تنقسمُ النظريات الاقتصادية الكبرى استناداً إلى موقفها من فائض القيمة. ثمة نظريات تعتقد أن فائض القيمة متأتٍّ من العمل؛ فالسلعة لا قيمة لها إلا عندما يُضاف لها العمل، وبالتالي فإن هذا الفائض هو ما صنع طبقة العمال، ومن حقهم السيطرة عليه وتوزيعه بالشكل العادل.
ويمكن القول إن كل النظريات الاشتراكية تتبنَّى وجهة النظر هذه تحت مسميات مختلفة. وهناك نظريات تعتقد أن فائض القيمة متأتٍّ من رأس المال؛ وبالتالي فإن من حق مالك رأس المال أن يهيمن عليه ويعيد توزيعه بالطريقة التي يشاء وبما يحقق أكبر فائدة له. مدرسة شيكاغو وبلا مواربة تعتنقُ الاعتقاد الثاني وتقدم له المبررات الكافية، والتي تدور حول الحق في الملكية؛ حيث إن ملكيته وسائل الإنتاج تبرر استحواذه على القيمة المضافة، وتوزيعها بشكل عادل تتيح له الاستحواذ على حصة الأسد بسبب إدارته الناجحة والكفؤة لعملية الإنتاج. وهو يستحق هذه الحصة أيضاً بسبب التضحية والانتظار والمخاطرة بالأصول.
انتقلت أفكار هذه المدرسة إلى صانعي القرار في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا من خلال المستشارَين، ميلتون فريدمان وفريدريك فون هايك؛ حيث كان الأول مستشاراً للرئيس الأمريكي رونالد ريغن، والثاني مستشاراً لرئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر. قادت هذه الأفكار إلى أهم تحول في السياسات الاقتصادية والذي أدخل العالم في حقبة جديدة هي حقبة الليبرالية الجديدة (Newliberalism)، والإيذان بانتهاء الحقبة الكينزية. اشتهر فون هايك، الذي كان له اتصال وثيق بمدرسة شيكاغو بآرائه المتطرفة، ضد الاقتصاد الكينزي الذي ازدهر بعد الكساد الكبير، وشهد توسعاً كبيراً في سياساته بعد انتهاء الحرب العالمية. لقد خلق الاقتصاد الكينزي ما عُرف في الغرب بدولة الرعاية الاجتماعية التي عارضت الليبرالية الكلاسيكية. ظلت الليبرالية الكلاسيكية منذ نشأتها تحارب أيَّ دور للدولة في الاقتصاد. لقد استندت النظرية الليبرالية الكلاسيكية على مبدأ دولة الحد الأدنى التي تضطلع بالأمن والجيش وسك النقود والسياسة الخارجية، ولا شيء غير ذلك. وقد قادت هذه السياسة الليبرالية الصارمة إلى انهيارات كبرى في الاقتصاد الغربي؛ كان أشدها الكساد الكبير الذي ضرب العالم الرأسمالي في نهاية العشرينيات.
قدم الاقتصادي البريطاني جون ماينهارد كينز، مقترحات واضحة ومحددة تقوم على تشخيص دقيق للأزمات. أشار كينز إلى أن جوهر الأزمة يكمن في انهيار المستهلك وعدم قدرته على شراء السلع؛ لأن هذا المستهلك لم يكن يحصل إلا على جزء بسيط من فائض القيمة لا يفي بمتطلباته الحياتية. تضمَّنت خطة كينز منح العمال دعماً اجتماعياً في مجالات التعليم والصحة والضمان الاجتماعي، يتم تمويلها من ضرائب الشركات الرأسمالية. لم يكن كينز صاحب أفكار اشتراكية على الإطلاق؛ بل كان ليبرالياً صبت جهوده في إنقاذ النظام الليبرالي من الطرق المسدودة التي وصل إليها.
لقد حققت السياسات الكينزية نجاحاً باهراً، وشهد العالم الرأسمالي نمواً وازدهاراً واستقراراً غير مسبوق في تاريخ الرأسمالية، ولكن النزعة الليبرالية المتجذرة في النظام الرأسمالي والتي تحولت إلى أيديولوجيا متحجرة، خلقت تياراً مضاداً للكينزية بدعوى أن نظامها الاقتصادي، يتعارض مع التقاليد والروح الليبرالية. أدت قوى الشد العكسي إلى بروز دعوات للعودة إلى ليبرالية القرن التاسع عشر؛ النقية والتي لم تكن تتضمن أي دور مجتمعي للدولة.
كل هذه الأفكار أدت إلى بروز ما يُعرف بالنيوليبرالية والتي أصبحت هي المتسيدة للنظام السياسي والاقتصادي في الولايات المتحدة وإنجلترا منذ منتصف الثمانينيات، وامتدت بعد ذلك إلى فرنسا وإيطاليا. بدأ فريدريك فون هايك بمهاجمة الاقتصاد الكينزي في كتابه “الطريق للعبودية”، وزعم أن هذا الاقتصاد قد زالت مبرراته تمامًا، فقد اجتاز الاقتصاد الغربي مرحلة الكساد، علاوة على انتهاء الظروف الطارئة التي ترافقت مع الحرب؛ ما يستوجب برأيه انسحاب الدولة من كل النشاطات الاقتصادية التي دخلتها وإعادتها ثانيةً إلى القطاع الخاص وإخضاعها لاقتصاد السوق.
لم تجد آراء فون هايك صدى لدى الأوساط الاقتصادية في ذلك الوقت؛ نظراً للنجاح الساحق الذي كانت تحققه دولة الرفاه وتغلغلها في مفاصل الدول الأوروبية. حاجج هايك بأن اقتصاد السوق الذي هو اقتصاد محايد؛ هو الذي أفرز الرأسمالية كمفرز طبيعي وليس العكس، فالرأسمالية ليست هي التي فرضت اقتصاد السوق على المجتمعات؛ بل إن اقتصاد السوق هو الأصل، وهو الذي أفرز النظام الرأسمالي كما تفرز شجرة التفاح حبات التفاح بشكل طبيعي، وذهب للقول إن اقتصاد السوق ليس نظاماً اقتصادياً؛ بل هو نظام مجتمعي طبيعي. لجأ فون هايك إلى السفسطة لإثبات أن التخطيط الاقتصادي، الموجه من قِبل الدولة مستحيل ولا فائدة منه، والأفضل ترك آليات السوق هي التي تعمل وتحقق التوازن المرجو وفق شروطها ومعاييرها؛ فالتخطيط الاقتصادي برأيه له تفاصيل لا تعد ولا تحصى ومن المستحيل الإحاطة بها، والأفضل ترك السوق تسير وَفق قوانينها.
لم يكن الصراع بين أنصار الليبرالية واقتصاد السوق من جهة، وأنصار دولة الرعاية الاجتماعية من جهة أخرى، صراعاً متكافئاً، ليس فقط على صعيد القوى التي تقف خلف هذين الاتجاهَين المتضادَّين؛ ولكن على صعيد التنظيرات أيضاً، والتي كانت تصب لصالح الليبراليين؛ فالتنظيرات الاقتصادية الليبرالية تأسست ونضجت ابتداء من القرن السابع عشر على يد منظرين عظام، مثل جون لوك وآدم سميث وديفيد ريكاردو.
أما علم الاجتماع الحديث فلم يظهر إلا في نهاية القرن التاسع عشر ابتداء. كانت الليبرالية بشكلها السياسي والاقتصادي قد أرست لها أسساً وتقاليد راسخة استطاعت بواسطتها مقاومة موجات النقد التي ظهرت في علم الاجتماع لاحقاً. مع تبلور الليبرالية الجديدة والتوسع في سياساتها، بات واضحاً للعيان أنها تختلف عن الليبرالية الكلاسيكية في أمر جوهري؛ حيث إنها تبنت ما يُعرف بالاقتصاد النقودي، وأصبحت النقود وحركتها غير مرتبطة بالكتلة السلعية.
كانت حركة الاقتصاد الرأسمالي الكلاسيكي تتم وفق التسلسل نقود ↤ سلعة ↤ نقود أكثر. أما في الاقتصاد النقودي الذي تضخم في الحقبة النيوليبرالية؛ فقد أصبحت النقود تنتج النقود وَفق آلية خاصة بها دون المرور بالإنتاج السلعي. في ظل الاقتصاد النيوليبرالي تضخمت المضاربات المالية وأصبحت تعادل في حجمها عشرات أضعاف تجارة البضائع. وهذا أدى كنتيجة حتمية إلى تشكل فقاعة مالية تهدد بالانفجار في كل حين. وقد شهد العالم انفجار إحدى هذه الفقاعات في عام 2008. لقد تضخمت الكتلة النقودية دون وجود مكافئ سلعي لها.
كان لتنظيرات مدرسة شيكاغو أثر أشد تدميراً على مجتمعات الدول النامية واقتصاداتها واستقرارها السياسي. فمع التوسع بالسياسات النيوليبرالية بدأت قوى العولمة من خلال أذرعها الممثلة في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، بالضغط على حكومات دول العالم الثالث؛ لتقليص خدمات الرعاية الاجتماعية والصحة والتعليم وتقليص الدعم على السلع وإزالة الحواجز أمام تدفق السلع الخارجية تحت حجة حرية التجارة. وترافق ذلك مع إجبار هذه الدول على بيع مؤسسات القطاع العام لشركاء استراتيجيين عالميين. كل ذلك بدعوى التحول إلى اقتصاد السوق واللحاق بركب الاقتصاد العولمي. كل ذلك أدى إلى تدمير اقتصادات هذه الدول وارتهانها للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
الاستراتيجية البعيدة التي تهدف إليها قوى النيوليبرالية؛ هي النفاذ المباشر لأسواق ومجتمعات دول العالم الثالث وإزاحة كل حماية توفرها هذه الدول لمجتمعاتها. ووفق هذه الرؤية، أصبحت الدولة في دول العالم الثالث عائقاً يجب التخلص منه؛ من أجل الاستفراد بالمجتمعات وأسواقها. والمتتبع لسياسة الولايات المتحدة وحليفاتها في العقود الأخيرة، يلحظ بوضوح كيف اتجهت إلى إسقاط هذه الدول تحت ذرائع مختلفة.
ولم تسلم مجتمعات الغرب من هذه السياسة؛ حيث بدأت القوى النيوليبرالية منذ التحالف الاستراتيجي بين محافظي أمريكا وبريطانيا في عهد ريغان/ تاتشر، بالهجوم على مفردات الرعاية الاجتماعية من تعليم وصحة وضمان اجتماعي. وقد أدى كل ذلك إلى إضعاف الدولة في الغرب؛ لأنها أصبحت غير قادرة على الإيفاء بالتزاماتها الاجتماعية تجاه مواطنيها والتي اعتادت على تقديمها خلال العقود الماضية. لقد أصبحت الشركات متعددة الجنسيات تمتلك سلطات أوسع من الدول، وأصبح الزعماء السياسيون مجرد واجهة لعمالقة الاقتصاد.
لم تكتفِ القوى العولمية النيوليبرالية بهذه الإجراءات المتمثلة بسحب البساط من تحت أقدام الدول ووضعها في موقف حرج أمام مواطنيها؛ بل عمدت إلى تجفيف واردات هذه الدول عن طريق هجرة مراكز التصنيع الرئيسية في الغرب والارتحال نحو الأطراف، حيث الأجور الأقل والضرائب شبه المعدومة. أدت هذه الانعطافة الكبرى للرأسمالية الغربية إلى حرمان الدولة في الغرب من جزء كبير من عائداتها الضريبية. وقد بدأ عمالقة الاقتصاد الرأسمالي بالتنصل من الالتزامات الاجتماعية وشنوا حملة تشنيع على دولة الرعاية الاجتماعية في الغرب؛ بحجة أنها خلقت جيشاً من العاطلين والمتواكلين على مخصصات الرفاه. لقد كان لذلك تأثير كبير على خطط الرعاية الصحية والتعليم في الغرب؛ قاد للكثير من الاضطرابات في المجتمعات الغربية.
لقد تنكرت القوى الرأسمالية المعولمة للدول الوطنية التي كانت الفضاء الذي تعملقت فيها رساميلها، ولم تعد تشعر بأي التزامات تجاه مجتمعاتها. يشبِّه أحد الفلاسفة الروس هذه الحقبة الجديدة بحقبة اقتصاد الدياسابورا، والذي هو اقتصاد مرابٍ. وهو اقتصاد كان سائداً في أوروبا قبل تشكل الدول الوطنية؛ حيث كان الرأسمالي المضارب المرابي يجني أرباحه ويعمد لترحيلها إلى مكان استثمار آخر. أشار ماكس فيبر إلى أن الإصلاح البروتستانتي وتشكل الدولة القومية في الغرب أدى إلى إنهاء هذا الاقتصاد المضارب؛ حيث أصبح الرأسمالي الصناعي يقوم بمراكمة رؤوس الأموال في حدود الدولة الوطنية التي ينتمي إليها. اليوم يعود هذا الشكل من الاقتصاد المعولم غير المرتبط بالدولة الوطنية.
من الملاحظ أن القوى الليبرالية والنيوليبرالية كانت تعمد على الدوام إلى توظيف المنظرين الاقتصاديين لخدمة مصالحها. ففي نهاية الستينيات استعانت الرأسمالية بتنظيرات الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر؛ من أجل تبييض صفحة الرأسمالية بعد ثورات عام 1968 الطلابية التي انطلقت من جامعات باريس، ووصلت أصداؤها إلى قلب نيويورك. لم تجد الرأسمالية في تلك الحقبة فيلسوفاً واحداً يدافع عن سياساتها؛ حيث كان المد اليساري في ذروته. وقد لجأت الرأسمالية إلى إحياء التراث الفلسفي للفيلسوف الألماني ماكس فيبر، الذي توفي في عام 1927. من المعروف عن ماكس فيبر أنه قدم أفضل المرافعات الفلسفية للدفاع عن النهج الرأسمالي، وكان يُسمى بمحامي الطبقة البرجوازية. ومن المفارقة أن الرأسمالية عمدت بعد عقدَين إلى إقصاء ماكس فيبر من الواجهة، والترويج لتنظيرات الفيلسوف الاقتصادي الألماني جورج زيمل، والذي يُعد أهم منظر في الاقتصاد النقودي. لقد كان ماكس فيبر منظراً لحقبة الإنتاج الرأسمالي الصناعي المرتبط بالاقتصاد السلعي. ومع ظهور قوى الرأسمالية المالية أصبح جورج زيمل هو رجل هذه الحقبة الجديدة. ومن اللافت أن تنظيرات جورج زمل كانت حاضرةً ومؤثرةً في تنظيرات فلاسفة مدرسة شيكاغو.
في حقبة الاقتصاد النقودي، تراجع دور المصنع لحساب الدور المتعاظم للبنك. وقد لاحظ الدارسون لسياسة حزب العمال البريطاني، أنه أصبح مرتهناً في سياساته لأرباب بيوت المال، وتنكر لماضيه العمالي تماماً؛ خصوصاً في عهد زعيمه توني بلير.