مقدمة
طابت أوقاتُ الجميع بخير. رحلة فكرية جديدة مع كتاب مهم، مع منصة “مجتمع”، للدكتور أو الأستاذ جورج طرابيشي، كتابُه المهم “من النهضة إلى الردة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة”.
سبق لنا أن تكلمنا عن أحد كتبه المهمة “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث”. اليوم مع كتاب آخر وفيه طرح مهم لسؤال النهضة، أو بصيغة أخرى: لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرُهم؟ في رأيي ووجهة نظري الشخصية، أن الراحل جورج طرابيشي لا توجد شخصية في الثقافة العربية المعاصرة عانت ظلمًا وحيفًا وإهمالًا مثل شخصية وكتابات الأستاذ جورج طرابيشي، ولعل رده على مشروع الجابري -ومن المعروف أن هناك تابوهات في الثقافة العربية- ساهم في أن تواجه كتبُ الراحل جورج طرابيشي نوعًا من التهميش وعدم إلقاء الضوء عليها.
نحن اليوم مع كتاب، والكتابُ يُقرأُ من عنوانه “من النهضة إلى الردة”؛ أنه في بدايات القرن العشرين كانت هناك محاولات لدخول العصر واللحاق بقافلة التقدم، ومع نهايات القرن العشرين، واستعراض عملية النهضة العربية والكتابات المهمة، أصبحت ردةً.
أنا أذكر أنني قرأت مقالًا قبل سنوات للراحل جورج طرابيشي يقول في نهاية المقال عبارةً صادمةً جدًا، يقول: “العرب في بداية القرن العشرين كان لهم إصرار كبير على الدخول في العصر، وفي نهاية القرن العشرين كان لهم إصرار كبير على الخروج من العصر”.
لو تقرأ الكتاب عزيزي القارئ، “من النهضة إلى الردة”، تشاهد أن هناك منحنى نازلًا وليس صاعدًا. سؤالُ النهضة بدأ قويًا مع الجيل الأول: الأفغاني، ومحمد عبده، وقاسم أمين، بدأ قويًا عبد الرحمن الكواكبي، مالك بن نبي، لكنه تراجع تحت سطوة الإيديولوجيا والإسلام السياسي، فأصبح عنوانُ الكتاب دالًا عليه: “من النهضة إلى الردة”. كيف بدأ سؤال النهضة؟ كيف ارتد العرب عن ذلك؟ ولماذا تراجعوا عن الدخول في العصر؟ هذا ما سنعرفه من الكتاب “من النهضة إلى الردة”.
في مقدمة الكتاب، كأن الراحل جورج طرابيشي يضع يده على الجرح فيقول: “إنني أنتمي إلى جيل الرهانات الخاسرة”. طبعًا لو استعرضنا تاريخ القرن العشرين ورأينا الخسارات والهزائم السياسية، وقبلها الهزائم العسكرية، وقبلها الهزائم الحضارية، ابتداءً من 48 و67 والانقلابات والمشاكل، هذا أدى إلى أن يقول الراحل جورج طرابيشي: “إنني أنتمي إلى جيل الرهانات الخاسرة”. فجيلنا راهن على القومية -معروف في الخمسينيات والستينيات أن صوتها كان الأعلى- وعلى الثورة، وعلى الاشتراكية، ويراهن اليوم على الديمقراطية. انقلاب هائل من اليسار إلى اليمين، من الاشتراكية إلى الديمقراطية والليبرالية، كأن العرب أصبحوا صدىً لغيرهم.
هنا عزيزي المشاهد، أتذكر عبارةً لا بد أن أذكرها لأنها مهمة جدًا، وعبارة تحمل جانبًا هائلًا من السخرية والحقيقة، في كتابه المهم جدًا “معذبو الأرض” لفرانتز فانون، وهذا مناضل فرنسي كتب عن الاستعمار وأعتقد أن ولادته من الجزائر، المهم ما يهمني هو مقدمة الكتاب التي كتبها جان بول سارتر، مقدمة فيها هذه العبارة، يقول: “وكنا نقول إنسانية”، وهو ينعى على العرب، “فيأتينا رجعُ الصوت ية.. وكنا نقول حرية، فيأتي رجعُ الصوت”. ويأخذ آخر كلمتين، يقول: كأنهم -أي نحن العرب المخاطبين- “رجعُ صوت وصدى. نحن مقلدون”، وهذا ما يتكلم عنه جورج طرابيشي في الكتاب بالتفصيل؛ أن العرب ليس لديهم فكر خاص بهم، فتارةً يذهبون إلى الماضي للبحث عن فكرة النموذج أو ما يسميه بعض الإسلاميين “العصر الذهبي”.
في الحقيقة، لا يوجد عصر ذهبي، هؤلاء -بتعبير طرابيشي- يعانون اغترابًا زمانيًا، في الزمان؛ يجدون الحل في الوراء، العودة إلى الوراء، أو كما قال أحد الفقهاء: «لا يصلح آخرُ هذه الأمة إلا بما صلح به أولُها».
وهناك عيب آخرُ وضع طرابيشي يده عليه، وهو الاغتراب المكاني؛ أن ننظر إلى الغرب ونحاول استيراد الحلول الجاهزة كالديمقراطية والليبرالية وغيرها، أو الانتخابات وصناديق الاقتراع، وبالتالي نحن لا نجد حلًا من الواقع. وقال عبارةً ساخرةً، قال -أي طرابيشي-: “الديمقراطيةُ ترتهنُ لصناديق الجمجمة، وليس لصناديق الاقتراع”.
في هذا الكتاب، يضع طرابيشي يده على الجرح العربي. وبالمناسبة، طرابيشي مارس عمليةً نقديةً على نفسه؛ فهو كان ماركسيًا، كتب في الماركسية وترجم معاجم في الفلسفة، ثم صار فرويديًا ووجوديًا. هذه التحولاتُ الهائلةُ تثبت أن الرجل كان له عقل نقدي ولا يتمسك بفكر أو بنموذج معين.
في كتابه “من النهضة إلى الردة” سنشاهد عملية نقد لقاسم أمين، وكلام عن محمد أركون، وإشادة كبيرة بنجيب محفوظ، وأن الفيلسوف الحقيقي، الفلسفة الحقيقية، لم تخرج من رداء الفكر -بتعبير طرابيشي- بل خرجت من رداء الرواية والأدب. كيف؟ هذا ما سنعرفه بعد قليل.
لماذا التقدّم فكرة قبل أن يكون مادة؟
مقدمة الكتاب من “النهضة إلى الردة” كانت بعنوان “الهاجس النهضوي” المثقف بالمناسبة الكاميرا، عينه تلتقط كل شيء، وفي نفس الوقت يكون عنده حساس أو ترمومتر، يقف ليس مثل الناس العادية، فتستوقفه جميع الأسئلة وجميع الأمور التي يمر بها، ويحاول.. حتى يوجد تعبير جميل لجورج طرابيشي في الكتاب، يسميها بـ”ذبابة سقراط”، المثقف يشعر بوش في أذنه، إن هذه الذبابة تدفعه إلى أن ينقذ الناس، إلى أن يلسعهم، لا يقبل بالتخدير العام، لا يقبل بالخطابات الإيديولوجية الخادعة من أي جهة فكرية كانت، قومية أو ماركسية أو إسلامية، ولا يتهمنا شخص أو يتهم الراحل طرابيشي بأنه يمارس عملية جلد للذات، لا، بالحقيقة، عملية نقدية، والفكر لا يتقدم إلا بالنقد.
المقدمة هناك نقطة مهمة جدًا أو وهم كبير يعيش به الناس يحاول أن يوضحه الراحل جورج طرابيشي: ما هو التقدم؟ سؤال.
مشكلة الناس أن عندهم وهمًا كبيرًا: التقدم مادة وليس فكرة. بمعنى، يأتي يزور بلدًا، أي بلد من البلدان، يجد ناطحات سحاب، يجد بنى تحتية، عمران هائل، دخل عالٍ، جيد، قد تكون هذه دولة استهلاكية. هذا التقدم بمعناه المادي ليس هو التقدم المنشود الذي نبحث عنه. طرابيشي قال في مقدمة الكتاب عبارة جدًّا مهمة: “التقدم عملية فكرية بمثل ما هو عملية مادية”.
ولنضرب مثلًا يوضح الصورة، نقول: التقدم المادي هو الثمرة، ثمرة الشجرة، لكن التقدم كبذرة هو فكرة. لا يمكن أن يحدث أي تقدم في أي بلد ما لم يكن هناك أفكار هائلة تهز قناعات المجتمع والمسلمات، وبالتالي هذه البذرة هي التي تمهد للتقدم المادي، فالتقدم فكرة ثم يكون مادة.
وهناك تعبير جميل للراحل جورج طرابيشي يقول: على المستشعر لقضية التقدم والتخلف، على المثقف الحقيقي بتعبير طرابيشي، المثقف العضوي بتعبير غرامشي، أن يكون كذبابة سقراط، لا يُنيم ولا يُخدّر، بل يلسع، ويحاول أن يوقظ المغفلين عن غفلتهم.
وهنا في هذا الكتاب يبرز الراحل جورج طرابيشي خطورة دور المثقف في الإيديولوجية التي يتبعها، وهذه الإيديولوجية تكون خادعة، فتمارس عملية اغتراب على الناس وتساهم في بعثرتهم وإضاعتهم، بينما المطلوب أن يكون المثقف كالنور، كالضوء الذي يرشد الناس إلى الحقيقة.
في نهاية المقدمة نقول: إلى كل باحث وعقل نقدي متنور باحث عن الحقيقة: سندخل في ثنايا الكتاب، فهذا الكتاب هو خطاب للجميع، ولكن بالأحرى خطاب إلى النخبة المثقفة. ما هي أهم المحطات التي تعثر فيها المثقف العربي، وكان مشروعه طالته الخسارة ولم ينجح لأسباب إيديولوجية داخلية بالمشروع وليست لأسباب خارجية.
ستكون البداية مع عصر النهضة والجرح النرجسي قاسم أمين نموذجًا.
ما جروح النرجسية الثلاثة وما علاقتها بقاسم أمين؟
ما زلنا في الكتاب المهم والمنسيّ، أعتبره، لأنه لم يؤُشر أحد إلى أهمية الكتاب، “من النهضة إلى الردة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة” للأستاذ الراحل جورج طرابيشي.
في باب مهم من أبواب الكتاب، هو “الانفتاح والانغلاق في الثقافة العربية الإسلامية”. ماذا ينقل لنا الراحل جورج طرابيشي في هذا الفصل؟ برأي الراحل طرابيشي، إن أكبر إشكالية واجهت العرب –بحسب رأي طرابيشي- هي إشكالية التقدم والتأخر. هذا السؤال الوجودي: كيف نتقدم؟ وكيف نتأخر؟ وللتأكيد على خطر هذه الإشكالية، نعيد مجددًا، وهو أعادها مرتين، ما كتبه مؤسس علم نفس الأعماق فرويد في مقالة نشرها عام ١٩١٧ تحت عنوان “صعوبات أمام التحليل النفسي”، والحديث عن الجروح النرجسية التي تعرضت لها الإنسانية وأصابتها في الكبرياء جرّاء تقدم العلم.
بالمناسبة، العلم لا يعادي أحدًا، العلم حيادي.
إن العلم لا يعادي أحدًا، ويتخذ موقفًا، بل يسير مع مجرى النهر ويصل إلى نتائج إذا لم لم يلتزم بها الإنسان سيهزم.
29:27 أول تلك الجروح، الجرح الكوسمولوجي الكوني الذي أحدثته نظرية كوبرنيكوس، عندما قلبت المركزية في النظام الفلكي وقررت الحقيقة المؤلمة، وهي أن الأرض جسم صغير هو الذي يدور حول الشمس، وليست الشمس هي التي تدور حول الأرض.
كان القدماء، حتى أرسطو في الفلسفة، يعتبرون أن الأرض مركز الكون. هذا الكلام تقريبًا في القرن السادس عشر أو السابع عشر. أول ضربة وُجّهت إلى كبرياء الإنسان. وهذا يجب أن نتوقف عنده، أن البشرية قد تعيش فترةً طويلةً على ظلال وعلى أفكار خاطئة، فيخرج شخص واحد مثل كوبرنيكوس أو محمد شحرور أو طرابيشي، أو شخص واحد يضع يده على الخلل.
وجود فترة زمنية هائلة لاعتقاد عقيدة ضالة أو فكرة غير صحيحة، بمعنى أنه قد تقع البشرية في الضلال لسنوات عديدة. البشرية ليست معصومة. وهذا ما قاله مرةً أبراهام لنكولن في اقتباس شهير: “تستطيع أن تخدع كل الناس بعض الوقت، وتخدع بعض الناس كل الوقت، ولكن لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت”. هذا نوع من الخديعة اكتشفه شخص واحد، هو كوبرنيكوس.
الجرح الثاني هو الجرح البيولوجي، الجرح الدارويني، نسبة إلى داروين صاحب رحلة نظرية “البيغل”، هذه الرحلة الهائلة التي جاءت لنا بحقيقة جارحة للنرجسية البشرية؛ فالإنسان ذاته لم يكن خارجًا من سلالة بشرية من الدرجة الأولى، أو يكون له دم أزرق وغيره دم أحمر. هذه النظرية، النظرية الداروينية “أصل الأنواع”، قررت بأن السلالة البيولوجية التي تنحدر منها السلالة البشرية هي نفسها السلالة الحيوانية.
الطعنة الثالثة، الجرح الثالث، كان هو جرح فرويد نفسه كاتب المقال؛ فكما أن الأرض لم تعد مركز الكون، وأن الإنسان مع داروين أصبح من السلالة نفسها ولم يعد سلالةً مميزة، كذلك فإن النفس، الذات البشرية، مع فرويد لم تعد مركز الذات؛ فقرارات الإنسان العقلية التي يظن أنه هو نفسه كائن عاقل، غالبًا ما تتأثر باللاشعور أو العمق اللاشعوري أكثر من الشعور نفسه.
وفي الحالة العربية، برأي طرابيشي، فإن هذا الجرح كان مضاعفًا، وهو الجرح الأنثروبولوجي. واقترن هذا الجرح بسؤال، هذا السؤال بالمناسبة، سأله كل المفكرين العرب في آخر مئة سنة سألوا هذا السؤال: محمد عابد الجابري، نصر حامد أبو زيد، مالك بن نبي، محمد أركون، وكل من كان يضع له اجتهادًا. سؤال النهضة الكبير: لماذا تقدم الغرب؟ ولماذا تأخرنا نحن العرب والمسلمين؟ يحاول جورج طرابيشي قدر اجتهاده أن يضع ليس نوعًا من الجواب، أن يصل إلى الإشكالية، والمشكلة، لأن التشخيص نصف العلاج. يرى طرابيشي أن مأزق الحداثة العربية أنها قادت نفسها بنفسها إلى الانغلاق وإلى طريق مسدود؛ لأنها، وهي المحكومة بالجرح النرجسي، بقيت في موقف دفاعي دون أن تنتقل إلى موقف نقدي. طبعًا، وهذا المثال واضح على قاسم أمين.
ولا شك أن عصر النهضة العربي الذي أُنجز في مطلع القرن العشرين، في البداية، حقق تقدمًا مرموقًا عن طريق نقد الذات -هذا في البداية- وتحضرنا هنا أسماء مثل قاسم أمين وعبد الرحمن الكواكبي. لكن طغيان الإيديولوجية في عصر الثورة، عصر الثورات، الذي نصّب نفسه قيّمًا على النهضة -الثورات العربية التي خرجت بعبارات الاستقلال والتخلص من النهضة، هذه مارست إقصاءً وأرجعت عصر النهضة إلى عصر الردة؛ لأننا ابتُلينا بأفكار وبنظريات ثورية وبأمور إيديولوجية ظنّ أصحابها، الماركسيون أو القوميون أو الإسلاميون، أن بأيديهم الحل. هذا أدى في نهاية المطاف إلى الفشل، وإلغاء المشروع النقدي من أساسه تحت راية مقولة جديدة هي “التعبئة”. التعبئة أو الحماس، وحتى، أذكر، كانت هناك عبارة ذاعت في وسائل الإعلام: المعركة تلغي كل شيء، ويجب التعبئة للمعركة، مثلما الطرف الآخر يعبّئ. حتى سمعنا بمقولة: “لا صوت يعلو على صوت المعركة”. وتم إلغاء وتجريم ولعن كل أسئلة النهضة والتقدم، وأن هذا الوقت ليس وقتها.
كيف وقع قاسم أمين في التناقض؟
في الفصل الأول، تحت عنوان “عصر النهضة والجرح النرجسي: نسوية قاسم أمين وآلية التماهي مع المعتدي”، قاسم أمين المولود عام ١٨٦٣ والمتوفى عام ١٩٠٣، عمر قصير جدًا، فنزعته النسوية على حدّ مفكري عصره -ومنهم من هاجمه ومنهم من أشاد به- أخذت شكل المنافحة والدفاع المطلق عن وضع المرأة في الحضارة العربية والشريعة الإسلامية. وشكّل هذا الدفاع المشروط عن وضع المرأة في المجتمع المصري أن قاسم أمين كتب بالفرنسية والعربية معًا، علمًا أنه توفي عن ٤٥ عامًا ولم يترك سوى ثلاثة كتب: الأول “المصريون” نُشر عام ١٨٩٤، والثاني “تحرير المرأة” عام ١٨٩٩، والثالث “المرأة الجديدة” عام ١٩٠٠. الكتابان الأخيران كُتبا بالعربية، أما الكتاب الأول “المصريون” فقد نشره بالفرنسية.
ما هو مشروع قاسم أمين؟ وما هي أهم محطات النجاح والفشل في هذا المشروع؟ يتركز مشروع قاسم أمين بحسب المؤلف على نقاط ثلاث في حديثه عن موضوع المرأة: تعدد الزوجات، والطلاق، والحجاب. ولكنه قبل أن يخوض في هذه النقاط الثلاث، يبدأ بمرافعة تمهيدية تتناول وضع المرأة والنساء من حيث هن نساء في المجتمع المصري وفي أحكام الشريعة الإسلامية.
ودفاع قاسم أمين عن المرأة في مصر وفي الشرق وفي الإسلام ويعتبرها مساويةً مساواةً تامةً ومطلقةً للرجل، فالمجتمع المصري والشرق الإسلامي يهب للنساء -بحسب رأي أمين- حرية السلوك المطلقة. ولا يكتفي قاسم أمين بأن يعقد مقارنة ويقيم علاقة مساواة بين المرأة في وضعها الأوروبي والوضع المفروض على المرأة المسلمة، ويؤكد أمين أنه لا يوجد أي فرق بين الوضعين، بل يخلص إلى الاستنتاج بأن الوضع التشريعي للمرأة المسلمة أفضل، وربما لا يقاس بوضع المرأة الأوروبية. بقوله، قول أمين: “إن الوضع الذي أعطاه الإسلام للمرأة هو أكثر تميزًا مما نتمنّاه، فهي كزوجة تتمتع بجميع حقوقها المدنية، أقلها الأهلية القانونية لممارسة أي عمل من أعمال الإدارة أو نقل الملكية، فليس عليها -بتعبير قاسم أمين- حين تريد الشراء أو البيع أو الهبة أو تلقي منحة أو التقاضي إلا إلى مشورة نفسها”. أما عن الطلاق، وهو بدوره شر ضروري -بتعبير المؤلف- وهو بالتعريف “أبغض الحلال إلى الله”، والشرع الإسلامي -بتعبير قاسم أمين- إذ يبيح الطلاق، يسجل نقطة تفوق أكيد على القانون الفرنسي -بتعبير أمين- الذي كان ولا يزال يمارس قيودًا تحت وكانت تحت رحمة ضغط الكنيسة الكاثوليكية.
طبعًا، هناك ملاحظة مهمة: هذا الكلام يُقرأ في سياق عصره، لأن هذا الكلام منشور في نهاية القرن التاسع عشر، والآن الأمور تغيرت.
وبحسب المؤلف، فإن قاسم أمين الذي كان يريد أن يكون كذبابة سقراط التي توقظ ولا تُنيم، فإنه يسلك -من حيث يدري أو لا يدري- مسلك من يرش فوق الجراح ملحًا، كما يقول المثل العامي. فمع السلفيين -هذه العبارة مهمة جدًا وهي مأخذ طرابيشي عليه- صاغ في تطوره الأول، في طوره الأول أو كتابه الأول “المصريون”، إشكالية النهضة، فهنا كان يناغم السلفيين، والمواجهة مع الغرب. ومع التحديثيين، نزع جلده ولبس جلدًا آخر، فصاغ في طوره الثاني “تحرير المرأة”. ومع التغريبيين، صاغ الطور الثالث “المرأة الجديدة”. وبدأ هنا -بتعبير طرابيشي- بدأ قاسم أمين يناقض نفسه.
وبتعبير جورج طرابيشي بدأ قاسم يناقض نفسه، وما ذلك ذنبه فقط، وإنما لأن الحضارة الغربية -هذه العبارة مهمة جدًا، لطرابيشي، هذا مرض. بالمناسبة، لطرابيشي كتاب آخر “المرض بالغرب”، هذه العبارة أعتقد أنها مهمة جدًا- يقول: إن الحضارة الغربية حشرت جميع الحضارات والثقافات المغلوبة في الزاوية الضيقة. فوقعت هذه الحضارات بين نارين: نار الحفاظ على الهوية، ونار التغيير. وهذا بحد ذاته موقف فصامي، إذ كيف للموجود أن يتغير وأن يبقى هو هو في وقت واحد؟”
كيف يقسّم طرابيشي الحقل الفكري؟
خلاصة الفصل الأول، بالمناسبة، أنا خلال قراءاتي -وأنا أدعي أنني قارئ محترف- ما وجدت أحدًا نقد قاسم أمين، دائمًا يأتي إما طور التمجيد أو طور التسقيط. هناك حل وسط، هناك نقد علمي معرفي. قبل هذا، أنا أستشف من جورج طرابيشي قراءتي الخاصة، هذه العبارة لم ترد في الكتاب لكن ما بين السطور، ودائمًا لما نريد أن نقرأ، يقال إن قيمة المحذوف من الكلام أهم من الكلام- وهناك ما تقرأه أنت بين السطور رسائل مشفرة. أنا أرى -وجهة نظر شخصية- أن طرابيشي يميل إلى تقسيم المفكرين في العالم الإسلامي كله في آخر مئة عام إلى ثلاثة أقسام: سلفيون يجدون الحل في الماضي، “نرجع للماضي، نفتح الكتب ونجد الحل بكل سهولة”. ومستغربون، وهذا سنأتي عليه في الفصل القادم، عينهم على الغرب وعلى الجانب الغربي من الحضارة، وأن هؤلاء لديهم الحل. وتوفيقيون، من أشهرهم توفيق الحكيم وزكي نجيب محمود، أنه “نجمع بين الأصالة والمعاصرة، فنأخذ من هنا ونأخذ من هنا”. وهذا كلام مردود، لأنه كما حلّل طرابيشي –وطرابيشي بالمناسبة استخدم آليات علم النفس، لأنه ترجم في هذا المجال لفرويد، في تحليل المفكر العربي ووجود تمزقات وتناقضات تسير في جلد هذا المفكر- فقاسم أمين على سبيل المثال لا الحصر وقع تحت مشرط طرابيشي، فهو تارةً يرى الحل في الماضي فيناغم السلفيين فيقول لهم: “نحن عندنا أفضل شريعة وأفضل كذا”، وهذا في كتاب “المصريون”. إذا كان كلامك هذا صحيحًا يا قاسم أمين، فلماذا ألفت كتاب “تحرير المرأة” -والكتاب يُقرأ من عنوانه- ولماذا ذهبت إلى “المرأة الجديدة”؟
بالمناسبة، الكتاب الأول لم يشتهر لقاسم أمين. اسأل أي شخص يُستوقف في الشارع مثقف ثقافة جيدة، إذا يأتي ذكر قاسم أمين يأتي في باله “تحرير المرأة” مباشرةً. مع العلم، هناك اتهامات بأن قاسم أمين لم يكتب الكتاب، إنما كُتب له، لكن هذا لم يثبت.
إذن برأي طرابيشي. قاسم أمين يصبح تارةً سلفيًّا يدير وجهه للخلف، ويصبح تارةً تحديثيًّا يدير وجهه للأمام بحسب المصلحة؛ فالموضوع كان عنده تكتيكًا وليس منهجًا، وهو هذا مأخذ جورج طرابيشي على الراحل قاسم أمين.
وبالنسبة هذا درس لنا نحن المتصدّين لسؤال النهضة ولسؤال التقدم والتخلف أن يكون لدينا منهج واضح، وأن لا نخبط خبط عشواء بين اليمين وبين اليسار، ثم تكون قدمُنا في كل مكان في كل مرة. الذي يمتلك مشروعًا للتغيير يجب أن تكون له الأهدافُ واضحة، وأن يكون لديه نموذج محدد، لا أن يتقلب يمينًا ولا يسارًا.
لماذا يحتاج طه حسين إلى نقد يبدّد قداسة النص؟
الباب الثاني للراحل جورج طرابيشي بعد الحديث عن قاسم أمين، وعملية النقد العلمي لكتابات قاسم أمين، يأتي مع عملاق وهرم في الثقافة العربية: طه حسين. من منا لم يسمع طه حسين؟ لكن أقول أنا شخصيًا بصيغة من الأسف: إن طه حسين أصبح مُقدّسًا؛ لا تستطيع الآن أن تكتب مقالًا، أو تنظر إلى نصوصه نقدًا، وإلا سينالك السبُّ والشتمُ من كل مكان. وأتذكّر أن أنيس منصور، وأيُّ شخص منكم يرجع إلى اللقاء الشهير الذي أجرته المذيعة ليلى رستم، طه حسين جالس كالكاهن، وحوله أتباعه: من نجيب محفوظ، وأنيس منصور، وعبد الرحمن بدوي، وعبد الرحمن الشرقاوي، وفكري أباظة، ومحمود أمين العالم، وكلهم مطرقو الرؤوس، وكما جاء في التراث: كأن على رؤوسهم الطير. ولم أجد في الحوار الموجود في اليوتيوب، ساعةً كاملةً تقريبًا، أيّ شخص يسأل طه حسين سؤالًا نقديًّا، يسأله، بينما كلهم يتكلمون بروح القداسة، وأن هذا هو عميدُ الأدب العربي. وأنه كما يقول المفكّر العراقي هادي العلوي: يقول طه حسين مؤسسُ الفكر العربي.
لا، هذه ليست دعوةً للنيل من طه حسين الذي كتب عنه نزار قباني: “أنزع نظارتيك ما أنت أعمى، إنما نحن جوقة العميان”. طه حسين له من الفضل على الثقافة العربية “في الشعر الجاهلي”، يستخدم لنا المنهج الديكارتي. لكن هل طه حسين غير قابل للنقد، غير قابل للمراجعة؟ هنا جورج طرابيشي يضع مشرطه في علم النفس الذي لا يرحم أحدًا مع طه حسين، وسؤال “مستقبل الثقافة”.
في عام 1938 صدر كتاب جدًّا مهم: “مستقبل الثقافة في مصر”. وهذا الكتاب برأي جورج طرابيشي بدأ طه حسين بإطلاق العفاريت من قمقمها، بتعبيره… عندما أطلق في “مستقبل الثقافة في مصر” كتابه الشهير الذي صدر عام 38، قوله المشهور، قول طه حسين: “علينا أن نصبح أوروبيين في كل شيء”. هنا يقف طرابيشي وقفةً مطوّلة، يقول: هذه المقولة -كلام طرابيشي- في تاريخ الثقافة العربية تمثّل تأسيسًا للمستقبل؛ لأنه يدعوك أن تكون كذا في كل شيء، لأن مفهوم المستقبل أصبح واضحًا هنا. خلاف ونقدُ جورج طرابيشي لطه حسين هو على صياغة العبارة، للإشكالية على صعيد الهوية، بخلطه بين الغاية والكيفية؛ فعبارة “أن نصبح، أو أن تصبح، أن نصبح أوروبيين في كل شيء” معناها لا وجود لأي تقدم، وأننا لن نتقدم إلا إذا حاكينا الغرب في كل شيء. ولذلك انتبه: عنوان الفصل أو الباب “تغريب أم تحديث؟”. هل المطلوب مني أن أساير الغربيّ في كل شيء، في لباسه وكلامه وشكله وطريقة حياته ونمط معيشته، أم أذهب إلى التحديث؟ هنا عبارة جدًّا مهمة قرأتها في علم الاجتماع قبل فترة تقول: “هناك فرق بين العلم والثقافة”. الغرب لديه علم ولديه ثقافة. العلم نعم تكنولوجيا نأخذها، لكن الثقافة طريقةُ نمطُ الحياة. انظر إلى الشخصية اليابانية: عندما تعاملت مع الثقافة الغربية لم تنسخ الثقافة والعلم نصًّا، بقي البيتُ الياباني، حدوده وطريقة معيشته وأكلته وغيرها. لم يأخذ الحضارة الغربية بالنصّ، إنما أخذ روح الحضارة، بالفكر والتشكيك والمبادرة وعملية النقد.
هنا، لأهمية الموضوع، أنقل نقلًا نصيًّا: في كتاب “مستقبل الثقافة في مصر” الصادر عام 38، ينقل جورج طرابيشي -وبصدمة كبيرة- كلام طه حسين من صفحة 40 إلى 54؛ إذ يقول طه حسين: “صدقني يا سيدي القارئ أن الواجب الوطني الصحيح بعد أن حققنا الاستقلال وأقررنا الديمقراطية في مصر هو أن نبذل ما نملك وما لا نملك من القوة والجهد ومن الوقت والمال، لنُشعر المصريين أفرادًا وجماعات أن الله قد خلقهم للعزّة لا للذلة، وللقوة لا للضعف، وللسيادة لا للاستكانة، وللنّباهة لا للخمول، وأن نمحو من قلوب المصريين أفرادًا وجماعات هذا الوهم الشنيع الذي يصوّر لهم أنهم خُلقوا من طينة غير طينة الأوروبي. علينا -هنا الكارثة بتعبير طرابيشي- أن نصبح أوروبيين في كل شيء، قابلين ما في ذلك من حسنات وسيئات. علينا أن نسير -والكلام لطه حسين- سيرة الأوروبيين، ونسلك طريقهم، لنكون لهم أندادًا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة: خيرها وشرّها، حُلوها ومُرّها، وما يُحبُّ منها وفيها وما يُكره، وما يُحمد فيها ويُعاب”.
انتهى كلام طه حسين من كتاب “مستقبل الثقافة”. يعقّب طرابيشي: واضح للقارئ والمتلقي أن مطلب التماهي، الذوبان الكلّي، هذا يتناقض نقضًا عنيفًا مع مبدأ الهوية، وهنا ذوبانُ الجماهير مع كل ما هو موجود في الثقافة الغربية. بمسألة السطح ومسألة العمق والقراءة، وأن تكون مصر جزءًا من البحر المتوسط صعودًا.
بالمناسبة، هذه الدعوة ليست مقتصرةً على طه حسين. أنا قرأت مفكرين معاصرين يقولون: نحن نؤمن بكل عبارة جاءت في مستقبل الثقافة، ولن نصل إلى المنشود؛ حتى وصلت بعض الدعوات للمتابع بالثقافة إلى استبدال اللغة العربية وإحلال الهوية الفرعونية. وأعتقد أن هذا ردّ عليه رجاء النقاش، وأعتقد أن هذا كان طلب توفيق الحكيم؛ أنه حتى هذه اللغة العربية عبء ما نحتاجها. لكن الذي بتعبير طرابيشي أن هذا ليس تحديثًا، هذا تغريب؛ لأنه يؤدي إلى استبدال الهوية بهوية أخرى. وهنا علينا، بتعبير طرابيشي في الكتاب، أن نفرّق تفريقًا واضحًا، وهنا بيت القصيد، بين التغريب والتحديث. فما الفرق؟
التغريب الذي يؤسس العملية الحضارية على أساس قطيعة في الهوية، لأن كل هوية لها خصوصية معينة، ولا يعترف عمليًا بوجود الآخر إلا ليصادره ويلغيه. أما التحديث فهو خفيف الحمولة، على عكس التغريب؛ لأنه لا يختزل العملية الحضارية كما يفعل التغريب في العلاقة أحادية الاتجاه بين طرف فاعل وطرف منفعل. بل يفترضها شراكةً متبادلةً تقوم على الأخذ والعطاء. والتحديث يفهم التماهي والعلاقة مع الآخر ليس ذوبانًا، بل تطويرًا وإغناءً لهوية الذات. لا يقطع مع الماضي، ولا مع التراث، ولا مع تراث الذات، بل يوظفها على العكس في عملية التحول الحضاري.
وعملية التحديث، بتعبير طرابيشي التي ندعو لها أو يدعو لها، تقوم على تحديث لاهوتي ثم فلسفي؛ تحديث لاهوتي يحرر النص من النص، وتحديث فلسفي يحرر العقل من النص. هذا إن لم تنتصر قوى الردة لتمنع ولادة لوثر مسلم، وفولتير عربي. وأيضًا، هذا يغيّب عنا الصورة المستقبلية للتحديث العلمي. فليس ثمة ما هو موجود اليوم في العالم العربي يؤشر على أن العالم مستعد للدخول في القرن الحادي والعشرين وتحدياته، والانتقال من وضعية الاستهلاك إلى وضعية الإنتاج العلمي.
أحاول لملمة أطراف الموضوع وشرحها بقدر أبسط. أقول التالي: التحديث يقتصر على الدماغ، طريقة التفكير؛ تفهم الآخر كيف يخطط، كيف يصنع، ولكنه ليس له علاقة بما تحت الدماغ. بمعنى، أنا لست قردًا أقلّد الآخر في حركاته، في مشيه، في قص شعره، في طريقة ملابسه؛ هذا ليس تحديثًا، هذا مسخ. التحديث أن تنظر إلى العقل، آليات التفكير ثم تستفيد منها. العملية النقدية، عملية تنويرية. عندما قال إيمانويل كانط، فيلسوف التنوير الأشهر: “كن جريئًا في استخدام عقلك”. أنا شخصيًا، أنا حسين سعدون، أفهم التنوير مثل الأسبرين؛ الأسبرين ينفع لدماغ المصري والعراقي والأمريكي والجنوب إفريقي والإسكتلندي. هل سيقول طبيب في يوم، ذات يوم، يقول إن هذا الأسبرين صالح لرأس الإنجليزي وليس صالحًا لرأس الفيتنامي؟ أم أن حبة الأسبرين تأخذ طابعًا كونيًا؟ التنوير طابع كوني: “كن جريئًا في استخدام عقلك”. لذلك، نقد طه، طرابيشي هو نقدُ محب وليس نقد كاره. يقول: يا إخوان، عملية التحديث تختلف عن التغريب. التغريب مسخ، إلغاء للشخصية، أن تكون نسخةً طبق الأصل من الآخر، والنتيجة ماذا؟ لن تصل إلى شيء.
التحديث الحقيقي يكون في أنماط التفكير. وهي هذه أهم المراجعات.
بالمناسبة “مستقبل الثقافة”، الكتاب يُطبع إلى الآن تقريبًا، يعني بعد عشر سنوات يصل قرنًا، وهو وكتاب “في الشعر الجاهلي” لطه حسين لهما القدح المعلّى. بعد ذلك قد يقول قائل، قد يقول إن طه حسين تراجع عن ذلك لاحقًا لأنه ذهب إلى الإسلاميات، فكتب لنا “مرآة الإسلام” و”على هامش السيرة” و”الشيخان”، لكن لا يوجد شيء مكتوب للراحل طه حسين يؤكد فيه أنه تراجع عن آرائه، بل ظلّ إلى آخر لحظة في رحيله عام ١٩٧٣ يدعو إلى الاندماج الكامل والتماهي مع الحضارة الغربية.
هل يدور تاريخنا في حلقة “عود أبدي”؟
جورج طرابيشي، بحسّه التاريخي، يحاول أن يجد خيطًا رفيعًا لهذه الأحداث التي تنطبق عليها، من وجهة نظري الشخصية، نظرية “العود الأبدي” لنيتشه. ما هي نظرية العود الأبدي؟ أن التاريخ عند العرب هو دائرة. ستقول لي: ما هي الدائرة؟ دائرة، وليس خطًّا مستقيمًا. الخط المستقيم نقطة البداية ليست هي النهاية، تقدم، وهذا يسمى التاريخ التقدمي. في الدائرة، في “العود الأبدي” لدى نيتشه، نقطة البداية هي النهاية؛ بمعنى أن تاريخنا متداخل وليس متعاقبًا؛ فأمراض اليوم هي أمراض الأمس وأمراض الغد.
جورج طرابيشي رأى، خيطًا رفيعًا، أن الذي عشناه في منتصف القرن العشرين تحت ضغط الشعارات الثورية والحنجورية والحماسية، أن هناك ظاهرةً ظهرت في القرن الخامس الهجري أيضًا سياسية، بدأت مع صدور بيان “الاعتقاد القادري”، وأن الناس تسير على العقيدة الفلانية، وانتهت مع الحادث الشهير أو النقاش الشهير للغزالي عندما ناقش الفلاسفة وكفّرهم؛ ناقشهم في عشرين قضية، وكفّرهم في ثلاث قضايا، في كتابه الشهير “تهافت الفلاسفة”.
كيف صارت “أسلمة الإسلام” مشروعَ إقصاء سلطوي تاريخيًّا؟
وهناك عبارة مهمة جدًا وضعها جورج طرابيشي في كتابه، أو فكرة مهمة أو التقاطة مهمة، هي انتقال عملية “الأسلمة” من المجتمع إلى الإسلام نفسه؛ فأصبح الإسلام هنا دينًا شاملًا كونيًا يجيب على كل شيء، وليس كذلك. يجب تطهير هذا الإسلام، النسخة القادرية أو النسخة الإيديولوجية في منتصف القرن العشرين، مما يُعتقد أنه ليس إسلاميًا. وليس من قبيل الصدفة أن تتوافق هذه الانتكاسة مع الاحتلال السلجوقي للقسم الشرقي من الدولة العربية الإسلامية. فالسلاجقة، الذين عمل الغزالي نفسه موظفًا إيديولوجيًا لديهم قبل أن يتوب إلى ربه، كانوا من البدو الرعاة. مشهور هذا في كتابه “فضائح الباطنية”، كفّر جميع الفرق الإسلامية واستهزأ بها، وقال إن الحق موجود مع كذا.
وقد عملوا -أي السلاجقة- في مدن خراسان والعراق، خرّبوا كثيرًا قبل أن يدخلوا بغداد عام ٤٧٧ هجرية، وبقي حظهم -أي السلاجقة- من الثقافة ضحلًا. وفي القرنين التاليين، راح هذا الانفصال يتأكد أكثر فأكثر في سياق أُمّيّة السلالة الحاكمة وجهلها، بالإضافة إلى الغزو الصليبي الذي كان يعيث فسادًا في مدن سوريا.
وجاءت التكملة والضربة القاضية في منتصف القرن الثالث عشر مع الغزو المغولي، ودخول تيمورلنك وهولاكو، وسقوط بغداد سنة ٦٥٦ هجرية، وحرق الكتب ورميها في نهر دجلة. كل هذه القصص التي ترتعد منها المفاصل تقودنا إلى شيء مهم: أن الحضارة الإسلامية انتحرت من الداخل، وأن الحضارة تم توجيه الضرب من داخلها؛ فليس الاستعمار مسؤولًا عما وصلنا إليه.
وهكذا، برأي طرابيشي، أخذت عملية “أسلمة الإسلام” التي بدأها أبو حامد الغزالي، ومن قبله عبد القاهر البغدادي وأبو الحسن الأشعري، إيقاعًا متسارعًا. فالغزالي نفسه رفض الفلسفة في “تهافت الفلاسفة” -والتهافت لغةً هو السقوط والانهيار- فما رأيك بعالم سلطة قام بتكفير الفلاسفة؟
وأنا بالمناسبة، يعني، مسألة شخصية، رجعت إلى آراء كثير من المستشرقين، والمستشرق محايد يقول: الضربة القاصمة التي وُجّهت للحضارة الإسلامية في كتاب “تهافت الفلاسفة”. وهذا يعطيك فكرةً لماذا لا يوجد فلاسفة في الحضارة الإسلامية. قد تعدد لي أسماء، هؤلاء أساتذة فلسفة، هل توجد نظرية فلسفية عربية أو إسلامية تدرّس غربيًا؟ لأن هذا الرفض له أسباب. حتى بالتعبير العامي مثلًا عندما يتكلم أحدهم يقول: “هذا يتفلسف”. رفضُ الفلسفة من قبل الغزالي، ظهور ابن تيمية مُجدّد الحنبلية والسلفية في القرنين السابع والثامن الهجريّين، الذي رفض المنطق نفسه بالعبارة الشهيرة: “من تمنطق فقد تزندق”. طبعًا مع الفلسفة تم رفضها. واعتبروها منهجًا دخيلًا على الإسلام.
ولماذا نحن نذهب إلى… أنا قرأت، ويحق لي أن أقول ذلك، لكاتب مصري معاصر رحل عام ٩٦، محمد الغزالي، ليس أبو (حامد) الغزالي القديم، يقول: “الفلسفة اليونانية حقل مسموم ويجب التخلص منها”.
كتابات أبي الحسن الندوي الهندي، أيضًا هاجم الفلسفة. فعندنا مفكرون معاصرون هاجموا الفلسفة، محمد عمارة وغيرهم، الذي بدأ تنويريًا ومعتزليًا ثم انتهى سلفيًا. وحمّلوا الفلسفة أسباب الرفض، بينما الإسلام يدعو إلى طلب الحكمة، وتعريف الفلسفة هو “حب الحكمة”.
طبعًا، ويختم طرابيشي الفصل بتلميذه الروحي، تلميذ ابن تيمية، السيوطي، ليؤكد موقفه في رفض المنطق والفكر الحر والفلسفة. كل هذه العوامل ساهمت في التراجع المريب الذي تعاني منه الحضارة الإسلامية.
لماذا الانهيار داخلي بأدلته التاريخية والحديثة؟
ملخص، مراجعة أخيرة لهذا الفصل: التراجع والهزيمة كانت داخليّة، لم تكن بسبب عامل خارجي، وذلك بوجود تواطؤ بين السلطة السياسية والسلطة الفكرية الثقافية، فتمت تصفية أغلب العلماء. مثلًا، ابن الجوزي في كتابه “تلبيس إبليس” كان يشبّه المتصوفة بالمجرمين. عملية قتل الحلاج، عملية مطاردة حرق ابن المقفع بالتنور. عندنا شخصيات إسلامية تم قمعها، حرق أبي حيان التوحيدي لكتبه، قمع الفرق الإسلامية كالقرامطة وغيرهم والإسماعيلية بحجج واهية.
كل هذه الأسباب ساهمت في التراجع المريع الذي تشهده الحضارة الإسلامية. وللأسف، هذا الموضوع لا يزال مستمرًا. وليس بعيدًا أننا في القرن العشرين شهدنا حوادث هائلة، مثل اغتيال فرج فودة، وطعن نجيب محفوظ، وإعدام محمود محمد طه السوداني، تهجير نصر حامد (أبو زيد) مع زوجته وتكفيره. كل هذا يؤدي إلى عملية، وانحطاط، ندفع ثمن الانحطاط العقلي.
فمراكز الحضارة الأولى، برأي طرابيشي، في بغداد ودمشق والقاهرة، عانت الأمرّين، وانتقلت هذه المراكز الحضارية إلى عواصم أخرى في العالم.
أين فقدنا المناعة الحضارية وكيف يُستردّ؟
في ختام هذا الفصل، حتى نلملم أطراف الموضوع، أستحضر المفكر كارل ماركس يقول: “إن التاريخ لا يعيد نفسه إلا مرتين: مرةً على شكل مأساة، ومرةً على شكل مهزلة أو ملهاة”. يبدو أن هذا قدرنا. فالراحل جورج طرابيشي يقول إن الموضوع ليس بدعًا وليس جديدًا علينا. الانحدارات بدأت فكريةً عن طريق الغزالي، أبي حامد الغزالي وكتابه “تهافت الفلاسفة”، ثم له كتاب اسمه “فضائح الباطنية” الذي وجهه إلى خليفة صغير السن، هو المستنصر بالله، وكان الكتاب موجّهًا ضد الدولة الفاطمية ودعوةً إلى إسقاطها. فهذا التمازج، هذا التحالف بين السلطة الدينية والسياسية، أدى إلى أن تكون عصور الانحطاط والانهيار مثل كرة الثلج، تكبر شيئًا فشيئًا. فالغزالي مشى الخيط من بعده إلى مئتي عام إلى سقوط بغداد. هذا الانحدار وهذا السقوط يعيد نفسه في القرن العشرين؛ فبدأ عصر النهضة بأسئلة مهمة مع جيل “العروة الوثقى”: الأفغاني، ومحمد عبده صاحب نظرية “المستبد العادل”. ثم بدأ الانحدار مع رشيد رضا ومجموعة من المفكرين، إلى أن انتهينا إلى الإسلام السياسي أو الإسلام التدميري أو التفجيري الذي بدأ مع “القاعدة” والحركات المسلحة وحركات “التكفير والهجرة” التي تكفّر الإنسان على أبسط شيء.
فهذا الموضوع، بتعبير طرابيشي، أراد أن يوصل رسالة مفادها أن الانهيار ليس خارجيًا؛ الانهيار مثل جسم الإنسان، جهاز المناعة انهار، فأيُّ فيروس يدخل الجسم ينهيه على الفور. المناعة الذاتية النقدية انتهت، فبدأ الانحدار من الداخل بوجود نخبة طائفية، نخبة تحرّض على العنف، تحرّض على القتل، تحرّض على إلغاء الآخر. والنتائج التي توصلت إليها هي نتائج طبيعية؛ لأنه هناك مقولة جدًا مهمة للمؤرخ البريطاني أرنولد توينبي يقول: الحضارات لا تستشهد، إنما تموت من الداخل، تُقتل من الداخل، أي عوامل انهيار الحضارة هي داخلية وليست خارجية.
كيف صاغ “الآخر” ظهور حداثتنا عبر الترجمة والمثقف الأفندي؟
عودة أخرى إلى الكتاب المهم جدًا، وأنا أسميه صغير الحجم، كتاب صغير مكير. صغير الحجم لكن، عظيم الفائدة، ولا يغرنّك أن الكتاب أوراقه قليلة، لا، ففيه دفعة أفكار تأسيسية وشحنة إبداع قوية.
الفصل الآخر هو “الآخر في التراث العربي الإسلامي”. نحن كمسلمين، كيف ننظر إلى الآخر؟ هل نظرة قبول وتسامح وتبادل منافع وأفكار، أم نظرة إلغاء وإقصاء؟ هذا ما سنعرفه في هذا الفصل.
إن مفهوم “الآخر” في الثقافة، في الثقافة بصورة عامة هو واحد من المفاهيم المؤسّسة في عصرنا اليوم، المفاهيم المهمة: التسامح وقبول الآخر وعدم إقصائه وإلغائه. لكن، بتعبير الراحل جورج طرابيشي في الكتاب، الثقافة العربية الحديثة تدين للآخر بظهورها التاريخي. وهذه النقطة نتوقف عندها. لولا الآخر لما كان هناك ظهور، بالمناسبة، للثقافة العربية الحديثة التي يعود عمرها إلى ١٥٠ سنةً وصعودًا؛ إذ لولا الآخر لما كانت هذه الثقافة من حيث هي ثقافة حديثة. لأنكم تعرفون أن حركة الترجمة التي بدأت في القرن التاسع عشر والعشرين، وترجمنا أفكار الفلسفة الغربية الحديثة والوجودية والليبرالية وأفكار “العقد الاجتماعي” لروسو، كانت هناك حركة ترجمة حديثة انخرط بها المسلمون في الحداثة الغربية، دخلوا العصر. لأن الثقافة العربية القديمة لم تكن تعرف مفهوم المثقف، كان لدينا مصطلحان: مصطلح الأمير ومصطلح الفقيه. لكن مع الثقافة الحديثة ومع حركة الترجمة، ظهر عندنا مصطلح “المثقف الأفندي” الذي يذهب إلى الحضارة الغربية، يحاول ينقل الأفكار، يحاول ينتج الأفكار.
لكن، بتعبير جورج طرابيشي، هذه الثقافة لم تردّ الدّين الذي عليها، دين معرفة الآخر والسبب في وجودها، بل اتجهت إلى معاداة الآخر. وبتعبير طرابيشي، للمفارقة، أن هذا درجة العداء للآخر كانت تتصاعد بشكل تصاعديّ من حين لآخر. وهذا ما يمكن أن نلاحظه؛ أن مصطلح “الآخر” ليس من معجم حضارة الأسلاف. ويجب أن نتوقف عند هذه المسألة. أنا شخصيًا، وبواسطة صديق، قمنا بعملية بحث عن مصطلح مهم الآن في الثقافة الغربية، فلا توجد نشرة أخبار، ولا صحيفة، ولا اثنان في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ولا معارك سوريا والعراق واليمن وأيّ شيء، (إلا ويُذكر) مصطلح “حقوق الإنسان”. أستطيع أن أزعم، وأنا مسؤول عن كلامي، أن كل التراث العربي، ١٤ قرنًا لا يوجد فيه مصطلح “حقوق الإنسان”، بل يوجد فيه مصطلح “واجبات الإنسان”؛ الواجبات والعبادات وتفعل… مصطلح “حق”، حقّ من حقوق الإنسان، مصطلح غربي، وجاء من الآخر بامتياز.
كذلك، بتعبير طرابيشي، إن مصطلح “الآخر” و”قبول الآخر” هو ليس من تأسيس الثقافة الإسلامية؛ في التراث الإسلامي لم نجد هذا المصطلح، بل نجد مصطلح “إبادة الآخر”، “نفي الآخر”، وليس “قبول الآخر”.
وأيضًا، مصطلح “الآخر” هو، بتعبير طرابيشي -وطرابيشي مترجم محترف يعرف ماذا يقول- من مصطلحات الحداثة والحضارة الغربية، الآخر، التي استوردناها بالترجمة. ولو شئنا أن نسير درجةً في الإيديولوجيا العربية المعاصرة لقلنا إن “الآخر” -هذا مقولة المثقف المؤدلج- مقولة استشراقية. فالآخر حصرًا هو الحضارة الغربية.
ولكن السؤال المهم، بتعبير طرابيشي: إذا لم تكن الحضارة العربية الإسلامية عرفت مصطلح “الآخر”، فكيف وقعت في إشكاليته؟ إن الجواب لا يحتاج إلى مجهود كبير، بتعبير طرابيشي. فبتعبير الجاحظ: “إن الأفكار ملقاة على قارعة الطريق”. فمن مطلع الجاهلية إلى آخر زمن ابن خلدون، هذه الأمور فرضت نفسها بلا منافسة في الحقل التداولي للثقافة العربية الكلاسيكية: ثنائية العرب والعجم. وأول ما يتبادر إلى الذهن أن ثنائية العرب والعجم -حتى أوضح، سأقف قليلًا- يقصد طرابيشي أن هذه ثنائية للتمييز. يعني، كيف تعاملنا مع الآخر؟ من اندمج بنا، فظهرت مصطلحات الموالي، الفرس، الشعوبية، في الزمن العباسي، مصطلح “العجم” لتمييز أصحاب العُجمة الذين لا ينطقون العربية. وهذا فيه نوع من التعالي، هي نسخة طبق الأصل من ثنائية اليونان والبربر، أو ثنائية الهندوس والفرافرة. فثنائية “العرب والعجم” ثنائية إقصائية تنظر باستعلاء واحتقار إلى الآخر.
أولهم الجاحظ.. الاستثناءات العربية الأربعة في قبول الآخر
في نهاية هذا الفصل، “الآخر في التراث العربي والإسلامي”، يضع طرابيشي يده على محطات مضيئة في الثقافة العربية الإسلامية: الجاحظ الذي كتب عن العميان والبرصان وغيرهم ولم يمارس عملية إقصاء، وكتب عن المرأة.
أبو حيان التوحيدي، الذي يقول عنه مفكر معاصر إن أبا حيان صديقه الحميم. بالمناسبة، هناك دراسة جدًا مهمة لكاتب بريطاني شهير اسمه آدم متز، الكتاب اسمه “الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري”، يقول إن التوحيدي سبق فلاسفة أوروبا بقوله: “إن الإنسان أشْكل عليه الإنسان”. تابعوا كتابات التوحيدي، نقاشاته مع مسكويه في “الهوامل والشوامل”. التوحيدي كان مأخوذًا بسؤال الإنسان، فيمثل محطةً مضيئة.واقرؤوا كتاباته في “الإمتاع والمؤانسة”، في “الهوامل والشوامل”، في “البصائر والذخائر”. التوحيدي نموذج للمثقف الكوني.
ومع ابن خلدون صاحب “المقدمة” الشهيرة. التي قال عنها أرنولد توينبي: لا يوجد عقل تفوق في زمانه ومكانه مثل عقل ابن خلدون. حديثه عن الأجيال، حديثه عن أثر الحضارات الأخرى، حديث ابن خلدون في نظريته “علم العمران البشري” -الآن تترجم علم الاجتماع- حديثه عن أفول الحضارة الإسلامية.
الجاحظ، التوحيدي، ابن خلدون، ابن مسكويه، هؤلاء علامات مضيئة في قبول الآخر والاندماج معه؛ فالإنسان كائن ناقصًا بطبعه، لن يكتمل إلا بوجود الآخر.
كيف فلسف محفوظ الواقع عبر الرواية وعلمنة الدين؟
من الفصول الممتعة في الكتاب، وأنا أدعوك عزيزي القارئ، بإمكانك أن تفتح الكتاب وتبدأ بفصل نجيب محفوظ –بتعبير اللهجة العراقية- لأنه فصل ممتع جدًا. لم أر قارئًا حاذقًا التقط سطورًا مهمةً من روايات نجيب محفوظ فلسفية. فكان عنوان الفصل لافتًا: “نجيب محفوظ فيلسوفًا بالوكالة”.
برأي جورج طرابيشي، أن من يطالع أو يقرأ روايات نجيب محفوظ يجد أنها مطعّمة بالفلسفة، مناسبة مهمة الناس لا تعرفها، وهي أن نجيب محفوظ خريج آداب قسم الفلسفة، والذي أشرف على نقاشه طه حسين. وكان نجيب محفوظ حلمه أن يكمل في الفلسفة، وأعتقد كان ترتيبه الثاني أو الثالث، لكن وجود عملية ما تسميها رشوةً أو غيرها، أدت إلى أن نجيب محفوظ لم يسافر. ومن هنا، كانت أعمال نجيب محفوظ الأولى فيها حسّ فلسفيّ عال، روايات رمزية جدًا.
إن نجيب محفوظ استطاع عن طريق الحكاية والرمز أن يمرر آراءً فلسفيةً ونقديةً عديدة. وهنا يلتقط جورج طرابيشي مجموعةً من الروايات التي أوضحت ذلك؛ فمثلًا في قصته “حكاية بلا بداية ولا نهاية”، فصل المجال العلمي وعزل المجال العلمي عن المجال الديني، وإطلاق يد العلم بلا قيد أو شرط في المجال الأول للعلم الطبيعي وحده، وكذلك العلم بمعناه الاجتماعي والإنساني.
وتعني عبارة ما نسميه التضييق بالدين أو تمليك الدين أو سيطرة الدين، بتعبير طرابيشي، تعني إعادة توظيفه كما في الرواية في خدمة الحارة وأولادها، أي في سبيل الدنيا، من دين كونه شموليًّا إلى دين طبقيّ جزئي، وهذا يعني أن مالك الدين أو تمليك الدين تعني إعادة توظيفه في خدمة الحارة كما في الرواية وأولادها، أي في سبيل الدنيا والإنسان، لا في سبيل الوقف وصاحب الوقف.
واللاهوت الوحيد، وهذه عبارة عبقرية، المبرّر في نظر نجيب محفوظ هو لاهوت العمل، والعمل بكل معانيه هو الصلاة اليومية للإنسان المعاصر، بل قد يغلو نجيب محفوظ إلى حد اعتبار العلم مقياسًا للتدين الحق. ومن هنا يجيب نجيب محفوظ في أعماله الروائية كل تلك الفئة من المتسوّلين والشحّاذين عند باب الله، ممّن يتخذون تدينًا حرْفةً وبديلًا عن العمل المنتج الذي ينفعهم وينفع الناس.
ولعل نجيب محفوظ ما دان أحدًا من أبطاله بقسوة مثلما دان صابر سيد الرحيمي بطل رواية “الطريق”؛ لأنه جعله من البحث عن الأب، أي الله في التأويل الرمزي، بديلًا عن العمل يعفيه من المسؤولية الإنسانية ويغفر له بلا مقابل وبلا تعب وبلا جهد.
وبقسوة مماثلة دان نجيب محفوظ عثمان بيومي بطل روايته “حضرة المحترم”؛ لأنه بدوره احترف التدين وجعله وظيفةً يترقّى خلالها في مراتبه الوظيفية، وكان دينه -أي هذا بطل الرواية- لا صعودًا إلى السماء بل سُلّمًا للهبوط في قعر جهنم.
وعلمنة الدين في نظر نجيب محفوظ تعني احترام الحرية الإنسانية والمسؤولية الإنسانية؛ فالإنسان في نظر نجيب محفوظ هو الصانع الوحيد لمصيره، وهذا لا يتنافى مع التسليم بوجود الله، ولكن يقتضي إعادة النظر في المقولة اللاهوتية عن العناية الإلهية؛ فالله ليس شيالًا للهموم ولا نعلّق عليه مشكلاتنا. ويبدو أنه هنا نجيب محفوظ يؤكد ويقرّر أن البشر يقرّرون مصيرهم بأنفسهم، وأن مصطفى الدهشوري بطل الحكاية الثالثة والسبعين من “حكايات حارتنا”، يقول بالحرف الواحد: لا أشك في أنه سبحانه قرر أن يتركنا لأنفسنا بلا اتصال ولا عناية، وأن الإيمان بالله يقتضي الإيمان بتجاهله لعالمنا، وكما يقتضي منّا الاعتماد الكُلّي على النفس وحدها.
وعلمنة الدين عند نجيب محفوظ تعني إعادة فتح باب الاجتهاد، وسييان مفعول الزمن من جديد على أحكام الدين.
ويتابع الكاتب الراحل جورج طرابيشي في فصله المهم “نجيب محفوظ فيلسوفًا بالوكالة” قراءته لرواية نجيب محفوظ الشهيرة “رحلة ابن فطومة”، ويرى المؤلف أن هذه الرواية تحمل نموذجًا إيجابيًّا لحالة إسلامية تعيش في ديار الغرب، وفي هذه الرواية “رحلة ابن فطومة” اندمج البطل مع شروط الحضارة العصرية، لأخذها بالقاعدة الفقهية التي تقول: تتغير الأحكام بتغيّر الزمان.
وفي رواية “قلب الليل” التي صارت فيلمًا سينمائيًّا إخراج عاطف الطيب، نجد جعفر الراوي الناطق الآخر بلسان نجيب محفوظ يعتنق مذهب المثل المصري الشهير الذي يقول: “سمك لبن تمر هندي”؛ فهو مذهب تلفيقي يستفيد من المقارنة بين الحضارات، يدعو إلى ديمقراطية في الحكم على الطريقة الرأسمالية، وإلى مساواة في التوزيع على الطريقة الاشتراكية، وإلى روحيّة على الطريقة الإسلامية. ولهذا، بتعبير جعفر الراوي نفسه، يقول: أنا الوريث الشرعي للإسلام والثورة الفرنسية والثورة الشيوعية. فإذا ما قيل له: تلفيق، أحلام يقظة، خيال، كان ردّه: من حقي أن أنشئ مذهبًا جديدًا إذا لم أقتنع بالمذاهب القائمة.
بهذه الإشارات السريعة نجد أن نجيب محفوظ قد عبّر عن طريق رواياته عن أمور فلسفية بالغة الدقة.
بالمناسبة، للمشاهد الكريم والقارئ، يوجد شبه إجماع بين نقّاد الأدب أن أفضل دراسة عن نجيب محفوظ خرجت من جورج طرابيشي، وبالتحديد في كتابه “الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية”. لماذا هذا الولع من طرابيشي بنجيب محفوظ؟ لأن الحل خرج من الجانب الآخر. كنا نحن نعتقد -يعني، هذا تعبير طرابيشي غير مكتوب- أن نجد الحل عند المفكرين الذين تخرجوا من السوربون مثل طه حسين أو قاسم أمين ومحمد أركون وجلال أمين. لكن الحل، كما يقول غوته في إحدى مقولاته المهمة جدًّا الأثيرة عندي يقول: إن الفلسفة أعمق من الأدب لأنها تدرك أن الأدب أعمق منها. الحل خرج من جيب الأديب، وكما قيل: يستدرك الأديب تقصير المفكّر. فنجيب محفوظ استغل عوالم الأدب الرحبة والواسعة وغير المنظور إليها بعكس المفكّر. من خلال رواياته وكلامه على ألسنة أبطال رواياته، استخرج لنا الفلسفة الوجودية والفلسفة الرمزية.
وأيضًا لو تقرؤوا بيان جائزة نوبل، الحائز عليها نجيب محفوظ –هو الأديب العربي الوحيد الفائز بنوبل عام 1988- تكلّمت بإطراء، تكلمت الجائزة عن روايته “أولاد حارتنا” وعن ثلاثية نجيب محفوظ، ثلاثية: “بين القصرين”، “قصر الشوق”، “السكرية”، التي أعتبرها من أهم دراسات علم الاجتماع التي قامت بتشريح المجتمع المصري وبيان مواطن العيوب فيه. طرابيشي نبّه أن الحل كان عند محفوظ، لا عند طه حسين وقاسم أمين وغيرهما. هذا الأديب المتواضع المتواري خلف الأنظار مرّر لنا عبر أبطاله عبارات مهمة.
وأنا مرةً استمعت إلى حوار للراحل نجيب محفوظ مع الإعلامي الشهير فاروق شوشة، قال: أنا أكتب الأدب بالحيلة. هناك مصطلح: المقاومة بالحيلة، أو الأدب بالرمز؛ فأنا لا أميل إلى الحكاية المباشرة لأن الفن يكره المباشرة. أنا أتكلم من وراء السطور، وأضع عبارات، وهذه العبارات ستبقى خالدةً على مدى الزمن.
لماذا يرجم بعض مثقفينا العولمة والحداثة؟
عودة إلى الكتاب الجميل والممتع “من النهضة إلى الردة” للأستاذ جورج طرابيشي، مع الوقفة الأخيرة.
بالمناسبة، الكتاب به أبواب عديدة. أنا قمت بعملية انتقاء بسبب الوقت وبسبب زحمة الأفكار؛ هناك نقد هائل لأركون، وهناك ياسين الحافظ الماركسي، وهناك جلال أمين الخطابات الاقتصادية، وهناك الفيلسوف القومي زكي الأرسوزي. أنا قمت باختيار الأسماء المهمة. والإشكالية في الثقافة العربية. لا يمكن أن نترك طه حسين، ولا نترك قاسم أمين، ولا نجيب محفوظ.
الفصل الأخير كان “المثقفون العرب والعولمة”: لماذا المثقفون قاموا برجم العولمة وهم جزء منها؟ واحدة من أخطر النتائج، برأي طرابيشي، التي ارتكبتها النُّخب العربية هي رفضُ العولمة ورفضُ الحداثة، ومن التشنيع على العولمة إلى التشنيع على الحداثة. هذا ما يسميه طرابيشي في كتاب آخر مهم “عصاب جماعيّ عربيّ”، وهو العصابُ، أي الأمراضُ النفسية، يقصد التي أصابت العقل العربيّ عند لقائه مع الغرب. في الخطاب الثقافيّ العربيّ هناك شريحة واسعة من النخب العربية منذ أن تم اكتشافُ الذات العربية نفسها متأخّرةً أمام الغرب المتقدّم؛ هذه عانت نوعًا من التناقض والازدواجية. فالخطاب العربي، بتعبير طرابيشي، مريض بالغرب أو بالأحرى يتقدّم بالغرب، بمعنى يميلُ إلى التشهير ونشر ثقافة الكراهية وثقافة المقت، وأكثر ما يتجلّى هذا الموقفُ من العولمة والحداثة لدى ذوي الاتجاه الإسلامي من المثقفين العرب سواء كانوا تقليديين أم عضويين بحسب تقسيم غرامشي الشهير.
وهنا أقفُ وقفةً مع نقد هائل مارسه طرابيشي ضمن الشخصية، هو اعتبرها مفكّرًا مصريًّا مهمًّا، هو الراحل حسن حنفي. يستغربُ طرابيشي في أحد مقالاته أو في أحد كتبه أن النموذج الأمثل للحديث عن عصاب عربيّ فكريّ، أو تناقض عربيّ، ازدواجية، الازدواجيّة أن تُبطن شيئًا وتُظهر شيئًا. هو كتابُ حسن حنفي “علم الاستغراب”. فماذا تريد يا أستاذ حسن حنفي؟ يقول لك: أنا أحاول أن أضع الغرب عند حدوده، وهم عندي كالبيادق في الشطرنج، وما كانت إلّا كذا، وما ذكرتُ إلّا كذا، ونحن عندنا أفضلُ من عندهم. وهذه نفس المشكلة التي وقع بها المفكّر الماركسيّ الشهير حسين مروة في كتابه “النزعات المادية”. كان بالأحرى، قبل تأليف “علم الاستغراب” -كتاب ضخم جدًّا- كان برأي جورج طرابيشي أن يُمارس حسن حنفي عملية نقد على الثقافة العربية المعاصرة وعلى المفاهيم التي أنتجتها قبل اتهام الآخر. طبعًا، وتكلّم حسن حنفي عن دورات حضارية، وأن العرب سيتقدّمون، وأن الغرب سائر في طريق الأفول، لكن للأسف كل هذه الأحلام لم تتحقّق لأنها لم تكن على أساس علميّ، بتعبير طرابيشي.
وفي تقدير طرابيشي أن الحراك الثقافيّ العربيّ وأن النخب العربية الثقافية تعاني من مأزق كبير يتمثّل -برأي طرابيشي- في التالي، ما هو المأزقُ العربي؟ أولًا عبارات مهمة: مأزقُ الانغلاق على الذات والتشدّق بالخصوصية، لدينا خصوصية خاصة نختلفُ عن الآخرين، أو أصولية ثقافية خانقة كما حدث مثلًا في الماركسية أو اليسارية تحوّلت إلى شيء مقدّس. والمأزقُ الآخر: مأزقُ الانخلاع من الذات والانجراف في عولمة ثقافية ماحقة، وهو ما تكلّمنا عليه في التماهي مع الآخر في نموذج طه حسين، التغريبُ وليس التحديث.
وأيضًا، بتعبير طرابيشي، البحثُ عن فكرة النموذج أو الأصل في التاريخ والعودة لتطبيقها في الواقع. وفكرة النموذج أو “الآخر” في الغرب؛ يعني هناك اغتراب زمانيّ وهناك اغتراب مكانيّ.
أنا تارة أرجعُ إلى الماضي، هذا اغتراب زمانيّ فأجدُ الحلّ، أقنعُ نفسي بإيجاد الحلّ، أو أن أقنعُ نفسي بإيجاد الحلّ عند الآخر في الجانب الآخر، وهذا مقابل الهروب من الواقع. الواقعُ يجب أن يُدرس من آليّاته ما الذي يغيّر الواقع وأسئلته؟ نهربُ إلى البحث عن أيديولوجيات ماركسية أو قومية أو دينية لإيجاد الحلول داخلها، والتي -هذه الأيديولوجيات المذكورة آنفًا- لا تزيد الإنسان إلّا اغترابًا وضياعًا.
ما خطة العمل: نقد المشاريع وقراءة الواقع من الداخل؟
برأي طرابيشي في نهاية الكتاب، كتاب “من النهضة إلى الردة” الحلُّ يكون بدراسة الواقع وقراءته قراءةً علميّةً وعقلانيّةً، ووضع الحلول من داخله دون العودة إلى الماضي أو الهروب إلى الحلول والأسئلة الجاهزة. هذا الكتاب يُمارسُ عملية جرد حساب، ممارسةً نقديةً مع مثقّفي النهضة العربية، أن مشاريعهم ليست مقدّسة، وأن هذه المشاريع جاءت لتخضع للنقد، والنقدُ دليلُ التقدّم، وعلينا ألّا نعيد ونكرّر نفس الأخطاء التي ابتدأها جيلُ النهضة من قاسم أمين إلى طه حسين إلى محمد أركون. وأننا قد نغفل عن بعض الأسماء التي توارت على نُظّارها لكن تكلّمت كلامًا مهمًّا، مثل ما ذكره في الفصل الممتع عن نجيب محفوظ.
أيضًا علينا أن نبحث في الحلول عن واقعنا، وألّا نرجع لرمي المشكلات إلى الآخر؛ فالفشلُ هو فشلُنا من الداخل، وأوّلُ مرحلة هو الاعترافُ وعدمُ إنكار الفشل، ثم النظرُ في الواقع والآليّات التي تُحرّك هذا الواقع.
هذا كان جزءًا بسيطًا من الكتاب الممتع جدًّا “من النهضة إلى الردة: تمزّقات الثقافة العربية في عصر العولمة” للراحل جورج طرابيشي. هذه دعوة من عندنا، فضلًا تكرّمًا لا أمرًا، لقراءة هذا الكتاب الممتع، وأنا أعطيكم وعدًا: ستستمتعون كثيرًا في هذا الكتاب؛ لأن طرابيشي تشعرُ كتب الكتاب بحرقة، وهو متألّم، وهو الذي يمتلك هذا الخزين الهائل من الثقافة العربية والإسلامية.
أشيرُ أخيرًا أنني قرأتُ حوارًا للراحل جورج طرابيشي قبل رحيله، وقد رحل عام 2016، قال: أنا تركتُ المرحلة… طبعًا معروف طرابيشي في المرحلة الأولى قام بترجمة هائلة للروايات الغربية الجميلة، أنا أذكر ترجمته لروايتين: رواية “زوربا” لنيكوس كازانتزاكيس، والرواية الأخرى “الجحيم” لهنري باربوس. يقول: تحت ضغط أسئلة التراث والتقدّم والتخلّف، ضعتُ وأنا أقرأ هذه الكتب التراثية والفكرية وأجدُ أن حوالي ثماني ساعات وعشر ساعات لا تكفي في اليوم. وأنا أدعو الباحث -هذا الكلام لطرابيشي في الحوار- إلى أن يغوص في هذا التراث ويبحث؛ سيجد أرضًا بكرًا، وسيجد هناك أسئلةً عديدةً تحتاج إلى جواب. وأخيرًا أقول العبارةُ الهائلةُ جاءت في الفلسفة: الأسئلةُ مبصرة، والأجوبةُ عمياء. احذروا من الجواب، ولكن عليكم بالسؤال؛ فإنّه هو الذي يقودكم إلى الحقيقة.