معنى الإخلاص في الدين
باسم: أهلاً بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج مفاهيم مع الدكتور يوسف أبو عواد، كالعادة. دكتور، أهلاً بك في حلقة جديدة من برنامج مفاهيم.
يوسف: أهلاً بك وبالسيدات والسادة.
باسم: في الحلقة السابقة، التي كانت حول مفهوم الدين وعلاقته بالملة، يُلاحَظ أننا نجد الكثير من الآيات القرآنية تربط الدين بالفطرة والإخلاص، وكأن الدين واصب لله. ماذا يُفهم من هذا؟ لماذا هذا الربط المواظب عليه ما بين الإخلاص والأخلاق بالفطرة؟
يوسف: جميل. هو في الحقيقة، فكرة الفطرة، يعني مصطلح الفطرة لسانيًا: “الفطر” هو—إذا تلاحظ—الفطر المعروف لدى الناس، الذي هو ينمو أصلاً تحت الأرض، ثم بعد ذلك يشق التراب، ويبدأ الناس يستدلون عليه من تشققات الأرض، فأُخذت هذه الكلمة التي تشير إلى التشكل. يعني كلمة “فَطَرَ” بدأ يُعطي لشيء ما شكلاً معينًا، بعد أن كان معنىً مصمتًا أو أملس بدأ يأخذ تشكلا معينا. فأحد أساليب الاحتجاج أو المحاجّة المنطقية التي يستخدمها النص القرآني في الحديث مع البشر، أن الدين المطروح هو فكرة إنسانية كبرى، يقول: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}. معناها أن نظام العقوبات الجزائي الذي يطرحه القرآن الكريم هو في الحقيقة ستجده يحاكي شيئًا داخل فطرتك. ولذلك، نحن قلنا في الحلقة السابقة إنه يمكن أن يُستدل على صلاحية هذا النظام بطرق ثلاثة: إما من آيات القرآن مباشرة، أو من فطرة الناس ومحاكاة هذا الشيء.
باسم: أو من القرآن نفسه..
يوسف: تحقيق حالة الاستقرار، أو من الكون، الذي هو نظام العقوبات الذي نراه أصلاً في أحداث الكون المتتالية. فهذا هو السبب في ربط الدين بالفطرة، يعني هو طريقة احتجاج. أما الإخلاص، فهذه نقطة مهمة جدًا. فكرة الإخلاص أيضًا فكرة، للأسف، ابتُذلت وحُوّلت إلى طريقة تصوفية —إن صح التعبير— معناها لما تسمع مصطلح الإخلاص وتفهمه بالطريقة التي درجت وانتشرت لدينا في المجتمعات، ستشعر أنه يقول لك: “أخلص نيتك، اعمل، اشتغل على قلبك…”، وبالأخير الذي في قلبك هذا ما هو انعكاساته على المجتمع؟
كلمة “خَلُصَ” في تحليلها اللساني، الخلص هو التنقية إلى آخر حد، يعني لما تُخلّص شيئًا من شيء…
باسم: يعني تخلص الشيء من آخر…
يوسف: إي نعم، بالضبط. يعني “خَلَّ” أصلاً هو دخل في خلال الشيء، يعني تدخل خلال شيء ما، ثم يأتي حرف الصاد ليشير إلى الصفاء الكامل لعملية التخليل هذه، تسحب منه أي غش أو دخيل أو شائبة تشوبه. فهذه عملية التخليص، إذن هي سلوك عملي. طيب، لما نجد آية: “فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ”، هنا محور مهم جداً. أولاً، قال: “ادعوا اللَّهَ”. يعني معناها، الآن أنا أقارن لك بين فهم تراثي في فهم الآية، والفهم العملي وفق ما شرحناه وما سنشرحه. “ادعوا اللَّهَ” معناها ماذا؟ ابدأ في الكلام بهذه الطريقة، ارفع يديك، وابدأ الكلام بدون أي شيء عملي حقيقي. “مخلصين له الدين” معناها: اعمل على قلبك أنك تدعو اللَّه فقط، ولو كره الكافرون: أن هذا التصرف يكرهه الكافرون.
باسم: طيب، ماذا استفدنا؟
يوسف: الآن كلمة “ادعوا” في النص القرآني معناها: ابحث عما يؤدي إلى حضور شيء ما. وهذا، على فكرة، لا تزال هذه الكلمة مستخدمة بهذه الطريقة في كلامنا. يعني لما تقول: “دعوتُه إلى حفل” أو “دعوتُه إلى مؤتمر” وكذا.
باسم: يعني طلبت حضوره شخصياً.
يوسف: إي نعم، طلبت حضور شيء ما، وهيأت الأسباب التي تجعله يحضر أيضاً. طيب، كيف أدعو اللَّه؟ يعني كيف يحضر اللَّه؟ دائما، وهذا سنشرحه بالتفصيل في حلقات منفصلة. كيف نفهم اللَّه أصلاً؟ هذه نقطة مهمة. ليس تحليل كلمة اللَّه، وإنما الصفات التي وُصف بها اللَّه أو الأسماء التي ذكرت لله، كيف تُفهم بالطريقة الصحيحة بعيداً عن الجدلية التراثية القديمة بين ما قيل عنهم المجسمة وما قيل عنهم المؤولة. ولكن سيأتي ذلك في وقته. إنما الفكرة: كيف أدعو اللَّه؟ أنا أدعو سنن اللَّه. يعني السنن هي نظام أسباب ونتائج. معناها: افعل السبب الذي يؤدي إلى النتيجة الفلانية وفق ما رأيته عندما نظرت فتأملت في نظام الكون ونظام بناء المجتمعات وغيرها من الأنظمة. الآن، هذا الدعاء اخلصه. ما معنى اخلصه؟ يعني لا تجعل وسيطاً ودخيلاً ومخرفاً وراهبا وشيخاً وغير ذلك ممن يتكلم بلسان الدين وهو بعيد عنه، يدخل بينك وبين أن تفهم اللَّه فهماً صحيحاً. لذلك قال: “مخلصين له الدين”.
باسم: يعني لا تجعل مفاهيم أخرى تحاشرك في فهم هذا النص.
يوسف: إي نعم، في فهم نظام الفعل والجزاء الذي وضعه اللَّه في الكون والطبيعة. هذا معنى أن تخلص الدين لله، وهذا معنى أن تدعو اللَّه. ابحث، فنادي، حاول أن تحضر وتستحضر السنن ونتائجها، ثم بعد ذلك خلّص نفسك. ولذلك قلنا: حتى الناس تدريجياً ليس من السهل أن يفهموا الموضوع، يأخذ شيئاً فشيئاً، فترات من التدرب حتى يفهم. تحتاج إلى نظام التخليص هذا، تبدأ تخلص نفسك من الشوائب التي علقت في الذهن والتي حالت دونك ودون فهمك لله بشكل مباشر من خلال النظر إلى سننه وقوانينه. هذا هو الإخلاص الحقيقي. وهذا ما يكرهه الكافر، لأن الكافر سلوكه سلوك طغيان، كما قلنا. فكلما أخلصت هذا الدين، وصرت تنظر، الآن تجارة الكفر ستنتهي، لأن ما من كافر يسير وفق نظام الطغيان ويعاكس سنن الله إلا ويبني لذلك تجارة. يريد أن يصل بها للناس، تجارة الشعوذة، تجارة الضحك على الناس، تجارة البروباجندا، الإعلانات الكاذبة. لاحظ، هذه كلها تتحول إلى تجارات، ويصبح أصحابها من أصحاب الملايين. لماذا؟ ولذلك هو يكره أن تتصل بالله اتصالاً مباشراً، وأن تنظر في قوانين الله نظرة مباشرة، ولا تجعل مشوشاً يشوش عليك في فهم نظام العقوبات والجزاء الذي وضعه الله في الكون. ومن هنا تأمر الآيات بالإخلاص في الدين.
علاقة الكفر بطمس الحقائق
باسم: عفواً، موضوع “ولو كره الكافرون” يعني أي شخص مضاد لدعوة سنن الله في التفعيل، بالتأكيد سيكون ضدك؟
يوسف: طبعاً، لأنه كما قلنا يفسد له تجارته.
باسم: يعني القول إن الكافر ضد المسلم، هو قول صحيح بهذا الفهم الذي نتحدث فيه؟
يوسف: إي نعم، هو المسلم. إذا قارننا في الآيات نجد ضده الفاجر من الناحية العملية، لكن من الناحية النظرية، يعني الفلسفة. ما هي الفلسفة التي يستند عليها أصلاً أي مجرم؟ فلسفة الكفر. ما معنى فلسفة الكفر؟ أن تغطي، كما قلنا، من الكفر. معناها أن تغطي وتحاول الطمس للمعالم الصحيحة التي وضعها الله في الكون. لماذا؟ لأنك ستروج لشيء مزيف، زائف لا حقيقة له. فحتى يروج زائفك على الناس، لابد من طمس ما هو صحيح. هذا هو المعنى للكفر.
باسم: طيب، أدوات ممارسة الكفر. لو بودنا، عفواً، نسقط أو نطبق هذا المفهوم على ما يدور حالياً في المجتمعات بشكل عام، ليس بالضرورة في مجتمعات إسلامية. المجتمعات بشكل عام، أدوات ممارسة الكفر. هل يمكن اعتبار أدوات الإعلام التي تزيف الحقائق أو تنقل الوقائع على عكس ما هي عليه، جزءاً من ممارسة الكفر؟
يوسف: وسائل الإعلام التي تزيف الحقائق، طبعاً هي تحاول طمس الحقيقة الأصلية، ثم بعد ذلك تنشر، وما ستنشره قطعاً لن يكون إلا في سبيل الطغيان، لأنه سيعزز الرواج لجهة معينة على حساب العدل الإنساني. هو سيحقق مصلحة جهوية فئوية معينة. فلا شك أن هذا كفر للحقائق. هذا واحد. من يحول موضوع الطب والأدوية، معناها ممكن أن تجد علاجات بسيطة جداً لكثير من الأمراض. وهذا، على فكرة، واقع. أنا لا أقوله على شكل… هناك كثير من التجارة في عالم الأدوية، وفي عالم الطب، وفي عالم الأمراض، وإلى آخره. لا تقوم هذه التجارة إلا بناءً على كُفر في الحقائق والوقائع الكونية الطبيعية. يعني كثير من الأمراض، أنا أقول لك على مستوى شخصي، أطفالي أحاول قدر الاستطاعة في الأمراض البسيطة أن لا يتناولوا أي نوع من الدواء، يعني فقط الأشياء الطبيعية، لأن وجود الأمراض الموسمية هذه، وبناء الجسم مناعته ضد هذه الأمراض هو شيء يجب أن يكون، ويجب أن يُبنى مع بناء شخصية الطفل. هو شيء طبيعي، تقوي المناعة، يتعرف.. لكن إذا اعتمدت على الإبر، وعلى الأدوية، وعلى المسكنات.
باسم: تقتل قدرة الجسم أن يحافظ على نفسه.
يوسف: ما أثره على الجسم؟ نعم، وكثير من الأطباء يعرفون هذه الحقائق، ولكن أيضاً يمارس قضية الكُفر، الطمس عليها. لماذا؟ لأنه تجارة تقوم على هذا. وقس على هذا أشياء كثيرة في التعليم. هناك كثير من الكفر للحقائق. لما تضخم منهجا معينا يتعلق بفهم قضية معينة، لحساب ماذا؟ لحساب أنه لابد أن يكون التعليم، مثلاً، 12 سنة. لماذا لا بد أن يكون؟ هذا أمرٌ منذ فترة طويلة لم يراجع في تاريخ الناس. لماذا؟ هل لابد أن يكون حقاً 12 سنة؟ هل لابد أن يكون تسعة أشهر في السنة؟ هل لابد أن يتضمن المنهج كل التفاصيل الفلانية؟ وعلى فكرة، دولة فنلندا، مثلاً، في موضوع التعليم، سعت أن تصل إلى الحقيقة الطبيعية لطريقة التعلم، فتركت كثيراً من الحشو الموجود في الكتب التي كانت دارجة والمناهج.
باسم: الذي ليس لازمًا في حياة الناس.
يوسف: نعم، ورأت أنها تأخذ حيزاً من العقل، لأنه طمس. هذا طمس، فهذا الكُفر يمارس في كثير من السلوكيات على جميع المستويات. يعني، قس على هذا أمورًا كثيرة جداً، ويبني عليها تجارة.
باسم: يعني هنا الكفر لا يتعلق بالمفهوم السائد عند العامة، أنه الكافر يكفر بالله، أو يكفر، فلان كافر وفلان ليس كافرا. من هذه التفصيلات ليس لها علاقة بالمفهوم الذي نتحدث عنه، أو مفهوم اللسان الحقيقي.
يوسف: مئة بالمئة. هو قضية إسقاط مشكلة، المشكلة إسقاط أشياء، أفكار، مصطلحات تولدت في فترات عصور التقليد، التي عاشها التاريخ الإسلامي، ثم صارت تُسقط على النص بالطريقة التي تفضلت بها. النتيجة الآن أن تُحرم من المعنى الحقيقي والأصلي. وأنا لست بصدد أني أقول عن هذا مسماه كذا، أو مسماه كذا. هذا التصرف بهذه الطريقة يسمى كفراً، لكن الكفر المطلق، معناها التام، هو أن تعاكس كل شيء في الكون. ولذلك يهمنا السلوك. عندما تسلك سلوكاً فيه كفر، النتيجة الطبيعية ستتولد نتيجة هذا الكفر {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ}. معناها لم تستخدم النعم بالطريقة التي ينبغي أن تستخدم بها. النتيجة الطبيعية: {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}. انتهى. ومع أن هذا شيء كوني واضح، {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ}. ففكرة الرسول فقط هي تعزيز لما تفهمه من فطرتك وتفهمه من الكون.
باسم: التذكير.
يوسف: بالضبط. مع أنه جاءهم رسول وذكرهم بأنك تسير الآن في النظام، لاحظ، قرية كانت آمنة مطمئنة، معناها النظام الأمن الاجتماعي ونظام الغذاء والقوت متوفر وبشكل كبير جداً، لكن دخل الكفر في الصناعات الغذائية. بالله عليك، لما يروج، مثلاً، منتج غذائي قائم كله على أشياء مضرة بالجسم، ويروج له وينشر وكذا، ويعلن أنه مفيد، أو تحت سطوة الدعاية والإعلام، وضرر. طيب، الآن النتيجة: ألا يغطي على الحقيقة أنه هذا ضار؟ زيوت مهدرجة، سكريات.
باسم: أو حتى يصير التلاعب في التركيب الجيني للمزروعات أو للبذور.
يوسف: إي نعم، هذا يتجاوز مرحلة الكفر إلى فكرة {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ}. وهذه مسألة لها، تفصيل آخر، ولكن هي أعلى درجات الطغيان. هذه الغاية التي أرادها إبليس أصلاً، لأنه قال: {ولَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ}. لكن لم يقل السنة. لاحظ، هو يغير في بعض المخرجات، لم يستطع أحد أن يصل إلى السنة الأولى، لأنها هي سماء الوجود المعنوي، كما شرحنا هذا أيضاً في حلقات سابقة. ولذلك تجد، لما يُطلب من إنسان كان خارج حدود الدين، {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ}. مسمى المؤمنين هذا طبعاً من أعلى درجات، أو ربما يكون أعلى درجات التسمية للذين آمنوا، لأنه صار وصفاً ثابتاً. المؤمن، معناها بصيغة اسم الفاعل. فحتى تصل إلى درجة أن تكون مع المؤمنين، لاحظ الشروط إذا لم تكن معهم: تابوا، أصلحوا. أصلح ما أفسد مهم جداً، لا يوجد توبة بدون إصلاح ما فسد. اعتصموا بالله، معناها خلاص، لا يوجد وسائط، لا يوجد تشويشات، لا يوجد إثارة لفوضى بيننا وبين أن نفهم الله من خلال كونه فهماً مباشراً. {وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا}. ليس أجرا بمعنى تروح تفكر كم عدد الحسنات، ألف مليون حسنة، كما يفهم الناس.
باسم: العدادات الصينية هذه.
يوسف: إي نعم، والعدادات الصينية وغيره. وهذا ليس هو الأجر الذي يتحدث عنه القرآن. الأجر الذي يتحدث عنه القرآن هو صلاح الدنيا وحُسن الآخرة، طبعاً.
باسم: المردودات المادية يمكنها..
يوسف: نعم، المردودات المادية على مستوى المجتمع، وعلى مستوى الفرد، بقدر الإيمان. {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}. نفس الشيء، تحدثنا عن هذه الآية. طيب، الآن بعض الآيات، من باب إعطاء قيمة للعقل. حين تخاطب الناس، تقول لك مثلاً: {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}. يعني كأنه قدم الجملة الأولى كسبب. لماذا؟ قد يقول قائل: لماذا؟ لأنه لا يوجد حياة مستمرة لا تنقطع إلا لله. كل شيء يموت في الدنيا مما تراه، وأنت من الأحياء وإن بلغوا أعلى درجات الطغيان والاستبداد، لكن تبقى سنن الله موجودة. كما قلنا، السنة موجودة. فالله {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}. وعلى فكرة، فكرة الإخلاص هذه، لنربط الآن بين الإخلاص والفطرة والدين مرة أخرى، تظهر عند الإنسان في حالات الضيق. {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}. لكن الآن هذا الدعاء المجرد، هذه كلمات. طب، وأين السلوك الذي سبق هذا حتى ينجون؟ {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}. فإذن، أنت الآن دعوت الله دعوة مجردة فقط. أنت تنادي على الله باسمه، ولكن هذا الدعاء لا قيمة له. لماذا؟ قد ينجيك الله، كما قلنا، لأنه تكون رسالة قبل رسالة أكبر. يعني، قد تتحقق لك النجاة، لكن ليس هذا هو الدعاء المطلوب. إنما هو يشير إلى أنه فطرة. أين الوسطاء الذين كنت تراهم وسطاء بينك وبين الله في هذه اللحظة الحاسمة؟ لم ينفعوك. الذين ادعوا السيطرة، وادعوا التحكم، وادعوا أن الأمر بأيديهم. أين المشعوذون؟ أين الأحبار والرهبان؟ كله اختفى في مثل هذه اللحظات. إذن، هناك مواقف تمر بالإنسان يعلم يقيناً أن هؤلاء الوسطاء بينه وبين الله شيء زائف. فلماذا يجعلها تشوش عليه فكرة الدين؟ وهذا تكرر في آيات كثيرة.
أهمية سورة الإخلاص
باسم: طيب، على فكرة، سورة الإخلاص. هل يمكن ربط سورة الإخلاص بالمعنى الذي يتحدث عنه اسم السورة؟ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)}
يوسف: إي نعم، سورة الإخلاص هي السورة التي تسوغ فكرة الإخلاص بشرح مفصل جداً. أعدك وأعد السادة المشاهدين أنه سيكون لنا حلقة مختلفة جداً ولها تأثير بإذن الله كبير، لأنها هي، لعلها تكون من الآيات الأم، من أم الكتاب التي تستطيع أن تفهم الله فهماً حقيقياً من غير تلويث الصورة التي حصلت في، عن طريق النقلة، وعن طريق بعض الناس، الصراعات والجدل وغيره. أما الجزئية الأخيرة من سؤالك، دكتور، التي هي كلمة “واصب” التي جاءت في قوله تعالى: {وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا}. لأن هذه الناس، نحن نريد أن نفهم كل ما يتعلق بالدين في النص القرآني. كلمة “وصب” أصلها الثنائي “وص”، ومما يقرب فهمها للناس: “وصل”. يعني، وصلك الشيء، معناها امتد مني إليك. هذا معنى الوصول، الامتداد بين طرفين بحيث يصل من أول نقطة إلى آخر نقطة. لكن هنا الحرف ليس حرف اللام، هو حرف الباء. حرف الباء أو صوت الباء لنقل، المرتبط بكلمة “أب” في جميع لغات العالم، والمرتبط أيضاً بكلمة “باب”، يشير إلى الاحتواء الذي فيه قاعدة حماية واحتواء لمفردات كثيرة. ولذلك، سُمي الأب من هذا المنطلق “أب”، ولذلك سمي باب البيت “بابًا”. ولذلك أيضاً، يُسمى الحَبّ مثلاً. لاحظ، الحَبّ هو عبارة عن كمية هائلة من الحبوب، ولكن هذه الحبوب مجتمعة مع بعضها في حقل معين أو في وعاء معين، فتسمى حب. ومنه أخذت كلمة الحُبّ أصلاً لأنه.
باسم: فيه تجميع.
يوسف: إي نعم، لأنه فيه فكرة التجميع التي فيها رعاية، كرعاية الأب لأبنائه. إذن، الواصب معناها أنه الواصل إلى جميع أطراف الكون وإلى جميع خلق الله مع رعاية. يعني، قد يصل بعض الناس إلى الأطراف، قد يسيطر على أماكن كثيرة جداً من العالم كما حصل لكثير من الإمبراطوريات عبر التاريخ، لكن هذا الوصول ليس فيه الرعاية والربوبية والتدبير الذي يكون موجوداً في رعاية الله، الموجود أصلاً في السنن الأولى. ولذلك، يقترن فيه كثير من الظلم وكثير من الطغيان. فكأن الآية أيضاً مخاطبة عظيمة للعقل، أنه من الذي له قانون جزائي يصل إلى آخر أطراف الكون مع رعايته لهذا الكون ولمن فيه؟ هل يوجد ذلك لغير الله؟ إذن، لماذا تجعل غير الله…؟
باسم: يعني كلمة واصب تعني الوصول لشيء مع الرعاية مع الاهتمام.
يوسف: إي نعم، وعلى فكرة، هذه الكلمة وردت في سياق آخر في سورة الصافات: {إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ}. {وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ} في نفس السياق، قال: {وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ}. الواصب معناها العذاب المستمر الدائم، لكن الذي هو أصلاً وجوده بسبب أن هذه النفس لم تستطع أن تهذب نفسها بنفسها، فاحتاجت إلى رعاية فيها شقاء لها. لاحظ الكلمة فيها عذاب، ولكن في باطنها أيضاً فيه تسويغ وشرح منطقي عقلي لهذا العذاب؛ لم تستطع أن تهذب نفسك بنفسك، فكان لابد أن تُدخل فيه ما يؤدي إلى تهذيبك. فهذا وجود حرف الباء مع الكلمة.
إذن، هي مخاطبات، يعني، احترام القرآن أو تقديره للقيمة العقلية حين يطرح فكرة، دائماً ما يطرحها مقترنة بحجتها؛ لماذا يجب أن تخلص لله الدين؟ لأنه هو الحي، لا إله إلا هو. من غيره كذلك؟ لماذا يجب أن يكون الدين لله؟ لأن الدين الواصب ليس إلا لله الذي خلق السموات والأرض. فكيف يكون بينك وبينه واسطة في هذا؟ لماذا يجب أن تلتزم بنظام العقوبات الجزائي الذي وضعه الله في الكون؟ لأن هذه فطرة أيضاً فيك. فقارن هذه الأشياء في سياق الآيات. وهذا بعد آخر، على فكرة، بعد لساني،اقتراني، يعني، أن تقترن الكلمتان في جملة واحدة، لا يمكن أن يكون الاقتران عبثياً، وجد في نص واحد قد تكون إحداهما سببًا والأخرى نتيجة، بينهما تعاضد وغير ذلك من الأبعاد. هذا المحور أعتقد تم تغطيته إن شاء الله بما يكفي.
ما معنى ادعوهم لآبائهم؟
باسم: طيب، خلِّنا ندخل في تطبيقات عملية لهذا الفهم للفظة الدين في القرآن. هذا الفهم أنت اعتبرت في البداية أن لفظة دين هي لفظة مشتقة، ولفظة اشتقاق، فيها اشتقاقات كثيرة. وهذا الفهم يبدو لي كان غائبا كثيرا عن ذهن الناس، أو حتى عن ذهن الفقه القديم أو الفقه التراثي، كان يتعامل مع الدين على أساس أنه منظومة جامدة، وليس فيها اشتقاق، وهو اسم لأشياء أو لمجموعة سلوكيات. لكن الآن فهمنا الدين أنه مختلف في فهم القرآن، والآيات عضدت، أوضحت هذا المفهوم الذي تحدثنا فيه. طيب، لو نطبق هذا المفهوم على بعض الآيات الموجودة في القرآن.
يوسف: نعم، في الحقيقة، يعني، حتى للأمانة، حتى أكون صادقًا معك دكتور، ومع السادة المشاهدين، عندما نبحث في الكلمة بطريقة التدبر، مع استخدام الأبعاد اللسانية في الفهم، أنت تتعجب كيف أن النص القرآني يحيط بالموضوع بطريقة، طريقة فعلاً، لا يمكن أن يكون هذا جهدًا أو فعلاً بشريًا، لأن هناك إلماما بطريقة غريبة، لكن مبثوث في النص، وكأنه يحثك أن تتدبر لتحفيز العقل. لذلك لما تقرأ آية {ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ}. هذه الآية جاءت بعد آية {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ}. يعني، من تدعوه باسمك وهو ليس من صلبك، ليس ابنك. أنت خالفت نظامًا أصليًا، نظام النسب، هو هذا نظام سنني موجود في الكون، ويترتب عليه نتائج كثيرة جداً. يمكن لك أن ترعاه، هذا ليس فيه أي إشكال، ومن أعظم القرب أصلاً. لكن أن تدعوه لنفسك، لا. فلذلك، ماذا قال؟ {ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ..} هذا هو الشاهد، {.. فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ}. طيب، عن من تتكلم الآية؟ طبعًا، ممكن الآن التطبيق البسيط الساذج يقول: نحن إخوة في الدين. كلام، كلام. الآن الصورة تتحدث عن شخص لا يُعرف من هو أبوه أصلاً، فنسب إلى أب آخر. الآية تقول لك: لو لم تعرف أباه، ادعوهم لآبائهم. فإن لم تعلموا آباءهم، هذه أصعب المراحل. لاحظ، من يتقبلها الآن؟ صدقني، معظم المجتمعات البشرية، بمن فيها المجتمعات الإسلامية، لا تتقبل فكرة أنك تعتبر شخصًا لا يعرف أبوه أنه أخوك في الدين. تعرف ما معنى أخوك في الدين؟ يعني نظام الجزاء، العقوبات، نظام العقوبات الجزائية ينطبق عليه تمامًا لمصلحته كما ينطبق لمصلحتك يعني، ليس فقط أنه هو يدان كما تدان، ليست هذه الفكرة الأهم هنا. الأهم أنه هو يُدان لصالحه كما يُدان لصالح أعلى نسب في المجتمع من حيث تصنيفات الناس النسبية. فمعناها هذا يلغي كل شكل من أشكال الفروقات والتعصبات القبلية الموجودة في تلك المجتمعات.
باسم: يعني، حتى لو كان بدون نسب، فهو لا يمنع هذا أن يُطبق عليه قانون الجزاء.
يوسف: صحيح.
باسم: سلبًا أو إيجابًا.
يوسف: طبعًا، لأنه.
باسم: بغض النظر عن انتماءاته.
يوسف: أليس هو مواطنًا مؤمنًا مسلمًا؟ انتهى. له كامل الحقوق. وللأسف أقول هذا، للأسف، كثير من دول أوروبا التي تشكل فيها المجتمع، وحتى ربما كندا وأستراليا وغيرها من عرقيات وقوميات مختلفة جدًا، طبقت هذا الموضوع بالحذافير، أن يعطى أقل مواطن في تلك الدول جميع الحقوق التي أعطيَها من كان، مثلاً، من أهل الأرض. خلاص، تشكلت دولة ونظام دولة، فأعطي جميع الحقوق. طيب، هذه الفكرة، هذه موجودة في النص القرآني: فإخوانكم في الدين، ليس فقط هكذا، ومواليكم، يعني يتبعه ما يتبعك، ويترتب له من الحقوق ما يترتب لك في النظام التكافلي، لأن كلمة موالي وكلمة أولياء في القرآن تدل على النظام التكافلي، وهذا سنشرحه إن شاء الله في مكانه بالتفصيل.
باسم: يعني، إخوانكم في الدين هنا يعني المواطنة الحقة.
يوسف: إي نعم، هو طبعًا هذا الذي لم يعرف أبوه هو قطعا لا تتحدث عنه باعتباره أنه في ضمن المجتمع المؤمن أو المجتمع المسلم. فلما تقول إخوانكم في الدين، أنه يعطي جميع حقوق المواطنة الحقة، بغض النظر عن قضية النسب. وهذا قس عليه أي شيء آخر، بغض النظر عن الجاه، بغض النظر عن الغنى، هذه حقوق إنسانية، الكل فيها سواء.
باسم: يعني، في هذه الحالة، طلعت المجتمعات المسلمة أقل المجتمعات تطبيقًا لنظام المواطنة.
يوسف: والله، واقع مر للأسف، لما ننظر للتعصبات القبلية، والشمال والجنوب، والنسب العالي..
باسم: حقيقة، نسبة العداء الموجودة ونسبة الرفض ما بين المجتمعات الإسلامية، بدون ما أسمي أي أقطار أو تسميات جغرافية، ترفض نفسها وترفض المبادئ بشكل عسفي، وبالتالي فكرة المواطنة غير موجودة في الذهن عندهم.
يوسف: أزيدك من الشعر بيتا، هل تعرف أن بعض الفقهاء قالوا إن الاختلاف في النسب يبطل الزواج؟ لو لم يكن هناك تكافؤ في النسب، طبعًا حسب تصنيفات الناس، التي هي تصنيفات أن هذا النسب أعلى من هذا وهذا يُبطل الزواج. هذا موجود في بعض كتب الفقه، وعلى لسان كثير من الفقهاء، للأسف. والنص بين يديك ماذا يقول عن إنسان لا يعرف نسبه: {فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ}.
ما أهمية الأشهر الحرم؟
من التطبيقات الأخرى التي نجدها لفكرة الدين هي ربطها بالشهر الحرام أو الأشهر الحرم، وهنا لدينا نصان يتحدثان عن الموضوع. النص الأول: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ}. طبعًا، الشهر الحرام يختلف عن الأشهر الحرم. هذا سياق آخر له بحثه المستقل إن شاء الله، لكن الفكرة أن الشهر الحرام هو شهر يمتنع فيه أي شكل من أشكال القتال، حتى لو كان له مسبب. تعرف في الحروب، أحيانًا يقولون يجب أن نصنع مناطق آمنة، ويتفق الطرفان المتحاربان أن هذه المناطق لا تصلها الحرب لإيصال المساعدات أو غيرها. أيضًا هناك أزمان آمنة، مهما كانت الحرب وأيًا ما كانت أسبابها.
باسم: يجب التوقف فيها عن القتال.
يوسف: إي نعم، يطرح النص القرآني هذه الفكرة. فالظاهر حصل نوع من المخالفة. النص يشير إلى أن الطرف الآخر، الذين كفروا بهذا الدين، قالوا: “يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه”. فالنص قال: قل قتال فيه كبير. يعني، لم ينفِ أن القتال في الشهر الحرام هو فعل كبير، معناها مستهجن، لكن قال لهم: أنتم بالمقابل، {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}، الذي هو البؤرة الأصلية لتحقيق الحرمة، {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ}. إذن، أنتم تصرفتم أربع تصرفات في المقابل: الصد عن سبيل الله، والكفر به، والكفر بالمسجد الحرام، وإخراج أهله منه. أنتم تسألون عن الحرمة الزمانية للشهر الحرام، والحرمة المكانية للبيت الحرام، التي طبعًا هي شعاع ينتقل إلى جميع أنحاء الأرض، وليس المقصود التركيز، مثلاً..
باسم: هل البيت الحرام هنا مكان محدد بذاته متعارف عليه بين الناس، أم أنه ممكن في كل مجتمع أن يكون عنده بيته المحرم؟
يوسف: هو بؤرة تمتد لجميع المجتمعات. البيت الحرام هو البؤرة المركزية، التي من ناحية معنوية، أنا أقول تمثل، ليس فقط من ناحية جغرافية، المقصود منه أن هذا يكون منطقة آمنة، ينبغي أن يصل أمن هذه المنطقة وحرمة النفوس فيها إلى جميع أنحاء الأرض. ليست القضية قضية تعدد، هي قضية توسع، يجب أن يتوسع ليصل إلى جميع أنحاء الأرض. كما أن الهدف أصلاً من الدين، أن فكرة الأشهر الحرم، التي هي أربعة أشهر في كل سنة، أربعة أشهر، وفي كل ثلاث سنوات يكون إليها شهر آخر مضاف، وهو الشهر الحرام. هذه وجودها أصلاً هو فترة إجبارية تشعر الناس بقيمة السلام وقيمة الأمن، وأن تحل النزاعات قدر الاستطاعة بالطرق السلمية، لأنه سيقارن بين هذه الفترة والفترة التي سبقتها. سيكون هناك سعي إلى الصلح إجباري يدخل الطرفين في فترة إجبارية زمنية، ويكون هناك أيضًا فترة مكانية لها احترامها، لينتشر هذا الأمر على مدى الزمن، ليس فقط على مدى هذه الأربعة أشهر، لكن هي نقطة نظام لانتشار حرمة النفوس والدماء والأموال على مدى الأشهر كلها.
ولكن في هذا السياق قال: ولا يزالون يقاتلونكم. لاحظ الآن في نفس الآية: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} من الذين يقاتلون؟ أصحاب الكفر. لماذا؟ لأن هذا الاتجاه الذي ينعكس بالعدالة على جميع البشر لا يناسب طغيانه، لا يناسب أهدافه، لا يناسب سعيه إلى الإثراء الكبير على مستوى الطبقات الضعيفة في المجتمع. كما كانت السلوكيات الموجودة عند العرب الذين بعث فيهم النبي محمد عليه الصلاة والسلام، فكانوا يسعون قدر الاستطاعة إلى إلغاء نظام العقوبات، هذا الذي جاء به الإسلام، والذي نهايته تحقيق الحرمة الزمنية والمكانية في جميع أنحاء الأرض. ولذلك قال في سورة التوبة: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ”. طبعًا، لاحظ: في كتاب الله، أي كتاب أيضًا سنأتي له، لأن الأسئلة… أنا حتى أعتقد أن السادة المشاهدين أصبحوا يفهمون. لازم أن نفهم ما معنى كتاب الله؟ في كتاب الله، أي كتاب؟ هي لم تذكر قبل هذا، لكن الكتاب معناها النظام أو السنة المنظمة للوجود، للكون، معناها حركة الأرض التي تدور فيها حول الشمس، بطبيعتها يتشكل منها اثنا عشر شهرا. {يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}. ثم قال: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}. لاحظ، {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}. ربط الفكرة التي هي فكرة الجزاء، حتى لا يظن الناس أن العقوبة هي في الأصل هدف، لأنه كما يقول كل من درس علم النفس وفهمه جيدًا، العقوبة في حد ذاتها لا يمكن أن تكون هدفًا؛ العقوبة هدفها إشعار المخطئ بخطئه، وحجر شره عن غيره. هذا الهدف، وليس الهدف التنكيل به أو الانتقام منه، أو تحويل الموضوع إلى شخصي، خلاف شخصي إلى آخره. لذلك قال: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}، يعني المستقيم. وكلمة “قيم” أيضًا لها شرح لساني، لكن ليس هذا موطنه. إنما هذا أحد التطبيقات العملية. نحن ذكرنا الأبناء الذين ليس لهم نسب، وذكرنا أيضًا ربط الدين بفكرة الأشهر الحرم.
معنى الاستنصار في الدين
أما التطبيق الثالث فهو الاستنصار في الدين. نعم، {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ}. هذه الآية جاءت في سورة الأنفال. ولكن نلاحظ السياق: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}. الآن تتحدث الآية عن نظام مجتمع قام، بذل فيه أناس ما بذلوا للوصول إلى هذه المرتبة الاجتماعية التي حققها المجتمع المسلم، المجتمع الآمن. وأيضًا بالمقابل، هناك من آواهم ونصرهم في المراحل الأولى، {أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}. يعني يسير عليهم نظام تكافلي. وعلى فكرة، هذه كلمة الولاية أعلى من كلمة الإسلام، وأعلى من كلمة الإيمان. يعني…
باسم: أف!
يوسف: إي نعم، بعضهم أولياء بعض. يعني يتبع بعضهم بعضًا حتى تسد حاجاتهم، وتكون لهم النجدة والإغاثة في مصائبهم. لذلك أقول: فكرة نظام التأمين الذي توصلت إليه كثير من المجتمعات اليوم هي من أجمل وأفضل صور الولاية التي كان ينبغي نحن المسلمين أن نكون أولى بأن نكون وصلنا إليها وعممناها في المجتمع. مثلاً، إنسان تعرض بيته لحريق، أو حتى قرية بأكملها، أو سيارته، أو المصائب التي تجتاح الإنسان فتؤثر على مستوى…
باسم: كارثة من الكوارث. حرب..
يوسف: إي نعم، وقد ظل كثير من الفقهاء ولا يزال، ربما أكثرهم إلى الآن، يقول لك: التأمين حرام، وفيه ضرر. التأمين فيه فكرة تكافلية كبيرة جدًا، هي أنت تدفع قسطًا معينًا قد تحتاج إليه، وقد يحتاج غيرك إليه. هذه النية التي تدخل بها فكرة التأمين لتحقيق موالاة المجتمع بعضه لبعض. يعني، يتبع بعضه عثرة بعض، ويتبع بعضه حاجة بعض. فهذا أعلى درجة من الأمان. هذا تأمين للمستقبل، وليس فقط مجرد أمان في الزمن الذي تعيش فيه أنت، لكن هذا يحتاج إلى منظومة تكافلية. يعني…
باسم: يعني، ليس بالضرورة أن تكون أنت كفرد صاحب التأمين أو وثيقة التأمين، أنت المستفيد المباشر. يمكن لآخرين يستفيدون منها، وقد لا تستفيد أنت منها، لكن أنت تمارس في أن تكون وليًا لهم أو هم أولياء.
يوسف: إي نعم، تمارس في فكرة الولاية.
باسم: الولاية.
يوسف: إي نعم، وهي درجة عالية من العبودية، طبعًا، لأنه فهمنا الآن أن العبودية فكرة أرقى بكثير مما تخيله الناس أو خيله لهم كثير من الفقهاء. لأنها ممارسة اجتماعية كبيرة جدًا، وتجعل العبد على المسار الصحيح. فهي فكرة أعلى من درجة الإسلام، وأعلى من درجة الإيمان في بناء نظام المجتمع. {أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}. لكن هذا، كما قلت، يحتاج إلى نظام دولة حتى يعمهم. الآن، بالمقابل، قال: {أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا}. يعني، هو مؤمن، لا يأتيك منه ضرر، وبينك وبينه عقد أمان، لكن لم يستطع أن يكون معك، لا يوجد ضمن دولتك، {مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا}. يعني، لا نستطيع أن نشمله بنظام التأمين لأنه خارج نطاق الدولة. لاحظ كيف الفكرة، لكن هو مشمول بنظام الإيمان. { وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ}، هنا الفكرة: {فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ}. يعني، مع ذلك، إذا حصل عليه اعتداء، يتطلب المساعدة في أخذ حقه، تفعيل نظام عقوبات جزائي لنوصل له حقه، فيجب أن نسعى إلى هذا قدر الاستطاعة. صحيح لا يمكن أن يشمل بنظام الولاية الكامل، لكن هذا لا يعني أنه يتعرض لاعتداء، وهو شخص مؤمن، معناه مسالم، لا يضر غيره، يؤمن غيره. يجب أن نسعى. ولذلك، على فكرة، البشر وصلوا إلى هذا في المؤسسات التي أقيمت، وإن كانت في كثير من الأحيان تكيل بمكيالين، وإلى آخره. الفكرة التي أُسس لها، قبل أن تُحرف كسائر الأفكار نظام هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن وغيرها. ما ينبغي في الأصل أن تحقق هذا. المحكمة الجنائية الدولية، ومحكمة العدل الدولية، وغيرها، ما هو نظامها؟ نظامها أنه حتى لو تعرض… يعني، هل نترك مثلاً أناسًا في أطراف الأرض يتعرضون للظلم والتعذيب والاضطهاد الواضح؟ معناها يُترك من يفعل بهم هذا دون معاقبة. أم لا بد للمجتمع البشري بكليته أن يسعى أن يكون هناك نظام أممي ينصر. {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ}، هذا هو في الجزاء، ظلم تعرضوا له، ينصر هذا المظلوم، فيعيد له حقه. هذه الصورة، لاحظ، الإسلام يطرحها طرحًا تطبيقياً، ليس مجرد شعارات تُطبق على بعض الدول وبعض الشعوب، ولا تُطبق على شعوب أخرى. لكن تخيل لو طبقت بحقيقتها وطريقتها التي تطرحها هذه الآية..
باسم: مثل هذه التطبيقات، وأكيد منها تطبيقات أخرى، تبدو لي أن المجتمعات الإسلامية ليست على الدين بشيء، ما لها علاقة بهذه المفاهيم.
يوسف: هو بعيد. لا نريد أن نصل لدرجة اليأس، لكن البعد هذا، له أسبابه الموضوعية، كما شرحنا كثيرًا. لكن هم بعيدون كثيرًا، ونحتاج إلى كثير من العمل حقيقة. وهذا العمل لابد أن يبدأ بالتوعية والنهضة الثقافية. يعني، يفهم الناس الأفكار فهماً صحيحًا، لأنه إذا لم يكن هناك اقتناع وفهم للأفكار، وعودة وتمسك بالنص القرآني، ثم تفعيله بأبعاده التي نشرحها، لن يكون هناك تغيير. وأحيانًا الإنسان يشعر، يكون معه، هل يعقل أن تكون المشكلة مشكلة جينات؟ لكن طبعًا هذا ليس حقيقة، هو يعني…
باسم: لا، هي مشكلة ثقافة، مشكلة ثقافة.
يوسف: طبعًا، طبعًا، هي ليست مشكلة جينات. هو أقول لك، هي لحظات أحيانًا من الوسوسة فقط، إن صح التعبير. لكن قال طبعًا في سياق الآية: {إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ}. يعني، أنت مثلًا لا تستطيع أن تأخذ لمظلوم حقه خارج حدود الدولة، لأن من ظلمه بينك وبينه ميثاق. لكن يُنتبه، طبعًا، الميثاق معناها يجب أن ينظر إليه في سائر النص القرآني، لأنه بيني وبينه ميثاق، ولكنه يمارس أعتى وأشنع أشكال الظلم. فمعناها، هل يُترك كما هو؟ لا، هو قال لك في آية أخرى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ}. معناها، أفهمهم أن الميثاق الذي بيننا وبينك سينتهي في وقت كذا. أعطيه المهلة الزمنية، ثم بعد ذلك. هذا معناه لا يعفي أن ينصر المظلوم في شتى أنحاء الأرض. وكما قلنا مرة أخرى، يثبت لك القرآن أنه ليس فقط نظاما مجتمعيا، بل هو نظام بشري يعطيك منظومة متكاملة تعم البشرية في جميع أنحاء الأرض.
باسم: يعني، لا يجوز مثلاً أن تتلكأ عن نصر مجموعة من الناس تتعرض إلى عمليات ظلم أو تهديد وجودي تحت شعار أنه: أنا بيني وبين فلان عهد أو اتفاق.
يوسف: إي نعم، هذا الاتفاق يبقى، لكن هناك آية أخرى تقول: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ}. معناها يجب أن يفهموا أنه بهذا التصرف انتهى الميثاق، وعلى القدر الذي أنت قررت في نفسك أيضًا أن تنهيه. وهذا معنى “على سواء”، يعني تصبح أنت وهم متساوون في فهم فكرة أن الميثاق انتهى. لكن هي فكرة مهمة أصلًا، أن الميثاق بالأصل ينبغي أن يؤسس على فكرة أن يوضع في بنوده أن لا يكون هناك ظلم يمارس. وهذا أصلًا طبيعي. أي ميثاق يكون بين دولة مثلًا ودولة أخرى، أو بين مجموعة من الدول، لا يمكن أن يكون في بنوده أنه: بشرط أننا نظلم الشعب الفلاني، أو نأخذ حق الشعب الفلاني، وأن تسكت على هذا الظلم. هذا ليس موجودًا في فطرة البشر، ولذلك لا يمكن أن يتجرأ أحد فيضعه ضمن بنود أي اتفاق. لكن فكرة أنه قد يكون هناك ميثاق، فتبدأ تظهر أنّ هؤلاء القوم الذين بيننا وبينهم ميثاق يمارسون الظلم، وهذا الظلم يمارس ضد إنسان مؤمن. معناها ليس بحق، هو إنسان مؤمن.
باسم: معناه أنه مؤمن، يعني، من الأمن الاجتماعي العادي.
يوسف: إي نعم، طبعًا، من الأمن الاجتماعي، هذا هو. لأنه قال: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا}. هناك فرق لما يقول: آمنوا وآمنوا بالله. طبعًا النص: آمن. أنا أنظر هنا للسلوك. آمن بالله، هو طبعًا الإيمان الحقيقي الواقعي لابد أن يقترن بالاستناد واليقين بالله، وأنه هذا هو الأفضل. لكن لما يذكر لك: آمنوا دون أن يذكر بالله، أنا أحاكم السلوك. لا أريد أن أشق عن قلب الإنسان. فنعم.
ما معنى قاتلوا الذي لا يؤمنون بالله؟
من أهم التطبيقات أيضًا التي ربطت فيها كلمة الدين، وهي أيضًا ابتذلت كثيرًا واستغلت استغلالًا سيئًا جدًا: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}. تعرف القدر الذي تثيره هذه الآية وما حدث فيها من إشكالات. لكن..
باسم: دماء راحت لأجل هذه الآية.
يوسف: إيه، طبعًا.
باسم: دماء بريئة.
يوسف: دماء بريئة ومشاكل دولية، تسبب فيها الفهم الخاطئ لهذه الآية. لكن هو ماذا يقول؟ قاتلوا. لنعود فنؤسس ونستند على مصطلحات شرحناها في حلقات سابقة: هل قاتل تساوي اقتل؟ وهل تعني الابتداء بالقتال، أم تدل على المشاركة؟ قاتل مثل عامل. إذن هو يرفع السلاح. ماذا تفعل؟ {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ}، التي هي أصول الإيمان التي ذكرناها، لا يحرمون ما حرم الله ورسوله. ما الذي حرمه الله ورسوله؟ حرم الأنفس، حرم الأموال، حرم الأعراض. لا يعطي حرمة. لاحظ كيف لا يعطي حرمة لهذه الأشياء التي ينبغي أن تحترم. {وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ}. لاحظ هنا أضاف كلمة الحق.
باسم: إلى الدين.
يوسف: إي نعم، لأنه الجزاء الحق الذي لا يختلف عليه البشر، لا يريد أن يخضع لنظام العقوبات الجزائي الذي يضع كل شيء في مكانه الصحيح. ثم قال: {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}، يعني فوق كل هذا هو أيضًا يعلم بالكتاب، وجاءته فكرة الكتاب، وفهم رسالة الأنبياء، {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ}. طيب، الجزية في اللسان العربي على وزن “فِعْلة”، وهذا يدل على هيئة، يدل على طريقة. معناها، تقول مثلًا: “جِلستك صحية”، لاحظ كيف “سيرته عطرة”، فهذا الوزن يدل على الهيئة. إذن، الجزية عن ماذا؟ لو ربطنا بين فهم الدين كما شرحناه بأنه نظام العقوبات الجزائي، إذن هؤلاء الذين تتحدث عنهم الآية، الذين يقاتلون ويرفعون السلاح، لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، هذه أصلا تبعية، حتى لو أزلتها المشكلة، لا يحرمون ما حرم الله، يعني لا يحترمون الحرمات، لا يدينون دين الحق، متمرد على نظام العقوبات، يريد أن ينهيه ويقضي عليه، ويضع نظامًا يفيده هو فقط. ومع أنه يعرف فكرة الكتاب، هذه التصرفات هل تذهب وتبقى دون جريرة؟ قال لك: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ}، الجزية يعني جزاء ما أفسدوا وما فعلوا. هذه هي الجزية، يدفع التعويض. الآن، كما تعرف، أنه مثلًا عندما يحصل أي عمل معين، تطالب الدولة التي تعرض مواطنوها للضرر بسبب دولة أخرى بالتعويض. أعطني تعويضًا عن الضرر الذي حصل للمواطنين عندي، مثلًا بسبب نوع من الاستهتار أو بسبب قصف خاطئ أو إلى آخره، يطالبون بالتعويض بملايين الدولارات. فإذن، {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ}، لاحظ “عن يد”، يعني عن قدرة، معناها لن أُكَلِّفه أن يعطي وهو لا يقدر، متى ما قدر يجب أن يعطي جزاء ما انتهك حرمته، {وَهُمْ صَاغِرُونَ}، يعني الحال التي سيدفع فيها ستؤدي إلى القضاء على هذا الكبرياء وهذا التمرد الذي يخل بالنظام الأمني والنظام الاجتماعي البشري الذي يرسمه القرآن. هذه هي فكرة الجزية كما تطرحها الآية بطريقتها اللسانية، ومع ربطها بالآيات الأخرى التي تتحدث عن الدين، أما فكرة أنه والله ضريبة دائمة، ومن هذا الكلام.
باسم: يعني هذه الآية تعطيك مفهومًا عميقًا عن ممارسة الدبلوماسية، وكيفية استخدام القوة، وكيفية استخدام القدرات الدفاعية الموجودة عند هذا المجتمع وعند هذه الدولة، يعني فعلًا آية عظيمة، حقيقة.
يوسف: هي تعطيك نظامًا لا هدمًا. لاحظ، كل الفهم القديم لها كان يعطي نظام هدم، نظام شق للمجتمع، نظام ضرب. يقول: “إسقاطها”، كيف إسقاطها؟ أن قسموا الناس إلى “المسلمين وأهل الذمة”، طبعًا لاحظ مصطلحات لا وجود لها في النص القرآني: “مسلم وأهل ذمة”، وأهل الذمة لابد أن يدفع الجزية حتى يبقى موجودا ضمن المجتمع الإسلامي، وهذا الذي تقول عنه “أهل الذمة”. هو ابن الأرض، وهو نشأ في هذه الأرض كما نشأت أنت، وهو من قومياتها ومن قبائلها. تجعله يدفع ضريبة. لماذا؟ شيء غريب. استحدث أمر غريب جدًا، تشعر أنه سبب فقط، سبب اقتصادي، ثم أُلبس لبوس الدين، وجعل له فقه كامل، وهو بعيد كل البعد عن النص القرآني. لو كان شيئا مستمرا، لا يمكن أن يعبر عنه بهذه الصيغة. “فِعلة”، جِزية كما قلت لك، جلسة وقِتلة وسيرة وقِعدة. هي تعبر عن هيئة معينة لفعل معين في لحظة معينة. هذه هي، هذا ما يسمى اسم الهيئة..
باسم: هي ليس سياسة دائمة، ليس شيئا دائما.
يوسف: إي نعم، وبعد، أين السياق؟ لاحظ السياق بماذا ربط الموضوع. ربطه بمن لم يدن دين الحق، لم يحرم ما حرمه الله ورسوله، ومع أنه يعرف، قامت عليه الحجة. أوتي الكتاب، يعرف النظام، ويعرف بماذا يجب أن يلتزم. يريد أن يتمرد عليه، فيلغي حتى نظام العقوبات العادل. فجاء النص فقال لك: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}. الصغار المقصود هنا هو كبت كبريائه وكبت عنجهيته وتمرده على نظام العقوبات الذي يحق الحق له ولغيره، على فكرة.
باسم: هو النظام الذي تمارسه الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي حاليًا. هو نظام حقيقي يمارس، لكن كونه انتقائيا في تطبيق تشريعاته وقوانينه، أفسده. إنما جوهر الميكانيزم الخاصة به فيه ضبط سلوك الدول المعتدية، أو حتى الجماعة المعتدية، هو سلوك عادل.
يوسف: صحيح، هو أصلاً تجربة بشرية. يعني، المجتمع الدولي متى وصل إلى هذا؟ بعد تجربة الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية. استنتج البشر بعد ملايين من النفوس التي أزهقت أنه: لابد أن يكون هذا. لاحظ، سلوك إنساني بالتجربة العملية. النص نفسه والحقوق نفسها ممتازة جدًا، ليس فيها إشكال. الإشكال عندما يدخل العنصر البشري في التفسير والتأويل، وهذا يحدث تمامًا على النص القرآني.
باسم: انتقائية، يسمونها “مصطلح إنجليزي”. فيه انتقائية في تطبيق التشريعات.
يوسف: وهذا ما يحدث على النص القرآني أيضًا، حين يسرق لهذه لمصلحة هذه الجهة أو هذه الجهة. لاحظ، دائمًا المشكلة في أثناء، يحرفون الكلم من بعد مواضعه. هذه هي المشكلة.
لما حرم الله لحم الخنزير؟
أيضًا من التطبيقات العملية التي تُربط فيها كلمة الدين هي النظام الغذائي الذي يطرحه الإسلام: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ..}. إلى أن يقول في نفس هذه الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}. لاحظ، {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}. فهنا أيضًا بعدها قال: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ}. ربط حتى يقول لك: أنا أقصد أن أضع هذه العبارات بينما يتحدث عن النظام الغذائي. إذن النظام الغذائي الذي يطرحه الدين لما يُحرم الميتة ويحرم الدم واللحم المسفوح ولحم الخنزير، والذي يلحق به كل لحم متخنزر وفاسد مما يتحول إلى وجبات. فيما نراه، يعني، الناس يأخذون مفهوم الخنزير بطريقة مقصورة جدًا. والحقيقة أن اللحم إذا فسد من أسوأ ما يكون.
باسم: دخل في مرحلة الخنزرة.
يوسف: إي نعم، من أسوأ ما يكون أثره على الجسم البشري. والدم، طبعًا، إذا سفح، معروف أن الدم إذا سفح بيئة خصبة لتولد كل أنواع الجراثيم.
باسم: ولذلك، حتى هناك في… عفوا الحديث يجر بعضه. هناك من يربط بين لفظة خنزرة خنزير وبين كانسر، كونه الكانسر هي عبارة عن مجموعة من الخلايا التي تخرج عن طبيعة البناء الداخلي المتعارف عليه في الجسم، فيصبح متعفنًا.
يوسف: صحيح، هو وارد، خاصة أن صوت الكاف يتحول من الخا إلى كا في…
باسم: هي تحولت من خنزير إلى كانسر، وهي نفس السين والزاي..
يوسف: إي نعم، وهذا له سياق أصلاً في.. في تحول تولد اللغة..
باسم: حتى أعتقد، ابن سينا في كتابه الطب…
يوسف: على كل حال، هذا السياق اللساني الذي يثبت كيف تولدت اللغات، الذي سيطرح إن شاء الله في أصول تولد اللسان والأصوات، يبين كل هذا.
باسم: لا، أعتبر الخنزير هو الخلايا السرطانية، مفهومها.
يوسف: إي نعم، هو أصلاً فكرة الخنزير هي نموذج، معناها اللحم الفاسد، لأنه قال: {الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ… } {… ذَلِكُمْ فِسْقٌ}. وفي آية أخرى يقول إنه: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ}. إذن الفكرة إن كل لحم تخنزر بفساد التخزين، بغير ذلك، بسوء التغذية. أنت ممكن أن تستخدم، تربي ماشية عادية من الأنعام، لكن بالتغذية السيئة والعلف المغشوش وكذا، أنت تخنزرها.
باسم: ولهذا، الخنزير الحيوان نفسه مكروه أو محرم أكله تقريبًا، يمكن لأنه يأكل اللمم.
يوسف: بالضبط، لأنه بالضبط هو يحفر في الأرض فيصل إلى الوحل، وإلى… وأيضًا يأكل الجيف، فيتلوث لحمه. الآن، الفكرة أنت تقصر هذه الفكرة على… لماذا قال لك: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ}. يعني، انتبه، أنا أريد أن أشير لك إلى فكرة ضرر اللحم إذا تخنزر وإذا تلوث. طبعًا، الآن أنا أعطيك صورة من الكُفر التجاري، لأنه نحن نتحدث الآن عن الكفر التجاري. ما الذي يفعله كثير من التجار في موضوع اللحم؟ حتى في طريقة ذبح الأنعام وبقاء الدم داخلها. وقد قرأت بحوثا ودراسات كثيرة جدًا. وجود الدم، بقاؤه داخل الذبيحة، من أكثر ما يزيد نسبة احتمال أن تصبح بيئة خصبة…
باسم: للبكتيريا.
يوسف: تنقل البكتيريا والأمراض. طيب، لماذا يفعل هذا؟ لماذا لا يفرغ الذبيحة أثناء الذبح من دمها؟ يوفر تجاريًا، هو توفير تجاري على مصلحة، مقابل القضاء على مصلحة مجتمع كامل، بل البشرية بأكملها. أنواع من اللحوم الآن تترك اللحم، بعض الناس ترك بعض أنواع اللحوم لشركات معينة شهر كامل، لم يفسد اللحم، لحم أم بلاستيك؟ تخيل إلى أي درجة، اللحم سريع جدًا، اللحم الطبيعي فساده سريع. طيب، لما يبقى شهر كامل دون أن يفسد، ما هو السبب؟ الزيت لما تدخله في درجة 600 مئوي أو أكثر، فتضخ عليه عنصر الهيدروجين، ماذا فعلت في الزيت لما وصلته لدرجة 600 ودخلت عليه عنصر الهيدروجين؟ وبعدها يبقى سنتين، ثلاث سنوات لا يفسد هذا الزيت؟ لاحظ الآن آثاره على أمراض الكوليسترول والضغط وعلى الناس وغيرها، وتصنيع السكر وغير ذلك. أنت تقوم بعملية الخنزرة لأي نوع من أنواع الطعام. بسلوك البشر يمكن أن يفعلوا هذا. فيريد الله سبحانه وتعالى في هذا السياق.
باسم: فلفظة خنزير هنا، عفوا، أشمل من أن تكون محصورة فقط في لحم الحيوان ذاته نفسه؟
يوسف: لا بد أن امتدادها المفهومي أن يصل إلى كل ما ينطبق عليه وصف الخنزرة، الذي أنت تراه في الخنزير المعروف. هذه هي الفكرة الكبيرة. فلما ذكر لك، ولذلك ذكر هنا النعمة، لاحظ: ” الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ”. معناها النظام الجزائي الذي بناه الله وأعطاه للبشر يشمل جزئيات الحياة الاجتماعية. لاحظ الفكرة أين؟ التي تعطي للناس نظامًا آمنًا في الحياة. ثم قال: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}. الإسلام تحديدًا هنا جاء فيها، لأن هذا أقل ما يطلب من المجتمع. ولذلك جاءت كلمة دين نكرة هنا، أقل دين ينبغي أن تخضع له نظام العقوبات الجزائية أن تسلم غيرك من ضررك أو من شرك. لو ما وصلت لرتبة الأمن أو رتبة الولاية، أقلها حتى لا يصلك عقوبة، لا تتعرض لأي شكل من أشكال العقوبة، لا تضر غيرك.
باسم: يعني أدنى منزلة سلوكية مفروض للفرد أن يسلكها لكي يكون مسلمًا، أن يكف أذاه، أو لا يسبب أذى للآخرين.
يوسف: إي نعم، هذا يأمن من أن تلاحقه عقوبات جزائية. هذا أقل درجات المواطنة الصالحة، كما يسمى بلغة اليوم. أقل درجات المواطنة الصالحة، حتى تكون مواطنًا فعلاً، أنت منتمٍ حقيقة، أقلها ألا تؤذي غيرك.
باسم: إذن، الآية التي قالت: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا}…
يوسف: إي نعم، {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}. تعرضنا لها في الحلقة قبل حلقتين. هي نفس الفكرة: لم يصلوا إلى مستوى رتبة درجة الإيمان. يعني، أن يؤمن غيرهم، لكن قال لك: أنا أكف شري، لكن لا تطلب مني شيئا يساهم في رفع مستوى الأمان في المجتمع. لا أستطيع. فقال له: إذا وقفت على هذا، لا بأس، ولكن أنت لا تقول: أنا مؤمن، وأنت ما زلت لم تفعل شيئًا لصالح المجتمع. لم تبنِ، لم تحقق نظام الأمان. أنت مسلم، نعم، لا تضر غيرك، فهذه، تكافأ على حسب…
باسم: حتى نحن نستخدمها في حياتنا اليومية. يقول لك: فلان مسالم.
يوسف: إي نعم، كافّ شره.
باسم: كافّ شره.
يوسف: “كافّ خيره شره” بالضبط. إي نعم، هذا هو. طيب..
معنى الرضا في الدين
يوسف: يبقى أن يقال في موضوع الرضا هذا، لأنه قال تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}. قال سبحانه وتعالى في سورة الزمر: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ}. هذا يربط كل ما قلناه عن مسألة الكفر والإسلام. في سياق في قمة الروعة، يعني، أنت الفكرة أنك عندما كنت تصور للناس أن الكفر تشعره وكأنك ألحقت ضررًا بالله. طبعًا، أنا أقول لك صحيح بلسان مقاله، لا يقول هذا أحد، لكن لسان الحال وطريقة شرح الدين وطرحه للناس تُشعر السامع أنك أثرت على الله، وأغضبت الله، بكفرك وبكذا، الله قال: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ}. يعني، الضرر على من يعود؟
باسم: على الكافر نفسه.
يوسف: عليك، لن تصل إلى أصول سنن الكون مهما كفرت. كما ذكرت، دكتور، في الحلقة السابقة، فعلك هذا سيكون له رد فعل مساوٍ له في القوة ومعاكس له في الاتجاه، سيعود عليك. {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ}، معناها الرضا. أنا أريد هنا أن يفهم المشاهدون أن الرضا لا تفهمه بطريقة أنه أنت فعلت لله ما يفرحه، حاشا لله. الرضا، معناها سيتولد. لذلك قال: “يرضه لكم”، سيتولد عن الدين بما هو إسلام وإيمان وموالاة وأمن اجتماعي.
باسم: نتائج ترضيكم أنتم.
يوسف: بالضبط، هذا هو، يرضاه لكم أن تكونوا هكذا. فنتائجه وثمرات تطبيقه العملية عائدة عليكم أنتم. وما أيضًا ينبغي أن نفهمه في هذا السياق قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}، {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} أو {وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}. الآن، لاحظ المعنى كيف تأخذ الناس في الفهم التراثي لهذه الآية. إنه سيأتي لحظة ينتشر فيها الدين، فيدخل كل بيت، ومعناها كل بيت يصبح فيه مسابح. وكل بيت، وكل إنسان.
باسم: عدادات صينية، بالخاتم هذه.
يوسف: إي نعم، لكن أنا في قراءتي لهذه الآية وما تقرأه منها لسانياً، أنها رسالة للناس أن هذا الدين الذي أعطاكم الله، أيها البشر، ينبغي أن لا يكون هناك دين أظهر منه، أعلى منه، سلطة عليا أعلى من هذه السلطة التي هي سلطة تحقيق العدالة وإدانة من تعرض لغيره. لا يجوز. باختصار، هذا معنى ليظهره على الدين كله. ليس معناها أن الله سيجبركم، لأنه قال لك: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}. لكن معناه: انتبهوا، فخذوا بهذه الرسالة، ولا تسمحوا أن يظهر غير هذا النظام الجزائي العادل عليه، فلا يعلوه. وهذا ما يكرهه الكافرون وما يكرهه المشركون.
باسم: الذي هو نفس فكرة محكمة العدل الدولية.
يوسف: بالضبط، لو أنها طبقت تطبيقا…
باسم: لو طبقت، مع عدم الانتقائية أو (دبل ستاندرد)، لأنه لو تم تطبيق هذا الكلام، أنها ستتدخل حتى لها اليد الطولى على القوانين القضائية في داخل الدولة نفسها وداخل المجتمع ذاته، وبالتالي هي ستعلو فوق كل القوانين العدلية الموجودة في المجتمعات الأخرى.
يوسف: صحيح، وهذا لا يُنتظر. هذا السلوك أصلاً كيف وصل الناس إليه؟ أنا أقول لك في الغرب كيف وصلوا إليه. وصلوا إليه من المجتمعات. المجتمعات نفسها ضاقت ذرعًا بالظلم. ضاقت ذرعًا بأن جهة تسيطر لمصلحتها وتقنن لمصلحتها، فتولد عن ذلك أن الناس صار داخلهم اندفاع نحو أن يكون هناك عدالة. وكان ما تكلل بهذا الأمر أن يكون ذلك على شكل مؤسسات دولية. فلو هذا أصبح فعلاً مطبقًا تطبيقًا عمليًا، فقد تمت الاستجابة. إذن، الآية لا تخبر عن خبر. هذه الآية ليست إخبارًا بالغيب، لأني رأيت واحدًا يقول إن هذا من الإعجاز الغيبي الذي يطرحه القرآن، وهذا لم يتحقق، وهذا تكذيب للقرآن. القرآن قال لك: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}، وقال لك: {أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}. لماذا يقول لك أرسل رسوله؟ أنتم حملة الرسالة. البشر كلهم ينبغي أن يكونوا بهذا الاعتبار طبعًا، حملة الرسالة، بغض النظر عما تقتنع بداخلك، هذا لا يهمني في شيء كرسالة مجتمع، هذا بينك وبين الله. لكن كحملة رسالة، لا ينبغي أن يسمح أن يظهر على هذا النظام نظام آخر.
ما معنى التفقه في الدين؟
أيضًا من التطبيقات التي ابتذلت واستُغلت بطريقة خاطئة: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}. طبعًا، إسقاط مصطلحات حادثة في القرن الثالث والرابع، أن يتفقهوا، يعني، يتعلموا الفقه، يعني، من كتاب الطهارة إلى كتاب العتق وأمهات الأولاد. هذا الفقه. طبعًا، أنا بالمناسبة معلومة أقولها لأول مرة للسادة المشاهدين، لأني أرى كثيرًا من التعليقات، فلابد أن أنبه: أنا درست الفقه الإسلامي كاملًا من أوله إلى آخره، وبجميع مذاهبه المعروفة.
باسم: يا سلام!
يوسف: إي نعم، وقرأت كثيرًا من كتب الفتاوي، واستظهرت وحفظت حتى كثيرا من الأحاديث أو الروايات حفظًا غيبيًا. يعني أنا لا أتكلم من منطلق جهل. أنا أعرف ما هو موجود في الكتب، ودرسته دراسة معمقة على مستوى الفقه وأصول الفقه والحديث وأصول الحديث وغيرها من العلوم. لكن الشعور بالضوضاء والتيه والاختلاف في كل شيء هو ما حدا بي أن أعود إلى النص القرآني، فأتعمق به وأن أكمل وأعود، فأكمل دراستي كلها فقط في الجوانب اللغوية، لأنه هذا…
باسم: اللسانية.
يوسف: متاح طبعًا، وهناك فرق بين اللغة المطروحة في الجامعات. هناك فروق بينها وبين اللسان، لأنها تتعامل مع جميع أنواع الكلام، وأيضًا هناك قواعد، لا تخدم المعنى تمامًا. يعني، فيه انزياحات حصلت في علوم اللغة عن فكرة اللسان الأصلية، فتُسقط مصطلح الفقه الذي تولد لاحقًا على هذه الآية. مع مصطلح الدين، سيعطيك نتيجة مختلفة كليًا. الدين الذي تتكلم عنه الآية، “المؤمنون”، نحن فهمناهم. المجتمع الذي حصل فيه الأمان “لينفروا كافة”، معناها سيخرج الآن من حدود الدولة لسبب معين، خطر تعرضت له الدولة. {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ}. “الفقه”، طبعًا، هو الوصول في الفهم إلى آخر شيء، معناها خفاياه. وهذا ما يشعر به حرف الهاء، يعني فقه. لاحظ كلمة “فقأ عينه”، “فقأ الشيء”، معناها وصل إلى داخله. لكن لما تضيف لها حرف الهاء، حرف الهاء الذي فيه خفاء. خفاء، أنك وصلت إلى ما هو مخفي من هذا الشيء. ما هو الدين الجزاء؟ معناها، هذا النظام العسكري، على فكرة، نظام حماية الدولة لحدودها، نظام تعاملها مع المناوشات التي قد تحصل هنا وهناك، مع ما تتعرض له من مخاطر. فهذا يبني لك نظام الجيش الذي وصلت له الدول الآن المدنية كلها. إن فكرة الجيش لا يمكن أن تكون لكل المؤمنين، ستكون لجزء من المجتمع. وخروج طائفة أو فرقة، تبديل الفرق كما يحصل الآن في الجيوش النظامية، سيجعلها تعرف كيف تتعامل، كيف تجازي ما تتعرض له الدولة أو ثغور الدولة من اعتداءات. تتعلم، هذا يحتاج إلى ممارسة عملية وخبرة. فتخرج في كل مرة فرقة ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم، يعني، يتحول ذلك إلى دورات توعية وتعليم عسكري كما هو موجود. إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون. إذن، هي لا علاقة لها بموضوع الفقه الذي…
باسم: على يعني أن تطلق لحية وتقصر “دشداشة”..
يوسف: ولا حتى علوم الفقه التي…
باسم: وتروح على إفريقيا تطعم وتقول للفقير أن هذا دعوة للدين..
يوسف: إي نعم، نعم. هو هنا التفقه في الدين، يعني، تعلم خبايا طرق مجازاة من يعتدي على حدود دولة أو مجتمع آمن، نعم.
باسم: دكتور، يعني، الواقع جدًا ممتع الحديث، لكن الوقت غير ممتع.
يوسف: طيب، حلقات أخرى.
باسم: إن شاء الله، في حلقة أخرى نكمل. إن شاء الله، مشاهدينا الكرام، شكرًا على المتابعة، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج مفاهيم. وما زلنا في مفهوم الدين والملة والإسلام والمؤمنين والكافرين. إلى اللقاء، شكرًا دكتور.
يوسف: شكرًا.