هل تراجع “النهم المعرفي” في العالم العربي أم تغيرت أدواته؟
باسم: أهلًا بكم، أنا معكم، باسم الجمل، في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. في حلقة اليوم، نلتقي مع الدكتور عدنان الأمين. دكتور أنت عندك تجربة طويلة في التعليم والتربية. طبعًا، التعليم في الوطن العربي واضح أنه متراجع، وهناك مناطق فيها انهيار في التعليم، وهذا انعكس حتى على التربية، يعني السلوكيات العامة في المجتمعات وأنا زرت غالبية المجتمعات العربية، مقارنة بفترات سابقة، تلاحظ فعلًا أن هناك تراجعًا في نوعية السلوك وفي مستويات المعارف. يعني، تشعر حتى أن الفرد لا يسعى لكسب المعرفة، لم يعد هناك السعي الذي كان موجودًا مثلًا في الستينيات والسبعينيات في المجتمعات العربية، أن الفرد يسعى لكسب المعرفة بغض النظر عن مستواه التعليمي. الآن، حتى إذا كان مستوى التعليم عاليًا، نلاحظ نفس العملية، النهم نحو الكسب المعرفي ضعيف، ما الأسباب؟
عدنان: قد لا أتفق معك على موضوع انخفاض النهم للكسب المعرفي؛ لأنه يتعلق الأمر بتغير في نظام الحصول على المعرفة، فالمعرفة فيما سبق كان مصدرها المدرسة والمعلم والكتاب، وكانت المدرسة نفسها هي وسيلة للحراك الاجتماعي، بمعنى تحصل على شهادة، تتوظف في كذا، ترتفع الشهادة… إلى آخره، هذا كان في المجتمع الذي نتحدث عنه في الفترة حتى نهاية القرن الماضي في التسعينيات، ما قبل العولمة. ما قبل العولمة شيء، وما بعد العولمة شيء آخر.
باسم: أكيد.
عدنان: مصدر المعرفة تغير، والذي يعلمك تغير، الأصغر يعلم الأكبر، وهي تغيرات جذرية، وأدوات الحصول على المعرفة تغيرت، فهذه أمور جذرية في حركة علاقة الأفراد بالمعرفة؛ كيف يحصلون عليها. الآن أي معرفة نريد. يجوز أن تقول لي: انظر إلى فرنسا في الستينيات والسبعينيات، والقاهرة وعمّان وبيروت، والفلاسفة والمفكرين والأعلام… إلى آخره، أقول لك: نعم، وانطفأ حاليًا، كما كان هناك أعلام في الستينيات والسبعينيات على مستوى العلوم السياسية والفكر والقانون والشعر وإلى آخره، قد تكون قد تكون انطفأت.
2:57
هل انطفأ عصر المفكرين الكبار أم أن كل جيل له معاييره الخاصة؟
باسم: ليس قد تكون، هي انطفأت.
عدنان: صعب قول ذلك بصورة حاسمة، لأننا لسنا محيطين في الحقيقة بما يخبئه أو موجود أو ما يظهر حتى في فرنسا حاليًا، أنا أظن أنه قد انطفأ، قد يأتي شخص بفرنسا ويقول لي: “لا، هناك مفكر ولكن أنت يا أخ -يخاطبني-..
باسم: لا تعرفه.
عدنان: لا تعرف أنت، جيل مختلف. جيل مختلف صار يتعامل مع الماضي باعتباره النموذج (الموديل)، فإذا نظرت إلى الموضوع من زاوية نظر الجيل الحالي، الذين حاليًا أعمارهم بين 20 و40، أو 14 و40، فسيجيبونك على الأسئلة بطريقة مختلفة، لأن مصادر المعرفة، وماذا يفعلون بهذه المعرفة مختلفة.
وما عاد فيه -مثلما كان قديمًا- شهادة (x) تصل بها إلى العمل كذا، صار الأمر مفتوحًا على مصراعيه، والعمل نفسه لم يعد مرتبطًا بسلّم، السلّم الموجود في رأسنا هو سلّم المهن الذي تتبعه الدولة، الآن لا يوجد سلّم الدولة، الدولة نفسها صورتها ووظائفها صارت عتيقة، مثل الشجر العتيق، وثابتة، وكل شيء، ولكن العمل نفسه تغيرت معالمه كلها، فعلاقتنا بالعمل والمعرفة والدراسة فعلًا انقلبت بصورة قوية.
ما هو معيار قياس “الردة المعرفية”؟
باسم: طالما اختلفنا في التقييم أو في تحديد أنه فعلًا صار هناك ردة معرفية أم لم يصر، ما المعيار؟ على أي أساس يمكن أن أقيس انه ما صار عندنا ردة معرفية، إنما صار هناك تجدد، سواء بسبل كسب المعرفة أو حتى بمستويات المعرفة نفسها؟ أو ربما أنه، لا، أن هناك فعلًا انتكاسة، وهذه الانتكاسة واضحة، ونحن لا نعرفها. يعني، أنا أحكي لك عن تجربتي، وكفريق التقينا في كثير من الدول العربية بأكاديميين، لا تشعر أن لديهم ذلك الوزن الثقيل من المعرفة. مقياسي في الموضوع، ليس المعرفة الفردية المحصورة في الفرد نفسه. أنا يعنيني أن هذه المعرفة الموجودة فيك، أو التي أنت متمكن منها واكتسبتها، لا أرى لها دلالة في المجتمع، في حياتك اليومية، مع الناس المحيطين بك، تأثيرك كأكاديميّ محصور فيك فقط، أو في كتاب أو كتابين تكتبهما أنت وتضعهما على رفوف المكتبات، لكنَّ صدى هذه المعرفة…
عدنان: وتترقى على أساسها.
باسم: لكنَّ صدى هذه المعرفة في المجتمع ليس موجودًا. أنا سألت ناسًا كثيرًا. لماذا شخص ما مثلًا، كتب باتجاه معالجة التديّن أو الدين، انتشر وصار له تيار بالملايين، بينما كثير من الأكاديميين، سواء في علم الاجتماع حتى في نقد السرديات الدينية والتاريخية أو حتى أي مجال، محصور فقط، كتبه فقط، أو فيما نشره موجود في مكتبة أو اثنتين، وقرأ له عشرون أو ثلاثون كتابًا، أو قرأوا له 20 أو 50 أو 200، لا يوجد. هذا مقياسي، وهو: ما مدى التأثير في المجتمع؟ بعدها أحكم ما إذا كان لدينا فعلًا مثقفون قادرون على التأثير في المجتمع أم لا.
عدنان: الآن صرنا في منطقة ثانية ومنطقة أوضح. يعني، غير موضوع الجيل. الموضوع الآن، إذا أردتُ أن أطلق عليه اسمًا، هو موضوع إنتاج المعرفة.
باسم: هو ليس فقط إنتاج. إنتاج المعرفة، هذه المعرفة المنتجة فينا صارت، كيف يمكن أن نحملها، وما مدى استجابة المجتمع لها منك أنت؟
عدنان: أنا رأيي معك أن إنتاج المعرفة منخفض في العالم العربي بدرجة قوية، وعندما أقول إنتاج المعرفة، أعني كل المنتج الفكري أو العلمي المتاح للجميع أو للمختصين. في الحالتين يعني هو إنتاج المعرفة يوجد كتاب في القانون، يوجد كتاب في الفلسفة، يوجد كتاب في علم الاجتماع، يوجد كتب الاقتصاد وغيره، لأنها الخزان الفكري للمجتمع، هذه المعرفة.
فنعم، إنتاج المعرفة انخفض بقوة في العالم العربي. السبب الرئيسي أن منتجي المعرفة هناك مسدس على رؤوسهم، وهذا المسدس إما أنه آتٍ من رجل الدين، أو آتٍ من الحكومة، من الرقابة السياسية على الجامعات. الجامعات، الأساتذة، والإدارات، والأقسام، تُراقَب خطواتهم وسكناتهم وكلماتهم وحركاتهم بصورة مستمرة، ومن يقول كلمة غير الكلمة المقبولة يُعاقَب.
كيف قتلت السلطة والرقابة حرية البحث العلمي في الجامعات العربية؟
باسم: يعني، انعدام الحرية.
عدنان: نعم، ولكن الأخطر أين؟ الأخطر أنه مع الوقت، مع الوقت، ونحن نتحدث عن عشرات السنين صرنا، مع الوقت، يصير..
باسم: تدجين للعقل المعرفي.
عدنا: نعم، هو العقل نفسه لا يطرح سؤالًا، باعتبار أن الجواب موجود. الجواب هو الذي قدمته السلطة السياسية أو قدمته السلطة الدينية. فهو عندما يريد أن يكتب، يحاول أن يكون ضمن السياق، لأن هذا هو المسموح به، ويستبطنه.
أنا حضرتُ مرة جلسة، أول مرة اكتشفتُ هذه الفكرة، كنتُ في إحدى الدول العربية، وكنتُ خبيرًا لليونسكو أزور وزارة تربية. وكانت المتكلمة من وزارة التربية تتكلم، وتدور برأسها بطريقة أثارت انتباهي، يعني، بطريقة تتكلم وتدور برأسها، انتبهتُ في تلك اللحظة أنها عندما تتكلم تنظر إلى الذين يراقبونها، إذا كانت تقول ما يجب أن تقوله.
باسم: يعني، ترى ردة فعلهم نحوها.
عدنان: فهذا النموذج، أنا أظن أنه بعد ذلك تعمم، ليس فقط لأن النظام هذا كان قاسيًا، الذي أتحدث عنه كان قاسيًا جدًا في منتصف السبعينيات، وإنما أيضًا مختلف الأنظمة العربية عملت طُرقًا لضبط جامعاتها، لا أعرف ماذا أسميها، ولكنه صندوق فيه شباب مستعدون للتمرد، وفيه أفكار يمكن أن تنتشر في المجتمع، لأن هؤلاء، من المفترض، أساتذة الجامعات، هم منتجو المعرفة. هم الملقِّنون أو ناقلون، والملقنون هم غير منتجين. الأستاذ هو الذي يعلِّم وينتج ويبحث ويفكر. فالحكومات قررت منذ زمن أن أفضل طريقة لضبط المجتمع هي ضبط الجامعات.
الطلاب نجد لهم طرقًا للتعامل معهم، والأساتذة والجامعات، ونرقيهم: “أنت سنفعل لك كذا، وأنت سنفعل لك كذا وإلى آخره، وليكن كذا، وليكن كذا”. ثم نعاقب أربعة، خمسة، ستة، عشرة، هذا نضعه في الحبس، وهذا نخطِفه، وهذا نضغط عليه دينيًا، وهذا نقيم له حملة إعلامية وإلى آخره، فالناس انتظمت في هذه الحياة.
لماذا تحالف رجل السلطة ورجل الدين ضد حرية الفكر في الجامعة؟
باسم: يعني، حدثت عملية تأطير للعقل الجامعي، وبالذات العقل الشبابي في الجامعات وهذا عندما يتخرج من الجامعة يبقى حاملًا للعقل المؤطَّر نفسه.
عدنان: هو الأخطر هنا الأساتذة أنفسهم. يعني، من المفترض، نحن في العالم العربي عندما كنا في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، كان هناك إنتاج غزير، وكانت الحرية الأكاديمية لا تزال موجودة بالجامعات. الآن..
باسم: ما الذي طرأ على المجتمعات العربية، وحتى على –دعنا نسميه- النظام العربي الرسمي، أن يقوم بعملية تحجيم لكيفية تعليم الطلاب في الجامعات، والحدود التي وُضعت، أو الأسقف التي وُضعت لإنتاج المعرفة –إن جاز القول-. أنت وضعتَ سقفين: وضعتَ سقف رجل الدين ورجل السلطة، وواضح أن رجل السلطة لديه قوة، ورجل الدين لديه تأثير، يعني، هل هناك تحالف ما بين القوة والتأثير لإخراج طالب، مثلًا، مؤطَّر ضمن سياق مرسوم له مثلًا؟ أم أن التأطير هو فقط لمنع التفكير؟
عدنان: يعني، صعب الجواب بكلمة واحدة، ولكن، قارن بين حكاية طه حسين في الثلاثينيات وحكاية..
باسم: حامد أبو زيد.
عدنان: حامد أبو زيد، الاثنان فكرا وكتبا قضايا مثيرة للجدل في الدين الإسلامي. طه حسين عندما هوجم، قام رئيس الجامعة وكتب استقالته، إنه لا يحق لأحد أن يتدخل في شؤون أستاذ وينقله أو يطرده أو يؤثر عليه: “وإلا أنا أستقيل”. مع…
باسم: حامد أبو زيد.
عدنان: حامد أبو زيد، رئيس الجامعة هو الذي استدعى وتعاون مع رجال الدين بالجامعة ليهاجموا الرجل هذا، وتكبر القصة وتكبر وتكبر، والنظام السياسي مسرور لأنه هكذا، كنا هنا في الجمهورية، وهناك كنا في الملكية في قضية طه حسين على كل حال. فالحكومة رأت هذا النزاع مفيدًا جدًا؛ لتعزز القوى المحافظة في الجامعة وإلى آخره، ولا أحد يعمل.. وبالتالي، التحالف بين السلطة التي تعتمد الأسلوب الأمني ورجال الدين ليس بالضرورة كأشخاص، بل تعتمد الدين أو الحزب، الاثنين. هناك دول عندها كان حزب، لكن عندها المخابرات، وهناك دول لديها أحزاب دينية وعندها مخابرات، فتحكم الأمور فيما بينهم. وعندها الطبقة الوسطى الذين هم أساتذة وإلى آخره. ويريدون أن يعيشوا بسلام، ويتزوجوا وينجبوا أولادًا، ويترقوا وإلى آخره: “يا رب سترك”.
كيف سمح “ضعف الدولة” في لبنان بهامش من الحرية الأكاديمية؟
باسم: لديك مسيرة تعليم كبيرة تمتد لأكثر من أربعين سنة مثلًا؟ أعتقد في الأربعين سنة، هل سبق أن مارس عليك أحد، مثلًا، ضغطًا أنك يجب أن تدرِّس في هذا الاتجاه؟ مطلوب منك أن تفعل هكذا؟ أم أنك نفسك، ضمن مفاهيمك الخاصة، لإنتاج المعرفة وتمارسها مع طلابك؟ أين حدث التغيير الذي حدث الذي جعلك تصل إلى مرحلة أنك مللت من إنتاج المعرفة، بحكم أنه لم تعد هناك، مثلًا، استجابة عند الطلاب؟ هل حدثت لديك، مثلًا، هذه الحالة؟
عدنان: أنا لم أملّ من إنتاج المعرفة، أنا مللتُ من التعليم، من نقل المعرفة، هناك فرق، هناك فرق..
باسم: أكيد هناك فرق.
عدنان: أنا ولا مرّة شعرت أن هناك أحدًا يقيدني في لبنان. أولًا السياق اللبناني مختلف عن كل الدول العربية؛ لأن الحكومة ضعيفة أصلًا.
باسم: الحمد لله.
عدنان: والمخابرات ضعيفة.
باسم: أيضا الحمد لله.
عدنان: الاثنان.. ورجال الدين ضعفاء رغم كل ما يقال.
باسم: أيضا الحمد لله.
عدنان: وبالتالي.. ثم لدينا نزاع مسلم مسيحي، جعل الدستور يحفظ الحريات، ففي سياق الحفاظ على التنوع أو.. التعدد، يسمونه التعدد وليس التنوع، تعدد الجماعات صار مجال للحريات. أي انتقاص أو شيء حضرتك تقوله في الإعلام إلى آخره، ينظرون إلى: هل هو مسيحي يهاجم المسلمين، أم مسيحي يهاجم المسيحيين؟ فيصيروا يعني.. فتسير الأمور بدون… هذا هامش ناجم ليس عن قصد..
باسم: بحكم التقسيمة الطائفية القائمة.
عدنان: بحكم التقسيم وأنهّا حريات عامة، فيصير يظهر صحافة حرة في لبنان، يكتبون ما يريدون.
باسم: ولهذا كانت لبنان مركزًا صحافيًا حقيقة.
عدنان: أنا لدي تجربة في الجامعة اللبنانية، يعني، كمثال على الحريات. في يوم من الأيام، اتفقتُ أنا وعدد من الزملاء، كنا خمسة أساتذة في الجامعة، قررنا أن ندرس أوضاع جامعتنا، التي هي الجامعة اللبنانية وقضينا حوالي ثمانية أشهر أو تسعة أشهر، جمعنا البيانات وأجرينا مقابلات وقرأنا، ونحن لدينا أفكار، ونعرف ما القضية، لكن كي لا نكتب مجرد بيان، بل نكتبه مدعمًا. وكتبنا تقريرًا مفصلًا حول مشاكل الجامعة اللبنانية، وفيه هجوم واضح على إدارة الجامعة وطريقة إدارة الجامعة وإلى آخره، ونحن أساتذة في الجامعة، لم يستطع أحد أن ينال منا، رئيس الجامعة بعث لي بالبريد المضمون أن الجامعة سوف تقيم دعوى على كل من شارك في هذا الموضوع. فعرضتُ الكتاب على محامٍ، فقال لي: “ليس لديه قضية، ليست هناك قضية”. على كل من شارك. ماذا شارك؟ ماذا فعلنا؟ هل ارتكبنا جريمة؟ نحن قلنا رأيًا. وانتهى الموضوع بهذه الطريقة.
هل تحولت الجامعات في لبنان إلى أدوات للمحاصصة الحزبية والطائفية؟
عدنان: وبالتالي، أقصد، السياق اللبناني يسمح بدرجة من الحرية للناس أن يكتبوا ويؤلفوا. عندنا القيد، فقط القيد الذي تطور حديثًا ليس الدولة؛ القيد حاليًا هو الحزب نفسه، داخل الطائفة، الذي يسيطر على منطقة معينة. الآن، هذا قيد جديد، وهذا آخر ثلاثين سنة، منذ عام 2000.
باسم: وهذه السيطرة تطال الجامعة حتى؟
عدنان: نعم، نعم، نعم، تطال الجامعة، تطال الجامعات، معظم الجامعات. يعني، نقول الجامعة هذه تسيطر عليها حركة أمل، وهذه الجامعة يسيطر عليها التيار الوطني الحر، وهذه الجامعة يسيطر عليها.. وإلى آخره.
باسم: يعني، صارت هناك محاصصة حتى، ليس فقط في الحكم، بل هناك محاصصة في الجامعات.
عدنان: نعم في التعليم العام والتعليم الثانوي والعالي، والمؤسسات الخاصة، هناك يد وُضعت مع الوقت على عدد لا بأس به، ليس كلها طبعًا، من المؤسسات التعليمية في لبنان. وأصبح هامش الحركة، يعني، تجد مؤسسة كلها، لنقل مسيحيون، موظفون مسيحيون، تلاميذ مسيحيون، وأساتذة مسيحيون، وآخره. وطبعًا سنّة هنا، وموارنة هناك، وأرثوذكس، وليست هذه هي المشكلة، المشكلة هي في السياسة، يعني، أن يكون هناك حزب فيه شخصيات سياسية اليوم في الحكم، عندها مدارس وعندها جامعات، وهي تدير كميات كبيرة من المدارس وجامعة وأكثر من ذلك. وهو الذي يصير، هو رجل سياسي يترشح للانتخابات… وإلى آخره، فكل العاملين والطلاب والأساتذة في هذه الجامعة يصبح عندهم ولاء، أصلًا يعطيهم.. يقدم لهم منحًا، ويعفو عنهم كذا، ويساعد كذا… وإلى آخره، وهو رجل طيب، وكل ما تريده، فصار هناك الآن ما تحدثنا عنه في الأول: رقابة ذاتية سياسية.
باسم: لمواءمة..
عدنان: نعم، جماعة معينة.
هل الجامعات العربية تخرّج “مواطنين” أم “أتباعًا” للزعماء والطوائف؟
باسم: وبالتالي، أنت هنا، يعني الجامعات.. هذا استنتاج خطير، بأن الجامعات لا تخرِّج مواطنًا، تخرِّج أتباعًا.
عدنان: نعم.
باسم: وأي تعليم هذا؟ وأين المستوى المعرفي الذي نتحدث عنه؟ يعني، إذا كانت المعرفة التي ينتجها أستاذ الجامعة ويقدمها للطلاب لا تنتج طالبًا مستقلًا أو طالبًا متنورًا.
عدنان: نعم.
باسم: ولا تنتج مستويات معرفية تطال الجميع، أو المجتمع كله، أو طبقة الطلاب كلها، أو فئة الطلاب كلها. إذًا، أنت تقوم بعملية تفريخ لموالين لشخص أو موالين لطائفة. يعني، أنت ترسخ الانتماء الطائفي دون أن يكون له أي سقف وطني.
عدنان: صحيح ولكن، لا يزال هناك “ولكن”، هناك اثنان “ولكن”، فالجامعات في لبنان ليست كلها.. في نفس..
باسم: التصنيف.
عدنان: نفس التصنيف. هناك جامعات مختلطة. هذه جُزُر جامعية. وهناك جامعات تابعة أو مؤسسات، ليس فقط جامعات، بل مؤسسات تعليم عال نسميها تكون كلية أو معهدًا أو غير ذلك. الجامعة تكون أكبر من هذا. فالغلبة للجامعات التي أحكي عنها حاليًا، وبما في ذلك الجامعة اللبنانية، الجامعة التي هي الجامعة العمومية، التي هي أيضًا مفرّعة إلى فروع في المناطق وفي بيروت، وكل فرع يخضع لنفوذ طرف سياسي، ليس دينيًا، طرف سياسي. ويصير الترقي والأداء والتعيينات وإلى آخره…
باسم: وفق رغبة السياسي.
عدنان: نعم مربوط بهذا، التوضيح الثاني، هناك جزر وهناك خطر. التوضيح الثاني هو أن هناك فارقًا بين أنواع الكليات.
باسم: حسنًا.
عدنان: يعني، الكليات العلمية وضعها، غير وضع الكليات الإنسانية. الكليات العلمية تعلّم باللغة الأجنبية في لبنان. الأساتذة ينشرون باللغة الأجنبية في الخارج. امتحانات الدخول تجري باللغة الأجنبية، فالمحافظة على الجودة.
باسم: موجودة.
عدنان: موجودة، فتجد لدينا كليات، مثلًا، كلية العلوم في الجامعة اللبنانية، لأنها مفرّعة، لكنها لا تزال، ولا بأس بها، حاليًا، هناك مباراة (امتحان قبول) لكلية الطب في الجامعة اللبنانية، يتقدم إليها ستة آلاف شخص أو أربعة آلاف شخص، لسمعة الكلية، لأننا نتحدث هنا عن كلية علمية، مرجعيتها العلمية واضحة.
باسم: لا تدخل فيها، لا يستطيع.. بالتأكيد من يتدخل فيها..
عدنان: لأنه ينشر مقالًا في الكيمياء وينشره في مجلة عالمية.
باسم: والذي يتدخل فيها لا علاقة له بالموضوع الكيميائي.
عدنان: لا ينجح الأمر معهم؛ لأنه يكتب شيئًا، ليس له علاقة بالنزاع الفكري. لكن إذا تذهب إلى كليات الآداب والعلوم الاجتماعية، هنا يوجد تدهور شديد؛ لأنك تنشر بالعربية، يعني في لبنان، يعني يُقرأ من السياسيين… يعني يعني إلى آخره. وبالتالي هناك نزعة غالبة للكتابة بطريقة..
باسم: تخدم السياسة.
عدنان: مسالمة، أو يعني مواكبة للنزعات، وهذه هي القضية والجواب واضح، يعني يكتب الباحث باعتبار أن عنده السؤال وعنده الجواب من أول صفحة. ليس لديه السؤال فقط..
باسم : يعني الجواب جاهز. يعني، يجيِّر البحث.
عدنان: البحث أصلًا ليس عنده جواب، فيبدأ بالسؤال. الآن، يمكنك القول إن تسعين بالمئة من الأبحاث في العلوم الإنسانية والاجتماعية السؤال فيها جاهز، وهو كذا وكذا، والجواب جاهز، ولو غير معلن، وكل الكتاب أو الدراسة أو المقال هو برهان وحشو ليبرهن أن هذه الهوية هي كذا وكذا.
كيف أثر نظام “الواسطة” الطائفية على سوق العمل ومفهوم الكفاءة؟
باسم: هذا النوع من التدريس -دعنا نقول- هذا النوع من التدخل في صياغة المعارف التي تقدَّم للطلاب بهذه الزاوية، أنت كتربوي، أين رأيت تأثيراتها؟ ما التأثيرات التي يمكن أن يسلكها الطلاب بعد أن يتخرجوا ضمن طريقة التعليم هذه، أو طريقة صياغة المعارف أو تقديمها للطلاب؟
عدنان: نحن لا يوجد في لبنان قياس واضح لأحوال المتخرجين؛ لسبب لم نتكلم عنه بعد، هو أن سوق العمل في لبنان نصفه في الخارج. نحن سوق عملنا ليس في لبنان بالدرجة الأولى، بل بالخارج، يعني، الذي يتخرج، يكون أول ما يدخل الجامعة يقول: “نعم، غدًا سأسافر إلى دبي”، يمكن مصر، أو عمان، نفس الشيء، لكن هنا حجم هذه الآمال عالٍ جدًا. ولأننا مررنا بحرب أهلية، ثم بكذا، ثم بكذا، فكل عائلة لبنانية هناك جزء منها موجود في الخارج، من الخليج إلى أوروبا إلى الأمريكيتين إلى أفريقيا… إلى آخره.
فسوق العمل، حتى للمتعلمين نصف تعلم، يبعث في طلب خاله المقيم في أبيدجان، وهذا شيء قوي جدًا في المجتمع اللبناني وبالتالي، لا تقدر، لا تقدر في لبنان أن تجري بحثًا يدرس أن الذي يتخرج ماذا يعمل..
باسم: ماذا يفعل في المجتمع؟ لأن الغالبية تخرج إلى الخارج.
عدنان: الغالبية لديها سوق دراسة، فأنت عندما تدرس، يكون لديك توقعات أن تقدم لوظيفة كذا. طبعًا، توجد وظائف هنا، هناك نسبة، كما ذكرتُ الآن، في الطب وإلى آخره. ولكن هذا الانفتاح اللبناني القوي على الخارج يجعل من الصعب أن ترى مفاعيل هذا الأمر على المخرجات ولكن، الموجود هنا، إذا كان خريج هذا النوع من الكليات، شيء، وإذا كان خريج الكليات الأخرى، شيء آخر. خريجو الكليات الأخرى إجمالًا مع ولاءاتهم السياسية، وبالتالي ينضمون فورًا، يتوظفون على أساس ولاءاتهم. وهذا الشيء خرب نظام اختيار الأشخاص والمعلمين والموظفين، خرب في لبنان بسبب هذا الموضوع. صار أي شخص، أي طلب، أي أحد، يخطر بباله فورًا أنه الآن في لبنان إذا أراد أن يفعل شيئًا، يخطر بباله أنه يجب أن يبحث عن “واسطة” أول شيء.
باسم: حسنًا، والواسطة يجب أن تكون ضمن الطائفة التي ينتمي إليها.
عدنان: أو السياسة. الواسطة اسمها السياسة؛ لأنه يجوز ابن عمك، يجوز شخص صديق أبيك، يجوز شخص… ليس هناك قناعة، ولا حد أدنى لهذا القدر، أن الشخص سينجح بكفاءته. فتبدأ الاتصالات تأتيك: “الآن ابني متقدم لكذا، هل يمكنك مساعدته؟”، كيف سأساعده؟ هو سينجح وحده. فليس هناك ثقة؛ لأن الناس تعرف أن فلانًا نجح..
باسم: بالواسطة.
عدنان: وخاصة بالتوظيف، شيء من هذا النوع. وبالتالي، المفاعيل على العمل هكذا، على العمل غامضة، الموجودون هنا يدخلون بهذه الطريقة، يخربون مفهوم الكفاءة والاستحقاق، أنت معك شهادة كذا..
باسم: والحقوق.
عدنان: تتقدم ونتنافس أنا وأنت، حسنًا؟ فالمستحِق، يعني الذي لديه كفاءة أعلى. هنا يتخرب مفهوم الاستحقاق، هناك تخريب بالمعايير في كل هذه الحالة. من جهة العمل. من جهة السياسة أيضًا، فهو يكون جاهزًا للانضمام للمنظمة أو للجهة أو للمؤسسات، لأن كل المنظمات ذات العلاقة بالمجموعة هذه، ولا يجد أفقًا لحياته هنا إلا أن يكون ضمن جماعته السياسية؛ لأنها تحميه، من منافسة الجماعة الثانية، ومن غدر الجماعة الثانية، على الأقل يتخيل ذلك، فيصير أكثر وأكثر التصاقًا بجماعته، باعتبار أن هذا الأمر يؤمن له الحماية من غدر الزمان، ومن الهجومات، ومن الانحياز، وإلى آخره.
من الأخطر في لبنان: السياسي أم الطائفي؟ وأين دور المثقفين؟
باسم: هنا سؤالان أنا ممكن أسألهما، السؤال الأول: مَنْ الأكثر تأثيرًا في هذه النمطية، الطائفي أم السياسي التابع للطائفة؟ أم الاثنان مثل بعضهما، أم أن أحدهما امتداد للآخر؟
عدنان: ليسا مثل بعضهما.
باسم: والنقطة الثانية، بالتأكيد هناك وعي بهذه الظاهرة، وبالذات لدى أساتذة الجامعات، الذين من المفروض أن يكونوا ضمن طبقة معرفية ترقى إلى ما فوق هذه النمطية في التعليم. أليس هناك مثلًا من يقول: “يا إخوان، تعالوا لنرَ ما يمكننا أن نفعل، نحن يمكن أن نسبب تخريبًا للمجتمع”؟
عدنان: صحيح، أكيد. عندما أقول هذا الكلام، هناك أشخاص مثلي كثيرون، أكيد أنني لا أطلق البارود وحدي في غرفة مقفلة، فهذه السردية المتعلقة بوصف ما يجري، وما لا يجري، أنا لا أسميه طائفيًا، أسميه سياسيًا، لكن السياسي في لبنان، بخلاف السياسي في بلدان أخرى، قاعدته هي الجماعة الطائفية، يعني نصنَع من الهوية الطائفية شعارًا سياسيًا. فلِنقل شيعيًّا، الشيعة يحبون المجدرة مثلًا، وهذا عنصر ثقافي، حسنًا، أنا أسعد بأكل المجدرة لنفترض. الشيعة لا يرون.. الشيعي يرى هويته ليست ثقافية فقط، تحولت إلى هوية سياسية مع الزمن.
باسم: حسنًا، فهمتك.
عدنان: كانوا الموارنة، ثم السنة، ثم الشيعة والدروز طبعًا في ذلك الوقت. فتحولت الهوية الثقافية إلى هوية سياسية، وكل هوية سياسية لها زعيم، والزعيم يغذي هذا التطابق المفتعل، ما بين الهوية الدينية أو الطائفية، أنه طيب، هوية شيعية، وإذا كانت هوية شيعية، لماذا يجب أن تكون الهوية الشيعية تعني حزبًا؟ ليس حزبًا يا أخي، فهم حوّلوا الهوية الثقافية إلى شأن سياسي. الآن، طبعًا، هناك أناس خارجون من هذا الإطار، ولديك أصلًا أحزاب علمانية في لبنان ولا تؤمن بهذا الشيء وإلى آخره، وأكبر دليل على أن هناك شرائح واسعة من المجتمع اللبناني خارج هذا التصنيف..
باسم: بالتأكيد، واضح.
ما موقف النقابات العمالية من انتفاضة 2019 في لبنان؟
عدنان: هو الذي صار في انتفاضات 2019، التي نزل فيها مئات الألوف من الناس، تحت شعار “طلعت ريحتكم”، وتغيير النظام… وإلى آخره وإلى آخره. هؤلاء هم شريحة شبابية وتمردت، لم يكن لديها برنامج آخر، لكنها تمردت على هذا الشيء هذا الذي هو النظام يعمله ليضعنا، كل واحد منا، في جماعته السياسية. وأنا يا أخي لستُ.. أنا فرد، أريد أن أتفق أنا وأنت كفرد على برنامج سياسي، ليس سياسيًا، معًا، ونبني بلدًا، ونفعل… إلى آخره، ونُرجع قيمة القانون، ونُرجع كذا، ونلغي الفساد، هذه قيم طُرحت في 2019.
باسم: الاستجابة لها كانت صفرًا طبعًا؟
عدنان: حتى النقابات تاريخيًا في مصر وفي تونس، وحتى في لبنان وقت الانتفاضات في القرن الماضي، 1960-1973، الانتفاضات في القاهرة وفي تونس وحتى في لبنان، كانت النقابات لها دور، النقابات المهنية لأنها قوة. وحتى في تونس كان لها دور قوي في.. ابن علي، عليك أن تذهب إلى البيت، عليك أن تذهب إلى البيت. النقابة، عندما نقابة الشغل توقفت، توقفت يعني انتهى الأمر، قام الجيش تجاوب معها. نحن النقابات لدينا في 2019 ممسوكة، كل نقابة من طرف من أطراف السياسة الفاعلة في البلد. إن كان هذا الحزب أو ذاك الحزب. وبالتالي النقابات لم تحط المتظاهرين بالعطف ولا بالدعم ولا بشيء. هناك نقابيون أفراد نزلوا آزروا وفعلوا كذا… إلى آخره، ولكن القوى الاجتماعية التي انخرطت في الانتفاضة قوة محدودة؛ هي شباب، طلاب جامعات، خريجو جامعات، متمردون على الوضع القائم، مع أفراد..
باسم: لم يستطيعوا أن يشكلوا إطارًا يحميهم وحدهم.
عدنان: ليس إطارًا فاعلًا حتى أيضًا وقوى الأحزاب الثانية، أحاطتهم بكل أنواع الإرهاب والقمع وغيرها.
هل يمكن معالجة الانقسام المجتمعي انطلاقًا من المدارس والجامعات؟
باسم: طالما نتحدث هنا عن التربية والتعليم، تربويًا، هل لا توجد إمكانية لمعالجة هذه الظواهر ضمن الجامعات نفسها؟ رغم أننا أخذنا الحالة التي أنت قدمتها الموجودة في الجامعات، هل هذه معكوسة أيضًا في المدارس الثانوية والابتدائية، نفس الحالة مثلًا؟
عدنان: طبعًا، النظام التربوي لا يتجزأ، والنظام الاجتماعي هو الذي يؤثر ويحدد المسار التعليمي، أكان في الابتدائي أم في الثانوي، يعني اتجاهات المعلمين ومواقفهم من الأمور، فهم كائنات اجتماعية، جميع المعلمين، والطلاب كائنات اجتماعية وقادمون من أسر معينة، وأسرهم ينادون بكذا، ويرفعون صورة كذا، وينزلون كذا، ويحتجون على كذا، ويقولون كذا، فهذا موجود في كل النظام. والفرق أيضًا في لبنان هو هذه الجزر التي تحدثت عنها، أنا سميتها جزرًا وما زالت جزرًا؛ من جهة جزر جودة، ومن جهة جزر مستقلة عن هذه التكتلات أو الاصطفافات أو ما تشاء أن تسميه، لها طابع سياسي لخدمة جماعات سياسية، فهذه فيها جو تعليم وفيها انفتاح، يذهبون إليها ويلتحق بهذه المؤسسات أشخاص من أنواع، والأساتذة فيها أكثر حرية وأكثر إنتاجًا، والحياة الثقافية فيها أكثر غنًى… وإلى آخره.
باسم: لأن التعددية والتنوع موجود.
عدنان: موجود، موجود.. أنت في مؤسسة تعطيك حرية التفكير والممارسة، فتحسن التعليم، والتربية بهذا المعنى تؤثر طبعًا. المجتمع أو الأهل والآخرون يقولون لك: تفضل يا مدرسة أنا رأيتك ماهرًا، علِّم أولادي، أنا أعجبت بنظامك التعليمي، وأحيانًا المدرسة تأخذ الولد، تأخذه قدرًا كبيرًا من أيام وساعات العمل، حتى تعطيه كل الفرص ليفكر من رأسه، لا أن يفكر من رأس غيره.
باسم: يعني صار فعلًا نمطيتان من التربية أو التعليم.
عدنان: في لبنان..
باسم: هذه النمطية..
عدنان: في لبنان قوي هذا الشيء.
كيف يبدو الصراع في المجتمع بين خريج “التعليم الحر” وخريج “التعليم المؤدلج”؟
باسم: طيب، على مستوى المجتمع مثلًا، يحدث تعارض ما بين هاتين الشخصيتين؟ نحن نتحدث.. يعني التربية تُخرِج شخصية فيها عقل منفتح ولديها حرية والقدرة على طرح التساؤلات، وهناك شخصية تربوية تخرج شخصًا، لا، تقريبًا عقله تأدلج، وعقله صار ضمن نمطية محددة، وبالتالي لم يعد لديه أن يسأل من الأسئلة إلا المسموح له أن يسأله ضمن الدائرة المعرفية التي وُضِع فيها كطالب.
في المجتمع، يوجد تضاد؟ تشعر أنه يوجد نوع من التنافر ما بين هاتين الشخصيتين التربويتين؟
عدنان: طبعًا، طبعًا، ليست فقط شخصية تربوية، هي شخصية اجتماعية أو فكرية، يعني، يوجد نزاع، غير النزاع بين الجماعات السياسية، يوجد نزاع بين الناس، الأفراد المستقلون الذين ينتمون إلى منظمات مدنية، ينتمون إلى هيئات ثقافية أو فكرية أو صحف أو إلى آخره، وإعلاميون ونوادٍ… وإلى آخره. هؤلاء موجودون في لبنان أيضًا، حتى نعترف بالخريطة الفكرية في لبنان، موجودون. عندك شيء في لبنان اسمه “المفكرة القانونية” مثلًا، التي هي منظمة لديهم مجلة ولديهم محامون، وكل قضية يخصصون لها ما يكفي من الموارد ليثيروها ويتحدثوا أن هذا حق وهذا قانون وهذا غير قانوني؛ ابتداءً بالاعتداءات الإسرائيلية وصولًا إلى الإنفاق والفساد والهدر في لبنان. وعندهم، هؤلاء “المفكرة القانونية”، أنا أقرأ ما يفعلون، أنا أعتبر نفسي منهم دون أن أكون منهم، وأنت تعتبر نفسك منهم دون أن تكون منهم.
باسم: تتماثل معهم في الموقف.
عدنان: نعم.. لأنه توجد شريحة في المجتمع اللبناني، أحد دلائلها كان في 2019، ولكن ما زال هؤلاء الناس الذين يفكرون بطريقة أخرى، التي نسميها مدنية حقوقية، موجودين وبكثرة في طرابلس وفي بيروت وفي صيدا وفي الجنوب وفي البقاع، في كل مكان في لبنان، طبعا وجودهم أقوى في بيروت حيث يوجد اختلاط، حيث يستطيع المرء أن يمارس عمله المدني بصورة أقوى، وينزل يتظاهر في الشارع وإلى آخره. يوجد نزاع مضمر ومعلن. مضمر، يعني أن شخصًا يقاوم ضغط الحزب “سين” عليه ولا يريد أن يفعل، وهذا بمسؤولية أفراد من تلقاء أنفسهم، يعني لا أريد أن أسير مع هذه الجماعة أو هذه الجماعة، ولو من طائفتي أو من غير طائفتي، أنا لا أريد، أنا أؤمن بكذا وكذا، والآن، هؤلاء أفراد، لكن توجد مجموعات ونوادٍ، مثل الذي أعطيتك عن “المفكرة القانونية” وإلى آخره، وتوجد نواد وتوجد تجمعات..
باسم: أكيد، حيوية.
عدنان: مجتمع حيوي.
باسم: مجتمع حيوي.
عدنان: هنا بين هؤلاء وهؤلاء يوجد نزاع، بمعنى أنك تشعر أنك تقاوم، ولديك استعداد للهجوم أكثر لتأخذ موقعًا أفضل للحق العام والاستحقاق وإلى آخره.
لماذا لا يحترم المواطن اللبناني “الدولة” ويلجأ إلى حماية “الجماعة”؟
باسم: هذا النزاع شكل النزاع، أو دعنا نسمِّه هدفية النزاع، هو باتجاه أنه يجب أن تكون لدينا شخصية وطنية عامة أو هوية وطنية موحدة؟ أم أنه لا، أنا ضد هذه المجموعة وبالتالي أسعى أن أكون البديل لهم؟
عدنان: هو نزاع بين نمطي تفكير، ليس بين..
باسم: ليس بين مجموعتين.
عدنان: ليس بين مجموعتين، لأن الهوية الوطنية موجودة في لبنان، لا توجد مشكلة حول الهوية الوطنية في لبنان، رغم كل ما أخبرتك به، الافتخار بالانتماء للبنان عال جدًا في لبنان، أينما ذهبوا وأينما أتوا اللبنانيون، يرغبون في العودة إلى لبنان ويحبون لبنان وإلى آخره. فليس هذا هو الموضوع. يوجد سوء فهم للوطنية في لبنان، المشكلة في لبنان فيما يتعلق بشيء مرتبط بالوطنية ومتعلق بالدولة، أن اللبناني العادي لا يحترم الدولة.
باسم: يعني لا يحترم الحكومة مثلا؟
عدنان: الدولة، الدولة، القانون.
باسم: القانون، قانون الدولة بشكل عام.
عدنان: نعم الدولة والقانون.
باسم: أخطر من عدم احترام الحكومة.
عدنان: لا، لا، ليست الحكومة، بل الدولة، فهو في ذهنه تربى على هذا خلال خمسين، ستين، سبعين سنة؛ على أن وصوله مرتبط بجماعته، لا بتنافسه على قدم المساواة مع الآخرين. والدولة في فترة معينة، أيام شهاب في الستينيات، حضرت بقدر ما توسعت كإدارات، وأشعلت هكذا في النفوس مبدأ الاستحقاق والمنافسة والمباريات العامة والقانون وإلى آخره، إلى1975، ثم خربت خربت الدنيا، حرب صارت أقوى من الجميع في الحياة، خربت مفهوم الدولة، وصارت الدولة ضعيفة. وضعف الدولة هو الذي يجعل الجماعات السياسية حرة وحريات إلى آخره. لكن على كل حال، الموضوع متعلق بهذه النقطة حول: ماذا نتنازع؟ أنا شخصيًا في نزاع مستمر، معلن أو غير معلن، أقرأ وأكُبّ، لا أذهب لأستمع، فهذا نزاع حتى لو لم أذهب.
باسم: صحيح.
عدنان: أنا يخبرني خبرًا أنه كذا وكذا، وقد قاله ألف مرة: لا أريد أن أذهب أصلًا، حيث أريد أن أذهب، كأكاديمي، أريد أن أذهب لأسمع فكرة وأطرح فكرة ونناقش فكرة، فهذه ملامحي كأكاديمي، أنا لستُ مناضلًا ولستُ مقاتلًا ولا أي شيء، أنا أكاديمي، أنا أحب طبيعة مهنتي هي أن أطرح وأسمع وأناقش فكرة، كما يحدث بيني وبينك الآن، فهذه ملامحنا.
ألم يتعلم اللبنانيون مخاطر الطائفية السياسية؟
باسم: طبعًا، المجتمع اللبناني اكتوى بنار، دعنا نسميها، الصراعات الطائفية أو الصراعات السياسية التي خلفها مفهوم الطائفة، والذي تحدثنا فيه وكأن الناس ما زالوا في نفس الإطار، في تخريج أشباه نسخ طائفية أخرى. ورغم أنك تحدثت أن هناك اتجاهات أخرى طبعا في المجتمع اللبناني مختلفة. حتى الآن الناس لم تعِ المخاطر؟ مخاطر التكرار مثلا المشاكل الطائفية، وأنه يجب فعلًا الوصول إلى تفاهم وتعايش حقيقي؟ أنه “لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ” (الكافرون: 6)، دون أن يكون للطائفية امتداد أو نتوءات سياسية تتحكم فيها شخصيات خارج نطاق الدولة. ولهذا الناس يبدو لي أن علاقتهم مع الدولة ضعيفة، بحكم أن الذي يحميه طائفته، أو البنية الطائفية.
عدنان: الجماعة السياسية.
باسم: الجماعة السياسية، أو الجماعة السياسية التي أيضًا أحد نتوءات الطائفة.
عدنان: وهي نفسها أسهمت في تدمير الدولة.
باسم: بالضبط هذا الذي أتحدث لك عنه. والمجتمع، كل المجتمع اكتوى، بكل مكوناته الطائفية والسياسية، اكتوى بالنزاعات الطائفية على مدار أكثر من مئة عام.
عدنان: نعم.
باسم: ألم يحن الوقت للجميع، أو لمدرس الجامعة، أو للسياسي، لرئيس كذا، لرئيس كذا، أنه توقفوا يا إخواني؟ إن الطائفية تعيقنا كمجتمع عن التمدد، تعيقنا عن إنتاج المعارف، تعيقنا من إحقاق -طالما نتحدث عن التربية- أن يكون لدينا سلوك تربوي حقيقي في المجتمع لا يأخذ بعين الاعتبار انتماءك الطائفي في أي شيء من حياتنا المجتمعية.
عدنان: هذا الكلام يمكن أن يقوله شخص من خارج لبنان فقط.
باسم: فقط؟
عدنان: السبب السبب أنه، كأن الناس هي فقط تفكر من خارجها، الناس تفكر من داخلها، والقوى السياسية في لبنان تفتعل وتنفخ في فكرة أن المشكلة، مشكلتنا نحن يا جماعتنا، هي الجماعة الثانية، وهم يريدون أن يبلعونا، يريدون أن يأكلونا. فوقتها بدلا من طرح لموضوع الطائفية إلا بيني وبينك كقضية فكرية، لكن كقضية ممارسة يومية في السياسة، الحديث عند الفئات التابعة، أو أخذ هذا خطاب القوات وحركة أمل وحزب الله والحريري وكل الأحزاب هذه، يأخذون الخطاب كما هو، باعتبار أن أولئك أولئك خربوا البلد، أولئك، أولًا خربوا الدولة، أولئك، ليس نحن. ثانيا هؤلاء ينوون لنا، يجب أن نظل مستعدين ومتأهبين وألا نتخلى عن شعاراتنا. فهذا ممكن أن يظل هكذا مئة سنة، للأمام.
باسم: هذا نتيجة السلوك التربوي ككل بشكل عام أم لا؟
عدنان: هذا سلوك سياسي، التربوي هو ناتج عن سلوك سياسي، إلا إذا أتت طبقة اجتماعية جديدة وقالت: لا، يعني حاربت هؤلاء، طبقة من السياسيين والاجتماعيين، وعملت نظامًا سياسيًا جديدًا، ووقتها تصير التربية تعمل شيئًا جديدًا.
ما سبب تراجع المعرفة في الدول المنسجمة؟
باسم: الآن عرفنا سبب تراجع إنتاج المعرفة، مثلًا، دعنا نقول على المستوى اللبناني مثلا.
عدنان: والعربي كله.
باسم: نفس الشيء نعم. بحكم التقسيم الطائفي المتشابك، بحكم النزاعات الطائفية المتشابكة، والرغبات والنتوءات السياسية التي تنتجها الطوائف، مفهوم. وهذا انعكس على شكل التعليم وشكل التربية، والجزر التي تحدثت عنها. طيب في مجتمعات عربية أخرى مثلًا، يوجد تراجع معرفي، يوجد تراجع في التربية وفي التعليم، رغم أنها مجتمعات منسجمة طائفيًا، يعني لا توجد إشكاليات طائفية، بدون تسمية أي مجتمع. في مجتمع ما، أي من مجتمعات عربية أخرى، يوجد تماثل في نهج التدين ويوجد تماثل الثقافة العامة لديهم، لكن يوجد تراجع في التعليم ويوجد تراجع في التربية. ما الأسباب؟ يعني فهمنا لبنان، لماذا المجتمعات الأخرى أيضًا فيها نفس العملية؟
عدنان: هو نفسه، هي قضية السلطة، فالسلطة في الدول العربية سلطة واحدة على سائر المجتمع. هنا السلطة هي مجموعة سلطات، تتحكم كل جماعة، تتحكم بالرعايا التابعة لها، وفي مصر نفس الشيء، هي السلطة التي تمنع وتردع وتفعل وإلى آخره، فإنتاج المعرفة هناك ناجم عن تجنب، تجنب القضايا المثيرة للجدل، فلا تستطيع أن تتحدث عن الدين بحرية، لا تستطيع أن تتحدث عن الجنس بحرية، ولا تستطيع أن تتحدث عن السياسة بحرية، لا تستطيع أن تتحدث عن كذا بحرية، لا تستطيع أن تتحدث إلا في الشيء المسموح أن تتحدث فيه.
باسم: خوفًا على النسيج المجتمعي.
عدنان: خوفًا… لا، خوفًا من السياسة، من الحاكم، فالحاكم وضعك أنت كأستاذ جامعي… إذا أنت أستاذ تاريخ… سأخبرك شيئًا، أستاذ في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، قرروا في يوم من الأيام يؤرشفوا 2010، الانتفاضة، الربيع العربي، يؤرشفوه.. فيها شيء؟ بدأوا المشروع وجلبوا التمويل، عندما أرادوا أن يبدأوا، أتى أمر: أوقفوا المشروع. أنت ليس لديك الحق أن تدرس الحركات الاجتماعية في مجتمعك. ليس لك حق. ممنوع. إذا أنت لم تدرس الحركات الاجتماعية في مجتمعك، ماذا تريد أن تدرس؟
لماذا لا تستجيب السلطات لأبحاث علماء الاجتماع في العالم العربي؟
باسم: دعني أستطرد منك هنا. أنا التقيتُ مع عدد من علماء الاجتماع العرب، ومع مدرسين لعلم الاجتماع أيضًا. كان سؤالي للغالبية منهم، وقد التقيتُ بعدد لا بأس به من دول في شمال إفريقيا العربية ومن دول أخرى، أنه: ما مدى استجابة، السلطة أو النظام أو المؤسسات المجتمعية في المجتمع، أو إدارات الوحدات المجتمعية في المجتمع لما تنتجونه من معارف على مستوى علم الاجتماع؟ الجواب كان صفرًا؛ أن إدارات المجتمع لا تستجيب لما يقدمه علماء الاجتماع من نصائح لكيفية معالجة الظواهر، مثلًا، معالجة سياقات مجتمعية أو سلوكيات مجتمعية محددة. صفر.
عدنان: هذا جواب خاطئ. انظر، الباحث الاجتماعي ليست وظيفته أن يقدم نصائح للحاكم، وإذا في تفكيرهم وهذه إحدى مشكلات الباحثين العرب في العلوم الإنسانية، أنهم يشغل بالهم أن يقدموا نصائح للحاكم. والحاكم في الحالتين لن يقرأ ما يقدمونه. فجوابه ليس يجب أن يكون هكذا. يجب أن يُجري بحثه على الموضوع، مسموح له أن يجري بحثه على شيء هو يختاره؟ ليس مسموحًا. فيقوم يكتب، يعمل شيئًا، وبعدها يرفع توصيات، وبعدها يقول: “التوصيات لا أحد يرد عليها”. من طلب منك أن تعد توصيات أصلًا؟ ما معنى التوصيات في البحث؟ هذه خدعة، خدعة في البحث في العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية. في البحوث العالمية، أحسن من يأخذون جائزة نوبل لا يقومون بعمل توصيات. من اخترع التوصيات هذه؟ ثقافة محافظة موالية للسلطة وإلى آخره، وبعدها يلومون الحاكم لأنه لم يأخذ بها. لا يريدون أن يأخذ بها يا أخي، لا يريد منكم شيئًا أصلًا هذا الحاكم لتفعلوا شيئًا.
باسم: ليس بالضرورة للحاكم للسلطة السياسية، المقصود حتى على مستوى إدارات البلدية، مستويات..
عدنان: لماذا يريدون أن يقرؤوا؟ لماذا؟ خذ الأبحاث.. في العالم كله لا يقدمون توصيات ليقرؤوها. هناك حلقة أخرى بين كتابة البحث ونشره، وما بين تحوله لعمل يُستفاد منه. هناك مرحلة وسطى هي أخذه من قبل قراء من نوع معين، ويأخذون النتائج ويحولونها لأفكار عملية. الباحث ليست وظيفته أن يقول كيف يجب أن تُطبَّق، وإلا توقف توقف عن عمل البحث. الباحث..
باسم: يقدم نتيجة البحث.
عدنان: فقط. نتيجة بحثه أنه تبين له أن الذكاء الاصطناعي، عفوا، الذكاء الانفعالي مهم. ليس هو الذي كتب “الذكاء الانفعالي” هو الذي غير المناهج. الناس الآخرون غيروا، لكن عندما قرأوا الكتاب، قالوا: “إذا كانت الانفعالات فيها ذكاء مثل الذكاء العقلي، سنقوم بعمل شيء بناءً عليها”. فالباحث يعمل نتيجة ونتيجة مهمة، فالناس الآخرون، قراء أذكياء، يحولون هذه النتيجة النظرية إلى برنامج تربوي.
ما هو الفرق بين “الباحث” و”الخبير”؟
باسم: طيب. دعنا نسأل السؤال بطريقة ثانية. أنا مدير مؤسسة مجتمعية ما في أي مجتمع. يوجد لديَّ ظاهرة سلوكية أراها في المجتمع، أطلب ممن يساعدني في حلها؟ أليس عالم اجتماع مثلًا؟
عدنان: لا. هناك عالم اجتماع وظيفته أن يبحث، ليست وظيفته أن يحل. باسم: أنا مدير، أنا لديَّ مشكلة.
عدنان: أعطني مثالًا، دعني…
باسم: مشكلة بشكل عام.
عدنان: يعني الفقر في المجتمع؟ الفقر؟ كيف تريد أن تحلها؟ ماذا تريد؟ أم..
باسم: الفقر ليس سلوكًا.
عدنان: الأهالي يضربون أولادهم؟
باسم: الفقر ليس سلوكًا.
عدنان: الأهالي يضربون أولادهم؟ أعطني مثالا..
باسم: أنا أعطيك مثالًا: ارتفاع نسبة الجريمة، ارتفاع نسبة المخدرات، ارتفاع نسبة التعدي على القانون، ارتفاع نسبة الطلاق. يعني، يوجد الكثير من القضايا…
عدنان: لا يوجد علاج، قبل أن توجد نتائج تحليل. لا يوجد هكذا. حلل لي هذه المشكلة، لا يوجد حلل لي هذه المشكلة. أنت تذهب لحكيم (طبيب)، هو إذا كان حكيما محترفًا، وأنت ذاهب إليه ليحل لك مشكلتك، والحكيم نوعه غير الباحث، هو يريد أن يقوم بتحليلات. تحليلات تقول لك: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة. هذه الحالة الوحيدة التي فيها… لأن الحكيم هو باحث وفي نفس الوقت وفي نفس الوقت متصرف، يعني فاعل.
أما الباحث الاجتماعي، فوظيفته أن يقول: “الجريمة في لبنان، نحن درسنا 14 جريمة أو 100 جريمة أو إلى آخره، وحللنا وأجرينا مقابلات، ظهر معنا أن أبرز مشكلة في الجريمة هي العلاقة بين الأب وابنه”. لنفترض ذلك. وقتها يأتي شخص، جمعية تقول: “أنا أريد عمل برنامج للتوعية أو للضم أو ليمنع…”. هو ليس وظيفته، هذا عالم الاجتماع هو، يعمل البرنامج. يعني إذا خلطتهم ببعضهم، لن تصل لنتيجة. إذا أردت أن تبدع في العلاج، تقرأ أعمال الباحثين. إذا لم يوجد باحثون، يعني تبني هكذا…
باسم: يعني، أعطيك مثلًا، أنا عشت في بريطانيا فترة، وكنت أشعر مثلًا أنه عندما يواجه المجتمع.. تنتشر ظاهرة مثلًا، تُحال إلى إحدى اللجان في البرلمان، يعني البرلمان يعي أن هناك مشكلة، ويحيل هذه المشكلة إلى مجموعة، إلى لجنة مختصين، أو هو يطلب من المختصين: “عندنا هذه الظاهرة، تفضلوا، أخبروني كيف سنحلها؟”.
عدنان: من أين يأتي بهم؟ يأتي بناس..
باسم: يأتي بعلماء في السلوك إذا كانت مجتمعية مثلا.
عدنان: هؤلاء العلماء، أشخاص.. معك.. من أجل هذا يجب أن نميز. إذا تقول لي: “تفضل كخبير”، أنا آتي. إذا كنت حضرتك نائبًا أو وزيرًا أو رئيس حكومة أو رئيس جمهورية، وقلت لي: “تفضل، أنت خبير تربوي، وقل لي كيف نحلها؟”، أنا أقول لك كيف نحلها، لكنني أبني حلي على أعمال سابقة. على أعمال علمية سابقة قرأتها، وأقول لك: “بناءً على نظرية فرويد أو نظرية كذا”. وإلى آخره. يجوز ألا أقول بناءً على نظرية، لكن خلاصة معرفتي كخبير أضعها تحت تصرف السياسي. الآن، سميت أنا من هو الخبير الذي يصف، الخبير الذي يصف العلاج، هو غير الباحث الذي يصل لنتيجة. الخلط بينهما…
باسم: خطأ.
عدنان: أدى إلى أن الذي يريد أن يقوم ببحث، يريد أن يكون هو باحثًا وخبيرًا في نفس الوقت. يا أخي، ليست وظيفتك أنت.
باسم: فهمتك.
عدنان: يمكنك أن تلعب.
باسم: الفصل بين الخبير و..
عدنان: يمكنك اليوم تكون باحثًا وغدًا تكون خبيرًا، لا توجد مشكلة. يمكنك أن تكون باحثًا وزميلك يكون خبيرًا؛ لأنه في النهاية عندما تكون باحثًا، ستنشر وستقرأ، والذين سيقرؤون سيتحولون، ربما، إلى خبراء، ويطبقون طرقًا استنادًا إلى البحث الخاص بك. قوة البحث العلمي في العالم من نتائجه. بعد ذلك، يأتي المهندسون، يأتي الآخرون الذين يجرون تجارب تطبيقية على كذا، على نتيجة. ليس هو الباحث نفسه الذي يخرج بالنظرية هو الذي يحل العملية. لا، آينشتاين ليس هو الذي عمل كل الابتكارات.
باسم: لا أكيد هو وضع نظريته وأدار ظهره.
عدنان: ولا كارل ماركس هو الذي عمل… ليس هكذا، ليس هكذا الموضوع. هم، تبسيطهم، هم على قدر أساسهم، يريدون علاقتهم بالسلطة مرضية بالحياة… علماء الاجتماع، أساتذة علم الاجتماع.
كيف يمكن كسر التحالف التاريخي بين السلطة السياسية والسلطة الدينية؟
باسم: قبل أن ننهي، سؤالي: أنت تحدثت عن أن هناك ثنائية متبادلة ما بين رجل الدين ورجل السلطة أو رجل الأمن في ضبط المجتمع أو تحديد شكل التربية أو الثقافة أو المعرفة التي يُسمح بتداولها في المجتمعات. كيف يمكن كسر هذه التبادلية؟ كيف يمكن كسر هذه التبادلية أو هذه الثنائية؟ وهل صحيح أنه فعلًا توجد تبادلية في المنفعة ما بين رجل الدين ورجل السلطة مثلا؟ هل فعلًا في كل المجتمعات هذه الظاهرة قائمة، أم أن هناك مجتمعات عن مجتمعات مختلفة في المستويات؟
عدنان: طبعًا، لا تتشابه المجتمعات. يعني، عندك الدين في أفغانستان غير الدين في لبنان.
باسم: دعنا نقول التديّن، أنا أحب أن أستخدم “التديّن”.
عدنان: إذا فهمتك، قوة رجال الدين.
باسم: نعم نعم.
عدنان: إذا قوة رجال الدين، ليس التديّن. قوة رجال الدين هي قوة أقرب إلى أن تكون سياسية. رجال الدين هم الذين يأخذون القرارات. سيطر رجال الدين على الحكم في أفغانستان وفي إيران، وواضحة، لا تحتاج إلى مداورة. وهؤلاء فرضوا قواعد للسلوك الاجتماعي.
باسم: السلوك الاجتماعي المتوافق مع فهمهم هم للتديّن.
عدنان: فرضوا نظامًا للتربية والتعليم، منعوا النساء من التعليم، فصارت سلطة دينية. لكن سلطة، ليست سلطة دينية بمعنى أنها مثل رجل الدين الذي يأتي فقط ليعقد القران.
باسم: هذا موظف حكومي.
عدنان: هذه مهنة. لكن الدين بمعنى السلطة، هذا موضوع آخر…
باسم: يفرض سلوكًا.
عدنان: نعم، فإجمالًا، إجمالًا من بداية التاريخ، يعني التاريخ العربي بشكل خاص، الإسلامي، من معاوية وصعودًا، صار الحاكم يتخذ السلطة الدينية؛ لأنه يعتمدها للمبايعة ويعتمدها كأداة للترويج.
باسم: استمداد الشرعية، وعكازة للترويج.
عدنان: مئة بالمئة، حتى صار، يعني، يعطيهم… بعد ذلك، في مصر مثلًا، لديهم وصفة، يعني وصفة، لما يجب أن يتحدث به الخطباء يوم الجمعة. في الخليج وفي مصر، ماذا يجب أن يتحدثوا اليوم، يوم الجمعة، في أي قضية.
باسم: في كل المجتمعات العربية ظهرت ظاهرة أن خطبة الجمعة طبعًا الدولة مسؤولة عنها.
عدنان: تبعية رجال الدين للحكم السياسي. لكن توجد أحزاب سياسية على أساس ديني، اعترضت منذ زمن، مثل الإخوان المسلمين في مصر. فهنا دب النزاع بين حزب سياسي ديني. الإخوان المسلمون، أقاموا نظريتهم على الدين، ليست على خيارات سياسية.
باسم: على شكل التديّن، ليس الدين على شكل التديّن.
عدنان: نعم. يعني، أفكار آتية من نصوص دينية، يعني أفكار سياسية..
باسم: بفهمهم الخاص.
عدنان: طبعًا، أكيد. هو حزب، بما أنه حزب سيفهمه على طريقته، ليس كبقية العامة. فهنا دب النزاع بين السلطة السياسية وسلطة تنادي…
باسم: لأنه صار ينازع على الدولة.
عدنان: تنادي بكذا… من بعد عبد الناصر، تحالف الحاكم مع السلطة الدينية، مع الأحزاب السياسية، مع الإخوان المسلمين أنفسهم، من السادات وصعودًا، تحالف مع الإخوان المسلمين، وعادوا هم اغتالوه، وعاد مبارك وفتح لهم الباب إلى آخره.
فالعلاقة بين السلطة الدينية والسلطة السياسية علاقة متوترة، لكن إجمالًا، إجمالًا في بلادنا، الحاكم بحاجة، بسبب الثقافة الدينية القوية في مجتمعاتنا، بحاجة لبركة وشرعية من رجال الدين.
باسم: صح.
عدنان: باستثناء لبنان.
هل يمكن للدين أن يكون جامعًا للسلوك الأخلاقي بدلًا من كونه طقسًا انقساميًا؟
باسم: في دول أخرى، بدون تسمية، الحاكم لا يستمد شرعيته من رجل الدين، ليست كل المجتمعات العربية، فيه وفيه.. سؤالي الأخير: لا أحد يستطيع أن يبعد الدين عن حياة الناس بالمفهوم الذي أنا تحدثت لك عنه. الدين هو نظام الجزاء والحساب، المحاسبة، ليس نظام ممارسة الطقس. تمارس الطقس بالطريقة التي أنت ترتئيها، لكن نظام الحساب والعقاب في المجتمعات، يعني أن تحاسب أنت على سلوكك، وبالتالي المعيارية الخاصة في العلاقة ما بيني وبينك كأفراد في المجتمع، وحتى الدولة بشكل عام… السلوك، إذا كان سلوكك سيئًا للمجتمع أو للفرد، فأنت ستحاسب عليه، وإذا كان سلوكك حسنًا، فأنت ستحاسب عليه، ستجازى عليه. وبالتالي، في رأيي، الدين وضع المقومات الأساسية لمحاسبة الناس، على أساس آني. أنت ممكن إذا أخطأت… نظام الحساب والعقاب في المجتمعات. هل يمكن اعتماد هذه الآلية، مثلًا، وهذا الفهم اللساني لمدلول لفظ الدين في المجتمعات، بعيدًا عن ممارسة الطقس. أن يعود الدين ليكون جامعًا، وأن تكون ممارسة الطقس فردية؟
الآن، أنا في رأيي، العكس، أن التديّن جمعي، وهذا يُكثر من السلوك المنافق في المجتمعات، والدين غير موجود. نسعى لإعادة الدين بالمفهوم اللساني، الذي هو بالحكم والالتزام بالقيم والمنظومات القيمية، وبالسنن المتعارف عليها عند الناس، دون إجبار الناس على القيام بطقس محدد. دع الطقوس لك أنت، مارسه بحريتك الخاصة.
عدنان: طبعًا، ممكن أنت وأنا كأفراد نمارس فكرتنا عن الدين والتديّن والعمل الاجتماعي. ولكن إذا كان سؤالك متعلقًا بالتحول الاجتماعي على مستوى المجتمع ككل، ليس بإرادة فردية ولا بإرادة حزب. هذا شيء بحاجة لتحول في عمق المجتمع. مثلما حدث تحول في عمق المجتمع الأوروبي حول موضوع الدين. وأنه يمكن للمرء أن يكون مؤمنًا. وفي أمريكا، التديّن قوي جدًا، وقبل ترامب كان المتدين متدينًا، لكن العمل السياسي لا علاقة له بالعمل الديني. الآن يوجد تديّن في أمريكا، والكنائس موجودة وإلى آخره، لكن العمل السياسي له… غير.
باسم: أنا أعتبر وجود الكنائس وما أشبهها كدور عبادة، أنا لست ضد وجودها، لكن أعتبرها طقسًا.
عدنان: نعم، نعم، العمل الديني..
باسم: لكنني أركز على الأسس الأساسية التي تضبط سلوك المجتمعات. أنا من الناس الذين يؤمنون –أتحدث بوضوح أكثر- بأن القرآن الكريم فُهِم بشكل طقسي عند المسلمين بشكل عام، وتدخلت الكثير من الثقافات السابقة، وأنا هنا أقول التلمود، الدراسات التلمودية، وبالذات التي يسميها البعض بالإسرائيليات. تأثر المسلمون في قراءة النص بهذه الأمور، وبالتالي صار هناك خروج أو فهم غير مربوط بالدلالة اللسانية التي يتضمنها اللفظ القرآني لفهم هذه النصوص، واستنباط المعارف الموجودة في النص. ولهذا صار التركيز على ممارسة الطقس واعتبار ممارسة الطقس هي الدالة المجتمعية التي تدل على أن هذا ملتزم أو غير ملتزم. هذه النقطة الأخيرة التي أريد أن أشير إليها. يمكن أن نترك هذا المجال لفرصة أخرى نتحاور حولها.
عدنان: إن شاء الله.
باسم: دكتور عدنان الأمين، شكرًا لك، استمتعت بالحوار حقيقة جدًا معك. إن شاء الله نلتقي في فرصة أخرى من “مجتمع”. شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”، إلى اللقاء.