Skip to content Skip to footer

مضامين الصحف والتوراة والإنجيل مع د. يوسف أبو عواد

كيف يعمل قانون استبدال الحضارات؟ وهل هلاك الأمم عقوبة أم نتيجة حتمية للظلم؟ ماذا تضمنت صحف إبراهيم وموسى فعليًّا؟ كيف نفهم “أحمد” في البشارة الإنجيلية؟ وهل القرآن مجرد ناسخ أم مهيمن جامع؟ رحلة عميقة لفهم تكامل الكتب السماوية وسنن الاجتماع البشري يخوضها د. يوسف أبو عواد ود. باسم الجمل، في #بودكاست_مفاهيم، على #منصة_مجتمع

 

ما عاقبة مخالفة الوصايا مجتمعيًّا؟

باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مفاهيم”، نلتقي خلالها الدكتور يوسف أبو عواد، وكالعادة دكتور أهْلًا وسهْلًا بك.

يوسف: أهْلًا بك وبالمشاهدين والمشاهدات.

باسم: في الحلقات السابقة تم مناقشة ماهية الوصايا التي وصّى بها رب العالمين الأنبياء بَدْءًا من النبي نوح حتى النبي محمد عليه السلام مرورًا بالنبي إبراهيم وموسى وعيسى، وقواعد السلوك الإنسانية التي تبدّت في هذه الوصايا والتي تم التعبير عنها أيضًا بقواعد الصراط المستقيم، وأيضًا تبدّت بأسس أو ببنود السلوك الفطري الإنساني، وتم ربط السلوك المجتمعي أنه في حال تبنى المجتمع هذه الوصايا وفي حال اعتبر الصراط المستقيم كأسس قواعد معيارية للسلوك المجتمعي المجتمع سيفلح وسينجح وسيحقق الأجر الموعود، وإذا عمل العكس سيقود إلى الخسران. الآن فيما لو أن المجتمع أو أي مجتمع لم يفلح في إقامة المجتمع البشري الآمن الذي يعتمد على أسس الصراط المستقيم أو على قواعد الوصايا المنصوص عليها في النص القرآني، ماذا سيقع أو ماذا سيحدث لهذه المجتمعات؟

يوسف: تمام، أهْلًا بك دكتور وبالسادة والسيدات المشاهدين والمشاهدات. في الحقيقة للإجابة على هذا السؤال أوّلًا علينا أن نقرأ الفكرة الأولى لوجود البشر كنوع من المخلوقات متميز عن سائر الأنواع السابقة، الذي يظهر في قوله تعالى “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً” (البقرة: 30)، وفي قوله “هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا” (هود: 61).

الآن آلية الخلافة والاستعمار كما شرحنا وكما تفضلت في المقدمة هو إنشاء المجتمع البشري الآمن المسالم المتحد دينيًّا على فكرة واحدة فقط هي فكرة الصراط المستقيم، هي الوصايا العشر، هي الفطرة الإنسانية. لو لم يفلح طبعًا المجتمع نحن ذكرنا في الحلقات السابقة سيتفرق ويصل إلى الاقتتال، لكن لو انتشر هذا فعمَّ البشرية كلها ما النتيجة؟ نقرأ مثلًا في قوله تعالى “وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ۙ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ” (يونس: 13-14).

إذن هناك إشارة إلى سُنة ربانية كونية واضحة تمام الوضوح، إنه لو المجتمع البشري لم يفلح في تحقيق هذه الرسالة فإنه سيهلك وسيأتي بعده قوم آخرون يخلفون الأرض بعدهم. ولذلك هذا الفهم الدقيق والعميق لهلاك الأمم أو القرى السابقة التي لم تستطع أن تفلح فتنشئ مجتمعًا مدنيًّا كاملًا، في الحقيقة هو…  صحيح أن العقوبات عقوبات ربانية وسماوية، لكن فيها بعد أعمق وأعلى ينبغي أن ننبه له، وأعتقد أن السادة المشاهدين والمشاهدات أصبحوا في مستوى يفهمون ماذا سنقول الآن، لما أنت تنشئ مجتمعًا لا يقوم على احترام القوانين الكونية وفهمها كما هي، ويسير عوضًا عن ذلك وراء الملأ والأدعياء والأتباع، أي كارثة إنسانية بسيطة كزلزال أو بركان أو طوفان ستأتي بهم على نهايتهم.

لذلك لاحظ نوح عليه السلام لماذا أمر بصناعة السفينة؟ هذا فيه إشارة عظيمة شديدة البلاغة إلى أنه عندما يحصل طوفان فإنه يجب أن يكون هناك وسيلة للإنقاذ والتعامل مع هذا الطوفان.

باسم: أو بالاتقاء.

يوسف: مئة بالمئة هو مفهوم التقوى. الآن المجتمع المغيب الذي يسير وراء الفراق والأحزاب لن يهتم بهذا، فبالتالي أصغر كارثة طبيعية ستقضي عليه إذا لم يقضِ عليه الاحتراب الداخلي أصْلًا.

 

كيف يعمل قانون استبدال الأمم؟

باسم: يعني الهلاك الجماعي أو حتى الفردي نتيجة عدم التزام المجموع أو المجتمعات بالسير وفق المعيارية القرآنية للسلوك؟

يوسف: مئة بالمئة، وهو قانون، يعني ليست القضية قضية كما نقول تدخل إلهي مباشر يخرق القوانين، لا هو انفعال وتفعيل للقانون الطبيعي، أنه عندما لا تسير المجتمعات على هذه المنظومة لن تحقق رسالة الإعمار والخلافة وبالتالي…

باسم: سيقود إلى الخسران.

يوسف: “ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ” هو يقول لك أنتم الآن وجودكم سببه أن من قبلكم ممن أُهلك لم يفلح.

باسم: صحيح، يعني الآية واضحة “ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ” (يونس: 14).

يوسف: أي نعم هذا هو. الفكرة واضحة تمام الوضوح، وطبعًا كما قلنا النظر هنا معناه “لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ”، ليس قضية تشخصية لله، وإنما الاختبار الذي يحصل وفق قوانين الطبيعة التي أوجدها الله لأفعال الناس، وهو أمر طبيعي جدًّا يحصل بمقتضى السنن الكونية. إن صلحت هذه الأفعال سيستمر هذا النوع من الناس أو هذا النوع من البشر، ويورّث ما عمله للجيل اللاحق فاللاحق، ويزداد البناء ويزداد الإعمار، هذه هي الرسالة. ويتحقق مفهوم الوصية كما شرحناه في بداية هذه السلسلة بما هي نقل للعلم من جيل إلى جيل واستثمار ما أنتجه السابق ليبني عليه اللاحق.

هذا يؤكده أيْضًا آية أخرى مثلًا في سورة الأنعام “وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ…” طبعًا هنا نقطة مهمة: “كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ”. (الأنعام: 133)

باسم: يعني هذا قانون في الكون.

يوسف: مئة بالمئة.

باسم: يعني قانون الاستبدال أو الاستخلاف في اللحظة التي تتوقف المجتمعات أو البشرية بشكل عام عن اتباع السلوك المعياري في القرآن في حياتها إما ستستخلف أو ستهلك أو ستخسر.

يوسف: مئة بالمئة ستستبدل ويأتي بعدها قوم آخرون. طبعًا الآن دكتور يجب أن نفهم ما معنى “إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ” يقولون إذا شاء الله. هو شرح لك متى يشاء، يعني في الآية السابقة قال “وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ” متى؟

باسم: “لَمَّا ظَلَمُوا”.

يوسف: إذن لما يقول لك “إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ” هو حدد ضابط هذه المشيئة.

باسم: يعني في حال وجود الظلم ستكون المشيئة الاستخلاف.

يوسف: أي نعم هذا هو. “وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ” وأعطاك نموذجًا “كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ”.

ثم في هذا الإطار نفهم الآن قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا…”

باسم: قبل الانتقال للآية التالية “كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ”، هل المقصود بالقوم الآخرين، ربما مثلًا الحضارات العظيمة التي كانت قائمة وما زال بعض آثار هذه الحضارة ما زال باديًا، ربما تكون من هذه الأقوام الأخرى التي مثلًا أُهلكت.

يوسف: أي نعم، صحيح. هذا أحد إسقاطات فهم المعنى أو مصاديقه كما يقال، وهو أيْضًا يشير إلى الوجود الأول للبشر، فالبشر هم أصْلًا أنشِئوا من ذرية قوم آخرين، ولذلك قال “إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً” (البقرة: 30). يعني خلفوا من كان قبلهم ممن لم يعمر الأرض ولم يخلفها، فزودوا بالإرادة لعل هذه الإرادة أن تُعطي نتيجة في عمارة الأرض وخلافتها بما لم تستطعه المخلوقات السابقة.

باسم: يعني هذا الفهم يعاكس الفهم السائد عند العامة أن الإنسان يخلف الله في أرضه…

يوسف: لا لا لا طبعًا.

باسم: وكأنه سبحانه وتعالى بحاجة لأحد يخلفه.

يوسف: صحيح، لا يوجد هذا فهم ساقط لا قيمة له حقيقةً، هو الإنسان جاء من ذرية قوم أو خلق سابقين، ولما بدأ التجمع البشري فلم يفلح في تبني فكرة القيم، قيم الصراط المستقيم، المجتمع الآمن المسالم هلك الأقوام، قوم نوح وقوم ثمود وقوم عاد، وقد شرحنا كثيرًا أنهم هم كل البشر، يعني قوم نوح كانوا كل البشر، صحيح في حيز جغرافي محصور، وصحيح أن الطوفان حتى لما حصل حصل في هذا الحيز المحصور، لكن هذا كان يمثل المجموعة البشرية الأولى في بداية وجودها. ولذلك لما جئنا إلى مفهوم بني إسرائيل قلنا هنا حصل الانتشار البشري لأنه بدأ تبني الفكرة، قُبلت الفكرة ولو على مستوى نظري فبدأ البشر ينتشرون بما في ذلك من أخطاء.

لكن لو عادوا -هذا السؤال- لو عاد الناس إلى حال قوم نوح فانتشرت مخالفة هذه المبادئ على مستوى المجتمع البشري سيهلكون.

باسم: يعني العملية شرطية؟

يوسف: مئة بالمئة.

باسم: في حال لم تسلك هذه السلوكيات أو المعايير السلوكية المنصوص عليها في النص، فالنتيجة الهلاك، والنتيجة آنية أو النتيجة ليست في زمن متأخر.

يوسف: هذه كلمة شرطية صراحةً أعجبتني كثيرًا، لأن القضية ليست قضية… الناس يشرحون هذا بطريقة غامضة، يعني وكأنه إرادة الله أو مشيئته لا أحد يعرف لماذا فعل هذا ولماذا خلاص هكذا، يشرح أو تشرح مشيئة الله وإرادته بهذه الطريقة، أنه خلاص شاء الله لا نعرف لماذا. لا، الله لما يتعلق الأمر بالبشر قد شرح لك متى يشاء ومتى لا يشاء، بطريقة شرطية كما ذكرت دكتور، هو فيه أمر يبدأ من البشر ينتج نتيجة هي في الحقيقة مشيئة إلهية مضمنة في القوانين خلاص، مضمنة في القوانين لن تتغير.

باسم: يعني على قاعدة إن تدرس تنجح.

يوسف: بالضَّبْط تمامًا، وهذه جملة شرطية، هذا هو تفعيل اللسان على مستوى الجمل والنص. الآن النصوص العادية الكلام أليس من ضمن أنواع الجمل الشرط؟ إن تدرس بالبساطة هذه إن تدرس تنجح.

“إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم”، لكن أنا عندي الآن غموض في كلمة يشأ، هنا في كلمة يشاء هناك غموض، نحو النص ماذا يفعل؟ يقول لك اذهب إلى آية مشابهة فلو رجعت إلى الآية السابقة لاحظ “وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ” متى؟

باسم: “لَمَّا ظَلَمُوا” (يونس: 13).

يوسف: فشرح لك متى يشاء، صحيح؟ يعني أعطاك من هنا رابطًا من كلمة يشاء إلى الآية السابقة فأعطاك هذا التفصيل.

باسم: يعني مشيئة الله بأن يذهب الناس ويستخلف من بعدهم ما يشاء مشروطة بأن يقع الظلم.

يوسف: أي نعم.

باسم: عندهم.

يوسف: مئة بالمئة أو مبينة يعني مبينة بهذه الطريقة، بيانها هذا هو. تخيل إلى أي درجة أُعطي الإنسان الحرية والمسؤولية، ولذلك كما أقول كثيرًا سميت أمانة، لذلك سميت أمانة “إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ” (الأحزاب: 72). لاحظ عظم الموضوع. الإنسان يستهين بقضية الحرية والإرادة أو أحيانًا يسلبها رجال الدين والمتحدثون باسم الدين أنه أنت مجبر وكل شيء كُتب لك، لكن القرآن بالعكس يتحدث مع الإنسان أنك مسؤول مسؤولية عظيمة لدرجة أنك إن ظلمت فقد استدعيت مشيئة الله أن تؤدي إلى الإهلاك بهذه الطريقة لك ولقومك ثم يتمادى الأمر حتى يصل إلى…

باسم: وهذا تقريبًا يعني وكأنه عملية تثقيف للفرد أو تقريء للفرد أنه انتبه إن تفعل كذا ستحصل على كذا أو حتى المجتمعات إن تسلكوا كذا ستحصلون على كذا، يعني لا يوجد شيء رمادي ما بين الجهتين يعني لا يوجد حالة رمادية ما بين حالتين.

يوسف: لا لا لا أبْدًا.

باسم: لا تحتمل الشك في وقوع النتيجة.

يوسف: صحيح، فهي مستوى مطلق من الحرية للإنسان ولكنه أيْضًا مستوى مطلق من المسؤولية بالتوازي.

 

ما مفهوم الارتداد والاستخلاف قرآنيًّا؟

يوسف: الآن لما تقرأ مثلًا قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ” (المائدة: 54)، كيف تقرأ هذه الآية؟ هل تقرأ في ضوء الآيتين السابقتين؟ لأنه قال “فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ” يعني الاستبدال، يتكلم عن الاستبدال. انظر كيف فسروا، أدخلوا الآية فيما سموه موضوع الردة وحد الردة، والموضوع أصْلًا عن ماذا يتكلم؟ إنه مجتمع آمن أقام المجتمع الآمن ثم بدأ…

باسم: بالارتداد عليه.

يوسف: بعض الأفراد بالارتداد على فكرة الأمن بنشر الظلم والخوف. أصْلًا الآية لم تتحدث عن العقيدة ولا بأي شكل من الأشكال أساسًا، ولا أتت على سيرة المعتقد الذي جيّروا هذه الآية، وهذا جزء من الجواب.

باسم: المقصود بالدين يتجاوز ليس مجموعة الطقوس التي يقوم بها الفرد، إنما هي مجموعة النظم والأسس المعيارية الأخلاقية التي إن ارتد المجتمع عن القيام بها والامتثال بها سيهلك.

يوسف: أي نعم التي قلنا إنه ما يدان بها الإنسان فقط، والذي يدان به هو الاعتداء والأذى. صحيح؟

انظر كيف تتكامل الآن الكلمات، يعني كلما سرنا أكثر في الحلقات صارت الكلمات أوضح، فصرت بإمكانك أن تقرأ نصًّا كاملًا من أوله إلى آخره بطريقته اللسانية التدبرية الحقيقية، ثم تدرك كم هذا المعنى الواضح بعيد عن المعنى الذي… طيب من يرتد منكم عن هذا الدين فيخالف الأمن ويخالف مبدأ السلم. نتيجة، هي النتيجة لماذا سوف “يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ”؟ ما السبب؟ لأنه سيحصل اقتتال بين هؤلاء الذين تركوا الأمن والسلم واعتداء طوائف، فرق، تحزبات بعضها يضرب بعضًا، حتى لو هذه التحزبات على مستوى دول، على مستوى أقوام، على مستوى أقاليم، النتيجة سيحرق بعضهم بعضًا فيأتي الله بقوم.

طيب، ما معنى يحبهم ويحبونه؟ أيْضًا الآن أعتقد أنه سيتبدل المعنى تدريجيًّا أنه ليس قضية حب الله أصنع أغاني عن حب الله وحب الرسول، الحب هنا معناه أن يجمع الإنسان نفسه مع ما وضع الله من قوانين في السماوات والأرض. لأن الحب يا دكتور لسانيًّا يشير إلى معنى الاجتماع الذي فيه انسجام، لاحظ كلمة “حَب”، حب القمح مثلًا كيف تراه في الأرض وحب العدس وحب الفول مثلًا والفاصولياء وغيرها؟ انجماع فيه انسجام. حسنًا كيف أنا أحب الله؟ أي أنني أجتمع وأتماهى مع ما وضعه الله من قوانين وسنن في هذا الوجود فأسير معها في تيارها.

باسم: ويضمن نتيجة التطور المعرفي وتطور الحياة للناس.

يوسف: مئة بالمئة، الله لا يطلب مني أن أحب بطريقة حب العشاق أو كما ينقل في التراث الصوفي وغيره من التراثات للأسف التي أبعدت الآيات، صار الناس لما يقرؤون هذه الآية يوجد بدماغه معنى مسبق ما معنى حب الله، فيذهب معنى الآية، هذه أحد الأسباب التي أذهبت معاني الآيات من “مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ” يتذكر كلام الفقهاء… أو أني مثلًا معتقدي في الله عن كذا وكذا وهذا يجب أن يقتل ويستتاب ثلاثة أيام ومن هذا الكلام، أين ذهب معنى الآية والتتبع اللساني والتدبري؟ سرق بهذه الطريقة، يسرق بإدخال الزوائد على النص.

وهنا أيْضًا أفهم ما معنى “أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ” ليس تحويلها إلى أغاني جهادية على الأساليب التي عملتها بما يسمى بين قوسين الحركات الجهادية، الذل معناه أن الإنسان يخفض جناحه لمن؟ لمن آمنه، أنت آمنتني فيجب أن أعطيك المقابل أن أعطيك أيْضًا الأمان فأكون سلسًا ومنسابًا معك في التعامل، وأعزة على الكافرين نحن شرحنا أن الكفر الذي تتكلم عنه الآيات الظلم، الاعتداء، الأذى، مع معرفة أنه أذى وظلم واعتداء. طيب إذا إنسان فعل هذا هل يترك يظلم ويعتدي وكذا أم يحتاج إلى عزة بقوة القانون يحجز عن هذا؟

 

كيف يكون الجهاد سعيًا لتحقيق السلم؟

باسم: يعني حتى هذه الآيات إذا كنت تريد أن تعممها أو تسقط مقاصدها على الواقع الذي يعيشه العالم اليوم، أن دولًا تمتلك السلاح الذري تقف ضد دول أخرى عندها نفس السلاح، وأنه إذا صار اقتتال ما بين المجموعتين ستفني البشرية.

يوسف: طبعًا مئة بالمئة.

باسم: وبالتالي سيقود للهلاك نتيجة ابتعاد هذه المجتمعات عن السبل أو السلوكيات القانونية أو قواعد السلوك الأخلاقية الموجودة في النصوص أو التي حثت عليه الوصايا.

يوسف: صحيح مئة بالمئة. وهذا أيْضًا به نفهم عبارة “يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ” (المائدة: 54) يعني ما هو الجهاد والمجاهد؟

باسم: في سبيل الله.

يوسف: جاهد فعل فيه مشاركة، إذن في مجتمع، هذا المجتمع يبذل جهدًا مشتركًا فيه تعاون في سبيل الله، ما هو سبيل الله؟ سبيل الله هو ما يصنع الأمن والسلام للمجتمع كما شرحنا.

باسم: ليس أن تحمل بندقية وتذهب للمعركة؟

يوسف: طبعًا، ويحقق القيم المطلوبة. الآن لاحظ قارن الصورة الموجودة في أدمغة معظم الناس مع الصورة التي توضحها الآية بطريقة لما تربطها بكل… نحن صرنا في سلسلة حتى لا يقال إنه نحن نلبس المعاني للنص، السلسلة تضع لك المعاني جنبًا إلى جنب وكل كلمة تفسرها آية سابقة لها ولاحقة.

باسم: آلية ترتيل الآيات وفق الموضوع المتفق في ما بينها، قادت إلى وضوح تام، أن الآيات بدت هي نفسها تكشف تبين ما بها من مقاصد دون أي عناء.

يوسف: بالضَّبْط مئة بالمئة. ولما تقرأ “ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ” (المائدة: 54) لا تقرأها على أن الله اختص أناسًا لا تدري لماذا فأعطاهم فضلًا، ويقول لك والله الحمد لله أنا خلقت مسلمًا، عجيب يعني، طيب أنا مثلًا شخص أنا أسمعك وأنا في بلد ليس مسلمًا أنا سأشعر بالعنصرية، سأشعر أن الله الذي تتكلم عنه بهذه الطريقة…

باسم: لا يخصني.

يوسف: فضّلك علي، طيب لماذا؟ انظر الطريقة، لكن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، طيب هو شرح لك من الذي قد شاء أن يعطيه هذا الفضل أم لم يشرح؟ هو شرح لك قال لك افعل 1 2 3 ستكون دخلت ضمن المشيئة التي تعطى هذا الفضل. الموضوع مشروح ليس..

باسم: يعني فضل الله هو منع الناس من الوقوع في الهلاك نتيجة ابتعادهم مثلًا عن أسس السلوك.

يوسف: واحترامهم لسنن الكون وقوانينه، هذا هو الفضل يعطيه من شاء الله، شاء وانتهى، وأعطاك الشرط إن فعلت كذا شملتك مشيئة الله بالرحمة في كذا وكذا، ولذلك قال في آخر الآية “وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ” (المائدة: 54)، لأن هذا مبدأ يتسع ليشمل كل من يريد أن يدخل تحته، ومعالمه واضحة قد وضعها الله سبحانه وتعالى.

باسم: يعني غير محصور على طائفة محددة من الناس.

يوسف: أبْدًا، ولا مرتبط بأنني ولدت على كذا وهو لم يولد على كذا. التقسيمات العجيبة هذه.

 

لماذا يستبدل الله قومًا بآخرين؟

يوسف: وأيضًا نقرأ في سورة محمد “وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ…”، هذه واضحة تشير إلى نفس السنة، ولكن “ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم” (محمد: 38).

باسم: يعني مختلفين.

يوسف: وهذه نقطة فيها إشارة إلى أن عملية الخلق جيلًا بعد جيل خاصة عندما لا يفلح الجيل أو المجموعة البشرية السابقة سيأتي جيل أكثر تطورًا فيستطيع أن يفهم أكثر ما هو المقصود ويعمر ويخلف الأرض. ولذلك هذا يتماهى مع فكرة أن الكون كله وكل ما في الوجود يسير نحو التطور.

باسم: أنت انظر إلى الحيوية التي تبثها هذه الآيات ومقاصدها في الكون وفي الحياة.

يوسف: أي نعم.

باسم: تعطيك أن هناك حياة ميكانيكية متفاعلة دومًا.

يوسف: ديناميكا يعني مستمرة.

باسم: مستمرة ديناميكية، ما بين الفرد وما بين الطبيعة وما بين الحياة.

يوسف: بالضَّبْط، ولماذا يربطه دائمًا بالسماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم؟ أفعال الإنسان وحريته وإرادته تصل أبعادها إلى آخر ما في الكون.

باسم: يعني كيف غاب هذا المستوى من المعرفة الموجودة في النصوص أو في الآيات عن أذهان الناس؟

يوسف: كما قلنا في كل جزء لاحظ كل جملة فيه غسيل دماغ أو لنقل تعبئة دماغية مسبقة بأفكار مسبقة قبل ما يذهب إلى النص، لأنهم حرّموا عليه أن يذهب إلى النص كما حرّم من سبقهم من طوائف.

باسم: وضعوا أنفسهم حاجزًا ما بين عقل الإنسان والنص.

يوسف: بالضَّبْط، ملأ العقل بأشياء، فلما تقرأ جملة هناك في عقلك تصور مسبق، لن تعود فتحلل الجملة، لا تملك آلية خلاص، صار فيه عندك إسقاط: “مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ” نعم فهمت، ما قالوه يستتاب ثلاثة أيام ولا أعرف إذا قال كلمة كذا وإذا فعل فعل كذا.

“فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ” أو علينا أن نحب الله وننشد ونعمل وكذا وكذا وكذا.

باسم: لكن لا أحد يعرف كيف.

يوسف: “أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ” (المائدة: 54) لا بد أن تتعامل مع إخوانك المسلمين بلطف، فإذا ذهبت إلى الكفار كن عزيزًا عليهم، من الكفار طبعًا؟ كل البشر الآخرين، فعمل ممانعة وعدم قدرة على الاندماج مع المجتمعات الأخرى.

إذن فيه فكرة، الأفكار المسبقة هذه حالت دون وصول الناس إلى النص مع أن النص في مكانه، المشكلة في الحوائل الحواجز التي وضعت التي تحول بين الناس وبين أن يصلوا إلى النص.

 

كيف يعالج القرآن التفرق المذهبي؟

باسم: طيب كيف يمكن نتيجة الاستقراء وتدبر كل الآيات السابقة التي رتلت وفق الموضوع الخاص بها، كيف يمكن الوصول إلى عملية علاج للاختلاف والتحزب في المجتمعات؟ يعني كيف؟ هل تصلح هذه المنظومة كلها لأن تكون هي العلاج الذي يمكن أن يبث في ثنايا المجتمعات حتى تصل إلى الفلاح -لنقل-؟

يوسف: والله يا دكتور الآيات القرآنية تعطيك الطريقين اللتين ذكرناهما مثلًا: “وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” (النحل: 64). طبعًا هذه نقطة مهمة أن الكتاب يحل المشكلة، لكن لاحظ هذه الآية كيف يسرقونها يقول لك “إلا لتبين” يعني كيف بيّن الرسول؟ بالسنة بيّن، لماذا “وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ” أي بالسنة، يعني زاد على الكتاب أشياء ففصّل الكتاب، إذن معنى هذا أن الكتاب لم يكن بيّنًا. كل الآيات التي ذكرناها من الوصايا إلى الكتاب…

باسم: لم نحتج لأي قول خارج النصوص، والمقاصد كانت بيّنة مباشرة يعني وكأنه فعلًا “لِّسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ” (النحل: 103).

يوسف: هو في كل مرة يؤكد لك أنه هذه بيّنات مرة بعد أخرى، يعني أنت لما تقول لي إن الرسول سيبين بشيء آخر معنى كلامك أن الكتاب هو ليس بيّنًا، لكن ما قاله أو فعله الرسول بعد ذلك هو الذي بيّن، فأنت تكذب صريح آيات القرآن. إذن ما معنى أن يبين الرسول؟ معناها أن يقرأ هذه الآيات للناس مرة بعد أخرى ويعيدها ويرتلها، فهي بيّنة بوضعها، فقط مجرد إظهارها للناس هذا هو البيان، لأنه في آية أخرى “إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ” (القيامة: 17-19). وهو كتاب مبين فبيان الرسول له هو ليس شيئًا زاد عليه، بل هو مجرد تنبيه الناس ولفتهم لهذه الآيات فقط.

طيب، والمسار الثاني، لو أحد قال لي والله أنا هذا الكتاب لا أعرف، لم أستطع أن أتيقن أنه من الله أو ليس من الله، طيب هذا النوع من البشر ما العلاج معه؟ تقول لك الآية الأخرى “وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ” (الشورى: 10)، كيف يعني حكمه إلى الله؟ يعني إلى كل ما خلق الله وأوجد في الطبيعة كما هي…

باسم: إلى السنن، القوانين البادية في الكون.

يوسف: وهذه أعلى مستوى من الثقة. تجد أن الكتاب يقول لك أنا أضمن لك لو بدأت من الكتاب بطريقة صحيحة أو بدأت من الكون ستصل لنفس النتيجة. ولذلك هذا الذي قلناه أحد السبل أصْلًا التأكد من الربانية التي طرحها الأستاذ قصي هاشم، التوازي بين هذا وهذا، ستجد دائمًا أنه…

باسم: يسيران بنفس الاتجاه.

يوسف: يسيران بنفس الاتجاه، وهذه معيارية معرفة أن الكتاب من الله.

باسم: أو أن الكتاب المسطور يعاضد المنشور، والمنشور يعاضد المسطور.

يوسف: أي نعم تمامًا.

 

ما المفهوم الحقيقي لطاعة الرسول؟

يوسف: فلذلك يا دكتور لما نقرأ آية “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ” (النساء: 59)، لأن الآية هذه استخدمت أيْضًا لوضع بذرة تفريق في المجتمع، كل واحد يقول لك أنا أطيع الرسول، يعني بعضهم يقول أنا أطيع الرسول من خلال طاعة أهل بيته، بعضهم يقول كلا أنا أطيع الرسول من خلال طاعة صحابته، بعضهم يقول أنا أطيع الرسول من خلال طاعة المذاهب الفقهية التي تتبع الرسول، وبعضهم يقول أنا من خلال حزبي أو فرقتي الذي يقتدي بالرسول. فماذا فعلوا بالآية؟ استخدموها وسيلة للتفريق.

طيب، الآية سياقها كيف؟ أطيعوا الله، صحيح كررت وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، الآية هل تتحدث عن المبادئ النظرية التي يؤسس عليها المجتمع أم تتحدث عن الواقع الإداري العملي والتنفيذي؟ إذا أكملت الآية “فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ…”

باسم: “فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ” (النساء: 59).

يوسف: النزاع هل يحصل على المستوى النظري أم هناك حياة عملية الناس تعافس الحياة ويختلط بعضها ببعض فتحصل المنازعات؟ فإذا حصلت جمع الاثنين الآن فردوه إلى الله والرسول، لأن الرد إلى الله سيعطي نفس نتيجة الرد إلى الرسول. ولم يقل إلى النبي لا أطيعوا النبي ولا أطيعوا محمد، قال أَطِيعُوا الرسول، لماذا؟

باسم: في حال غياب الرسول تبقى الرسالة.

يوسف: بالضَّبْط، في حال غياب الرسول تبقى الرسالة. سيقول لي واحد لماذا لم يقل أَطِيعُوا الرسالة؟ نعم لأن الرسالة تحتاج إلى بشر يتمثلها فينقلها للواقع العملي فقط، لكن ضابط الطاعة هو الرسالة، نقطة نظام الطاعة هو الرسالة. نحن لم نقل أن أَطِع الرسالة في الهواء، الرسالة تحتاج إلى من يتبناها من البشر ويعمل بها لذلك قال الرسول.

طيب، ولكن لو كان الموضوع أنه شيء خارج الرسالة كان قال أطيعوا محمدًا، أو أطيعوا حتى النبي على الأقل، مع أن النبي فيها معنى سنأتي إليه في موضعه إن شاء الله.

“إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا” (النساء: 59). إذن لابد أن أربط الآيتين معًا: “وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ…” طيب، لماذا لما قال “وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ” (الشورى: 10)، وهنا قال “أَطِيعُوا اللهَ وأَطِيعُوا الْرَسُولَ”؟ لأن في الآية آية الشورى يتحدث عن الأساس النظري أو الدستوري الكبير، حصل فيه اختلاف حتى حصل في فهم الرسالة اختلاف، المرد هو إلى الله بما وضعه في الكون من سنن وقوانين طبيعية.

باسم: أنت هنا في هذا الحال أنت بحاجة إلى مؤسسات علمية، إلى مؤسسات أبحاث، إلى معاهد تقوم بالبحث في كل القضايا المتبداة في قوانين الكون. أنت لست بحاجة إلى شيخ في زاوية يحكي لك.

يوسف: ولذلك نحن نقول دائمًا هذا ما فعلته اليابان وفعلته أوروبا، ولا نعني طبعًا المدح المطلق، ولكن لماذا نشأت الحضارة؟

باسم: يعني “فردوه إلى الله” لا تعني فقط أن تحضر شيخًا يتحدث لك من رأسه، تقوم بعملية بحث مضنية في القوانين الحاكمة للكون وتستنتج كيفية الرد وكيفية الحكم في التنازع.

يوسف: هذا هو بالضَّبْط. والرسول من يمثله بعد الرسول؟ هو من يبدأ يستند على الرسالة فيحكم بها حكمًا قضائيًّا. لكن طبعًا ما هي التفاصيل التي يستند عليها؟ القيم، الوصايا العشر التي ذكرناها، الصراط المستقيم، التفريعات، ألم نقل “وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ” (آل عمران: 104)، فالتفاصيل التي سيمثلها من بعد الرسول باسم الرسول تنبني على مبادئ كبرى بشرية لا خلاف فيها بين البشر الأسوياء أصْلًا.

باسم: هذه العرف.

يوسف: والمنكر والخير. ولذلك استعظموا على الدكتور محمد شحرور رحمه الله لما قال أن كل برلمانات العالم، تُجمع على الوصايا العشر، لماذا؟ هو صحيح.

باسم: ولا يمكن ترى مثلًا برلمان يعمل جلسة يناقش فيها نكذب أم ما نكذب، نقتل أم ما ما نقتل، نحلل السرقة أم نحرم السرقة، لأنه متفق عليها هذه.

يوسف: نعتدي على مال الضعفاء والأيتام أم لا نعتدي. طبعًا طبعًا. فهذه الفكرة، لكنهم دكتور وسّعوا على المفهوم أن أطيعوا الرسول، كيف سأوسعه؟ أدخل فيه أشياء، وهذه الأشياء كلما دخلت فرقت فرقت الناس وفرقت…

باسم: وهذا الواقع الفعلي.

يوسف: ولحل هذا قال لك “وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ…” عندك نقطة مرجع نهائية، “فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ”. هذا هو انتهى، هذا خطاب لجميع البشر وجميع الناس في كل مكان وفي كل زمان، فهو يعطي آلية حل واضحة تمام الوضوح.

 

هل الأسباط تقسيم إداري أم ديني؟

يوسف: طيب على المستوى الإداري، لو أنت قسمت مناطق إدارية كما أشرنا في حلقة سابقة هذا لا بأس به، الآية قالت “وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا” (الأعراف: 160) هذا في عهد موسى، “وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا” (المائدة: 12).

إذن التقسيم على المستوى الإداري لأجل تحقيق مصلحة كل مجموعة من الناس هذا ليس تفريقًا ولا تحزبًا أكيد، وهذا ما أشرت له دكتور حضرتك في حلقات سابقة أن الأحزاب بما هي تمثيل لمجموعات من المجتمع لا تقوم على أساس يقال أو يدعى أنه ديني، هذه إجراء إداري طبيعي يحصل في أي مجتمع، وحصل في أول ما بدأ الانتشار البشري في عهد موسى لا بأس، لكن لا تُلبس هذا لباس أنه تدين.

وبهذا تقدم لك الآيات علاجًا لموضوع الاختلاف كما قدمت لك أصْلًا…

باسم: قطعت الأسباط إلى 12 سبطًا يعني تسهيل الحكم أو لإدارة المجتمع؟

يوسف: أي نعم، نعم بالضَّبْط هذا هو تقسيم إداري يعني يسمى. طيب، وهكذا هذا يا دكتور هو امتداد لكل ما في الوصايا التي وصّى الله بها نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى، تخيل أنه اختصر لك كل…

باسم: وكأنها عبارة عن إرشادات إدارية لكيفية إدارة الإنسان لحياته فردًا أو مجموعًا في الأرض.

يوسف: صحيح.

باسم: وضع لك الوصايا وأعطاك قصصًا أخلاقية قيمية، وأعطاك حتى طريقة، الكيفية في كيفية تنفيذ هذه الوصايا وكيفية السلوكيات وتفعيلها في الواقع لتنجو من الهلاك.

يوسف: صحيح والنتائج، ووضح لك مستوى حريتك في ذلك وتحمل مسؤولية هذه الحرية. هذا في الوصايا من أول، من عهد نوح إلى عهد محمد عليه الصلاة والسلام، هذا اختصار لكل ما في الكتب أصْلًا ما سيأتي لاحقًا، لأنه نحن سنأتي إلى المرحلة اللاحقة الصحف ماذا كان في الصحف، ثم نأتي إلى التوراة والإنجيل والقرآن. لكن قبل هذا هذا الأساس يجب أن يستصحب في كل ما سنأتي إليه لاحقًا، لأنه هو النواة، هو الأساس الكبير الذي يجب الاستناد عليه.

 

لماذا كثرت التفاسير رغم الوضوح؟

باسم: سؤالي، طالما أنه الآيات هذه كانت بيّنة بشكل مذهل وأنها واضحة لدرجة أنه لم نحتج إلى كثير من الجهد لاستكشاف مقاصدها ومراميها، لماذا لدينا أطنان من كتب التفسير؟ معقول يعني أنه هذا الوضوح الذي اكتشفناه بهذه البساطة وبهذه السلاسة، بمجرد أنك قمت بعملية ترتيل للآيات وفق المواضيع وقرأتها ضمن تسلسلها المنطقي، لم نحتج لأي قول من خارج النص، وتبينت أمامنا مقاصد الآيات ووضحت حتى بالتفصيل في كيفية أن يحكم الإنسان نفسه وكيفية أن تحكم المجتمعات نفسها لتضمن النجاة من الهلاك ولتتضمن الأجر والفلاح. كتب التفسير التي تعد بالمئات لأي شيء هي؟ تفسر ماذا؟ ماذا كانت تفسر هذه الكتب؟

يوسف: أوّلًا ينبغي أن نستحضر أن معظم المفسرين كان لهم مذاهب واتجاهات، يعني فيه محاولات طبعًا في داخل الكتب لتجيير النص لمصلحة هذه الاتجاهات، هذه واحدة. ثانيًا النقل، أضافوا للنص نفسه ماذا قال فلان وفلان في فهم الآية واجمع الآن ماذا سيحصل عندك؟ مجلدات هائلة، طيب هو الذي قاله فلان هذا ليس مطلقًا، قاله لزمنه، حسنًا بغض النظر لا نريد الآن محاكمة ما قال، لكن هو قاله في الأخير لزمنه، لماذا تخلطه بالنص فتجعله في نفس رتبة النص؟ بالعكس يسبق إلى فهم الناس أن هذا هو المعنى، فلما يقرأ الآية يقرأها، خلاص، الأمور قد بتت وأخذت من معناها وسلبت.

باسم: أيْضًا الآية نفسها تعبر عن ذاتها أن هذه آية يمكن التعامل معها في كل الظروف الحياتية وفي كل المستويات المعرفية المتبدلة في حياة البشر، فأنت تضع تفسيرًا تقزمها وتجعلها أسيرة لقرن…

يوسف: والله هو مفتاح يا دكتور جعل ما ليس مقدسًا مقدسًا، هذا على مستوى الكتب، على مستوى النقولات وعلى مستوى الأشخاص، هو الذي خلق كل هذه التحزبات والتفرقات الدينية التي نحن نصطلي بنارها إلى الآن للأسف الشديد منذ هذا التفرق.

 

على ماذا أُخذ ميثاق بني إسرائيل؟

يوسف: الآن إذا كان ممكنًا، سننتقل إلى ما هو مضمون الصحف بعد ذلك، لأنه نقرأ نحن في النص القرآني “صحف إبراهيم وموسى” “إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ” (الأعلى: 18-19) فكما وضحنا ما هي الوصية…

باسم: عفْوًا قبل أن ندخل بالوصية…

مسألة أخذ الميثاق من بني إسرائيل، كيف أُخذ هذا الميثاق؟

يوسف: الميثاق هو التعهد بالالتزام بمحددات الصراط المستقيم: “ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ” “ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ”، “ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ”، لأنه قال لك بعد ذلك كما شرحنا “ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا” (الأنعام: 154). “وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ” (النساء: 154)، فلما جاء أو حصل نزول الكتاب أُخذ عليهم الميثاق على الالتزام بمضمون الكتاب.

باسم: أنه أنا أعطيتكم الطريق والطريقة والكتاب الموضح لحياتكم كذلك سيروا عليها.

يوسف: بالضَّبْط والمختصر المفيد ذكرته الآيات السابقة في سورة الأنعام “ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ”، هي آيات الوصايا العشر.

طيب “وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ۖ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ” (المائدة: 12) فإذن مضمون الميثاق هو ما شُرح في الآيات السابقة لكتاب موسى.

باسم: نعيد نفس العملية وكأنه كل آية تفسر التي قبلها وحتى توضح التي بعدها.

يوسف: نعم هذا هو.

 

ماذا تضمنت صحف إبراهيم وموسى؟

بوسم: طيب، دعنا نرى قصة صحف إبراهيم وموسى، ماذا كان في الصحف حقيقةً إلى حد الآن لا أعرف إذا مر عليك كتاب يوضح ما في الصحف غير النص القرآني؟

يوسف: لا، أنا طبعًا أعتمد على النص القرآني وأدرسه دراسة لسانية صرفة صراحةً، فأنا بحثت في النص هل صحف إبراهيم وموسى ذُكر مضمونها في النص؟ أنا وجدته، البحث التاريخي هذا صراحةً ليس مجالًا لي لن أدخل في حيزه، لكن في النص لاحظ مثلًا في سورة النجم “أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ” (النجم: 36-37) طيب ما هذا الذي في الصحف؟ هذه “أن” التفسيرية، كلمة ألا لما نفككها لسانيًّا هي في الأصل أن لا، إذن من “أن” معناها سيشرح ما الذي في الصحف “أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ” (النجم: 38) هذه واحدة، “وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ” (النجم: 39-41) إلى آخر النص. يعني واحدة واحدة، ألا تزر وازرة وزر أخرى، في النهاية سيتحمل كل إنسان مسؤولية فعله، فلن يحمل أحد حمل أحد آخر.

باسم: يعني هذا معيار سلوكي ومعيار قضائي قانوني.

يوسف: وأعلى مستوى تعبيري عن الحرية لأنها مقرونة بالمسؤولية.

باسم: يعني أربع كلمات في آية توضح لك كل هذه المنظومة القانونية الأخلاقية السلوكية التي يجب على الإنسان “أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ”.

يوسف: تتبناها كل أنظمة القضاء اليوم في العالم، “وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ” (النجم: 39). هذه أيْضًا في غاية الأهمية.

باسم: يعني أنت جهدك حتى لا تستطيع أن تطلب أكثر مما تسعى صحيح، إن طلبت فتصبح لصًا.

يوسف: نعم، جميل جدًّا. دكتور إذا تلاحظ الآن أن الصحف بدأت تركز على الفرد، لأن الوصايا ركزت على كيف يُبنى مجتمع آمن مسالم ضمن القيم، وهي التي أُخذ بها الميثاق على بني إسرائيل، الآن بدأ التركيز على السلوك الفردي، لأنه كما قلنا آخر وصية جاءت إلى نبي الله عيسى وهي إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، بدأنا ننتقل إلى مرحلة ماذا؟ إنشاء ما يُسمى اليوم بالتنمية البشرية، تنمية الفرد ذاته. فقالت له المبدأ الأول وهي تخاطب الفرد وتخاطب المجتمع أيْضًا، لا ينبغي أن يُحمَّل إنسان فعل إنسان آخر. طيب، وفي نفس الوقت ليس لك أيها الإنسان إلا ما سعيت فيضع الكرة… لاحظ كمية الأمانة –أنا أقول- والحرية والمسؤولية التي تُلقى على عاتق الإنسان، والتي سُرقت أيْضًا بفقه القضاء والقدر المنتشر للأسف الشديد. قال له “وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ” (النجم: 40).

باسم: فيه معايير…

يوسف: وفيه طرق مفتوحة، هذا… فيه معايير ونتائج سوف ترى، وفيه طرق مفتوحة وإلا… وإلا لقال لك أن سعيه قُضي وانتهى. صح؟ لو كان كما يقولون إنه كتب الله على كل إنسان أن هذا في الجنة وهذا في النار وهذا وهذا، وإلا الله كتب مسارات، وضع مسارات، وضعها مقادير يعني، طبعًا هي مسارات. الآية تقول لك “وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ”، ما زال أمامك الباب مفتوحًا وبوسعك أن تختار فتجني نتيجة ما سعيت له إن خيرًا أو شرًا.

لذلك قال “ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ” (النجم: 41)، يعني الأكثر اكتمالًا، يعني لو لم تجازه الآن ثق تمامًا أن الله بنى الكون والطبيعة والوجود بطريقة ستكفل لك أن تجزى أوفى جزاء. قد لا تُجزى لظلم اجتماعي أو أسري أو إلى غير ذلك. طبعًا عليك أن تسعى قدر الاستطاعة أن تحارب هذا الظلم، لكن لو لم يحصل ستجزاه الجزاء الأوفى.

لذلك قال “وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ” (النجم: 42)، لأن الإنسان مهما فعل في الأخير هو يبدأ من لحظة الولادة وينتهي بلحظة الموت ويبقى الوجود الرباني الكلي قائمًا ينتهي إليه كل شيء، يعني الكرة الكونية إن صح التعبير هي السقف الكلي الذي ينتهي إليه كل شيء والإنسان وجوده مؤقت من نقطة ألف إلى نقطة باء.

ولذلك قال لك “وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ” (النجم: 43)، الآن يأتيك لما قال لك لا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، سيعطيك المسارات، إذن “وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ” هل أفهم أنه مكتوب عليّ أن أضحك وأن أبكي أم…

باسم: نتيجة الفعل…

يوسف: نعم.

باسم: نتيجة السلوك.

يوسف: بالضَّبْط، فهذه طريق الضحك اسع إليها ستضحك، هذه طريق البكاء…

باسم: ستبكي.

يوسف: هذا نموذج. “وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا” (النجم: 44). أمات وأحيا أيْضًا ضمن معايير ومحددات أم ضمن… فبوسعنا أن نبحث عن هذا فنسعى قدر الاستطاعة إلى تحسين الحياة أو حتى ممكن إلى تأخير الموت.

“وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ” (النجم: 45)، طيب، العلم الآن، لما سعى الإنسان فهم النظام الكامل المتكامل لخلق الذكر والأنثى، وعرف أنها مسارات وضعها الله، وأن الإنسان أيْضًا يمكن الآن أن يسعى في هذا وهذا، وإن كان أنا طبعًا التوازن الطبيعي أميل إليه أكثر.

“مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ” (النجم: 46)، وهذه نقطة شديدة الأهمية.

باسم: حدد بالضَّبْط كيفية حدوث عملية الخلق.

يوسف: يعني صحيح أن كل مراحل الخلق هي قانون وضعه الله، لكن إذا لم تُمنَ النطفة لن يحصل الخلق. هذه تلفت الإنسان أنه أنا وضعت منظومة كاملة متكاملة في الكون لكن وضعت مفتاح عمل المنظومة بيدك أيها الإنسان، فهذه الأمانة هذا السعي.

لاحظت لماذا قال له من نطفة إذا تمنى؟ وأنه هنا قال “وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ” (النجم: 47)، هذه يعني على الله سبحانه وتعالى.

“وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ” (النجم: 48)، أيْضًا عاد فقال لك عن الأرزاق. طيب كيف يعني أغنى وأقنى؟ ضمن سعي الإنسان إذا لم يكن ضمن سعي الإنسان فأنت كذّبت بالآية الأخيرة والآية الثانية أو الأولى في الصحف. هذا كله في صحف إبراهيم وموسى، لاحظت كيف؟ منظومة بناء لفرد أو لموارد بشرية هائلة حقيقة وشديدة الإنتاج. “أغنى وأقنى”، يعني وضع لك مسارًا للغنى إن سعيت فيه ستغنى، ومسارًا للقنى، يعني ستقتصر على.. أقنى معناها ما يقتنيه الإنسان فقط لحاجاته يعني الحياة اليومية.

باسم: يعني أقل الموجود.

يوسف: أقل الموجود. طيب لماذا لم يقل أقل من كلمة أقنى؟ هذه طبعًا لفتة، لأنه لا ينبغي للمجتمع أصْلًا أن يترك إنسانًا مهما كان أن لا يجد قنيته، لا يجوز.

باسم: دون المستويات الدنيا التي تضمن حياة معقولة للإنسان.

يوسف: أي نعم، ولذلك قلنا كثيرًا، كثير من المجتمعات فيها قانون لا يُترك إنسانًا بدون دخل ولا عمل، لا، إذا لم تستطع كمجتمع أن توفر له عملًا وفّر له دخلًا، القُنية على الأقل، مبدأ أمني عظيم.

باسم: وهذا تقريبًا، لاحظ أنت يعني حتى استثنِ المجتمعات الإسلامية إلا ما رحم ربي، في الكثير من المجتمعات، غير -بين قوسين- غير الإسلامية فعلًا توفر القنى للفرد إذا لم يكن عنده عمل.

يوسف: صحيح.

باسم: توفر له المسكن والملبس والمأكل والعلاج، وإذا عنده أطفال توفر له كذلك التعليم للأطفال.

يوسف: وهذا ينعكس على شعور السلم والأمن النفسي الداخلي انعكاسًا كبيرًا جدًّا ويولد طبعًا الراحة وبالتالي الإبداع والتطوير، لكن إذا أنت بقيت في قلق أنه أنت قد تأتيك لحظة…

باسم: لاحظ كلمتان، “وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ”.

يوسف: أي نعم، إذن المساران موجودان أم مسار واحد؟ هذه أيضًا…

باسم: مساران.

يوسف: والضحك والإبكاء مساران، الله سبحانه وتعالى وضع المسارات كما قال الدكتور شحرور أيْضًا رحمه الله، وهذه سابقة له لابد أن نؤكد أيْضًا عليها، وضع المسارات وقال لك أيها الإنسان هذا المفتاح.

باسم: “وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ” (البلد: 10).

يوسف: افتح هذا أو افتح هذا أنت تختار. طيب أنا… قد يقول لي قائل لكن المجتمع يجبرني، هو هذا الظلم أو الأذى في المجتمع، أيْضًا الأفراد مسؤولون أن لا يُسمح به، أن يمسك ظلم المجتمع، وهذا شرحناه في المنظومة القيمية كيف تمس النار المجتمع إذا بدأ هذا التفرق…

“وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَىٰ” (النجم: 49) طبعًا هذه الكلمة مشكلة جدًّا في كتب التفسير، ما معنى الشِّعْرَى؟ لكن أنا سأتناولها لسانيًّا بطريقة صرفة، حرف أو صوت الألف في نهاية الكلمة هو زائد، فتبقى كلمة شِعر، وشعر عكسها رعش، الرعش هو الاهتزاز الذي يختلف تمامًا عن موضوع النظام الدقيق. فلما تقول شِعر يعني جميع المسارات الدقيقة جدًّا التي تنظم وجود هذا الكون، هناك نقطة مركزية تضم هذه المسارات فلا تجعل بعضها يتضارب مع بعض هكذا أُنشئ الكون، فالله هو رب كل هذه المسارات الدقيقة بكل تفاصيلها.

باسم: ليس الشِّعرى اليمني يعني؟

يوسف: أنا أقول هم سموا هذا على مسمى نجمة ونزلوها بعد ذلك على… نزلوها… هذا أيْضًا من…

باسم: التخاريف.

يوسف: مما يصرف الناس عن النص. لكن ما يؤكد ما قلناه هو تحدثه عن الأزواج، يعني المسارات الإضحاك والإبكاء والإغناء والإقناء والذكر والأنثى، فقال لك اختصر، أعطاك الجامع بعد ذلك “الشِّعْرَى”، يعني هذا التفرع الدقيق واللطيف لجميع المسارات يتجاوز كونه تفرعًا عبثيًّا، ليعود إلى نقطة مركزية.

باسم: ولا حظ قال “هو رب الشِّعْرَى” استخدم لفظة رب.

يوسف: ستيفن هوكينج كان يبحث في آخر حياته عن “Theory of everything” نظرية كل شيء، أعلى طموح الآن في علم الفيزياء أن يجدوا قانونًا أو نظرية يجمع قوانين الفيزياء الأخرى وعندهم حدس قوي علمي طبعًا، بأن هناك معادلة يمكن أن تصف أو يتفرع ويشتق منها كل المعادلات الأخرى التي تنظم الكون، هذا الآن موجود في علم الفيزياء، وليس أن كل قانون يعمل وحده، لا، هناك نقطة اجتماع وتنظيم وتربية وتدبير ورعاية وهي التي نقول بأن وراءها وخلفها وقبلها رب العالمين، هذا هو.

ثم عاد فذكر الفرد بمسارات المجتمعات السابقة التي كانت في الوصايا ماذا قال؟ “وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَىٰ * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَىٰ * وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ…” وذكرك السبب “إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ…” لماذا سماها مؤتفكة طبعًا؟ المؤتفكة لما نجمع النصوص القرآنية نجدها غالبًا جدًا تعود إلى قوم لوط، لأنهم ائتفكوا فعلًا مخالفًا للفطرة الطبيعية فأهواها، “فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ” (النجم: 50-54).

خلاص انتهى مضمون ما في الصحف، ألاحظت؟ هذا مجموع ما في صحف إبراهيم وموسى.

الآن نجده في مكان آخر في القرآن، أيْضًا إشارة فردية: “قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ * إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ” (الأعلى: 14-19) هذان السياقان.

 

كيف يفلح من تزكى وصلى؟

باسم: يعني أكثر من ذلك وضوح لما هو موجود بهذه الصحف يعني من أين يأتي بأكثر من هذا؟

يوسف: ماذا بعد هذا؟ طبعًا ماذا بعد هذا؟ “أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا” (الأنعام: 114). ولاحظ أيْضًا التركيز مرة أخرى على الفرد “قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ” (الأعلى: 14)، ليس زكى هنا، تزكى، والتزكي…

باسم: يحتاج إلى جهد.

يوسف: أريد أن أدخل إلى مستوى لساني أرفع قليلًا، زَكَى، ما معنى زكى؟ معناها نَمَا يعني رعى نفسه أو رعى شيئًا رعايةً تؤدي به إلى النمو، هذه هي التزكية.

طيب، الآن هو ما قال لك زكّى قال تَزكّى، هذا الوزن تفعّل، يشير إلى التدرج والصعود شيئًا فشيئًا ودرجة بعد درجة. هو قال لك في آيات سورة النجم “وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ” (النجم: 39) وشرح لك، ثم قال لك لا تقف عند نقطة يمكنك أن ترقى وتنمو درجة بعد درجة وأن تسعى سعيًا يؤدي بك إلى النمو.

باسم: إلى الزكاة.

يوسف: لا أن تبقى عالة، تصنع من نفسك عالة على الآخرين وتنتظر دائمًا أن الآخرين يكونون مسؤولين عنك، لا، اصنع من نفسك بسعيك ما ينميك وما يجعلك مستقلًّا وما يجعل قيمتك في ذاتك هذه هي.

“وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ” (الأعلى: 15) هذه الصلاة لاحظ ما أجمل معناها لما تفهمها في سياقاتها، فلما أنت تذكر دائمًا في مسعاك هذا وتزكيتك لنفسك، تذكر اسم ربك الذي قلنا رب الشِّعْرَى وأضحك وأبكى وإلى آخره هو حاضر في ذهنك، وجود هذه القوانين والأنظمة حاضرة، ماذا سيحصل؟ ستصلي، ستراجع نفسك إن أخطأت، ستهذب نفسك، ستقومها…

باسم: ستتوضح المعايير الموجودة في الذات، وبالتالي تبدأ محاسبة النفس أو الذات وفق هذه المعايير.

يوسف: نعم، ولذلك دائمًا جاءت الصلاة في آخر الصحف…

باسم: وبالتالي يقع فعل الصلاة.

يوسف: وفي آخر البر وفي آخر الصحف لاحظ، جاءت في الآخر ليست في الأول، هي… أنت لما تفهم كل شيء ستعرف كيف تصلي، لأنه توضحت كما ذكرت يا دكتور المعايير التي أصلّي بناء عليها أحاسب نفسي وأقيمها وأهذبها.

باسم: لأنه لا يستطيع الفرد أن يحاسب ذاته أو حتى المجتمعات أن تحاسب ذاتها وتحاسب أفعالها إذا لم يكن لديها وضوح في المعايير السلوكية التي تمكن من ضبط هذا السلوك.

يوسف: أي نعم.

باسم: كيف تريد أن تحاسب إنسانًا وأنت ليس عندك معايير؟

يوسف: مئة بالمئة.

 

هل الآخرة هي الرؤية المستقبلية المستدامة؟

يوسف: طيب لما قال “بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا” (الأعلى: 16) هذا فيه احتمال على كل حال ليس واضحًا جدًّا إذا كان في الصحف، لكن على كل حال “بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ” (الأعلى: 16-17) هذه فيها إشارة إلى من يتعلق بالثمرة السريعة، لأن التعلق بالثمرة السريعة غالبًا ما يولد الأنانية والظلم والاعتداء والبغي والطغيان.

وقد وصف النص كما ذكرنا…

باسم: يريد أن يهبش هبشته ويهرب.

يوسف: أي نعم. نحن وصفنا أنه ماذا؟ يؤتيهم أجورهم “فَسَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ” (النساء: 152) في آية سابقة، وقلنا إن الأجر عكس الرجأ، يعني فيه عملية التأخير كانت موجودة حتى حصلت على ما… لما أتممت العمل وانتظرت وتأنيت- طبيعة الكون أنه يبنى الشيء خطوة بعد خطوة، وشيء فوق شيء، فعليك أن تتأنى ولا تستعجل النتيجة الدنيا، لأنه دائمًا النتيجة الآخرة خير وأبقى. وهذا يعرفه على فكرة كل من صنعوا المال أو صنعوا مثلًا المباني أو صنعوا العقول حتى أو صنعوا الآلات والسيارات، يعرف أن التأني وانتظار النتيجة الآخرة هو خير وأبقى، أكثر بقاءً واستمرارًا لحياة الإنسان.

باسم: لو تطبق حتى على مستوى الأفراد، هناك أفراد مجرد ما يبدأ يفتح، لنفترض يفتح دكانًا، يريد أن يصبح مليونير في أول لحظة، من أول ما يبيع يبدأ بالغش يسرق من هذا، يا أخي أنت انتظر قليلًا، قليلًا قليلًا.

يوسف: صحيح، بالضَّبْط، لا يحترم تراتبية السنن والقوانين الكونية. وطبعًا دكتور للأسف مرة أخرى لما نقرأ هذه الآيات ماذا يذهب؟ أنه الدنيا لا قيمة لها وفكر… صحيح أنه على الإنسان دائمًا أن يستحضر فكرة الحساب ونحن قلنا عن هذا، لكن ليس هذا هو معنى الآيات أن… هل رأيت الآيات تهمل الدنيا أم أصْلًا كل العمل في الدنيا؟

باسم: كل منظومة القيم الموجودة والسلوك الموجودة هي فقط لضبط حياة الإنسان في الحياة الدنيا.

يوسف: أي نعم، لذلك لم تذم الآيات في أي آية في القرآن لم تذم الحياة هذه، هي ذمت أن تنظر إليها نظرة دنيا، بمعنى تنظر فقط أمام عينيك ولا توسّع نظرك وتمده في الآفاق لتتلمح النتائج البعيدة التي يمكن أن تنتج عن العمل المستمر.

باسم: أو ينسى أن يزكي نفسه وبالتالي فيذكر الله، فيذكر اسم ربه ويصلي.

يوسف: هو  هذا الذي يفعل هذا لماذا؟ لأنه يعيش حياة دنيا، فقط ينظر إلى النتائج الدنيا، الدنيا يعني الأقرب، الآية تستحثك أن توسع النظر وتمد الأفق وتحاول أن ترى في آخرة ما تسعى إليه أنت وما تبني فيه نفسك وما تتزكى تجاهه، ما النتائج التي ستحصل عليها. فبذلك ستدرك قيمة الآخرة وأنها خير أبقى.

ثم قال لك هذا ليس كلامًا جديدًا ولم ينزل على محمد فقط “إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ” (الأعلى: 18-19).

باسم: يعني إذا كانت المجتمعات التي كانت في عهد النبي نوح وعاد وثمود والنبي موسى كانت بهذا المستوى من الرقي وهذا التوجيه للمجتمعات بهذا المستوى المعرفي، بعض هذه المجتمعات لم تكن مجتمعات جاهلة أو متخلفة، يعني المجتمعات كانت على مستوى كبير من الرقي ومن الفهم والوعي.

يوسف: طبعًا إذا نتج تخلف ينتج فقط عن النظرة الدنيا، عن الأنانية عن الظلم عن كذا، ليس لأجل تخلف العقل لا لا أبْدًا، هو ما أودى بالمجتمعات التي أُهلكت هي إيثارها للنتائج الدنيوية، للمترفين منهم والظالمين على النتائج الأخروية البعيدة التي تمتد إلى أجيال.

ونحن قلنا إن إبراهيم عليه السلام من كلامه الأول “وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ” (الشعراء: 84)، يفكر في أمة أليس كذلك؟ من أول ما أنشأ إبراهيم البيت ماذا؟ كان يفكر في أمة. ألم يقل “وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُب عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ” (البقرة: 127-129) وبعد ذلك يقول…

باسم: يعني كان همه على الأجيال القادمة.

يوسف: طبعًا، نحن الآن مثلًا نتعامل مع الأشجار مع النفط مع الطبيعة لا نكترث بالأجيال اللاحقة، هذه النظرة الدنيوية ماذا ستفعل؟ ستفسد الكرة الأرضية بأكملها، في ارتفاع درجة حرارة الأرض وفي غيرها من الظواهر التي عندما يتكلم عنها الإنسان أحيانًا بالقرآن، يقول لك يا أخي ما دخل القرآن بهذه الأشياء؟ هكذا يقولون، ما دخل القرآن بهذه الأشياء؟ يظنون أن القرآن جاء للطقوس فقط هكذا في مخيلتهم.

باسم: للطقوس والتجويد وللغناء.

يوسف: بالضبط، للأسف الشديد يعني، وهذا مرة أخرى في الصحف الأولى، من بداية عهد البشر.

 

ما علاقة التوراة بقوانين القضاء؟

يوسف: يبقى أن يقال طبعًا التوراة والإنجيل والزبور، ما الذي كان فيها؟ إذا كان…

باسم: وفعلًا دائمًا هذا السؤال يثار أنه في ثقافة العامة أن الزبور لا أحد يعرف ما هو، وأن التوراة محرفة وأن الإنجيل محرف، يتعاملون مع النصوص الموجودة بين أيدي الناس على أساس أنها النصوص المقصودة لفظًا ودلالة في النص القرآني، لكن في القرآن واضح أن هناك فيه آيات توضح بوضوح ماذا جاء في كل من التوراة والإنجيل والزبور.

يوسف: صحيح، إذا وضحت الوصايا ووضحت الصحف ألن توضح يعني ما جاء في التوراة والإنجيل والزبور؟ لأنه قال لك “وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ” (المائدة: 48). هذا كله أصْلًا شرح وتفصيل لكلمة مهيمنًا، مهيمنًا يعني حفظه لك هذا هو مرة أخرى.

فالتوراة لما نذهب إذا كانت الوصايا أعطتك الأسس لبناء المجتمع السليم الإنساني الكلي وكانت الصحف أعطتك أسس التنمية البشرية الذاتية الفردية مع ربطها بالمجتمع، ماذا ستعطيك التوراة والإنجيل؟ إجمالًا أسس قواعد القضاء في منازعات الناس.

لأنه نجد في التوراة، لاحظ مثلًا يتحدث عن موضوع الأطعمة “كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ” (آل عمران: 93).

طبعًا هنا أنبه إلى نقطة أنه فيه آية في التنزيل الحكيم تقول “وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ…” مع أن هذه الأشياء في أصلها طيبة لماذا حرمت؟ قال لك “ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ” (الأنعام: 146).

فأراد أن لا يتخذ هذا التحريم الذي ربما تراه في التوراة شيئًا قانونًا إجماليًّا بشريًّا لأنه يخص مجموعة بشرية خاصة في ظرف خاص، قال لك هذا لم يكن محرمًا وليس تحريمه أصليًّا. لماذا؟ “كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ”، بمعنى تحريم ذاتي شخصي، إنسان لا يريد أن يأكل كذا أو لا يأكل كذا أنت حر، “لكن مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ”. إذن التحريم الذي ستراه في التوراة لهذه الأشياء هو تحريم عرضي أم أصلي؟

باسم: عرضي.

يوسف: عرضي. هذه الآية حتى لا يُحتج بالآية الثانية على أن هذا تحريم ممتد.

طيب و”إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ” (المائدة: 44) كما شرحنا هذه الآية في لقاء سابق لكن الفكرة فكرة القصاص في القضاء “وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ” (المائدة: 45).

 

كيف صحح الإنجيل تحريمات التوراة؟

يوسف: أما الإنجيل فقد نزل مُصَدِّقًا لموضوع التوراة “وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ” (المائدة: 46).

وهناك آية أيْضًا تقول “وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ” (آل عمران: 50)، هذه نقطة مهمة، أنه لما جاء الإنجيل أعاد التحليل الطبيعي لما كان محرمًا في التوراة لسبب عارض. إذن الإنجيل ماذا فعل؟ صدّق التوراة بما فيها من أحكام قضائية في القصاص…

باسم: وأزال التحريم الذي كان..

يوسف: وفي باقي الأمور هو مصدق للتوراة. لكن تبقى قضية “مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ”، هذه ذُكرت بهذا التفصيل في الإنجيل. ما معنى برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد؟ في الحقيقة أنا لما تعمقت تعمقًا كبيرًا في فهم الآية أوّلًا اسمه أحمد لا تقصد اسمه كعلم، تقصد وسمه أي وصفه أحمد الأوصاف، فأحمد في الوزن الصرفي اسم تفضيل، يعني مثل أكبر وأصغر وأعلى وأكثر وأقل، أحمد يعني أحمد الأوصاف أي أن وسمه هذا النبي سيكون أحمد الأوصاف وأجمعها لأنه سيطلب منه أن يطبق الرسالة تمام؟

إذن لماذا إذن هذه الحالة الطبيعية ينبغي أن تحصل ولماذا بشّر بها عيسى؟ لأنه كان الكتاب وصل إلى مجموعة بشرية وبقي من الناس من كانوا أميين، على فكرة الأمة، على فكرة نبي الله إبراهيم، وهؤلاء الأميون قطعًا سيحصل عندهم انحرافات فلابد أن يشملهم مفهوم الكتاب ويصحح ما حصل من انحراف في الكتب السابقة، فجاءت بشارة عيسى بهذه الطريقة.

والتي أيْضًا نقرأ ما يشبهها في قوله “الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ…”، لاحظ كيف هذا التفصيل؟ “الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ” (الأعراف: 157).

يعني أشارت التوراة والإنجيل إلى أنه من بقي من الأميين على أمة إبراهيم الأولى، ممن لم يصلهم الكتاب عندما ينحرفون لأنهم قطعًا سينحرفون بحكم الحرية البشرية سيأتي نبي فيصحح هذا الانحراف ويكون هو النبي…

باسم: ويعيدهم إلى الطريق الصحيح.

يوسف: اي نعم، ويكون هو النبي الخاتم، هذه هي. السبب الذي جعل الآيات تقول “الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ”. لكن لاحظ ركز على نقطة الأطعمة حتى أيْضًا لا يُحرّم أشياء لم يحرمها النص، ماذا قال؟ “يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ” (الأعراف: 157).

إذن أوكل موضوع الحلال والحرام إلى الطب، ما الذي يقرره الطب أنه هذا طيب أم خبيث، خلاص. إذن التحليل والتحريم في موضوع الطعام هو موكل إلى الطب، ولذلك نرى أن التوراة والإنجيل والزبور الذي احتوته هو القوانين التفصيلية القضائية.

 

كيف هيمن القرآن على الكتب السابقة؟

باسم: يعني يمكن القول كالتالي: إن القرآن حوى الزبدة التي جاءت بَدْءًا من الوصايا التي أوتيت إلى نوح والأنبياء جميعًا، وجزء من القرآن وجزء من الإنجيل، أو زبدة ما جاء بالإنجيل وزبدة ما جاء بالتوراة وما جاء بالزبور، والوصايا، كلها جُمعت في نفس الكتاب وبالتالي أصبح هذا الكتاب مهيمنًا على الكتب التي كانت سابقة، أي حفظها.

يوسف: أي نعم، حافظًا عليها.

باسم: يعني هذا القرآن الذي بين أيدي الناس هو لا يختلف عما أوتي النبيون في السابق.

يوسف: صحيح، وهو طبعًا يقول إن التوراة والإنجيل لم تُحرف، لكن هو أيْضًا يعطيك مضمونها، فأنت ستقارن، أنت ستعرف ما هي التوراة الحقيقية والإنجيل من خلال القرآن أو ابحث عنها بدون تحريفها.

باسم: دكتور يوسف شكرًا لك استمتعنا في الحوار والحديث، إن شاء الله نلتقي في جولة أخرى من “مفاهيم”.

يوسف: إن شاء الله.

باسم: شكرًا لك، شكرًا لكم وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مفاهيم”، إلى اللقاء.