم الأنصار في النص القرآني..
يوسف: الأنصار طبعا، نحن ألمحنا إلى هذا، أنهم من نصروا، معناها نصروا رسالة السماء التي كانت في زمنها في عهد عيسى عليه السلام، نصرا ليس فيه زيادة في الغلو ولا فيه انحراف في السلوك، يعني ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾، لذلك قال لهم ﴿كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾، تماما، ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، معناها جميع البشر الذين خوطبوا بالرسالة، ﴿وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾، فالأنصار هم الذين حققوا النصرة الحقيقية المطلوبة من غير غلو ومن غير انحراف أو تحريف للرسالة السماوية، ولذلك وصفهم بالحواريين، ونحن قلنا أيضا إن الحور معناه التمايز، شدة التمايز، لذلك يطلق على العين شديدة السواد شديدة البياض يطلق عليها عين حوراء، طيب لماذا وصفهم بهذا الوصف حواري؟ لأن هذا الرجل ميّز ما يجب عما لا يجب، لم يخلط الحق بالباطل، لم يغلُ في الحق أو في الدين ليصل به إلى درجة الباطل، وبالمقابل لم ينغلق به عن مساحته البشرية الإنسانية المجتمعية العامة فيحصره على طائفة محددة، فكان حواريا، فهم التمايز بين الحق والباطل وتبع الرسالة كما هي من غير أي سلوك منحرف، فهذا الذي دعت إليه الآية أتباع الرسالة الخاتمة أن يسلكوا سلوك كهذا تماما.
باسم: مثل سلوك الحواريين.
يوسف: إي نعم.
ما معنى مفهوم المهاجرين والأنصار في القرآن؟
باسم: طيب ذكر مصطلح المهاجرين والأنصار في القرآن، وهنا “من أنصاري إلى الله”، ما درجة التشابه ما بين مدلول اللفظين، هل هو نفس المدلول؟
يوسف: إي نعم، نفس المدلول، الآن المهاجرون كانوا يحملون الفكرة التي طُردوا من ديارهم، كما شرحنا في حلقة التدافع، طُردوا من ديارهم فقط لأنهم كانوا يحملون فكرة فيها إصلاح فيها بناء مجتمع، فطردوا، اضطروا أن يخرجوا من ديارهم وأبنائهم وأموالهم، والفكرة الآن تحتاج إلى من يساندها وينصرها لتكوين مجتمع لا يكون فيه تخريب لشيء قائم إكراها، يعني لاحظ السلوك هذا الذي حصل من مجتمع المهاجرين والأنصار وقائدهم كان النبي محمدًا عليه الصلاة والسلام، هو تماما كما فعل إبراهيم، إبراهيم لما قال لقومه ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، وذهب وهجرهم، لأنه لم يكن في وسعه ولا من مبادئه التي بعثه الله بها أن يجبرهم على ما يريد هو، هم رفضوا الفكرة وانتهى، وكذلك الذين بعث فيهم النبي عليه الصلاة والسلام لأول مرة رفضوا الفكرة، والذين آمنوا بالفكرة تعرضوا للاضطهاد، لم يكن في وسعهم إلا أن يخرجوا من ديارهم وأبنائهم. الآن الفكرة ضعيفة لم تجد مناصرا قويا يعززها وينصرها أيضا من غير غلو أو تقوقع وحصر الفكرة بفئة محددة، فكان لابد لهم من أنصار ينصرونهم على هذه الفكرة، لكن هو دمج فكرة المهاجرين على فكرة، فكرة المهاجرين أصلا أصلها موجود بعد النبي موسى، ونحن شرحنا هذا، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾. فمنذ نزول الكتاب الأول وتقبل البشرية له، حصلت نفس الفكرة، أنه أول من يتقبل هذه الفكرة في مجتمع لا يكون، لاحظ، لا يوجد سلوك عدائي وهادم لمجتمع رفض إجمالا هذه الفكرة، لا إكراه في الدين، رفضوا الفكرة، لكن المشكلة هم من تعرضوا للظلم، أخرجوا من ديارهم وأموالهم، فخرجوا، هذا الذي حصل، وهذا ما حصل تماما مع المهاجرين، فاحتاجوا إلى من يعزز فكرتهم، لكن يعززها أيضا بالنصر الذي لا يصل إلى درجة النصراني، وأيضا لا يتحول إلى سلوك اليهودي، وهي سلوكات أيضا، فتولدت فكرة الأنصار، وهي مساوية تماما لفكرة الأنصار في عهد النبي عيسى. لكن طبعا بقي بعض الإشارة إلى السلوكات المنحرفة التي نشأت في هذه الحقبة من الحياة البشرية، لأنه خلاص فهمنا أن هذه هي حقبة الحقبة البشرية التي قبلت فيها الآن الرسالة إجمالا.
ما معنى مفهوم البيت الحرام في القرآن؟
باسم: وبدأ بناء البيت الذي وضعه النبي إبراهيم يتفاعل، أو الناس تتفاعل مع أسس..
يوسف: يتسع حرمه.
باسم: جزئية.
يوسف: نعم، يتسع حرمه، حرم هذا البيت ليشمل المجتمع.
باسم: أسسه القيمية، يعني بدأت تأخذ مجراها في الواقع وفي الحياة اليومية عند الناس.
يوسف: صحيح، والقواعد التي بناها بدأت تتحول إلى مثلا إلى سلوكات عملية..
باسم: وأنا عاجبني تعبير “بدأ الحرم يتوسع”.
يوسف: صحيح، لأن الحرم فيه حفظ الحرمات، هذا هو، فبدأ يتوسع ليشمل ما يمكن أن يشمله من المجتمعات التي تقبل هذه الفكرة، وصولا إلى تكوين مجتمع بشري كله موحد يحقق مبادئ ما يُسمى اليوم نفسه على فكرة بحقوق الإنسان والحريات.
باسم: هل يمكن إسقاط لفظة الحرم أو المكان الحرام على أي مكان، مثلا على البرلمان، مثلا على مبنى الحكومة، كونه هذا المكان الذي يحرص على ضبط القوانين وضبط القواعد الحاكمة مثلا؟
يوسف: يعني هذا بؤرة له كما نقول، أو هو نقطته المركزية، وإلا تطبيقه العملي على كل نطاق الدولة والمجتمع الذي يقبل بهذه الفكرة التي تحمي الحقوق وتحمي الحريات، أما نقطته، معناها مركزه، بؤرته، المكان الذي يمثله، نعم، يمكن إسقاطه على أي برلمان، مجلس نيابي، مجلس منتخبين، نواب، إلى آخره.
باسم: حتى نحن نستخدمها، حرم الجامعة.
يوسف: صحيح، تُرعى فيه الحرمات للطلبة.
باسم: يعالج بطريقة مختلفة عن المناطق.
يوسف: هذا المصطلح طبعا موجود، هو القرآن كل مصطلحاته مفاهيمية، لكننا واجهنا مشكلة تغييب هذه المفاهيم لحساب إسقاطات، فقط هذا الذي واجهناه، فعندما نخرج ونتعود على الخروج، ستجد كم هو سهل، وكم هو عملي، وكم هو اجتماعي، وكم هو في متناول البشر.
باسم: وكم هو ضامن لاستقرار المجتمعات.
يوسف: بالضبط، مئة في المئة، فهذا هو.
السلوكات المنحرفة؟
يوسف: الآن السلوكات المنحرفة، يعني حري بنا أن نتتبعها، لماذا؟ لئلا نقع في مثلها، لأنه هذه حقبة البشرية السابقين لنا، ما الذي وقعوا فيه؟ ونقيس ما الذي قد يقع فيه من يسلك سبيلهم من كل البشر يقول لك ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾، فإذن من الناس الذين قبلوا هذه الرسالة في الأصل، صار هناك سلوك معين، إنه تحريف الكلم عن مواضعه، يعني الكلم وضع، الكلم الذي وضع في الكتاب، يؤخذ إلى سياق آخر، وهذا ما رأيناه في الإسقاطات وما رأيناه في التفسير بالروايات…
باسم: وهذا الذي نعمله نحن هنا.
يوسف: بالضبط، يعني ما الذي حرمنا من ثمرة الرسالة؟ ما حرم هؤلاء الفئة من الذين هادوا، كما قال من الذين آمنوا، من الذين أسلموا، نفس الفكرة، ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا﴾. لاحظ لما يحصل، تعالوا يا جماعة، لماذا فعلتم كذا؟ لا، سمعنا، نحن لا نؤمن، والله نؤمن بالقرآن، نؤمن بالكتاب، طيب، لكن التطبيق العملي، عصينا، لما نأتي إلى التطبيق العملي، إلى التحويل، تجد أن فعله ضد ما قال إنه أنا سمعت وأنا مطمئن لهذا القرآن وسمعته وأريده، طيب، لماذا تذهب به وتجعل غيره حاكما عليه وسطوة عليه؟ تمام، إذن أنت لم تسمع وتطع، أنت سمعت وعصيت، وهذا على فكرة يمثل، يعني هذه الآية هي إشارة إلى العصيان، إلى فكرة العصيان الذي يحصل من بعض فئات أو أفراد المجتمع، أنه هو يقول لك أنا مواطن وأنا متبع القوانين.
باسم: وهو يعمل العكس.
يوسف: وهو يعمل العكس، إذن هذه الآية، لاحظ كيف الناس حرموا منها، وأسقطوها على فئة…
باسم: هل عفوا هنا، يعني مصطلح “الذين هادوا” في عهد النبي محمد عليه الصلاة والسلام، يؤكد فعلا أن هذا المصطلح يصف سلوكا مع تبدل أصحابه..
يوسف: صحيح، أصلا هو لا يتحدث عن.. يعني لو يريد أن يتحدث عن قوم معينين فرضا ولهم أجداد، يعني ما ذنبي أنا بما فعل الأجداد؟ صحيح؟ هل يمكن أن تأخذ إنسان بجريرة أجداده ما فعلوه؟ أم هي تعطيك نموذجا كما أعطتك الآيات عن قوم عاد.
باسم: يعني الذين هادوا كانوا في عهد موسى، وجزء من، وأيضا هذه المجموعة البشرية أيضا كمان كانوا موجودين.
يوسف: بدأ المسمى في عهد موسى، ومسمى النصارى والأنصار بدأ في عهد عيسى، لكن القرآن هنا يجرد الفكرة عن المسميات، يعني يأتي بالمسمى الأصلي الذي هو في الأصل إيجابي، كما قلنا، هادوا، “الذين هادوا” إيجابي تماما كالذين أسلموا، كالذين آمنوا.
باسم: يعني ممكن نقرب الفكرة أكثر، استخدام كلمة ثائر مثلا، أو ثوار، استخدم مثلا في الثورة الفيتنامية ثوار، في البوليفيا ثوار، عند الفلسطينيين ثوار، في الجزائر ثوار، يعني هذا التعبير أو هذا الوصف هو يصف مجموعات، هو يصف مجموعة سلوكيات يقوم بها مجموعة من البشر عندما تقع عليهم ظروف خاصة في احتلال مثلا جغرافيتهم أو وطنهم أو حتى تصادر حقوقهم الشخصية.
يوسف: صحيح.
باسم: أي شخص يقوم بمضاد يسمى “ثائر”، وبالتالي نفس التعبير الذي ذكر في القرآن، “الذين هادوا” هم الذين يعودون ويعلنون انتماءهم، يعني انضباطهم وفق الرسالة، وفق قوانين الرسالة.
يوسف: صحيح، السكون والانضباط إلى آخره، لكن لما يقول لك “من الذين هادوا” أنهم أخذوا الاسم فقط في بعض السلوكيات والتطبيقات العملية حصل انحراف، فهو تحذير لك يا من جئت وشهدت الرسالة الخاتمة وشهدت الكتاب الذي أُنزل مهيمنا على الكتب ومهيمنا على فكرة، الناس يظنون مهيمن يعني الاستحواذ والسيطرة، مع أن كلمة هيمنة معناها حفظه، حفظه، يعني أعاده إلى حالة المحفوظية من غير التدخلات البشرية، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾، لاحظ، ﴿بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ كيف يعني مهيمنا؟ مستحوذا، يعني يلغيه؟ مهيمنا عليه يعني حافظا له، كما قال، ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾، فما نحن عليه من كتاب وما نتناوله بالشرح هو نفسه على فكرة ما أُنزل على موسى تماما، لا يوجد اختلاف، إنما يعني حُفظ، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، حفظ في صيغته الذكرية لأنه سيراد له أن يبقى خلاص إلى نهاية البشرية، ولن ينزل مرة أخرى، لأنه لما نزل أول مرة تعرض للتحريف، الآن كان العلاج أن ينزل ويكون محفوظا فلا يتعرض للتحريف، وهو هو على فكرة، هو هو، فلذلك.
باسم: نفس الكتاب.
يوسف: يسمى الكتاب في عهد موسى هو نفس الكتاب.
باسم: مسمى الكتاب في عهد.
يوسف: نعم، لا يمكن للقرآن أن يساوي بينهما فيأتي بنفس الصيغة ويكون هناك اختلاف.
باسم: دعنا نقف هنا دكتور، لأن الوقت داهمنا، ولا نريد أن ندخل في فكرة أخرى تستغرق وقتا آخر. إن شاء الله نكمل في حلقة جديدة من برنامج مفاهيم، دكتور، نلتقي في حلقة أخرى غن شاء الله.
يوسف: إن شاء الله، كل الشكر لك وللسادة المشاهدين.
باسم: شكرا لكم مشاهدينا الكرام، نلتقي في حلقة جديدة من برنامج مفاهيم، وسنبقى في نفس السياق الذي نناقش فيه تطبيقات اللسان العربي المبين على بعض المفاهيم القرآنية المهمة التي تهم ثقافة الناس وثقافة المجتمعات، شكرا لكم، وإلى اللقاء.