Skip to content Skip to footer

مفهوم “الطلاق في القرآن مشروع” | سامر إسلامبولي

ناقشَ سامر إسلامبولي، الباحث والمفكر السوري، خلال لقائه د.باسم الجمل، عبر برنامج “مفاهيم”، تطبيقات اللسان العربي المبين على مفهوم الطلاق في القرآن، والمقارنة بين المفهوم الفقهي التراثي والمفهوم الذي سنستخلصه نتيجة تطبيق آلية اللسان العربي المبين على الطلاق، وهل في الحياة اليومية نعتبر أن الطلاق مرتَين أو ثلاث مرات ومع السلامة، أو عبر الرسائل (أنتِ طالق) فأنت طالق، هل هذا صحيح؟ هل هذا يتماشى مع المفهوم في النص؟

الطلاق من خلال الحالة اللفظية

قال سامر إسلامبولي، الباحث والمفكر السوري: “الطلاق عبر الفقه الإسلامي والتاريخ أجروه من خلال الحالة اللفظية؛ لأسباب خاصة اجتماعية، صعب تنحصر، لماذا فعلوا ذلك وأجروا الطلاق اللفظي؟ إنه إذا تكرر، يعني فهموا أن كلمة الطلاق مرتان بمعنى اثنتَين، يعني إذا قال الإنسان (أنتِ طالق، أنتِ طالق)، هذا حصل مرتَين، بيأخذوا فيها.. اثنتان سببه أن القاعدة (إذا اختلف المبنى اختلف المعنى) غائبة بدراساتهم القرآنية، فهموا مرتَين (اثنتان)، فأجروا الطلاق اللفظي، إذا قال الإنسان لزوجته (أنت طالق، أنت طالق) أو دمجهما مع بعض (أنت طالق بالثلاث)؛ فهي طلقة طبعاً، وجابوا الطلاق بالثلاث، رغم أن القرآن عَم يقول مرتَين، ما فيه ثلاث، يعني ما فيه طلاق ثلاثة، هو الطلاق مرتان وليس اثنتَين”.

الطلاق وَفق المفهوم اللساني.. الطلاق والفداء

وأضاف سامر إسلامبولي: “الأصل الطلاق من فعل (طَلَقَ)؛ ومنه انطلقت الرصاصة إذا غادرت بقوة نحو اتجاه آخر؛ من مكانها إلى اتجاه آخر، فالطلاق اسم لفعل (تطليق) الزوجة من عقد الزواج، إطلاقها، تحريرها، إبعادها بقوة إخراجها عن العقد، الزواج اسمه طلاق؛ هذا بالنسبة إلى الرجل والمرأة. المرأة إذا بدأت تُبطل العقد، النكاح، تبطله بعملية الفداء، يعني صار فيه إبطال عقد نكاح للرجل اسمه الطلاق، وفيه إبطال عقد النكاح بالنسبة للمرأة من قِبلها اسمه (الفداء)؛ تفدي نفسها من الزواج”.

الفداء.. المرأة تستطيع إبطالَ عقد النكاح

وتابع الباحث والمفكر السوري: “الأصل هو أن تستطيع المرأة أن تبطل عقد النكاح، هذا المضمون، ما لها علاقة الوسيلة، تبطل عقد النكاح، تستطيع المرأة أن تبطله؟ نعم من تلقاء ذاتها، اسمه (الفداء)؛ تفدي نفسها، الرجل يستطيع؟ نعم، طب لماذا اسمه طلاق؟ لأنه له مواصفات خاصة، المرأة (الفداء) من مرة واحدة تفدي نفسها. الرجل لا؛ الطلاق مرتان، فيه عنده عراقيل، رب أسرة، فيه أولاد، فيه نتائج عن عمله، وين تارك، فوضع عقبات.. المرأة ما وضع لها عقبات؛ لأنه من الناحية الاجتماعية والبيولوجية والفيزيولوجية للنفس، كمان نفس المرأة، المرأة على الغالب لا تطلب الانفصال عن زوجها إلا بعد ضغط اجتماعي كبير جداً؛ يعني هي أعطت لنفسها مرةً ومرتَين وثلاثاً وأربعاً، حتى ما تخرب بيتها، فما بتطلب الفداء إلا عندما تكون (اختنقت)؛ فلذلك المشرع ما أعطاها مشروعاً للطلاق، إذا أخذتي هذا القرار عقلاني وواعٍ يتنفذ فوراً؛ لذلك ما فيه عدية طلاق هنا بالنسبة إلى المرأة، هذا الفداء له عدية استبراء رحم فقط، أما ذاك ففيه عدية طلاق، كان الرجوع”.

الفداء والقرآن

وأجاب إسلامبولي عن سؤال “يعني هل فيه نص في القرآن يعترض؟”، قائلاً: “طبعاً الفداء مرة، تفدي نفسها.. وطبعاً فيه نص الفداء، المرأة تفدي نفسها؛ فالطلاق والزواج، الزواج قُلنا هو عقد إنساني، عقد إنساني بين طرفَين، عَم يتم بين قبول وإيجاب بجلسة واحدة فقط، هل الطلاق من الرجل وزوجته ممكن يصير بجلسة واحدة كما بدأ الأمر بزواج بجلسة واحدة؟ الأمر بالطلاق لا، طيب بالزواج لا يوجد ما يُسمى توثيق العقد وشهود؟ يوجد توثيق عقد وشهود، هذا الموضوع كمان المواصفات تنتقل للطلاق، وقت يصير فيه طلاق لا بد أن يكون فيه شهود وتوثيق”.

الزواج والطلاق.. هل نفس الشروط والإجراءات؟

وأضاف الباحث والمفكر السوري: “نفس الشروط اللي بالزواج انتقلت للطلاق، ما بُدئ بقبول وإيجاب، بدِّي يكون قبول وإيجاب، ما بُدِئ بشهود بدِّي ينتهي بشهود، ما أنه الطلاق أسهل من الزواج، الزواج بِده شهود، وباجيب ولي أمرها، وبيصير حفلة.. باجي للطلاق؛ ما بيصير شيء، لا؛ فإذن عقد الزواج ليس مثل سائر العقود، يعني عقد ملكية سيارة أو تشري شيئاً، أنا بدِّي أعمل عقد بيع وشراء؛ ممكن بطرفَين وبشكل سري دون شهود ودون أي شيء، قبول وإيجاب بين الطرفَين، بيتم عقد البيع؛ ما فيه أية مشكلة ولا يشترط له أي شيء، هذا اسمه عقد بيع متعلق بالإحالات الشيئية، عقد الزواج عقد اجتماعي يختلف”.

الزواج مشروع ومشرَّع قبل القرآن

وتابع سامر إسلامبولي: “إجراءات الزواج بمجموعة من النصوص كفهم مقاصد، فهم مقاصد، والزواج أنا ذكرت أنه هو مشروع ومشرَّع قبل القرآن، ما هو حالة جديدة للناس؛ فالأصل في العقد أنه قبول وإيجاب بين الطرفَين.. القرآن أقرهم؛ طب شو الدليل؟ الدليل هو الواقع اللي عايشينه، نحن مثبت (فانكحوهن بإذن أهلهن)، جابوا منها الفهم هذا أنه لازم يكون للأهل دور… (فقط هذا لفتياتكم المؤمنات)؛ فتيات المؤمنات خصوصاً”.

وقال سامر إسلامبولي رداً على “يعني ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات؟”: “هذا جاء خاص لهم ومقصدياً للزواج، مقصدياً وليس حرفياً، جاء هذا خاص للفتيات؛ لأنهم ضعاف، تم الخصوص فيهن والتعميم للنساء، أنه بدكم تنكحوا هذه المرأة، لها أهل، مو تنكحها من الشارع”.

الأسرة.. أول حالة توثيق اجتماعي

وأجاب الباحث والمفكر السوري عن سؤال “هل المرأة التي خارج نطاق تصنيف دائرة ملك اليمين، هل تستحيل أن تزوج نفسها دون العودة؟”، قائلاً: “هذا الكلام له حالات معينة؛ لذلك بالفقه اختلفوا مثلاً ما بين الثيب والبكر، النص القرآني دائماً أنه هذا اسمه عقد اجتماعي، من البداية نضبط العقد، العقد اجتماعي طالما عقد اجتماعي لازم يكون فيه توثيق اجتماعي، فأول حالة توثيق اجتماعي هو الأسرة.. فحوى مقاصد النص القرآني بهذا الشكل من عدة، كون العقد اجتماعياً.. عقد اجتماعي معانا بدِّي يتم بحالة اجتماعية، فالزواج يتم من الطرفَين، معانا الطرفان، فيه شرط، شو هو الشرط؟ اثنان بالغان راشدان، اثنان، فيه حرية وقبول وإيجاب، طب وين؟ هيك الواقع، هذا مصداقية الواقع ودراسته، فيه طرفان هنا محل العقد الاجتماعي، معناها بالغان راشدان، ألون الحرية يصير قبول وإيجاب يسمونها أركان الزواج، القبول والإيجاب، ما سوى ذلك ليس أركاناً، يسمونها واجبات؛ منها التوثيق الاجتماعي، يبدأ من موافقة الأسرة، وإن لم تكن الأسرة فمؤسسات الدولة والاجتماعية، هي مكلفة بالتوثيق أو القضاء..”.

هل المرأة البالغة الراشدة تستطيع أن تزوج نفسها بنفسها؟

وأضاف سامر إسلامبولي: “فييجي هنا السؤال: هل المرأة البالغة الراشدة تستطيع أن تزوج نفسها بنفسها؟ نعم؛ إذا اتجهت إلى المؤسسات الاجتماعية ووثَّقت العقد؛ لأنه فيه مقصد للمشرع، حماية هذه العلاقة، حماية من أن تتكون علاقة سرية، تزوجوا مع بعضهم والمجتمع ما حَد بيعرف أو يعني بمعنى غير موثق، هذه العلاقة هرب الرجل، تورطت المرأة؛ يعني العقد لحماية المرأة أكثر من الرجل، حماية لها. بِدِّك تحمي نفسك وثَّقي العقد، أين التوثيق؟ بالصور المتاحة بمجتمعي؛ ابتداء من الأسرة وانتهاء بمؤسسة القضاء، هذا كله اسمه توثيق”.

الزواج.. غاية الإعلان التوثيق

وتابع سامر إسلامبولي: “التوثيق ليس الإعلان، اللي لا يملك توثيق يتجه نحو الإعلان؛ لأن غاية الإعلان التوثيق، سابقاً وقت يعلنون عن الزواج، فلان تزوج فلانة، توثيق اجتماعي؛ مثل الولادة بالضبط، فلان رُزق بمولود اسمه كذا، حالة توثيق، أحوال شخصية، تاريخياً طبعاً جمدت الأحكام هذه عند المسلمين السلفيين، صار لا بد من الإشهار.. وإلى آخره، لا هي ليست أحكاماً دينية، الحكم الواجب هو التوثيق؛ لحفظ حماية المرأة وما ينتج عن هذه الأسرة من علاقات وأولاد، حمايتها، الحماية هي التوثيق، توثقها بالوسائل المتاحة، وأفضلها حالياً هو مؤسسات الدولة، وثقت أنت..”.

أحكام وقائية.. فترة العدة مثالاً

وأجاب إسلامبولي عن سؤال “ما المقصود بـ: وإن أردتم خطبة النساء فـ(لا تواعدوهن سراً إلا أن تقولوا قولاً معروفاً)”؟، قائلاً: “بالمقاصد الدينية دائماً في شيء اسمه وقاية، فمرأة مثلاً مات زوجها، دخلت بعد عدة؛ بهذه العدة ما بيصير أنت تنفرد فيها، ما بيصير تعرض عليها الزواج، في فترة لازم تمر فيها حماية ووقاية للمرأة وسمعتها؛ اسمها أحكام وقائية، فلذلك ما بيصير (تواعدوهن سراً).

وقال الباحث والمفكر السوري رداً على: “هل المقصود هنا النساء بالعموم؛ يعني المرأة بشكل عام؟”: “لا اللي دخلوا بالعدة، المنصوص جاي داخلين بالعدة، ما المرأة عامة، المرأة عامة عادي تحكي معها بالخطبة؛ ممكن توعدها بمكان عام، ممكن. أما المطلقات والأرامل خاص لهن؛ لأن الوضع الاجتماعي اللي هن فيه حرج؛ حفاظاً لسمعتهن، فيه أحكام وقائية، أما المرأة اللي لا هي أرملة ولا هي مطلقة؛ ما فيه أي شيء على سمعتها، ممكن تتجول بشكل حر وعلني، ممكن توعدها في مكان عام وعادي جداً، أما المطلقات والأرامل فلا، حتى يخلصوا العدة”.

“لا تواعدوهن سراً”.. هل المقصود بـ(سراً) الانزواء في زاوية؟

وأضاف إسلامبولي رداً على (“لا تواعدوهن سراً”.. هل المقصود بـ(سراً) الانزواء في زاوية؟):  “(سراً) بمعنى في مكان لا يعلمه أحد؛ سواء بمكان فارغ بين أربعة جدران أو بمكان عام غير معروفين.. فهي (سراً) عملياً ما فيه حَد بيعرفها، سراً صارت… والمرأة العامة عادي بتلاقيها وين ما بدك، مكان عام، أما المطلقات فقط والأرامل حصراً لهن هذه العلاقة، التعامل للحفاظ على سمعتهن من أهلهن وذويهن، فإذن الطلاق، أجرى الفقهاء مجرى لفظياً، المكرر لفظياً فقط، ونفوا عنه حالة الإنشاء لعقد الزواج، كيف نشأ؟ لازم يبطل هذا، أبطلوها، ومرت سنوات وسنوات، وربما إلى الآن معظم المذاهب الفقهية وفي بلاد الشام يعني إلى عهد قريب، كانوا يجرون هذا، أي إنسان يحلف يميناً على امرأته (أنتِ طالق بالثلاثة)، المرأة طُلقت، يبحث عن المشايخ، مين بِدِّه يحلله إياها ويفتي له إياها؟ فكان عندنا شيخ بدوما بدمشق، مذهب الحنبلي، يقول له ما لك غير هذا الشيخ، أنه الشام شوافعه، فروح عند الشيخ الحنبلي، هداك يفتي لك إياها مباحة ترجع طبعاً، ما عَم نحكي على التحليل، التحليل ذاك موضوع ثانٍ صار آخر كمان.. هذا كله لا علاقة له بالقرآن، لا من قريب ولا من بعيد إطلاقاً، هذه العلاقة جادة قائمة على منطق ووعي ومحبة واحترام، ما فيها الهزل والعبس إطلاقاً، بدك تنهي علاقتك تنهيها مثل ما بديت، فُت من الباب بتطلع من الباب، ليس فُت من الباب بتطلع من الشباك، فدخلت من الباب بعقد، بوعي، بتطلع كمان بحالة اتفاق..”.

الطلاق مرتان.. مرتان غير اثنتَين

وتابع الباحث والمفكر السوري: “فما هو الطلاق في القرآن الطلاق؟ في القرآن قال الطلاق مرتان، نقف عند كلمة (مرتان)؛ اختلف المبنى فاختلف المعنى. (مرتان) غير اثنتَين؛ وهي إذن فهمنا كلمة (مرتان) فوراً، يتم نقض للفهم الفقهي؛ أنهم يبيحون أو يجيزون الطلاق اللفظي المكرر، فوراً كلمة (مرتان) في اللسان العربي تطلق على الفعل إذا تكرر في أرض الواقع على مرحلتَين؛ اسمه مرة، مرة، مرتان، أما إذا فعل نفسه استمر في الحصول، فما اسمه (مرتَين) مهما تكررت فيه الحركات”.

الطلاق مرتان.. المقصود بـ”مرتان”

وأضاف سامر إسلامبولي: “كلمة (مرتان) هي عبارة عن فعل مكرر مع فاصل زمني بينهما؛ الفاصل الزمني يحدده المشرع كام بالضبط، فإذا تم الفهم بهذا الشكل سقط المفهوم الفقهي مباشرة، وحده الذي هو يقول إن الطلاق اللفظي فقط هو الذي يقع فهم (مرتان اثنتان).

وأجاب سامر إسلامبولي عن سؤال “بهذه الحالة معناه يعني كل حالات الطلاق التي تمت باطلة؟”، قائلاً: “باطلة نعم، وما زالت الزوجة على ذمة زوجها، وما فيه أية مشكلات مهما تلفظ”، مضيفاً رداً على “حتى وإن تزوجت آخر”: “أيوة فيه مشكلة، ما زالت هي على قيد زوجها، يعني زوجة وعَم تتزوج واحد تاني.. الواقع يفرض أنه طالما حصل الطلاق بالنهاية، يعني بصرف النظر عن اللفظ، بالنهاية طلقها، فتم الطلاق، الإجراء للطلاق كان باطلاً؛ لكن في النهاية طلَّق واتثبت الأمر عند المحكمة، طلقها فطلعت من ذمته”.

القرآن يقول الطلاق مرتان.. من أين جاءت الثالثة؟

وتابع إسلامبولي: “فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.. هل الطلاق مرتان ولَّا ثلاث كما هو سائد، الطلاق بالثلاثة؟ من أين جاءت الطلاق الثالثة إذا القرآن يقول الطلاق مرتان فقط، من أين الثالثة أتت؟ بالواقع لا توجد طلقة ثالثة، إنما هو بس مرتان.. (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)، كلمة القروء هي وصف لحدث يتم قراءته، ونتائج عنه؛ فكلمة هي تطلق على حدث المحيض والطهر مع بعضهما؛ الاثنان مع بعضهما اسمهما قرء واحد، ثلاثة قروء؛ فحالة ثلاثة أطهار وحيضات، ثلاثة  أطهار وحيضات، ثلاثة  أطهار وحيضات.. من هنا جاء الطلاق الثالث، وقت شافوا الثلاثة، لا دول مرحلة زمنية، ليس هنا الطلاق مرتين، بس طيب كيف يطلق الإنسان؟ يتصل بأهل للمرأة لها أب لها عم، أخ، ما لها حدا، فيه مؤسسة اجتماعية؛ دائماً الدولة ولي مَن لا ولي له، فيه مؤسسة قضائية، بييجي مشرف اجتماعي مسؤول يجلس ويسمع، أنا بِدّي أطلّق مَرَتي، شو الأسباب؟ طبعاً بغض النظر، اقتنع ما اقتنع، هذا موضوع ثانٍ.. المهم يعقد هذه الجلسة، هذا الطلاق، بشرط أنه عندما يعقد هذه الجلسة أن تكون المرأة في حالة طهر، ليس بحالة المحيض، ليس عندما يريد أن يطلق، ليس بأي يوم بالشهر يستطيع يطلق”.

القروء والطلاق المرحلي

وقال إسلامبولي رداً على “فيه نصوص تثبت؟”: “المقاصد، النص، كلها النصوص مع بعضها، مقاصد الدين؛ أن المرأة يطلقها، بيكون بحالة الطهر، ليس حالة المحيض، طهر، هلا يطلقها، تقعد معها، تحكي معها، فيه واحد، طرف ثالث عَم يسمع من هؤلاء، ومؤسسة اجتماعية، اسم الجلسة الأولى، هذا اسم الطلقة الأولى، هذه المرة اسمها الطلقة الأولى؛ اللي عَم تحصل بمرة، هذه المرة حصلت، طرحت موضوع ناقش، ما رضي يرجع عن رأيه، الرجل مُصر على الطلاق، فالطرف اللي داخل للإصلاح أو لحضور الجلسة بناء على أسرار الزوج، يبدأ توقيت الطلاق المرحلي؛ اللي هوَّ ثلاثة قروء، للطلقة الأولى، اللي هي مرة ثلاثة شهور أو قروء؛ المدة الزمنية متقاربة، على رأس الشهر الثالث بيتم عقد الجلسة وبنفس العناصر، الرجل والمرأة والطرف الثالث، المؤسسة اللي عَم تشرف على هذا العمل”.

لا تخرجوهن من بيوتهن.. البيت للمرأة

وأضاف الباحث والمفكر السوري: “في هذه الحالة المرأة بتكون في بيتها، ما بتخرج من بيتها،  (لا تخرجوهن من بيوتهن)، ولاحظ بالقرآن عزا ونسب البيت للمرأة، وفيه إشارة بشكل خفي أنه البيت للمرأة؛ وخاصة إذا عندها أولاد، وهذا ما فعله الغرب وقت بيعطوا البيت للمرأة، دائماً يطلعها هي أقوى منك عند أولادها، ما عاجبك أنت يطلعها، ما هي بيتها هذا، فلا تخرجوهن من بيوتهن، فيه مقصد ليه ما تخرج؟ علشان الإصلاح؛ لأنه الصلح خير، ليش الطلاق بهذه المراحل،هذه الزمنية؟ للإصلاح، فإذن من الإصلاح تبقى في بيتها.

 إمساكهم بالمعروف، صار فيه صلح، رجع، ما فيه طلاق، ما اسمه طلقة أولى، هذا يعني إذا حصلوا وقعدوا، بده يطلق؛ ولكن صار فيه صلح، ما اسمه طلقة أولى. طيب أصر على الطلاق بالجلسة؛ لكن استمر ثلاثة أشهر، المرأة قاعدة في بيتها، ما بيصير تخرج عشان الإصلاح خلال هذه الأشهر الثلاثة، هذا إذا تمت أية علاقة بينهما ومراجعة، سقط الطلاق مباشرةً؛ لأن الصلح خير، وتم المقصود، فما عاد فيه أنه انحفظت عليك طلقة أولى، وسجلوا لك إياها بتاريخ كذا، بعد عشرين سنة يحاسبوك فيها، صار فيه طلقة واحدة هيك، بتعاملها كأنه اللعبة”.

مشروع الطلاق وحدة زمنية متماسكة

وتابع سامر إسلامبولي: “سقطت الطلاق ما عاد فيه طلاق، خلاص ارجع زوجين (يعني إذا بده يبادر مرة أخرى سيعد مرتين؟) بِدّه يرجع، نعم مشروع الطلاق من أوله؛ لأنه مشروع الطلاق واحد متماسك غير منفصل عند المسلمين، منفصل، طلقت أول مرة، اتحسبت عليك، رجعت اتحسبت وسُجلت في سجلك؛ صار فيه طلقة واحدة، بعد عشر سنين إذا بيصير طلاق وخلاف وتطلق الثانية، باقول لك أنت فيه طلقة سابقة وهذه الثانية، صار فيه، قال لك واحدة، ماذا؟ هي مراحل، مشروع الطلاق وحدة زمنية متماسكة مع بعضه، إذا سقط سقط المشروع كله، وإذا حصل طلاق في ما بعد فتتم إعادة الطلاق من بدايته، فإذا نتابع مشروع الطلاق واسمه مشروع الطلاق، كلمة دقيقة؛ فهذه الجلسة ثلاثة أشهر في حال لم يتم رجوع الرجل إلى زوجته، خلال ثلاثة أشهر بييجي على رأس الشهر الثالث، يتم انعقاد الجلسة الثانية، اللي هي المرة الثانية، بنفس العناصر؛ يشوف كمان يحاول الإصلاح في حال ما تم الصلاح”.

تسريح بإحسان

وقال الباحث والمفكر السوري: “هلا التسريح بإحسان؛ هنا النقطة؛ لكن معها ثلاثة أشهر كمان، لأن هذه طلقة ثانية؛ كل طلقة لها عدة، هذه الطلقة الأولى لها عدة ثلاثة أشهر. الطلقة الثانية لها عدة ثلاثة أشهر؛ إذا أصر على الطلاق هلا الآن هذا الطلاق مرتان، انتهى. صار فيه المدة الزمنية، بعد الطلقة الثانية ثلاثة أشهر، على رأس الشهر السادس تُعقد جلسة ثالثة، مو للطلاق؛ لتثبيت الطلاق، مُصر على الطلاق عشان نجري الطلاق.

 الطلاق بعدة؛ طلقة وعدة، طلقة وعدة؛ فصار مجموع العدة الزمنية ٦ أشهر، على رأس الشهر السادس بيتم تثبيت الطلاق، اللي هو فكروه طلقة ثالثة، هو ليس طلقة، الطلقة مرتان؛ الأولى والثانية فقط، رأس الشهر السادس هو نهاية عدة طلقات، هلا قعدنا بالشهر السادس، يحق لك ترجع طالما لسه ضمن المشروع؛ ليس أنه انتهى الموضوع، لا ما انتهى؛ يحق لك أن ترجع إلى ذلك، هذه الجلسة هي للتثبيت، خلصنا، خد فرصتك كاملة، ستة أشهر؛ اللي غضبان، ارتحت، ستة أشهر كافية إنك ترتاح، عارف شلون كافي ترجع أوراقك، كافي تهدأ أعصابك، ويصير فيه صلح، طبعاً محاولات صلح كتير، بيصير بين الأصدقاء، بين المؤسسات الاجتماعية، يحاولون يصلحون بينهم؛ لأنه علاقة إنسانية؛ وخاصة إذا فيه أولاد، والصلح خير، دائماً أول مقصد بالزواج، والصلح خير، والصلح خير؛ بس ليس على حساب دهس كرامة أحد؛ يعني ليس أنه خلاص صالح، وشو ما كان، لو كان الرجل يهدر حقوق المرأة أو داهسها، أنه الصلح خير، لا صلح خير ضمن المعقول؛ يكون أخطاء بسيطة، عدم تفاهم، عدم تساهل باندماج اجتماعي أو ثقافي. أما فيه ضرب فيه عنف، لا، يصير الطلاق خيراً، صار الحالة السليمة الطلاق، الطلاق هو الخير؛ مثلاً للمرأة لإنقاذها من هذا العمل، فإذن مشروع الطلاق، طلقة أولى بثلاثة أشهر، طلقة ثانية بثلاثة أشهر، وصارت ستة أشهر، ونهاية الشهر السادس فيه جلسة لإقرار هذا المشروع أو لتوقيفه. مُصر على الطلاق، ثبتوا لها،  ماني مُصر، دي ارجع إكس على كل المشروع، باصَفَّر العداد، ترجع العلاقة الزوجية طبيعية، وفي حال بعد سنتين أو 10 سنين، بيرجع لمشروع الطلاق من بدايته، ما بيتسجل عليه أي شيء أبداً، هذا الطلاق في القرآن، أي طلاق غير بهذا الشكل طلاق باطل وآثم؛ لأنه صار فيه اعتداء”.

كل طلاق يلزمه مجلس عائلي أو اجتماعي

وأضاف سامر إسلامبولي: “كل طلاق بِدُّه يكون فيه مجلس عائلي أو مجلس اجتماعي؛ جلسة اجتماعية مؤلفة من حد أدنى واحد من قِبل المؤسسة الاجتماعية أو طرف من أهله وطرفهم من أهله؛ أب، عم، أخ؛ يعني هذه العلاقة الزوجية إنما هي علاقة أُسرية اجتماعية لازم المجتمع يحتضنها ابتداء من الأُسرتَين، الأسرة تحتضن بنتها، والأسرة تحتضن ابنها؛ خصوصاً في الزواج الأول في السنوات الأولى، ربما كتير مهم جداً وجود العائلتَين؛ لمساعدة هذه العلاقة الجديدة بالنجاح، لأنه علاقة جديدة ما عندهم خبرات للنجاح، أهل الزوجة وأهل الزوجة؛ يساعدون، فكتير مهم على العقد، الزواج الاجتماعي، أن تكون الأسرتان موجودتَين، واجب اجتماعي.. هل يا ترى إذا ما فيه أهل، الزواج باطل؟ لا ما باطل، صحيح بس ناقص اجتماعيًّا، اللي بتتزوج خارج إرادة أهلها كاملةً، هل عقد نكاحها باطل؟ لا؛ لازم يكون نكاحه لأمر ليسركم، واجب اجتماعي، زواجه، أو عقد نكاحها سليم بس ناقصه اجتماعياً، عَم تدفعي تمنه؛ القطيعة ما بينك وبين أهلك. هذا شيء مرفوض، أما زواجك فصحيح، هذا ليس باطلاً، الفرق بالأصول، الفقه، ما بين كلمة باطل وكلمة فاسد.. الباطل العقد الذي لا يمكن إصلاحه كأن ينكحه مثلاً الرجل أُمه، عقد نكاح على أُمه، علم أنها هي أُمه، هذا العقد ما يتصلح حكمه، باطل. فالعقد الباطل الذي لا يمكن إصلاحه ينبغي نقضه مباشرةً؛ مثل نكاح المحارم، العقد الفاسد هو إذا كان العقد فيه نقص وخلل ممكن تصلحه، يقول ولي الأمر واجب، ولم يحصل في العقد.. الزواج صحيح؛ لكن فاسد، يعني بنصلحه، العلاقة سليمة وشرعية؛ بس فيه نقص، تعالَ يا ولي أمر، اشهد فبيشهد..”.

إشكالية سرية عقد الزواج

وأجاب إسلامبولي عن سؤال “هل ممكن يكون العقد سرياً مثلاً رغم وجود توافق بين الطرفين؟”، قائلاً: “بس يتزوجوا وحدهم، هل الزواج قبول، واجب بين الطرفَين على الزواج الدائم؟ هل هذا نكاح شرعي ومتحقق في الركن شرعاً؟ نعم اسمه زواج شرعي؛ ليس فاحشة ولا سفاحاً ولا أي شيء.. من الناحية الشرعية عقد نكاح سليم وصواب؛ يعني العلاقة ليست فاحشة بينهم. طبعاً من باب أولى، ليست زنى؛ لأن الزنى غير الفاحشة، ليست فاحشة، يعني ليس بالعلاقة بالحرام بينهم، ولكن اسمه عقد فاسد مو باطل، فاسد تنقصه الحماية الاجتماعية؛ لأنه أي أمر بيصير بينهم فيه مشكلة”.

الزواج.. شعرة بين الحرام والحلال

وقال الباحث والمفكر السوري رداً على سؤال “ماذا يفرق هذا النوع من الزواج عن الاتفاق بالممارسة ما بين طرفَين راضَين لها؛ لكن دون نية الزواج؟”: “دون نية الزواج الأمور بتفرق بين العقود على شعرة بين الحرام والحلال، هذا العقد شرعي لأنه زواج دائم بينهم باتفاق أنه أنا بيني وبينك فيه علاقة زواج دائم، عقد هون ما فيه زواج دائم، شو العلاقة؟ علاقة عابرة،  فصارت من الفواحش… ونحن هنا ما بنحكي عن التراضي؛ حتى الزنى تراضٍ.. التراضي لا يجعل علاقة الزنى عقداً، طالما فيه قبول وإيجاب هذا هو العقد وبالتراضي؛ بس هذا لا يجعل التراضي ووجود ركني الزواج”.

عقد الزواج ونية الطلاق

وأجاب الباحث والمفكر السوري عن سؤال “النية بالزواج هي التي تفرق عن العلاقة الأخرى مثلاً؟”، قائلاً: “الواقع، النية اللي ذلك اختلفوا فيها أنه إذا الإنسان بده يعمل عقد زواج دائم؛ ولكن يخفي فيه نيته أنه بده يطلَّق بعد ست أشهر أو سنة.. وإذا اتفق طرفان سراً على الزواج ويعيشان كزوجَين؛ فهذا شرعاً العقد سليم وصواب شرعاً نيةً بالزواج”.

وأضاف سامر إسلامبولي: “النية ممكن يخفيها؛ يعني يظهر عقد ويخفي نية، هذا أمر كمان خلافي، حتى اللي بده يتزوج زواجاً دائماً بس بداخله ممكن يخفي نية أنه لا أنا زواج ستة أشهر فقط..”.

إشكالية الإشهار والزيجات السرية بالمجتمعات العربية.. ولكن مسجلة قانونياً

وتابع إسلامبولي: “مجرد أن عقد الزواج ثُبِّت ببعض الدوائر القانونية طبعاً واحدة هذا اسمه زواج شرعي وموثق ولا يهم رأي المجتمع كله، الموضوع هو التوثيق لحماية المرأة والعقد بينهما، فما يقدر الرجل يغدر فيها أبداً أو يتبرى من أولاده.. لا فيه عقد زواج بينهما مسجل بالدائرة، فلا يشترط للزواج ما يُسمى الإشهار، في الفقه الإسلامي هذا له علة، لأنه ما كان فيه توثيق بزمانه، فبيضطروا يسوي الإشهار. ليس شرط الإشهار إطلاقاً، ليس شرط الحفلة، كلها لا علاقة بالدين، هل يستطيع الرجل أن يأخذ امرأة ويروح للمحكمة ويعمل عقد زواج؟ نعم بكل بساطة دون أي شيء، المحكمة وثقت العقد، طلع بورقها من العقد، المحكمة، هذه زوجتي، بيرجع على بيته، وما أحد له عنده شيء، هذه زوجتي”.

إشكالية الزواج سراً.. المجتمع الأوروبي والمجتمع العربي

واستكمل إسلامبولي: “وإذا اتفقا سراً بنية الزواج بينه وبينها؛ دون أن يعلن زواجه، شرعاً سليم، ولكن يتعرض إلى أذى المجتمع؛ فهي تطلع على بيته ويروح لعندها، المجتمع ممكن يعرضها لأذى، فيه مشكلة يعني، فالمفروض لذلك أحكام وقائية، المفروض الإنسان ما يسوي هذا الشيء بمجتمع لا يسمح به، مجتمع أوروبا ممكن عادي وشرعاً زوجته، أما المجتمع العربي بيسبب مشكلة كبيرة؛ فلذلك هنا لا بد أن يتقي هذا الأمر”.

عقد الزواج إنساني موجود قبل الكتب الإلهية

قال الباحث والمفكر السوري: “أنا ذكرت أن عقد الزواج عقد إنساني موجود قبل الكتب الإلهية؛ ليس الدين الذي بدأ تشريعه، فأية علاقة تبدأ بين الطرفَين قبول وإيجاب، لتأسيس أسرة، فهذا اسمه العقد الصحيح؛ يعني النبي محمد تزوج خديجة ما قبل النبوة، هل بعد النبوة غيَّر عقد زواجه؟ ما غيَّره لأن عقد زواجه كان سائداً ومعروفاً، قبول وإيجاب، وتوثق اجتماعياً من قِبل المجتمع، فهذا صحيح، فالدين ليس الذي بدأ العقد، موجود، ثبته وأعطاه قداسة وحماية، فركن عقد الزواج هو القبول والإيجاب بين الطرفَين على الحالة المتفق عليه، الزواج الدائم ليس عقد قبول وإيجاب على فاحشة، لا؛ على الزواج الدائم، فإن حصل العقد قبول وإيجاب بين طرفَين بالغَين وراشدَين بكامل قواهم العقلية على نية الزواج الدائم، عقد كزواج شرعي صحيح، بصرف النظر فيه شهود أو لا يوجد، سواء وثق في المحكمة أم لم يوثقوه.. كل هذه إجراءات”.

الخطبة في الثقافة العربية الإسلامية

وأضاف سامر إسلامبولي: “في الثقافة الإسلامية العربية موجود (الخطبة)، بصرف النظر عن إجراءات فيها والتشدد، خطبة، خطبها؛ فيه بعض أهل، لا مانع من أن تخرج مع خطيبها بس يطلع معها مثلاً محرم، ولد صغير؛ أخوها يطلع معها، تزوره في بيتهم، ينام عندهم؛ اسمها خطبة عَم يدرسوا بعض.. وفي هذه الخطبة تقع علاقة ما بين الطرفين نسبياً.. العلاقة فيه علاقة نسبية.. وفيه العلاقة الكاملة، العلاقة النسبية تقع بالخطبة، خطيبته، ومع ذلك بعد 5 أشهر، 6 أشهر يقول لك فكِّينا الخطبة، وجرى بينهما ما يجري بين الرجل والمرأة، إلا الجماع.. وفك الخطبة لا يعني فك الطلاق؛ فما تزوجها هو؛ يعني ما كُتب عقد، لا علاقة؛ الكتابة بالتوثيق، ما صار بينهم عقد، قبول وإيجاب على نية الزواج، وإنما تقديم، قدم نفسه كخطيب وفيه اسمه، موافقة مبدئية على الخطبة، وأنتم الآن في مرحلة الخطبة للدراسة، تتعرفون على بعض.. ليسا زوجَين، اسمها مرحلة الخطبة فقط، فبيصير تعارف الحرية بالسلوكيات بينهم، ترجع لثقافة المجتمع، مجتمع بيقيدها، مجتمع بيغلقها، ما بيشوفها أبداً.. مجتمع بيفتحها شوية.. المجتمع الأوروبي مفتوحة العلاقة أكتر، ترجع للمجتمعات والعرف يجري بينهم”.

العلاقة الكاملة بين طرفَين

وأجاب إسلامبولي عن سؤال “هل العلاقة الكاملة ما بين طرفَين تخضع للعرف القائم في المجتمع؟”، قائلاً: “المجتمعات العربية الإسلامية عندهم هذا الانفتاح، المدن؛ بيصير فيه علاقة بين الخطيبَين، لكن لا تصل إلى الجماع، طيب ليه ما تصل إلى الجماع؟ هل فيه مانع ديني ولَّا مانع اجتماعي؟ هنا فيه مشكلة عندهم؛ مشكلة أنه أنتم ما تزوجتوا ولا عقد زواج مثبت ولا فيه أي شيء، أنتم خطبة فقط، عندهم مانع اجتماعي، خطبة اجتماعية، خطبة، المعلن عنها خطبة فقط، ليس زواجاً، يعني ما حصل ما يُسمى تبادل، طبعاً المسألة ليست علاقة باللفظ، بس يعني عشان تعبير عما حصل، لازم يصير فيه أنه أنا قبول وإيجاب، إذن عقد زواج دائم، ما حصل هذا الشيء، أنا ما باعرف شو صار عندك، ما يكفي رايح معها  وجاي معها، ما معناها أنها زوجتك، لا؛ لازم يكون فيه العقد بينهم، ليس عقداً؛ بل اتفاق على خطبة ما يُسمى وعد بالزواج، هلا للدراسة يحصل بينهم تلامس وأشياء كتير معروفة بين الخطيب، بعد ٦ شهور زعلوا من بعض، انفسخت الخطبة”.

هل الـboyfriend خطبة؟

وأضاف إسلامبولي رداً على “يعني ممكن نطلق على الـboyfriend خطبةً؟”: “إذا كانوا فعلاً بنية الدراسة للزواج؛ خطبة اسمها خطبة، ولو العلاقة زادت أكثر بيرجع لعرف المجتمع، المجتمع يخاف، لا يسمح؛ لأنه فيه تبعات، لأن هذا الخطيب يقول لك أنا ما تزوجت، طيب أنت دخلت عليها، إيه، ولو ما تزوجت، طيب هذه المرأة أنت نقلتها، حالتها الاجتماعية من مثلاً بنت بكر إلى حالة أخرى، والمجتمع العربي هنا يعني عنده مشكلة، فأنت أذيتها؛ لذلك تشدد الأُسر جداً أنه ما يصير هذه العلاقة، وتمنع بنتها.. إجراءات اجتماعية لحماية ما يترتب على المرأة في مجتمعات معينة اللي بتحملها وزر”.

فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ

وتابع الباحث والمفكر السوري: “(وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)؛ النص متوجه إلى رجل طلق مَرته، طلق مَرته؛ الطلقة الأولى ما بيصير، يدخل أحد ويمنع رجوع الرجل للمرأة، هو زوجها وأحق بها، طلقها طلقة أولى، الطلقة الأولى، الطلقة الثانية كمان صار.. انتهاء العدة، خلصت العدة، لا ترجعي له، يمنعها أهلها أو غيرهم، ما بيصير يدخلوا، أولى الرجل بزوجته، وهي ترجع له، فلا تمنعوا المرأة، لا تمنعوا الخير، لا تمنعوا الصلح بينهم إطلاقاً، فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن؛ يرجعوا للعلاقة الزوجية الطبيعية”.

وأضاف سامر إسلامبولي: “إذن تراضوا بالمعروف؛ طبعاً بالمعروف، لأنه فيه مشكلة، لماذا صار فيه طلاق؟ هنا المشكلة اتحلّت، واتفقوا مع بعض على أنه طريقة معينة ليتعايشوا مع بعض، ما بيصير أحد يدخل من الأطراف الآخرين، أنتم ما لكم علاقة، هذه أسرة، همَّ أحرار بنظامهم الأُسري، ما أحد يدخل، فلا تمنعوا المرأة من الرجوع إلى زوجها، خليها ترجع والصلح خير، وهم راضون بنظامهم وعايشين مع بعض؛ سواء الطلقة الأولى أو الطلقة الثانية، أما إذا وصل إلى الجلسة الأخيرة وتم النطق بقرار الطلاق وتثبيته ومضى عليه، خلاص ما عادت إليه ترجع المرأة، صار فيه طلاق بائن كامل، أخذ فرصته ٦ أشهر، هذا ما عادت ترجع له؛ حتى تنكح زوجاً غيره”.

الأجل.. المدة الزمنية للعدة

واستطرد الباحث والمفكر السوري: “الأجل هو العدة؛ هو المدة الزمنية للعدة، فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ؛ العدة خلصت ضمن العدة، ترجع له، خلصت العدة، هذا الأجل تبعها، لازم إيه؟ طلاق أو ترجع؛ حبّت ترجع فلا تمنعوها، أخذت فرصتها الثانية، الطلقة الثانية، كمان الأجل تبعها هو العدة ثلاثة أشهر”.

وقال سامر إسلامبولي: ” (وإذا طلقتم النساء) خطاب لجماعة المجتمع المعنيين بالطلاق، المجلس العائلي، معني هذا لا أحد يتدخل في حال المرأة، حبّت ترجع لزوجها. والثاني خطاب للزوج نفسه بالدرجة الأولى؛ لأنه هو الذي يمسك أو يسرح، وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ… يا بتمسكهن بمعروف يا بتسرحوهن بمعروف؛ لا يصير عبث واللعب بحدود الله، طلقت، ما طلقت؛ ترجع بعد فترة، ترجع على الطلاق، الأمر مو لعبة”.

فإمساك بمعروف.. تفسير المعروف لسانياً

وأضاف إسلامبولي: “المعروف هو الحقوق الشرعية بالدرجة الأولى، وهي واجبة، وفيه المعروف الذي هو ضمن الحلال، متعارف فيه بين الناس، هذا نسبي اجتماعي يتغيَّر من مجتمع لمجتمع، عادات وتقاليد تنزل بالمعروف، بس بعد المعروف الشرعي الاثنين سوا بشكل معروف عام، المعروف هذا عرفي يختلف من مجتمع لمجتمع؛ يعني مثلاً المعروف بالريف للمرأة وعاداتها وتقاليدها وواجباتها تجاه زوجها العرفية غير واجبات الزوجة بالمدينة؛ فقد ييجي الناس يتدخلوا في العلاقات، هذا العرف تبعها، فيه واجبات معينة؛ تخبز، بتعجن، ممكن تطلع على الحقل، ممكن تحلب البقرة، بنت المدينة ما تقدر تعاملها بهذا الشكل، لا؛ عُرف هذه غير عُرف هذه؛ ففيه شيء اسمه معروف، واجبات المرأة في البيت، هذا المعروف نسبي وجزئي بين المجتمعات العربية والإسلامية”.

النداء في “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ”

وتابع سامر إسلامبولي: “(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا).. الأصل في النصوص التي تبدأ بيا أيها النبي، ليست تشريعية؛ إنما توجيهية تعليمية، خطاب للنبي مباشرةً بصفته قائداً وإمام مجتمع؛ يعني مثل مؤسسة، صار المجتمع كله يلتزم فيه، أما الأحكام فموجودة بالآيات الثانية، آيات النوع، الطلاق يكون ضمن العدة، (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) ثابت العدة، هل هنا فيه توجيه عملي في توجيه يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن، وهو أني عدة اللي ثابتة بالحكم هذا”.

واستكمل إسلامبولي: “وهذا النداء يصلح حتى الآن؛ ومستمر طبعاً، فأي خطاب للنبي هو اسم خطاب توجيهي وتعليمي مستمر إلى يوم الدين.. والمقصود بالنبي هو النبي مقام، ليس شخص مقام اتخاذ القرار، مقام النبوة، مؤسسة، إذا طلقتم نساء فطلقوهن لعدتهن؛ لازم يكون فيه عدة، حتى تأخذ فرصتها بالإصلاح، الطلاق مرتان جاي من نفس النص، الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف؛ يعني النص هذا من أهم النصوص في الطلاق اللي عم تجمع وتعطي أدل للشيء اللي عَم نطرحه كله بالطلاق، الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.. النص حكى عن الطلاق مرتان؛ بعدين نهى بالفداء للمرأة، فالرجل له مشروعية الطلاق مرتان، ثم إذن إبطال عقد الزواج..”.

الخلع والفداء بين الفقه والقرآن 

وقال الباحث والمفكر السوري رداً على “وهي مَن كانت تفدي الزواج، تفدي بالشيء اللي أخذها؟”: “شو أعطاها ترجعه له؛ لأنه تكلف، هو أعطاها بيت، ترجع لها، تفدي نفسها إذا معها، ما معها بالصلح تفدي نفسها ما استطاعت، أو إذا قدرت تأخذ مالاً من غيره؛ من أبيها، من أحد تراضيه يعني تعويض ما يُسمى تعويض عن خسارة، فيه خسارة دفعها؛ مهر، حفلة، بيت.. إلى آخره، يدفع؛ خاصة في زماننا الآن يجمع الإنسان ثروة، لحتى يتزوج، فتيجي بكل بساطة تقول له ما عبدياك ما عبدك؛ يعني بعدين يقدر يزوج مرة ثانية، باجلس بعد سنوات ليهيئ نفسه فبدأ تراضي وتعوضه، إذا كان القرار بنسميه الخلع بالفقه، أما بالقرآن اسمه فداء؛ فإذا بدها تخلعه هي فلازم تفدي، تفدي نفسها، سامحتك بالمهر المقدم والمؤخر وكل شيء، ما بدِّي منك شيء”.

لماذا سموه فداء وليس خلعاً؟

وأجاب إسلامبولي عن سؤال ” لماذا سموه فداء وليس خلعاً؟”، قائلاً: “بالفقه كل شيء ينقلب عندهم؛ ما باعرف ليه، أما هو بالقرآن فداء؛ تفدي نفسها، لأنه هو بده إياها، الرجل بده إياها، أنا ما بدي، شو الحال؟ تفدي نفسها، هذا حقها، كل شيء، أعطيتني الهدايا، شو عطيتني، خذ، ويتم فوراً الفصل بينهم، وبالقضاء معروف؛ يعني اللي هو تحت اسم الخلع، توكل المحامي، بتخلع زوجها، ما فيه أي شروط، وهي قضية سريعة”.

وأضاف إسلامبولي: “هي عملياً فداء؛ بتفادي نفسها، لتخلص من هذا الوضع اللي هي شافته سيئاً بالنسبة إليها ولا يصلح..”.

القضاة أو رجال الدين لا يقرؤون القرآن وإنما يتلونه

وتابع سامر إسلامبولي: “الواقع أن القضاة أو رجال الدين لا يقرؤون القرآن؛ وإنما يتلون القرآن، فرَّقنَا ما بين (تلا) و(قرأ)، قرأ دراسة وتدبر، فهم لا يدرسون ولا يتدبرون؛ لأنهم تركوا ذلك للأموات، قرؤوا وتدبروا، فهؤلاء الآن يحملون تدبُّر السابقين، ويتلون القرآن للعبادة وفي الأماكن العامة فقط ليس أكثر، فالقاضي الشرعي ليس من مهمته هو أن يتدبر القرآن، هو قدامه لائحة قانونية؛ مادة أولى، مادة اتنين، تيجي له الحالة تبع الطلاق، فينفذها فوراً، المادة دون تدبر ولا قراءة ولا أي شيء يطبق مواد، يعني ممكن يكون القاضي في معظم البلاد العربية ليس بالضرورة يصير عنده شهادة أصلاً؛ لأنه هي حالة تطبيق مواد، هذا الفعل عقوبته موجودة في المادة رقم واحد، فيطبقها تطبيقاً، أما هو ما له علاقة في الموضوع أبداً؛ فلا يقرؤون ولا يتدبرون”.

وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ

واستكمل إسلامبولي: “وصلنا عند نص مهم جداً، (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ۚ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا)، اللائي يئسن من المحيض، المرأة طبعاً، النص كله إذا تلاحظ عَم يحكي عن النساء، ليس عن الأطفال، عم يحكي عن الأنثى التي وصلت إلى سن المحيض والرشد؛ فهي الآن مرحلة الزواج، تزوجت، فالنص عَم يحكي إذن عن المتزوجة، ليس عن غير المتزوجة، متزوجة، المتزوجة هذه ممكن تكون هي في حالة محيض طبيعية، اتطلقت، فعدتها طبيعي ثلاثة قروء، طيب إذا ما فيه قروء، إذا ما فيه قروء ما حاضت، يئسنا من المحيض، أنه وصلت إلى سن اليأس، خمسين فصاعداً؛ فثلاثة أشهر، يعني المدة الزمنية تبعها نفسها ثلاثة أشهر بالنسبة للائي يئسنا من المحيض، إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر، ممكن تيجي وما تيجي، (واللائي لم يحضن) ممكن منذ بداية زواجه هي مع محيض، ليس هي طفلة؛ لأنه فيه ليس من جملة (واللائي لم يحضن)؛ يعني معنى تتجوز الرجل أن يتزوج طفلة؛ لأنه اللائي لم يحضن، لا؛ النص عَم يحكي عن نساء، اللي هي امرأة مؤهلة للزواج، (اللائي لم يحضن) ممكن هذه المرأة لم تحض أصلاً، طب هذا لا يمنع زواجه؛ لأنه الزواج له مقاصد كتير، وليس هو حالة تكاثر فقط، وأصل سن الرشد عمرها عشرون، عمره خمسة وعشرون سنة، طبعاً ليس شرط نفي المحيض طول عمرها؛ لكن زمن الطلاق لم تحِض، ممكن تحيض في ما بعد، فتزوجت شابة كبيرة؛ ولكن لم تحض، سنة سنتين، لم تحض. جاء وقت طلاقها؛ الزوج وهي في غير حالة الحيض واللائي لم يحضن؛ كلها معطوفة على أنه فعدتهن ثلاثة أشهر، بعدين بيكمل (وأولات الأحمال)، مرة طلقها زوجها وهي حامل، فأجلها هو أطول الأجلَين، ما تأخذ ثلاثة قروء، فالعدة تبعها هي أن تضع حملها، هنا أطول الأجلين؛ بمعنى إذا طلقها وكانت في نهاية الشهر التاسع، فقالوا يأخذ بأطول الأجلَين، فتضطر تأخذ ثلاثة قروء، هذا أطول الأجلين، فإذا كان الحمل هو اللي أطول فبتاخد بعدة الحمل حتى تضع حملها؛ يعني من بعد ثلاثة أشهر، أما إذا كان حملها بقيا عليه أيام وولدت، فبتاخد ثلاثة أشهر”.

الصلح خير.. واستبراء الرحم.. والقرآن لا يبيح الزواج من القاصر

وأضاف الباحث والمفكر السوري: “الصلح خير؛ المقصد الصلح؛ مش عشان مسألة استبراء الرحم، فهذا أحد مقاصدها.. (يترك مجال للصلح)؛ جاءها ولد وطلعت أخذت ابنه ومشيت؛ تأخذ الأجل الأطول، ثلاثة أشهر، يشوف ابنه قدامه عَم يبكي، بيحن، عليها ثلاثة أشهر للصلح؛ بيرجعها فبيأخذوا بأطول الأجلَين، هذا النص كتير مهم؛ فلذلك ما فيه أية شبهة أن القرآن يبيح الزواج من القاصر، إطلاقاً العكس، القرآن لا يبيح الزواج من القاصر، الزواج يكون للآنسة الراشدة التي وصلت إلى سن الرشد، حتى لو لم تحِض طالما وصلت لسن زميلاتها اللي هنَ سن الرشد، ممكن تتزوج، واطلقت فعدتها ثلاثة أشهر.. وهذا الكلام ينفي تماماً أن النبي محمد تزوج عائشة وهي بنت 6 أو 7 أو 8 أو 9؛ لأنه هي قاصر، والروايات اللي جاءت بالتاريخ كذب، مع العلم فيه روايات تانية كمان في التاريخ أنه تزوجها وهي عمرها من فوق الـ18، وفي رواية بالـ25، وفي رواية بالـ28.. أخذوا تبعها 6 و7؛ لحاجة في نفسهم وللإساءة؛ فالنبي ملزم بهذا النص القرآني، ولذلك هذه الأحاديث كذب؛ اللي نسبت إلى النبي أنه تزوج بنت 6 أو 7 أو 8 سنين، وهو متحرش بالأطفال وما شابه ذلك اللي يتهمونه بهذا.. كذب”.

هل تستطيع المرأة أن تنكر ما في رحمها؟

وأجاب سامر إسلامبولي عن سؤال “هل تستطيع المرأة أن تنكر ما في رحمها مثلاً؟”، قائلاً: “في بدايتها إن طلقها وما يعرف إنها حامل، حالة طهر، طلقها، اكتشفت أنها حامل، بدايات الحمل، الشهر الأول أخفت الموضوع، فبدأت تخفي هذا الأمر شهراً وشهرين، ما يظهر عليها الحمل أبداً، وتدَّعي هي أنه عَم ييجي الطهر والمحيض، بينما هي حامل؛ لكن الحمل لم يظهر..”.

وبعولتهن أحق بردهن

وأضاف إسلامبولي رداً على “تلاحظ هنا استخدم (وبعولتهن أحق بردهن)”: “نعم؛ البعل كلمة توصف وتطلق على الزوج عندما يكون مقطوع العلاقة الجنسية مع زوجته، استخدم كلمة البعل؛ لأنه فيه سوء تفاهم بينهم، فمتوقف عن العلاقة الجنسية، وبدأ بمشروع الطلاق أم طلعت فيها حامل، فقال لا تكتمي ما خلق الله في رحمك، خبّريه؛ لأنه وقت بتخبري قراره يرجع، صار عندي أنا ولد موجود في رحمها فيتغير قراره ويتحرك عنده عاطفة الأبوة؛ لأن دائماً الصلح خير، والصلح خير دائماً هذا شعار في العلاقات الإنسانية الزوجية”.

المقصود بـ”وَلَهُنَّ مِثلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالمَعرُوفِ”

وأجاب سامر إسلامبولي عن سؤال “ما المقصود بـ(وَلَهُنَّ مِثلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالمَعرُوفِ)؟”، قائلاً: “بالنسبة للزوج والزوجة؛ الاثنان نفس الدرجات، اثنان، إنسان، صفة الرجل هنا عليه الدرجة بس بموضوع الولد؛ لأن الولد ينسب له، هذه الدرجة المتميز فيها الزوج عن زوجته، أن الولد ينسب إليَّ أنا، يحمل اسمي، وهو من صلبي، ليس من صلبها، لا يحمل اسمها؛ هذه درجة موجودة، هذه الدرجة خلقاً موجودة، ما العلاقة بالأفضلية العقلية أو الخلقية أو شيء أبداً، درجة بالخلق موجودة وظيفياً، وعَم تترتب عليها مسؤولية، ليس يعني تفضيل الرجل عن المرأة، لا؛ ليس تفضيلاً لتحميله مسؤولية ابنك، أنت مسؤول عنه”.

التحليل أو التجحيش.. نقطة يُساء فهمها واستخدامها

وقال إسلامبولي بشأن الحليل أو التجحيش: “في القرآن كما لاحظنا لا يوجد هذا الأمر أبداً؛ لأنه فهم مشروع الطلاق بشكل غلط، أدى لهذا المخرج، هذا وقت قالوا إن عواض الطلاق مرتَين استخدم ليس اثنتَين عملياً، وصار الإنسان إذا تلفظ الطلاق لفظاً مرتَين، طلقة؛ لأجد مخرجاً فطلعوا بما يُسمى (التحليل أو التجحيش) لها؛ حتى تنكح زوجاً غيره بالاتفاق والتراضي بينهم وبالمصاري سببه هذا الفهم الخطأ، فإذن هذا الفهم الخطأ نحن عرفنا خطأ، وأسقطناه، ورجعنا الفهم الصواب، أن الطلاق مرتان وليس اثنتَين، والعدة وجوباً، (يا أيها النبي إذا طلقتم) ليس فطلقوا هنا لعدتهن في ستة أشهر، ستة أشهر، لم يعد هناك داعي للفهم، هذا التجحيش تبعهم، لم يعد هناك داعي له أبداً، سقط، وهو لا أخلاقي أصلاً التحليل، فغير موجود وعملياً في حال لو حصل فهو عملياً من الفواحش”.

وأجاب إسلامبولي عن سؤال “ما المقصود بالآية (فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ)؟”، قائلاً: “في حال مشروع الطلاق تكمل المرحلة الأولى والمرحلة الثانية؛ يعني ستة أشهر.. بردت الأعصاب وخلاص أخذوا، لو بدّه إياها رجع، ستة أشهر غير كافية، آخر الشهر السادس ما زلت مُصراً، ستة أشهر بردت الأعصاب، مع وجود جلسات كثيرة للإصلاح، ورفض فكان قرار عقلاني منطقي، تم الطلاق، ثبت.. إذا ثبت ما تريد ترجع له؛ لأنه كان لك فرص ترجع له ستة أشهر بأي ساعة بينهم تريد ترجع خلال الستة أشهر كلها، مضى الشهر السادس أنت ما رجعت لها، بل ومُصر على الطلاق، فخلاص الفرصة أخذتها كاملةً، فإذا لن ترجع لك حتى تدخل في تجربة زواج جدية، صواب، مع غيرك، ويموت زوجها أو يطلقها وحده دون تأثير بالوضع، طلقها، إن أحبَّت هي كمان أن ترجع إليك وأنت، لا مانع، فلا مانع ترجعوا وتأخذوا فرصة ثانية، أما إذا زوجت ونجحت في زواجها، خلاص ماشي الحال”.

وأضاف إسلامبولي: “وفي النهاية هو زواج عادي؛ لكن لو تطلقت أو مات زوجها ترجع للزوج الأول، ما فيه أي شيء، أما منع من البداية قبل الطلاق وقبل موت زوجها، إذا ما تزوجت يعني ما زالت عازبة لم تتزوج، ما يصير ترجعها”.

غياب الأخلاق والنصب على النفس

واختتم الباحث والمفكر السوري بالإجابة عن سؤال: “كيف تجيز المؤسسات -ما يُسمى بمؤسسات الشرعية أو التشريعية- هذا اللف، عملية النصب على النفس؟”، قائلاً: “هلا فيه نصب واحتيال بالفقه كتير، حتى بالأموال والزكاة، أنه واحد مثلا بدي يطلع أموالاً، أنه أنا باطلّع أموال زكاة، فباجمع المال، الزكاة، وباحطه في كيس رز، في وسطه، وبقفل عليه الرز، وبقيم هذا الكيس، الرز بدِّي أعطيه للفقراء، بس أنا بنيتي فيه زكاة، بقلبه مثلاً ألف دولار، ألفي دولار، عشرة آلاف.. حسن، وأعطيه له، وبعدين باقول له تبيعني هذا كيس الرز، مثلاً كم حقه؟ هو مثلاً خمسون درهم، تبيعه ١٠٠ درهم؟ يقول لك أيوة بابيعه، عَم تعطيني ضعف فباشتريه، وهي ١٠٠ درهم، بعدين باطلع هيك أتفاجأ أنه لقيت بصاري في قلبه وأخدها لي.. فقه موجود، وخاصةً عند الأحناف يسمونه فقهاً، أرأيت موجود الحيل يستسيغونها، شيء للذهول؛ لا خلق، لا عقل، لا حكمة، لا إنسانية، تستغرب، معقول هذا فقه دين؟ لا هذا ليس فقه دين، هذا فقه حشاشين، فقه لا إنسانيين، فقه لا أخلاقي… سببه عند المسلمين عندما قلبوا الدين رأساً على القاعدة، والقاعدة طلعت لفوق، وقت جعلوا الطقوس ركناً من أركان الدين والأخلاق غيبت، ولا كأنه ركن من أركان الدين، مع أن الأخلاق ركن من أركان العمل الصالح، مَن يؤمن بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، العمل الصالح قائم على منظومة القيم والأخلاق؛ غيَّبوها، رفعوا الصلاة التعبدية، يصلي صلاة تعبدية، لكن ينصب على الناس، يكذب وبيغدر ويقول دي معاصي صغيرة مع أن دي هي الأساس”.

 

ناقشَ الدكتور يوسف أبو عواد، أستاذ اللغة العربية، المختص في اللسان العربي المبين، خلال لقائه د.باسم الجمل، عبر برنامج “مفاهيم”، نشوء الخلق أو نظرية نشوء الخلق في القرآن، وكيف بدأ ظهور الكائنات على الأرض؟ ومفهوم الإنبات في القرآن الكريم، وكيف أسهمت العودة إلى الفطرة الأولى في نشوء مظاهر التحضر الإيجابي؟.. وغيرها.

بداية ظهور الخلائق

قال الدكتور يوسف أبو عواد، أستاذ اللغة العربية، المختص في اللسان العربي المبين: “في الحلقتَين الماضيتَين تحدَّثنا عن خلق السماوات والأرض وما يُسمى بالمصطلح الحديث اليوم (خلق الكون)، وبعد ذلك طبعاً السياقات القرآنية تدل على أن ظهور الخلائق بدأ بعد هذه المراحل اللي هيَّ مرحلة الستة أيام. هناك آيات في القرآن الكريم تشير إلى تدرج ظهور الكائنات على الأرض، يعني أنها لم تظهر دفعةً واحدةً، وإنما ظهرت بطريقة متدرجة، مثلاً قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ).. طبعاً ربط الماء بنشوء المخلوقات النامية يعني التي تُسمى اليوم الأحياء، الكائنات الحية، هو أولاً ربط قاطع بمعنى حتى العلم اليوم يقول لك إنه لو كانت هناك خلية واحدة حية؛ سواء أكانت هذه الخلية نباتية أم حيوانية، لا بد أن تكون النسبة الأكبر من هذه الخلية هي ماء، معناها 70% تقريباً من نسبة الخلية ماء، هذا جزم كبير طبعاً”.

وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ

وأضاف د.يوسف أبو عواد: “يعني لاحظ الجملة فيها جزم (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)؛ يعني لو أنه عثر على أي شيء حي ينمو بالطريقة الحيوية المعروفة ولا يعتمد على الماء، سيكون هذا مخالفاً للآية، ولكن ذلك لم يحصل أن عُثر على كائنات لا تشرب الماء، لا تشرب الماء في حياتها قطعاً؛ ولكن طبعاً للوهلة الأولى الناس اعترضوا، قالوا والله وجدنا كائنات لا تعتمد على الماء، لكن بما أنه الخلية أصلاً 70% منها وجميع التفاعلات الحيوية في الخلية، فلذلك هذه الجملة صادقة جداً، في جميع الكائنات الحية الموجودة على سطح الأرض، إنما الآية ما يلحظ فيها أنه قال (فَأَخْرَجْنَا بِهِ)، يعني بالماء، الآن الضمير سيعود على الماء، (وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ)، لا يوجد شيء يعود عليه الضمير إلا الماء، (فَأَخْرَجْنَا بِهِ) يعني بسببه (نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ)..”.

الإشكال في “نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ”

وتابع أستاذ اللغة العربية، المختص في اللسان العربي المبين: “هذه عبارة (نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ) فيها إشكال قد يُفهم أن معناها جميع أنواع النبات، هذا الفهم المباشر الذي فهمه معظم المفسرين القدماء؛ لكن لو كان هذا المقصود لقال فأخرجنا به كل نبات، والدليل أنه بعدها مباشرةً قال (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا)؛ لا يمكن أن يكون (منه) هنا عائدة على الماء، ليه؟ ليس لأنه الأبعد فقط عن الضمير، ولكن لأنه استخدم نوعَين من حروف الجر، يعنى قال، حتى نبسط الموضوع، (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ)، بسببه يعني، نباتَ كل شيء، فالماء سبب مهم جداً وشرط أصيل في تكون كل ما ينبت وكل ما ينمو وكل ما يوصف بأنه حيوي، ثم قال (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا)، يعني منه الآن ستعود على نبات كل شيء، الذي ذكر في الآية وليس على الماء”.

مفهوم الإنبات في القرآن الكريم

وقال د.يوسف أبو عواد، رداً على “يعني لفظة نبات هي أشمل من أن تكون مقصورةً فقط على النبات الأخضر اللي احنا بنزرعه”: “وكيف لا تشمل، ونوح، عليه السلام، حين خاطبَ قومه، قال (وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا)؛ يعني النص قطع هنا أن لفظة إنبات في القرآن الكريم لا يقصد فيها فقط ما يُعرف اليوم بأنه نباتات، ويقصد به صفة الحيوية التي توصف اليوم بأنها الإحياء أو علم الأحياء أو علم الكائنات الحية.. كل هذا يدخل ضمن مفهوم الإنبات في القرآن الكريم، فالماء ولد ما يمكن أن نسميه الكائن الأول أو الخلية الأولى التي وجدت على سطح الأرض، فكان منها بعد ذلك نبات كل شيء؛ لأنه قال (فأخرجنا منه)، يعني من هذا النبات بتسلسل طبعاً، ومراحل متتالية، كما تثبت الآن أو يثبت علم الأحافير وعلم طبقات الأرض أن ظهور الكائنات كان متدرجاً.. طبعاً المشكلة يعني ممكن الناس تقول نظرية التطور.. وإلى آخره. هو أولاً لا يوجد مانع أن يكون أو أن تكون طريقة الله في الخلق قائمةً على التطوير”.

كل تطور في الكائنات يحدث بطريقة مقصودة

وأضاف أستاذ اللغة العربية المختص في اللسان العربي المبين: “هذا الفرق؛ نحن لا نقول تطور بمعنى أنه يحصل بطريقة تلقائية أو صدفية أو عشوائية، هذا لا يكون؛ لأن العملية منتظمة وتجري وَفق قوانين وسُنن واضحة جداً، وكل تطور يحدث في الكائنات، يحدث بطريقة مقصودة؛ لذلك نسميه تطويراً.. وَفق القدر الكبير الذي ذكرناه في عدة حلقات، يعني أن كل شيء خلقناه بقدر ووَفق الكتاب الأول يعني، فهذا لا يوجد مانع أن تكون هذه الآلية يعني الفرق؛ مثلاً التطوريون الذين ينحون إلى الإلحاد، هم يقولون إن الانتخاب الطبيعي هو الذي يؤدي إلى تطور كائن عن كائن، عن طريق الطفرات العشوائية التي يعني كثير منها مضر وبعضها منافع، والطبيعة بحكم ظروفها تنتقي النافع والضار، يموت فيفنى.. وهكذا؛ لكن أصلاً عمر الكائنات الحية على الأرض وعمر الأرض وعمر الكون لا يستوعب وَفق قانون الاحتمالات أن يتشكل حمض أميني واحد، وليس كائنات، ملايين الكائنات الحية، فكيف يمكن لهذا الوقت القصير نسبياً أن يكون وَفق الانتخاب الطبيعي كما يقولون، سبباً في نشوء كل هذه الأنواع من الكائنات؟ إذن هي عملية تطوير مقصودة، وكلمة تطوير ليست ابتداعاً ولا هي سعي لأن نوافق ما تذكره النظريات الحديثة، لأ، إنما القرآن الكريم قال والله (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا) (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا).. أينعم الأطوار معناها مراحل؛ سواء أكانت هذه المراحل في وجود الكائن نفسه أو في وجود الكائنات، والتراكمية هذه أشارت إليها أيضاً في سورة فاطر، فقالت (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ)، ما دام يزيد في الخلق ما يشاء”.

فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا.. سر الخضرة الموجودة في الأشجار

وتابع د.يوسف أبو عواد: “إذن ما الإشكال إذا كان الله، سبحانه وتعالى، أخبر أنه يأتي إلى خلق موجود، فيزيد فيه بالنسبة لخلق سابق عليه، يعني هذا ليس فيه أي إشكال، وهذا أصلاً يجري وَفق سُنة كما قُلنا هو لا يعني أنه فيه التدخل المباشر، لأ هو يجري وَفق سنة وقدر وضع أول الأمر واكتنزته اللحظة الأولى التي تولَّد فيها الكون، فقال (فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا)، هذا الخضر هو الذي نعرفه اليوم بأنه النباتات، يعني القرآن فرق بين كلمة نبات؛ نبات كل ما ينمو، يدخل في هذا جميع أنواع الكائنات الحية؛ البكتريا والفيروسات والنباتات والحيوانات، الفقريات واللا فقريات، إلى الثدييات العليا، فقال (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ)؛ أي بسبب هذا النبات منه من بعضه، يعني تولَّدَ منه، لاحظ منه هنا تفيد التبعيض مع السببية، هذا الفرق بين (من) و(به) في الأول، قال (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ)؛ يعني بسببه، لكن في الثانية قال (فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ)، يعني من هذا النبات، نبات كل شيء، الذي يمكن أن نصطلح فنسميه الخلية الأولى التي وجدت على سطح الأرض التي نقلت الميت إلى الحي، هذا هو إخراج الميت أو إخراج الحي من الميت، فتولد منها هذه خضر؛ الخضر هذا ما يمكن أن نسميه النباتات بجميع أنواعها أو ما يُسمى اليوم، لاحظ المشكلة صارت تداخل مصطلحات؛ يعني الصحيح أن تسمى خضرات يعني النباتات، إذا أردت أن تسميها تسمية قرآنية صرفة ودقيقة ستُسميها خضرات؛ لكن هذا يشمل أيضاً الفواكه، أنه أصلاً الأشجار كلها، النباتات، ما هي معتمدة على مادة الكلوروفيل، هذه هي المادة سر الخضرة الموجودة في الأشجار، حتى لو لم توجد في الثمرة فهي موجودة في الأشجار، والأشجار يعني لا تتحقق حياتها إلا بها، فهذا هو سر الخضرة الموجودة في الأشجار”.

وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا.. تَتَبُّع الكلمة

وقال أستاذ اللغة العربية، المختص في اللسان العربي المبين، رداً على “إذن الخلل صار في إنه قصر معنى اللفظ إنبات؛ بس قصره فقط على النباتات التي يعني نزرعها إحنا أو يزرعها الإنسان بشكل عام”: “بالضبط هذا يعني عملت تداخلاً لسانياً جعل الناس يسقطون المعنى الذي أنشأ بعد ذلك على مفهوم القرآن أو الكلمة التي ذكرها القرآن؛ لكن إذا تتبعنا الكلمة كما فعلنا (وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا)؛ إذن الإنبات هو كل ما ينمو، الخضر، هو كل ما نسميه اليوم نباتات، يدخل فيه الخضراوات والفواكه والحبوب.. وغيرها، ولاحظ النص كيف قسَّمَه فقال (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا)؛ نخرج منه يعني من هذا الخضر حباً متراكباً، هذه الحبوب الآن (وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ)؛ يعني الأشجار العالية والمثمرة التي يعني يكون ساقها أقوى وأعظم، وجنات من أعناب، يعني أتكلم عن الكروم، الأشجار، تفصيل بدأ من الحبوب والنباتات الزاحفة أو الأرضية إلى أن وصل إلى أرقى أنواع النباتات (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ). طبعاً الآن، هذه أمثلة طبعاً للنباتات الموجودة على سطح الأرض، هي تعطيك نماذج يعني للأشجار الحبوبية، الأشجار الأرضية الزاحفة على الأرض أو النباتات أو للأشجار العالية، هذا هو، ومشتبهاً وغير متشابه، ثم قال (انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ)؛ والينع هو صفة للخضرة، وهذا التركيز على فكرة الينع فيه إشارة إلى أنه سر حياة النباتات قائمة على هذه الخضرة الموجودة فيها كما ذكرنا، وهي متعلقة بعملية البناء الضوئي والكلوروفيل، (إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)”.

إشكال إسقاط روايات الأسفار اليهودية على الآيات

وأضاف د.يوسف أبو عواد: “الآن لا نستغرب بعد ذلك؛ لاحظ الفهم الذي سنفهمه بناء على التدبر الآن، يعني نحن فعلنا آلية اللسان ففهمنا ما معنى الإنبات، وفهمنا ما معنى الخضر. عندنا آية تقول (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)، الآن لو ذهبت يعني تفتح كتب التفسير وكذا، ستقع في إشكال اللي هم يسقطون الروايات، روايات الأسفار اليهودية على الآيات، طبعاً روايات الأسفار اليهودية تقول إنه وروح الله ترف على وجه الماء.. إلى آخر، هذا في بداية الخلق، فقال لك هذا هو معنى أنه كان العرش أول الأمر، الآية أصلاً ما قالت إنه شوف لاحظ دقة النص القرآني، قال (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)، طب الرواية أنت تستدل بها الإسرائيلية، أن العرش كان على الماء قبل أصلاً فصل الجلد الذي يسمونه جلداً في تلك الكتب، وفصلنا في هذا أنه كان العرش على الماء؛ لكن هو متأثر جداً بالرواية ولم يفعل الآلية الحقيقية لتدبر النص والبحث عن الآيات المتشابهة، طب لو أكملت الآية الآن لاحظ التدبر الداخلي في الآية نفسها (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، طيب لنربط هذا مع قوله في سورة الملك (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)؛ لأنه فيه قاسم مشترك، ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، طب في سورة الملك (خلق الموت والحياة)، هنا كان عرشه على الماء، إذن معنى كان عرشه على الماء هنا هو خلق الموت والحياة، والعرش من التعريش معناها التعريش، هو إحكام الأمر والسيطرة على الشيء من أعلاه؛ بحيث هذه السيطرة تمسكه إلى آخره، يعني حتى المعرش الآن في اللهجات العامية أنت تعرف المعرش هو شيء أنت تفعله حتى تمسك جميع عروش الشجر من أولها إلى آخرها، فتسيطر عليها، لا تتشتت يمنةً ويسرةً، وهذا على فكرة معنى التعريش، ورد في القرآن لما تحدث عن فرعون وقومه وما كانوا يعرشون، فالآن لما تقول وكان عرشه على الماء معناها أن الأمر الذي تعلق به الماء اللي هو الحياة والموت سببه ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، يعنى معناها أن لأ هو يشير في قوله كان عرشه على الماء أن جعل الماء سبباً للحياة، والموت تحت أمر الله وسلطانه، وتدبيره سببه النهائي ليبلوكم أيكم أحسن عملاً؛ لأنه الكائن الأخير الذي سيظهر هو الإنسان وهو المقصود الأول أصلاً، لأن كل ما سبق مسخر له، فهذا يعني جعل الماء سبباً للحياة الذي سينتهي وَفق امتداد العرش الذي ذكرناه إلى وجود الإنسان، هدفه أن يبلو الناس أيهم أحسن عملاً، يعني اختبار الناس في قضائهم، في القدر الذي أتاحه الله لهم..”.

كان عرشه على الماء = خلق الموت والحياة

واستكمل أبو عواد: “فإذن الفكرة بعيدة تمام البعد عن فكرة إنك تتخيل إنه كرسي، وهذا كرسي أو عرش كان موجودًا على الماء، وهذا التجسيد الذي تجعل فيه، تشبه الله فيه بأنه إنسان، وهذا سيكون له حلقة منفصلة وفيها تفاصيل كثيرة مهمة جداً.. لكن ما يعنينا الآن هو كان عرشه على الماء تساوي خلق الموت والحياة؛ يعني ما العرش المقصود هنا؟ العرش هو الأمر الكلي الذي جعل من الماء ما يتحول إلى كائنات تنتهي بوجود الإنسان، هذا هو خلق الموت والحياة. طيب هنا قال كان عرشه على الماء، لماذا هذا التعريش على الماء؟ يعني الأمر المنتشر الذي ستصل نهايته إلى وجود الإنسان، (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)”.

وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ.. لماذا لم يقل على الأرض أو السماء؟

وأجاب د.يوسف أبو عواد، عن سؤال “لماذا الماء مثلاً؟ لماذا لم يقل على مثلاً الأرض أو السماء؟”، قائلاً: “هو سبب الحياة التي تولَّدت من الموت الأرض ميتة دون الماء، والآن جميع الدراسات الفلكية لما تبحث عن الكواكب الأخرى تريد أن تتأكد من وجود حياة تبحث عن الماء؛ يعني الموجات أو الأجهزة التي تستخدم في الرصد تبحث عن عنصر واحد هو الماء فقط، إذا وجد الماء عرف أن هناك حياة؛ فلذلك قال عن الماء لأن هو سبب الحياة مش قُلنا خلق الموت والحياة، ولذلك ذكر هنا العرش الذي على الماء، وإلا فالعرش الكلي هو على جميع المخلوقات لما يذكر في الآيات الأخرى (ثم استوى على العرش)، هذا العرش يشمل جميع المخلوقات؛ إنما هنا بعد خلق السماوات والأرض جاء هنا الاستواء على العرش بعد أن قال (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)، خصَّ هنا الموضوع، وجود الأحياء؛ ليشير لنا إلى أن الحكمة من جعل الماء كائناً حياً ستكون نهايتها هي وجود الإنسان الذي يُبتلى فيعرف أيهما أحسن عملاً، وقال الذي خلق الموت والحياة كما قُلنا، الآن فيه آيات أخرى تشير إلى وجود الأنواع الأخرى من الكائنات، يقول (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ)؛ كثير من الناس الذين تمحلوا يعني في قضية الإعجاز العلمي، فجعلوه يصبح أضحوكة عند يعني الناس؛ إنه يقول لك إنه كل شيء في القرآن هو ظن أن كلمة في الكتاب هنا (ما فرطنا في الكتاب من شيء) معناها القرآن، والمقصود لأ، (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)؛ المقصود كتاب الخلق الذي هو خلق السماوات والأرض وما فيه من القدر الذي ولد جميع هذه الكائنات؛ يعنى الأمر الأول، يعني ما يمكن أن نسميه اليوم الأكواد البرمجية التي مشي الكون بناء عليها، أنشأ أنواعاً من الكائنات، (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ)؛ هذا معناه إلا أمم، يعنى كلمة أمة تشبه كلمة أم؛ معناها يضمها، ضام جامع، يجعلها منتظمة وتسير وَفق نظام شامل كما هي الحال بالنسبة إلى الإنسان، هذه هي المثلية المقصودة، ثم قال (مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ)، ليه؟ حتى يشير لك إلى أن التكون هذا المبني على قضية الأطوار وعلى قضية يزيد في الخلق ما يشاء، وعلى قضية أخرجنا منه خضراً، نخرج منه ونخرج منه.. وهكذا وَفق أسس، مش قصة تدخل مباشر، وضع النظام الأول، وصار مصنع الكون وَفق الكتاب الذي لم يفرط فيه في شيء، وكما قُلنا صناعة أو بناء مصنع لا يحتاج بعد ذلك إلى تدخل بشري أقوى وأعظم إتقاناً بكثير من مصنع يحتاج في كل لحظة أو بين لحظة وأخرى إلى تدخل لتصحيح الأخطاء، حتى آلية التصحيح موجودة ذاتياً وسنأتي إلى هذا ونكرره؛ لأنه ذكرناه في حلقة سابقة وسنورد هنا ما يؤكد أن تصحيح ما يحصل من أخطاء ناتجة عن يعني تداخل المخلوقات بعضها مع بعض، موجودة أصلاً في الكتاب المبين، الكتاب الأول، في أم الكتاب الذي لم يفرط فيه في شيء؛ هي سُنن تجري، سُنن تجري لا تحابي أحداً في وجود المخلوقات وفي تنظيم أمورها.. وإلى آخره”.

وَمِن “كُلِّ شَيْءٍ” خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ

واستكمل أستاذ اللغة العربية المختص في اللسان العربي المبين: “وأكد هذا فقال (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ) (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)، وأيضاً هناك آخر آية يمكن أن نذكرها في تكون الكائنات؛ هي قوله تعالي (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ)، وهذه الآية أيضاً في فترة من الفترات في القرن العشرين كانت محل استشكال؛ لأنه لما يعني اكتشفت الكائنات التي تتكاثر بطريقة لا جنسية، قالوا ها قد وجدنا كائنات ليست تسير على نظام الزوجَين، والآية فيها جزم قاطع (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ)؛ لكن بعد ذلك لما دخل العلم إلى داخل الخلية فلاحظ أنه أهم شيء في الخلية الذي هو المورث أو الجين أو الكروموسوم، يتكون من زوج من الكروماتيدات، يعني دبلو كروماتيد هذا تزواج موجود داخل نواة الخلية؛ فإذا أرادت هذه الخلية أن تتكاثر ما الذي يحصل فيها؟ تنتفخ، تتفاقم، يتفاقم حجم الخلية، تنفصل الكروموسومات إلى كروماتيدات، ثم وَفق البرمجة الربانية الأولى التي يعني يشملها لفظ الكتاب؛ يتشكل كروماتيد، يزواج يعني يتشكَّل لكل كروماتيد انفصل كروماتيد آخر يتزاوج معه، فتتخثر الخلية ثم بعد ذلك تصبح خليتَين، وكل خلية يعود فيها نفس عدد الكروموسومات المتزاوجة التي يتكون كل واحد منها من كروماتيد.

إذن القضية قضية تزاوج، بل أكثر من هذا، حتى ما ليس بحي؛ لأنه الآية قالت (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ)، الآن العلم يعرف تماماً أنه قائم على فكرة الشحنة الموجبة والشحنة السالبة، ولذلك هناك ما يُسمى قانون الديناميكا الحرارية، الذي يعني أن هناك المناطق الحارة والمناطق الباردة في الكون؛ وهو الذي يسبب توسع الكون بالمناسبة”.

هل الزوجان ذكورة أم أنوثة أم شقان يتماثلان؟

وأجاب أبو عواد عن سؤال “مفهوم لفظة الزوجَين؛ هل الزوجان هنا ذكورة أم أنوثة أم شقان يتماثلان؟”، قائلاً: “لأ؛ ليس مشترطاً أن يكون هنا الخطأ ما هو الذي ظن أنه الموضوع يجب أن يكون ذكراً وأنثى، أخطأ في الفهم، وكلمة زوج في القرآن الكريم تعني تكاملَ نصفَين أو يعني جزء يكمل الجزء الآخر.. جزآن يكمل أحدهما الآخر لتكوين شيء، هما وجودهما لا يكتمل وجوده بالصورة المثالية إلا بوجود الجزأين معاً، هذا هو المعنى الكبير لكلمة الزوج، وهذا العلم أثبته أيضاً كما قُلنا يعني، والآية لو قالت لذكر وأنثى كان الموضوع مختلفاً، لكن هي قالت (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)”. 

لماذا لم يستخدم لفظة الخلق بدل الإنبات؟

وأجاب د.يوسف أبو عواد، عن سؤال “وأنبتاكم نباتاً؛ لماذا لم يستخدم لفظة الخلق بدل الإنبات، بينما لمّا بدأ يتحدث عن خلق الإنسان سماه خلق الإنسان، طبعاً فيه الآية في نوح وهو الذي أنبتكم في الأرض نباتاً، كان يقصد للإنسان خطاب موجه لقوم نوح، لماذا لا يتم استخدام لفظة خلق؟”، قائلاً: “بالنسبة إلى قوم نوح نعم؛ لأنه يعني لاحظ نوح، عليه السلام، لما خاطب قومه قال (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) ، وقال (وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا)؛ لأنه قوم نوح كانوا متعلقين باللحظة الزمانية والمكانية التي هم فيها، فكانوا يعتقدون أنه ما قدسوه من الأشخاص وما ربطوا بها من آلهة لهم تحكم فيهم، فهو سألهم سؤالاً مفحماً، يعني قال أنتم الآن كلكم الآن موجودون، ولكنكم لستم وجودكم أولياً من الذي أوجد الأطوار السابقة لوجودكم، كان السؤال الذي يريد أن ينبه عقولهم من خلاله؛ يعني كما حصل مع إبراهيم لما خاطب ذلك الملك فقال له (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ)، الآن هو لا يريد أن يدخل في نزاع ربما يطول، هم يقولون إن هؤلاء الذين يعني الأتباع (وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا)، أصحاب الجاه وأصحاب المال في القوم، لهم تحكم فيهم، في أشخاصهم، في حياتهم، في أرزاقهم.. إلى آخره، فهو لفتهم، قال دعكم من وجودكم الحالي من الزمن الفعلي الذي أنتم فيه الآن، مَن الذي خلقكم أطواراً؟ مَن الذي أنبتكم من الأرض نباتاً؟ هذا هو، ثم لفتهم إلى كائنات وأجرام سماوية علوية؛ فهذا هو السبب، هنا القضية؛ قضية تركيز على مراحل سابقة، هي ما ستجعلهم يستيقظون. طيب الآن في مرحلة خلق الإنسان؛ نحن نجد أن القرآن الكريم يقول (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)، ويقول (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ)؛ الإشكالية ليست سخر لكم ما في الأرض، وإن كان ممكناً في زمن قديم لم يكن يعرف أنه كيف سخر لنا ما في الأرض؛ لكن الآن نحن نعرف أننا وصلنا بالقدرات والآلات البشرية إلى قاع المحيط، ووصلنا إلى أقوى أنواع الكائنات وسيطرنا عليها باستخدام التكريم الرباني الذي هو العقل؛ عقل الإنسان أقوى سلاح سلح به في مواجهة كل الكائنات الأخرى والسيطرة عليها والاستفادة من خيراتها في ما يمكن الاستفادة منه؛ لكن السماوات قال لك كيف؟ ما هو تسخير السماوات في الفهم البسيط إنه والله الشمس والقمر والنجوم وكذا، لكن هذا يمكن أن يُقال عنه استفادة وليست تسخيراً؛ لأن التسخير معناه أكبر من الاستفادة، حتى ظهر العلم الحديث اليوم وصار معروفاً أن الإنسان تفتق ذهنه واكتشف أجهزة صار بإمكانه أن يحلق في الفضاء فصنع محطة الفضاء مثلاً، وصار بإمكانه أن يصل إلى أطراف الكون باستخدام أجهزة، فيعني يلتقط إشعاعات تُسمى الإشعاعات الخلفية الكونية التي كان موجودة أصلاً منذ اللحظة الأولى لنشوء الكون، فصار كل الكون مسخراً لعقل الإنسان أن يرصده، فيشاهد الإبداع العظيم فيه، وطبعاً كل يعني واحد مثل أينشتاين من علماء الكونيات الذي مرة بعد أخرى يقر أن هذا الكون ينبئ قطعاً عن منظم عظيم وخالق عظيم، وإن كان طبعاً فيه التفاصيل الأخرى؛ بسبب الإشكالات التي كانت موجودة، يعني يحصل الاختلاف، فإذن فكرة خلق التسخير ما في السماوات والأرض للإنسان، العصر الحديث كرس هذه الآية ووضحها توضيحاً تاماً، ربما لم يكن بذاك الوضوح في عصور سابقة، وهذا يدلل على دقة العبارات والألفاظ القرآنية”.

التسخير والنفوذ والسلطان

وأضاف د.يوسف أبو عواد، رداً على “يعني لفظة تسخير توحي وكأن هناك قدرة للعقل البشري وإن كانت كامنة في إمكانية ليس فقط الاستفادة وإنما يعني..؟”: “أينعم؛ يعني مثلاً الجذر (سخر) أو تجده مثلاً (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا)؛ ليس معناها الهزء هنا، معناها التسخير، أن مَن يعني الناس، موجودون بالطبيعة، ولا بد أن يكون هذا، الطبقات بعضها أعلى من بعض، فطبقات منها مسخرة لأخرى، وهذا لا يعني أنه دائماً الأدنى أو الأقل مثلاً من الناحية المادية مسخر للأعلى، قد يكون الأعلى يعني مثلاً الطبيب، يحتاج إلى العامل البسيط، كما أن العامل البسيط يحتاج إلى الطبيب، بغض النظر عن اختلاف المستوى المادي؛ فهذا يستفيد من هذا بوظيفة يقدمها له وهذا أيضاً يستفيد من هذا، التسخير متبادل؛ معناها أن الإنسان أيضاً يمكن متاح له كما قُلنا أن يحدث تغييراً في الأرض وفي السماء؛ لكن في السماء الأمر مشروط بأن يكون هناك صلاح مطلق في هذا الإحداث، لأنه إذا لم يكن هناك صلاح مطلق لا بد أن يوقف تلاعب الإنسان من ناحية السماء كما ذكرت الآية (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ)؛ معناها هناك إذن بالنفوذ، ما السلطان؟ أن يكون هناك صلاح أن تستخدم هذا هذه القدرة التي ستوهبها، وطبعاً الآيات تشير هنا إلى أن الإنسان مقبل على مراحل أعلى بكثير من الوصول إلى السماوات وتسخير ما فيها مما هو الآن، لأنه نحن ما زلنا في البدايات؛ يعني من ناحية أنه تسخير ما في السماوات، فيمكن له أن يؤثر ويتأثر، أن يتبادل الكون والإنسان الوظائف؛ كل منهم يستفيد من الآخر، هذا شيء يشير إليه القرآن الكريم، إلى أن الله فتح بابه ونافذته للإنسان، طبعاً تخيل هذه القدرة، ومتخيل التقزيم الذي يحصل في عقول كثير من الناس، إنه لأ إحنا …”.

ثقافة التدين وتقزيم العقل البشري

وتابع أستاذ اللغة العربية رداً على “هذه الملاحظة التي كنت بِدي يعني أحكي فيها؛ أن هناك يعني ثقافة التدين اللي سائدة في كثير من المجتمعات، هي تقوم بعملية تقزيم للعقل البشري، ومنعه عن فهم كل ما يعني خلق إله العقل ليفهم”: “بالضبط؛ فبالتالي ولد نوع من التخلف، يعني الموجات التي تسير عبر الجو عبر الأثير وبين الأقمار الصناعية وبين الأجهزة الخلوية اليوم أليست هي جزءاً من تسخير ما في السماوات، ما هو السماء كل ما علا الأرض؛ لكن إذا أنت سرت بالعقلية إنه أنا والله لن أستطيع، هو قال لك لا أنا حدودي الأرض، الخروج من الأرض هذا يعارض القرآن، هذا كفر، لن يصل أحد إلى القمر، لن.. كذا، يعني بغض النظر طبعاً عن التفاصيل، أنا قرآنياً أقول لك هذا ممكن، نعم هذا ممكن، وما نشهده اليوم ليس إلا بدايةً سيكون ما يتبعه أكثر بكثير مما هو موجود، وإذا لم تتغير العقلية الإسلامية، ستسير الأمم الأخرى تسبقها تأخذ قصبَ السبق في هذا؛ لكن إذا نحن عُدنا إلى النص وفهمنا آفاقه وأبعاده لا بد أن يكون لنا الحظ الأوفر والأعلى في أن نسهم في هذه الحضارة، بل نكون يعني في مقدمة المساهمين فيها، وربما نكون قادةً إذا أمسكنا بالنص، لأنه غيرنا ليس معه نص؛ هو فقط يسير وَفق الطبيعة الإنسانية الفطرية الطبيعية، وأول شيء يجب أن يحصل إيمان بدلالة هذا النص، إذا الناس آمنت بدلالة هذا النص، وتركت الخزعبلات والتراهات، وفهمت أنه هذا النص أتاح الله بناء عليه للإنسان أن يصل إلى آخر آفاق الكون، التي يمكنه الوصول إليها، أنا هنا الإنسان سيتولد لديه الحافز والنشاط والسعي نحو الإبداع والسعي نحو العمل؛ بما فيه الإصلاح، لأنه دائماً تجد أن الآيات (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا)؛ الأرض أول ما أُنشئت واكتمل إنشاؤها، والسماوات أُنشئت على الصلاح، فالمطلوب إنه الإنسان يسير وَفق خطة الإصلاح هذه، ويسهم في الإعمار؛ يعني ممكن يقول لك يعني معناها هل خلق الله الأرض والسماوات ناقصة؟ ليس هذا المعنى، هناك رسالة للإنسان، طُلب منه أن يعمر الأرض، أصلاً هو أنشأكم من الأرض واستعمركم، كان يمكن أن يخلق الأرضَ في أكمل ما يكون، والسماء في أكمل ما يكون، لا يوجد أمراض، لا يوجد زلازل، لا يوجد براكين؛ لكن من أهم ما ابتلي به الإنسان واختبر به، أن يصلح ما يراه، أن يعمر، أن يكمل ما يراه من خلل؛ هذا نوع من الاختبار، بعضه فردي وبعضه مجتمعي.. إلى آخره”.

العودة إلى الفطرة الأولى ومظاهر التحضر الإيجابي

واستطرد د.يوسف أبو عواد: “وكثير من الأمم أدركت هذا المعنى بفطرتها؛ يعني هم تخلوا عنه، يعني أنا أتحدث الآن عن أمم تحضرت وصار عندها علوم كثيرة، هي تخلت عن نصوص ظهر أنها، يعني أدركوا أنها قطعاً لن تكون من الله؛ لأنه طبعاً هي فيها تحريف.. وإلى آخره، بحكم التطورات العلمية.. لما فعلوا هذا الآن أصبح هناك تخلية من هذه النصوص ودلالاتها التي كانت تقف حاجزاً عن التطور العلمي، عادوا إلى الفطرة الأولى، هم لم يصلهم القرآن، طبعاً هذا تقصير من ناحية المسلمين وأتباع الرسالة الخاتمة؛ لم يصلوا بالقرآن بالطريقة الصحيحة. العودة إلى الفطرة الأولى أسهمت في نشوء كل ما تراه من مظاهر التحضر الإيجابي؛ لكن أيضاً اقترن معه شيء سلبي، لأنه الآن لا يوجد رادع، لا يوجد وازع؛ بينما لو كنا نحن المسلمين متنبهين لهذه النصوص، وبعض الناس يقول لي لا تعمم، أنا لا أعمم؛ لكن هذا الأغلب، هذا لا أحد يستطيع أن يقول الآن إنه والله إحنا كشعوب مسلمة نقف في أوائل الشعوب التي أسهمت في بناء الحضارة وبناء التطور والوصول إلى السماوات وإعمار الأرض، معروف إنه نحن نقبع في مؤخرة القائمة، للأسف يعني”. 

العبادة في النص القرآني وإشكالية تفعيل الطقوس

وأجاب د.يوسف أبو عواد عن سؤال “هل تعتقد أن تسويد شكل من أشكال الفهم للنص القرآني بعيداً عن آلية التدبر التي يجب أن تتبع في القرآن، قاد للعقل البشري أو بالذات للعقل الإسلامي العربي، إنه يطمس نفسه بنفسه دون الاستفادة من الإمكانات الموجودة أو التي يفتحها النص أمامه؟”، قائلاً: “مئة في المئة، هذا كلام لا غبار عليه؛ يعني هذه الاستعانة بالمرويات الإسرائيلية وغيرها من أي مكان وخلاص، هو ترك النص، تحليل النص وَفق الآلية التي طالب النص منك أن تستخدمها لتحليله، فعل ماذا؟ أحدث آلية انهيار بدل آلية الإعمار التي يحدثها النص. النص يحدث ما أحدثه خلق الله الأول للإنسان بفطرته الأولى، يريد أن يعمر ويريد أن يبني، عنده طموح أن يصل طموحه، لا يتوقف؛ لكن يأتي مَن يحدد لك هذا الطموح، بماذا؟ هذا حرام، هذا كفر، هذا كذا، هذا كذا.. الآن أنت يعني تكبح جماحك وتذهب طاقتك وتتحول إلى إنسان تغلب عليه الكآبة، ينتظر الموت، لا يريد الحياة، آلية هدم حقيقية عوضاً عن آلية البناء التي نحن نشاهدها، والتي تحث عليها آيات القرآن الكريم، يعني نحن لما ذكرنا قضية العبادة، هل وجدت القرآن من أوله إلى آخره ربط العبادة ولو في آية واحدة بقضية، مثلاً الشعائر الطقوسية؟ هل الشعائر الطقوسية.. هي استعانة في الحقيقة وليست عبادة، هي استعانة للوصول إلى هدف العبادة، هي الحياة في كل قصص الأقوام السابقة لما كان كل نبي يقول لقومه اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، كان يذكر مظاهر من مظاهر الحياة، معناها سِر في حياتك وَفق سنن الله وأنظمته ووَفق فطرتك الأولى، وفق ما فتح الله لك، وما كلفكم وما أعطاك من صلاحيات، دون أن تذهب إلى الإفساد، (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها)، هذه هي العبادة في النص القرآني؛ لكن نحن العبادة ما هي في مفاهيمنا؟ إنه والله فعلت مجموعة من الطقوس، فكأنني أفرحت الله، شوف كيف الصورة أو التقزيم الذي جعلنا هو طبعاً أنت الآن”.

كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ.. حلل الكلمات وَفق المنهجية اللسانية

وأضاف أبو عواد رداً على “يعني هي صارت عملية طمس للفطرة أو عملية تشويه أو تلويث للفطرة البشرية أو العقل البشري؛ وبالتالي إعاقته عن فهم النص، وإعاقته عن التقدم”: “هو ليس فقط أعاق، هو أحدث آلية هدم تماماً؛ يعني عوض عن آلية البناء الموجودة في النص الأصلية التي تحاكي الفطرة الأصلية للإنسان، هو ابتكر، اخترع؛ حتى نقل يعني، هو نقل، كله نقل، نقل آلية، هدم فعلياً، هدمت ووصلت إلى النتيجة التي نراها اليوم في العموم، وطبعاً النتائج ماثلة؛ يعني لا يستطيع أحد أن يجادل، إن النتائج ماثلة أمام أعيننا، ما دامت النتائج ماثلة، لا توجد نتائج تطفو وتظهر على السطح إلا يكون هناك أساس ولد هذه النتائج، أساس فكري، أساس ثقافي، أساس عقدي، فلا بد من مراجعة هذه الأسس. ونحن وجدنا، يعني نحن لا نجامل، لو لم نجد في النص القرآني ما نذكره الآن لما كان أصلاً لا يمكن أن ندخل هذا؛ لكن النص القرآني من الواضح تماماً أنه يحاكي ما هو موجود في الكون، وما هو موجود في فطرة الإنسان؛ بشرط أن تنظر إليه بخلفية صافية، فقط بلسان عربي مبين، (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ)، حلل الكلمات وَفق المنهجية اللسانية، اجمع الآيات…”.

القدسية فقط للنص

وتابع أستاذ اللغة العربية المختص في اللسان العربي المبين، رداً على “بعيداً عن تأثيرات تلمودية، بعيداً عن تأثير القراءات الاستشراقية الخاصة بالأسفار اليهودية، بعيداً عن كل الطقوس القديمة التي مورست للطمس أو لتحجيم قدرة العقل البشري على النفاذ إلى آلية النص أو فهم النص أو تدبره”: “طبعاً، وبعيداً أيضاً عن أن تجعل الاجتهادات، الرجال، بنفس قدسية النص؛ هي اجتهادات الرجال، جزء من التاريخ، وهو كتاريخ أية أمة؛ لكن نحن المشكلة أين؟ في ما ورد من اجتهادات، نحن لا نقصد أن نهملها أو نرميها أو لا نستفيد منها، بس نريد أن نصل إلى نقطة مهمة جداً، القدسية فقط للنص، بعد ذلك، ما بعد ذلك هو اجتهادات؛ فنحن ننظر إليها من منظار النص، إذا وجدنا أنها تكرس النص، تعطينا صورة مثلاً، قصة عملية حقيقية تمثل تطبيقاً لآية قرآنية، نعم بها ونعمت، لا بأس؛ لكن نبقي فنركز أنه ليست القدسية بها ولا بناء الأساس عليها، لو ظهر يوماً ما أنها غير صحيحة أو ضعيفة لا يهمنا، لا نكترث لهذا، إنما هي كنوع من الاستئناس بهذه الطريقة، ينبغي أن ننظر إلى كل ما نقل من التراث؛ سواء ما جاء منه من الإسرائيليات أو من الروايات أو غيره من الاجتهادات، أما أنه نحن لما نأتي إلى آية مثل (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)، فأأتي إلى الأقوال المذكورة في كتب التفسير المروية عن فلان وفلان وكذا، وأجهل فهمي للآية، لاحظ كيف الفهم المتشكل، قدسية الآية، وقدسية ما نقل كله كأنه خلط في خلاط فجعل شيئاً واحداً، هذا الأسلوب غير صحيح قطعاً، يفهم النص تماماً، يغلق على فهمه، انتهي.. بعد ذلك بإمكانك أن تمحص ما ينقل، هل يتوافق مع النص ولَّا لا يتوافق؟ إذا لم تجده يتوافق، إذن بحثت، ستجد قطعاً مصدره”.

آليات الوصول إلى مقاصد الألفاظ القرآنية

وأجاب د.يوسف أبو عواد عن سؤال “ما الآليات التي تتوفر للإنسان حتى إذا استخدمها يصل إلى نتيجة معقولة ومتطابقة لمرامي أو مقاصد الألفاظ القرآنية؟”، قائلاً: “هو الكتاب نفسه؛ القرآن الكريم نفسه، لم يترك هذا الأمر، يعني هو وضح الموضوع، فقال (بلسان عربي مبين)، وقال (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ)، لم يترك الأمر على عواهنه، يعني نحن أيضاً لا نريد إنه بعض الناس يحرف الآيات عن معانيها، فيأتي بمعانٍ غريبة جداً باطنياً وكذا، يفقد النص مكانته ودلالته فعلياً، وبالمقابل بعض الناس يفقد النص دلالته بما يطغي عليه من ضوضاء كثيرة، ويحيطها بالنص، فيعطيها نفس مستوى القدسية”. 

آدم وحوار الله مع الملائكة

وقال د.يوسف أبو عواد: “النص القرآني يشير إلى البداية الأولى لخلق آدم، في قوله تعالي (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، ولم يقل طبعاً هنا إني خالق، إني جاعل، الجعل معناه تحويل شيء إلى شيء، كما ذكرنا، يعني هذا يتوافق تماماً مع فكرة الإنبات؛ يعني هو شيء موجود، هناك تغيير وظيفي سيحصل مع نوع من التطوير، فينتج البشر؛ لأنه قال (إني جاعل في الأرض خليفة) وفي آية أخرى (إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ)، وطبعاً البشر أعلى من مجرد الإنسان كما ذكرنا؛ لذلك هو لم يأمر الملائكة بالسجود، وسنشرح ما السجود، إلا لما قال لهم (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي)، هذا الفيصل، هذا هو الجعل، التغيير الذي حصل على شيء موجود مسبقاً؛ التسوية معناها النفس التي (وَنَفس وَمَا سَوَّىٰهَا فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَىٰهَا)؛ النفخ في الروح هو الأمر الرباني الذي يساعد أو يؤدي إلى تفعيل آلية النفس هذه لدى الإنسان، وهو أمر مختلف كلياً عن كل الكائنات السابقة، هو الذي سيجعل الإنسان له القدرة على التصرف ضمن القدر؛ فيختار كذا ويختار كذا، هو الذي سيجعله يتجاوز مرحلة التجريدية ومرحلة الغرائز ومرحلة الشهوات، ليصل إلى الأفكار العليا والأفكار التجريدية؛ لكن قد يقول قائل: ماذا يخبر الله الملائكة أصلاً؟ يعني (وإذ قال ربك للملائكة)، يعني هل هو يستشير الملائكة ولا يفيد من إشاراتهم وهو رب العالمين، وهو لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون؟ الجواب بسيط طبعاً، الجواب هو ما ذكر في الآيات الأخرى (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)؛ هو يقصد أن الملائكة مكلفة بماذا؟ بتنفيذ أوامر الله، وقُلنا كثيراً إن الملائكة نحن لا نراها؛ ولكن مظهرها السنن الكونية المتسقة، طيب الملائكة تعلم أن هناك سنة كونية لا بد أن تسير بالطريقة التي هي عليها، معنى الكلام أن هذا الكائن سيكون من قدرته أن يخالف السنن، فهذا تنبيه للملائكة التي هي مسؤولة عن رعاية السنن الكونية..”.

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.. أمر لا استشارة 

وأضاف أبو عواد: “فلذلك استغربت الملائكة فقالت (أتجعل فيها)، يعني هو قوله (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)؛ هو في الحقيقة ليس استشارة، هو أمر؛ معناها أن تخضع الملائكة لما يتطلبه هذا الأمر من منح الإرادة للإنسان والنفخ فيه، والنفخ فيه بالروح يعني خضوع الملائكة لهذا الأمر، هو سبب إخبارهم بذلك؛ لذلك قالوا (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) وطبعاً كلمة خليفة أيضاً الأصل اللغوي فيها خلف، والخلف معناها شيء يخلف شيء سابق، سابقاً له”. 

لا يوجد شيء اسمه خلافة الله في الأرض 

وأجاب أستاذ اللغة العربية عن سؤال “يعني هنا المقصود بالخلافة ليست خلافة الله في الأرض؛ إنما خلافة ما كان، ما كان يسبق الإنسان مثلاً أو البشر؟”، قائلاً: “لا، لا يوجد شيء اسمه خلافة الله في الأرض؛ الخلافة لما تقول خلف هو الخليفة، لا يجتمع مع مَن استخلفه أبداً، لا يوجد نص واحد أبداً يدل على أن الخليفة يمكن أن يجتمع مع مَن استخلفه؛ يعني مثلاً موسى لما استخلف هارون، لم يكن معه في الوقت نفسه، مستحيل، لا يكون هذا، (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)، فيقول لك هو أمر، المشكلة تعرف من أين تولدت الفكرة؟ إن هو أسقط مفهوم خليفة الذي يعني ظهر أين؟ الخليفة في العهد الأموي والعباسي، لا أعرف بالضبط؛ ولكن أسقط هذا المفهوم على كلمة خليفة الموجودة في القرآن، ثم يعني صار ينظر إلى أن الله هو خليفة الكون، شوف الإسقاط من أين تولد؟ هو فهم أصلاً فهم وتخيل الله أنه خليفة الكون، ليه؟ لأنه رسم لله صورة إنسانية، وبعدين قال لك إنه الإنسان بحكم إنه معه صلاحيات هو خليفة الله في الأرض، وكيف؟ كيف يمكن أن يسمي خليفة الله في الأرض وهو قادر على أن يحدث ما هو معاكس لسنن الله؟ يعني هل يُسمى خليفةً بهذه الطريقة أصلاً؟ إذن هو خليفة معناها خلف خلقاً كان يسبقه، وهذا هو الجعل، وهذا هو الإنبات الذي ذكرناه، وهذا هو التطوير الذي أحدثه رب العزة، تبارك وتعالى، في خلق أصلاً كان موجوداً، فأحدث عليه من التطوير والإنبات ما جعله مهيئاً لنفس جديدة تستطيع أن تختار الخير والشر، وأن ينفخ فيه من الروح التي تفعل هذا الأمر، فهذا معنى قوله (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) فلما قالوا (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا) قلنا إنه هذا مخالف لما هم عاشوه؛ يعني وأمروا به دائماً إنه كل شيء سيسير وَفق السنن التي ليس فيها إلا الصلاح، فتعجبوا يعنى كيف يكون فيها الآن مَن يفسد فيها ويسفك الدماء؟ طيب قارن هذا بما أخذ من الروايات والإسرائيليات.. لآخره، وأنا دائماً أحب هذه المقارنة، لأن هناك بون شاسع بين النص بما هو عليه وبدلالته الواضحة جداً، والتي حكمت بين بني إسرائيل في ما كانوا فيه يختلفون وبين النقل، يقول لك كان هناك قبل الإنسان الحن والجن والبن، وأفسدوا في الأرض، فقال الله لهم إني جاعل خليفة من هؤلاء في الأرض، طيب هو الفكرة غريبة يعني صدقاً لو الإنسان يفعل عقله بشكل بسيط، لو كان هذا هو المقصود، أولاً أنت تقول إنه خليفة عن الجن، طب الجن في كل نصوص القرآن لم يذكر أنه انتهى، هو موجود (يا معشر الجن والإنس)، سنأتي لنفهم المقصود التام من هذا؛ لكن لو كان خليفة عن الجن لاختفي الجن، خلاص انتهي، (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ)، انتهى المستخلفون، هذه نقطة. لو كان أنهم قاسوا، وجود قاسوا، الإنسان أو البشر على الكائنات الأخرى، أنه سيفسد في الأرض ويسفك الدماء، طب هو مَن؟ هل أنت مثلاً إذا كان الله قال لهم إني جاعل في الأرض خليفة؛ لأنه مَن سبقهم أفسد، يعني معقول إذا كان عن جد مَن سبقهم أفسد سيجعل خليفة يعود فيكمل الفساد؟! ليه سماه خليفة؟ إذن ما التغيير الذي سيحصل إذا كان هذا الخليفة، الملائكة ستستنج أنه ما دام اللي قبله أفسد، إذن هو سيفسد ويسفك الدماء، إذن لماذا تجعل خليفة معناه كأنه يرسم صورة عن الله، إن هو يكرر شيئاً موجوداً دون أية منفعة ولا أية فائدة؟! يعني الموضوع عجيب صدقاً إنه تفعيل بسيط للعقل يجعلك تعرف أن هذه الروايات يعني سقوطها يغني عن إسقاطها، لا نحتاج أن نتحدث في إسقاط، هي ساقطة أصلاً بالتفكير البسيط؛ إنما كما قُلنا هو الخليفة، هو ما جعل منه الإنسان، ما استخلف منه الإنسان؛ مما كان موجوداً قبله، ولم يكن فيه أصلاً إرادة يعني ولا كان فيه روح الإنسان التي نفخت في الإنسان؛ الأمر الذي يحقق الإرادة الإنسانية، فقالوا أتجعل فيها مَن يفسد فيها ويسفك الدماء…”.

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ

وتابع د.يوسف أبو عواد: “هنا ملاحظة مهمة جداً؛ أنا لا أدري حقيقة كل مَن يسعى إلى فهم الهدف العظيم من وجود الإنسان، ويفسر قوله تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) بأنه العبادات التي يذكرها الفقهاء في كتبهم، إنه كتاب الطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج، لاحظ كيف هذا كتاب العبادات، بعدين الباقي سموه المعاملات، يعني تشعر أن الأجزاء الأخرى من الفقه ليست عبادات، خلاص يعني هذه هي العبادات، بينما الآية التي قالت (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) اقرنها مع هذه الآية (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء)، ستعلم أن المقصود ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، أن يصلحوا فيها ويحقنوا أو يسهموا في الحياة، يعني ما عكس سفك الدماء (مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا) جميل، معناها المفهوم العظيم للعبادة، اعكس الإفساد، الإصلاح، اعكس سفك الدماء، الإحياء.. إذن المساهمة في المحافظة على حياة الموجودات بجميع أصناف الكائنات وبالإنسان نفسه أعظم عبادة، يمكن أن يتعبد بها الإنسان، مش أن يذهب إلى الموت وينتظر لحظة الموت، ويقول لك استنى أن أموت في سبيل الله، أنت خُلقت لتحيا في سبيل الله، أما الموت فهو ضرورة ملحة يلجأ إليها الإنسان إلجاءً، وليس هو الأصل، خلقت لتصلح، خلقت لتعمر ولتبني؛ لتسهم في تطور الأرض بكل ما فيها، ما يمكن أن نسميه كائنات جامدة، والكائنات الحية الأخرى”.

الرسالة الكبرى.. ما العبادة؟

واستطرد أستاذ اللغة العربية المختص في اللسان العربي المبين: “وهذه رسالة عظيمة تجعلنا نفهم الآن أنه بيقول لك يعني في واحد قال العلم قال الله وقال رسوله وقال الصحابة، هم أولي العرفان، مش عارف شو البيت الثاني؛ يعني منذ عهد قديم طبعاً لم أتذكره، لأني لم أقتنع به منذ اللحظة الأولى، لاحظ كيف يعني يصور لك أنه يعني أنك تنقل كل ما روي، هذا هو العلم. أما إذا ذهبت إلى علوم الطبيعيات، فأنت إنسان دنيوي، أنت تبحث عن الدنيا، أنت لا علاقة لك بالله ولا بالمقصود الذي خلقت من أجله؛ أنت منصرف ملتهٍ بما لا ينبغي أن تلتهي به، بينما القرآن يقول لك عكس ذلك تماماً؛ كل علم تدرسه تهدف به إلى إصلاح الأرض، إلى تطوير وجود الكائنات الحية في الأرض، وإلى إعمار الأرض؛ هو مما يقربك إلى الله، هذه هي العبادة، وأنت تستعين بعد ذلك بالصلاة والصيام، لتزكي نفسك، فتحقق العبادة، وليس العكس، ليست هي الغاية، الصلاة في القرآن سُميت استعانة (واستعينوا) مش هو في سورة الفاتحة قال (إياك نعبد وإياك نستعين)، طب هو لما ذكر الصلاة كالصبر، وسيلة؛ لكن الغاية الكبرى التي يُراد من هذه الوسيلة أن تهذب نفسك فتوصلها إلى أنك تذهب فتخرج في الأرض فتعمرها وتبني فيها وتسهم في تطور الأحياء وغيرها، فهذه هي الرسالة الكبرى التي استغربت الملائكة، إنه سيكون من صلاحيات البشر، طبعاً ليس كل البشر قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها، ليس المقصود الكل؛ إنما سينتج من إعطاء البشر الإرادة بطبيعة الحال، مَن يصلح ومَن يفسد، هم استغربوا طبعاً أنه كيف يصبح لأول مرة مَن يفسد فيها ويسفك الدماء، طبعاً يقول قائل طب كيف عرفت الملائكة أنه سيكون مَن يفسد فيها ويسفك الدماء، فالله أخبرهم، قال لهم (إني جاعل في الأرض خليفة)، ما معنى، يعني أكيد أنه وضح لهم ما المقصود بالخليفة، لكن تخيل أن النص قال (إني جاعل في الأرض خليفة) سأعطيه الحرية والإرادة، فيكون مَن يصلح ويفسد، فقالوا أتجعل فيها مَن يفسد فيها؟ سيصبح هذا إطناباً لا داعي له، والنص الذي يعطي المعنى بأبسط عبارة وأكثر عبارة لا يفعل هذا، فنص القرآن بليغ جداً يحذف ما يفهم من السياق، إذن هم أُفهموا أنه سيكون خليفة من شأنه كذا وكذا، فالتزموا بما يحقق هذه السنة الجديدة التي ستحدث في الكون، فاستغربوا، قالوا (أتجعل فيها مَن يفسد فيها ويسفك الدماء)..

إذن الأمر واضح جداً وبسيط، ثم قالوا (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك)، آه، هذا يرجع بنا ويؤكد ما قُلناه، ما معنى يعني أن تقارن الآن (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)، معناها جملة نسبح بحمدك ونقدس لك، معناها المفهومي الأساسي حتى هو عكس الإفساد، وعكس يعني نحن معشر الملائكة بما نمثله من سنن الكون كلها، تدل على تسبيح الله، يعني كلها تفعل ما يجري سنن الله التي تنزهه عن النقص وتقدس هذه الكلمة التي أردت أن أقف عندها؛ لأنه كلمة قدس هي ترجع إلى الأصل الثنائي (قد) والقد يقول لك أتى على الشيء من أوله إلى آخره، ولذلك يقال (قد الفتاة) يعني معناها الشكل الخارجي لجسمها أو (قد الإنسان) بشكل عام، ويُقال على قد كذا، وعلى فكرة في العاميات العربية مهنة القصارة يعني القصير، يكون معه إشي اسمه القدة، القدة والميزان، فيستخدمها لضبط المستوى بحيث يكون مستوًى واحداً، هذا معروف، طيب أضيف لها حرف السين، السين يدل على نوع من التدخل اللطيف في الأمر، يعنى ما معناه قد يحصل أثناء سيرورة الكون لأسباب معينة، إنه بعض الاختلالات، بعض الأشياء؛ لكن هناك آلية تقويم ذاتي تقوم عليها الملائكة داخل السنن نفسها، فتقدس معناها، تعيد الشيء إلى سيرته الأولى، ويكون طبعاً هذا لحكمة معينة أو لسبب؛ لكن آلية التصحيح الذاتي موجودة أولاً بأول، فالتسبيح هو الجريان الأصلي وَفق السنن، والتقديس هو آلية التصحيح الذاتي الموجودة في الكون؛ بحيث إنها تعدل كل ما يمكن أن يحصل من أخطاء”.

معنى “إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ”

وأضاف أبو عواد: ” (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، معناها النتيجة النهائية لما سيحصل من وجود البشر؛ أنتم لا تعلمون نتيجتها ولا تعلمون الحكمة منها، والمطلوب ألا تعصوا الله ما أمركم، وأن تفعلوا ما تؤمرون؛ لأنه في النهاية الله عالم الغيب والشهادة، هذا يدل طبعاً أن السلطة الأولى والأخيرة لله، هذا من ضمن ما لم تعلمه الملائكة، أنه كان يقصد بوجود الإنسان، أنه يختبر، أن يمتحن، أن يدخل في مدرسة، أن يساعد في إعمار وتطوير الأرض، هذا هو اختباره؛ فمنهم مَن سيكون يعني حقق الرسالة فأحسن حمل الأمانة، ومنهم مَن سيكون فعل العكس، فأساء بالتالي حمل الأشياء، ثم قال بعد ذلك (وعلم آدم الأسماء كلها)، طبعاً أنا وجهة نظري يعني أن تعليم آدم الأسماء كلها جاء بعد، يعني جاء بعد إسجاده الملائكة له، لأنه (وإذ قال ربك للملائكة) في سياق آخر (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيتُهُۥ وَنَفَختُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ)، يعني خلاص استسلمت الملائكة، خضعت للسنة الجديدة، وخضعت للقانون الجديد الذي سينظم حياة البشر؛ إلا إبليس طبعاً، وسنذكر هذا.. انتهي الأمر. الآن سيكشف الله سبحانه وتعالى لهم بعض السبب..”.

وعلم آدم الأسماء كلها.. المرحلة الأعلى

وتابع أبو عواد: “لكن هنا قبل أن أذكر هذا؛ أريد أن أربط بين هذا السياق وسياق سورة الرحمن، ففي سورة الرحمن يعني لاحظ بعض الناس اللي يعني حتى من الطرف الآخر الذين يطعنون في القرآن الكريم لعدم.. في الحقيقة لم يعطِ نفسه فرصة حقيقية ليتدبر، يقول لك (ٱلرَّحمَٰنُ عَلَّمَ ٱلقُرءَانَ خَلَقَ ٱلإِنسَٰنَ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ)، فبيقول لك هو هذا معكوس السياق، الرحمن لازم يقول الرحمن خلق الإنسان علم القرآن علمه البيان أو علمه البيان، وآخر شيء علمه القرآن، ليه؟ لأن هو مسكين يسقط الألفاظ، يسقط المعاني على الألفاظ حسب ما يتوارثه، فتولد عنده مطاعن، فقال الرحمن علم القرآن، القرآن ليس هو البيان الذي علمه آدم، بعد ذلك سأشرح هذا، القرآن معناه مجرد إعادة شيء كما هو، ولذلك جاءت الآية لما كانت تخاطب الرسول، عليه الصلاة والسلام، (لَا تُحَرِّك بِهِ لِسَانَكَ لِتَعجَلَ بِهِۦٓ إِنَّ عَلَينَا جَمعَهُۥ وَقُرءَانَهُۥ فَإِذَا قَرَأنَٰهُ فَٱتَّبِع قُرءَانَهُۥ)، طيب أليس أصلاً القرآن نزل عن طريق الملك، عن طريق روح القدس؟ إذن الملائكة عندها قدرة القرآن، القدرة على القرآن، علمتها الملائكة، يمكنها أن تعيد ما تسمع؛ لكن لا يمكنها أن تصل إلى البيان الذي نتج عن تعليم آدم الأسماء، هذا هو الفرق..

لذلك تعليم القرآن سابق على خلق الإنسان، لأنه بوجود الملائكة قبل أن يخلق الإنسان أصلاً، ثم خلق الإنسان، ثم جاءت المرحلة الأعلى التي هي (وعلم آدم الأسماء كلها)، علمه البيان، شوف التناسق العجيب والتعاضد في النص القرآني، (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)، طيب إذن ما معنى علم آدم الأسماء؟ هذه الفكرة أنه ترديد شيء موجود ككلام، معناها هم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، داخل في نفس الإطار؛ لكن تعليم البيان معناها أن يصبح لدى الإنسان القدرة، ليس فقط على التصرف في الخير والشر، لأ؛ أن ينقل هذا الأمر، فيصبح داعياً إلى هذا، إلى غيره.. الآن علم آدم الأسماء، الموضوع بدأ بتعليم الأسماء، كلمة اسم بالنص القرآني واضح جداً أنه المقصود فيها الوسم، التوسيم، ولذلك، والتعليم، موضوع التعليم مختلف عن موضوع الإقراء؛ يعني (فَإِذَا قَرَأنَٰهُ فَٱتَّبِع قُرءَانَهُۥ) هذا هو التلقين، لذلك كثير من الناس يظن أن الله علم آدم الأسماء كلها، فيرجع فيذهب إلى فكرة الإقراء التي هي التلقين، وهذا ليس بصحيح، ما يمكن أن نستنتجه من تعلم الأطفال للغة أو اللسان أن التعلم يجري وَفق أولاً محاكاة الأصوات الموجودة في الخارج، فيعني معناه لذلك قُلت لك هذه مرحلة التعليم، مرحلة لاحقة، بعد أن يعني أخضعت الملائكة لسنة وجود البشر.. إلى آخره، أطلق البشر في الوجود يتعلمون الأسماء؛ فمعناها هو عاش في الطبيعة، فبدأ يحاكي الأصوات الموجودة في الطبيعة، والطبيعة فيها أصوات الحروف، ستلاحظ أنها موجودة، يعني موزعة في ثنايا الطبيعة”.

الطريقة الفطرية الصحيحة

واستكمل أبو عواد: “وهذه هي الطريقة الفطرية الصحيحة التي لم تنحرف بتشكل ألفاظ اللسان؛ إنه يسمع الصوت من الطبيعة، وطبعاً هذا بالمناسبة يعني حتى لا يقول أحد إنه أنت هذا قال به كثير من العلماء السابقين، من ضمنهم، أشهرهم يعني، قال أحمد بن فارس، صاحب معجم (مقاييس اللغة) المشهور جداً، هو تبني هذا الرأي وغيره.. على كل حال هم قالوا إنه المقصود هنا بتعليم آدم؛ أي أنه جعل في دماغه آلية، يعني ميكانيزم تجعله قادراً على أن يسمع الأصوات، فيولد يعني منها ما يتناسب مع ما سمعه، يعني هو يرى صوتاً مقترناً بصورة، مقترناً بمشهد معين.. إلى آخره. الدماغ فيه آلية أن يدرك أن هذا الصوت له المعنى الفلاني، فتبدأ الأصوات صوتاً صوتاً، يعني حرفاً حرفاً، ثم بعد ذلك يتعاضد صوت مع صوت آخر، ثم نصل إلى بعد ذلك، مرحلة الجذور الثلاثية، وأحياناً تجد أن الجذر الثلاثي لا يفي بالغرض، فيضاف إليه حرف رابع يعزز، القوي؛ ولكن هذا نادر..”. 

تشكُّل المعنى.. قدرة فطرية وضعها الله في آدم

وأجاب د.يوسف أبو عواد عن سؤال “ما دام الإنسان بدأ يفهم انعكاسات الواقع، كيف أعطى لهذا الانعكاس أو لهذا الصدى نتيجة واقع، يعني كيف تشكل المعنى في ذهن الإنسان؟”، قائلاً: “هو الله سبحانه وتعالى قال (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، لاحظ الكلمة أيضاً تعلمون، (لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ)، يعني الأفئدة جاءت في آخر المطاف، الأفئدة هي التي تقترن بالمخ والاستنتاج والعقل.. إلى آخره. إذن هو الإنسان يشترك عنده السمع والبصر ولا تدخل عليه الصورة الطبيعية إلا مقترناً فيها المسموع بالمبصر، فيتشكل في الدماغ صورة ذهنية يجردها الدماغ، هذه قدرة فطرية وضعها الله في آدم، ولذلك قال وعلم آدم، يعني ميزها حتى عند الملائكة، لم تكن موجودة، إنما وجدت فقط في آدم؛ إنه يدرك المسموعات ويدرك المبصرات ويستطيع، يتخيل لها أولاً معنًى تجريدياً يحاكيها بجهازه الصوتي، ثم ينقل هذا المعنى المباشر الذي رآه في الطبيعة إلى أشياء مشابهة تشترك في معنى كبير..”.

المعنى المفهومي

واختتم أستاذ اللغة العربية المختص في اللسان العربي المبين: “وهو ما نسميه بالمعنى المفهومي، يعني مثلاً هو سمع صوت الماء، يعني حرف الخاء وحرف الراء، إذا ركزت في صوت الماء الذي يتدفق في الطبيعة ستجد أن في صوت الماء في الطبيعة ما يشبه صوت الخاء وصوت الراء، طيب أخذ منه الإنسان هذا الصوت (خر) أول ما أطلقه ليعبر عن الماء (خر الماء)؛ لكن صار يوسع هذا المعنى فيطلق هذا على السقوط، يطلق هذا على الانهيار، يطلق هذا على معانٍ كثيرة، حتى يقال مثلاً (خارت قواه) أو (خرت قواه)، لاحظ مع أنها شيء معنوي، ويرسم للقوة صورة يتخيلها بصورة ذلك الماء المحسوس أول مرة، ثم يسقط عليها المعنى الذي أخذه بالسمع والبصر باستخدام الأفئدة وَفق آلية مزروعة، برمجة يعني، برنامج سوفت وير أساسي موجود في الدماغ البشري، وصفه تشومسكي وغيره من علماء اللسانيات العرب أصلاً قبل ذلك يعني حتى”.