Skip to content Skip to footer

ما هو التلحين؟ وما الفرق بين الموسيقى العربية والغربية؟ | حسن زكي

مقدمة

باسم: أهلا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. في حلقة اليوم نلتقي الدكتور حسن زكي. دكتور حسن، ما شاء الله عليك، أنت فنان، ملحن، وشاعر، وفنان تشكيلي، وخطاط. كيف جمعت كل هذا معًا؟ هل هناك جذر واحد يجمع كل هذه..؟

حسن: والله، أرى منذ الطفولة أن الفنون في مصب واحد، وربما من منبع واحد في نفس الوقت. أنا كنت شغوفًا جدًا بصريًا بالخط العربي في البداية، بحكم أن العائلة فيها أجداد وأخوال وأعمام يعملون في الخط العربي في الأصل. وعلاقتي بالكُتّاب ككل الريفيين؛ فأنا من ريف بحري، فالكُتّاب كان يدرّس قديمًا الحساب والخط العربي في مصر، وأنا حضرت هذه الفترة، في..

باسم: تقصد بالكُتّاب الكتاتيب؟

حسن: نعم، الكتاتيب.

باسم: الكتاتيب.

حسن: ثم كان الكتّاب أيضًا له علاقة بالموسيقى، لأنني عملت عريفًا في الكتاب، أي مساعد الشيخ، “مساعد سيدنا”، لفترة. فبدأت علاقتي من هنا بالموسيقى والخط العربي واللغة من الأساس، باعتبارها قرينة للقرآن.

 

ما معنى التلحين؟

باسم: ندخل في موضوع التلحين، مثلًا، عندما نقول إن فلانًا ملحن، ماذا يقصد بذلك حقيقة؟

حسن: حسنًا، دعنا نرجع إلى الجذر اللغوي لكلمة “لحن” أو “لَحَن” أو كذا. قديمًا، عندما كنا نسمّع اللوح في الكُتاب، كان الشيخ يضربك على يدك إذا “لَحنت”، فيقول لك: “لا تلَحن، ما تلحنش هنا”. فاللحن هو خروج اللفظ عن مألوفه الإيقاعي، وهذا يخلّ بالتجويد كما يخلّ بالعروض. فكلمة “لحن” أو “لَحَن” تعني أنك تخرج اللغة عن مدارها الإيقاعي، أو عن مدارها العروضي أو التفعيلي.

باسم: تقصد تخرج اللفظ؟

حسن: نعم، اللفظ. أنت بهذا تفعل له خللًا إيقاعيًا، إذا كان خللًا فقط يكون نشازًا، لكن يمكن أن يكون هناك خلل حسن، فيكون الملحن موهوبًا، أو اللحن الذي وضعته داخل هذا اللفظ، غيرت الأضلاع العروضية أو الإيقاعية أو الزمنية داخل هذا اللفظ. فأنت أمام لحن موهوب، صاحبه موهوب، لكن “لحَنَ” في الأساس “اللحن” بمعنى نشّز، أصاب خللًا في اللفظ.

باسم: يعني خرج عن المألوف؟

حسن: خرج عن المألوف في عروضية وبنية اللفظ.

باسم: فهمت عليك، أي بصوت اللفظ، بشكل دقيق.

حسن: نعم.

باسم: طيب، الملحن. دعنا نأخذ مثلًا بليغ حمدي، ملحن، بليغ حمدي مثلًا مشهور أنه “رقّص” الأغنية المصرية، أي جعلها “تتنطط”. على أي أساس اعتمد في تحريك اللغة؟ وهذا ربما يقودنا إلى العلاقة ما بين اللفظ والوتر.

حسن: في الأساس، يا دكتور، علينا أن نرجع إلى المكان الذي استقى منه بليغ منهجه، إذا جاز التعبير. بليغ كان نصب عينيه الشيخ سيد درويش، وكان يلخص سيد درويش في ذهنه على فكرتين، أتصور ذلك. الأولى: اهتمامه بالكورس أو الكورال أو الجوقة، فقد استخدم بليغ الكورال فترات طويلة كما فعل سيد درويش. لكن سيد درويش كان لديه الحجة المثلى، لأنه كان يعمل في المسرح أكثر. كما اهتم أكثر بليغ بالتعددية في الإيقاعات، فكان لديه بطلان: إيقاعات، بطله الثاني، والكورال. حتى كان بليغ أحيانًا إذا لم تكن تفهم فلسفته كمستمع، تتخيل أنه أحيانا يدخول الكورال بشكل.. ما المبرر لدخول الكورال هنا؟ هو كان يحب صوت الكورس، بليغ، يحب تصنيفه وتوظيفه كآلة أو كمطرب. أما التلحين في أساسه، عند بليغ أو غيره، فهو على ثلاثة أوجه: 

الوجه الأول: أن تركب إيقاع النص فقط.

باسم: أي أن يأتي على القصيدة نفسها؟

حسن: نعم، هناك أمثلة كثيرة لو أردت أن أعطيك نموذجًا. عند أستاذ عبد الوهاب، مثلًا: 

“قولي عملك إيه قلبي؟ قلبي اللي أنت ناسيه… قولي، قولي عملك إيه قلبي؟.. قولي عملك إيه قلبي؟”

لا يوجد فعل كبير هنا، إي نعم عبد الوهاب سيغير بالداخل، لكن “قولي عملك إيه قلبي؟” نفس التفاعيل.

باسم: نفس تفعيلة…

حسن: الكلمة، الجهد سيبذله عبد الوهاب داخل اللحن، داخل تغييراته. هناك أكثر من لحن بهذا الشكل عند أكثر من ملحن. هذا هو الشكل الأول للتلحين أنني أمتطي الإيقاع. إيقاع الكلام.

باسم: إيقاع اللفظ. إيقاع الصوت.

حسن: نعم، وهناك ناس تعمل “سبوت” على لفظة بعينها، يعني لفظة بعينها يغير فيها الشكل، يريد أن يضع إضاءة كبيرة على هذا الشكل كما مثلًا عند.. الأستاذ عبد العظيم عبد الحق مثلًا في “سحب رمشه” لقنديل يقول:

“ساااااحااااااب رمشه ورد الباب، كحيل الأهداب…” تلاحظ كيف قال: “سحب” “تاااا تاااا”. هو يريد أن يعطي إيحاء فعل السحب هذا، أو فعل الزمن الطويل هو يريد أن يقول إن حبيبه جاء رمشه طويل جداً، فقال الذي هو… فلو افترضنا أنه سيقول “سحب رمشه ورد الباب” فقدت التعبيرية الخاصة بها.

باسم: ضاع التعبير، نعم، التعبير الحقيقي الموجود في اللحن.

حسن: فهو مشى وراء… نعم، فهو عمل “سبوت” على هذا اللفظ “سحب”، هو سحب، لكن عم عبد العظيم عبد الحق لما لحن قال ” ساااااحااااب رمشه” عشان يقول لك مدى طول الرمش هنا.

من قبل كان مثلاً سيد درويش كان عنده مثلاً “عشان ما نعلى ونعلى ونعلى لازم نطاطي نطاطي”، هنا جزء ثانٍ من التعبيرية عملها على مستوى مش “الفوليوم”، “التوناليتي”، هو ارتفع بالـ “تارا تارا تارا” “لازم نطاطي نطاطي”. هذا شكل ثانٍ من التلحين وتعبيرية أخرى يضيفها، سيد في المساحة هذه.

يوجد جزء ثانٍ، أن أعمل جملة موازية للفظ، وهذا أصعب أنواع التلحين، أتصور، وأجملهم، -دعنا لا نقول أحكامًا مسبقة على الأشياء- لكن هو أكثرهم مداعبة للخيال في الحقيقة. يعني ستجد مثلاً نماذج كثيرة هنا، ستجد مثلاً “والله عليا دين وندر شمعتين، والله عليا دين وندر شمعتين، شمعة لأم هاشم، وشمعة للحسين والله والله”، هذا نموذج. فيه نموذج آخر مثلاً عند كثيرين -هم كُثر في الحقيقة هذا الشكل- “والله تستاهل يا قلبي، ليه تميل ما كنت خالي.. أنت أسباب كل كربي”. أخذت بالك أنت من الجزء الذي يقول “والله”، نحن لا نزال في حرف “الواو”، كل هذه المساحة، “والله تستاهل.. فذلك ما بين المعنى الموسيقي الموازي للفظ، وما بين التعبيرية المواتية مباشرة للفظ، وما بين ركوب إيقاع اللفظ أو امتطاء الشكل الإيقاعي للفظ.

 

إيقاع اللفظ

باسم: هذا يقود إلى سؤال: أليس للفظ أيضًا موسيقاه منه فيه؟ بمعنى أن اللفظ يفرض إيقاعه؟

حسن: نعم.

باسم: واستخدام الوتر ليكون متساوقًا مع إيقاع اللفظ، بمعنى أن اللفظ موسيقاه داخلية؟

حسن: قطعًا.

باسم: فمن المفترض للملحن أول شيء أن يكتشف موسيقى اللفظ، أو ما قد عبّرت عنه أنت بـ”عروض اللفظ”، أي التقطيعات الصوتية الموجودة في اللفظ. فهل هذا يدرس؟ يتم تدريس هذا؟ نحن درسناه في المدارس، حسنًا، ولكن هل الملحن هو موهوب أصلا ، أم يمكن أن تعلم كيف تصبح ملحنًا؟

حسن: في الأصل، صرفية إلهية. كما يقال “الوهب”، “وهب” في الأصل، الدراسة تصقل أشياء أخرى. تصقل، يعني قد يكون داخلك شيء تريد التعبير عنه، والعلم يساعدك على هذا التعبير. الدراسة تساعدك.

باسم: نعم، تُسهِّل عليك الوصول إلى التعبير؟

حسن: نعم، ولكن قد تستغرق سنوات طويلة جدًا في إجراء قد يكون بسيطًا للغاية، لو كنت دارسًا، تقوم به ببساطة شديدة. ولكنك تريده، تريده وتعرفه، تعرف ما تريد أن تفعله بفعل الموهبة. لكن الدراسة هي الطرق الأقصر لتنفيذ هذه الأفكار. أنا ظني أن الدراسة يمكن أن تصنع موزعًا موسيقيًا ماهرًا، أو عازفًا ماهرًا، قائد أوركسترا قطعًا، مثلًا، إلى آخره. ولكن ملحن؟ لا، الملحن “وهب”، يعني نسبة “الوهب” فيه كبيرة جدًا أكثر بالدراسة. دعنا نعود إلى سؤال حضرتك عن الموسيقى الداخلية للفظ. حضرتك عندما تقوم ببحث عن موضوع ما، أعتقد أن أول كتاب تمد يدك إليه في المكتبة لن يكون مُرضيًا مهما كان، حتى لو كان الحل الأول. لن يكون مرضيًا لك كباحث. فهناك كم مستوى.. السؤال هنا: كم مستوى للموسيقى الداخلية؟

باسم: للفظ؟

حسن: للفظ. السؤال هنا، لأنه توجد موسيقى على سطح اللفظ مباشرة. التي نستطيع أن نلبسها شكل الإيقاع، الإيقاع نوع من الموسيقى. إيقاع اللفظ هذا نوع من الموسيقى، ولكن هذا هو الكتاب الأول الذي تمد يدك تحضره، الحل الأسهل. ولكن، هل هناك موسيقى أكثر عمقًا؟ قطعًا، هناك موسيقى أكثر عمقًا، وهناك طبقات من الموسيقى داخل اللفظ الواحد. تُكتشف على قدر الصرف، على قدر الوهب.

باسم: على قدر الوهب؟

حسن: الوهب.

باسم: دعنا عند هذه النقطة. أنا عندي فكرة مختلفة تقريبًا معنى اللفظ ربما هو ما يفرض على الملحن شكل الوتر أو شكل النوتة.

حسن: المعنى هو الموسيقى الموازية. هو الشكل الثالث، وهو فكرة معنى اللفظ. معنى اللفظ قد يكون لونًا مغايرًا عن منطوقه. مثل استخدامنا لكلمة “شرى” و”اشترى”، التي تنتمي إلى الجذر الواحد، ولكن يمكن أن يخرج بأكثر من شكل على مستوى المعنى، هو نفس الجذر اللغوي.

باسم: صحيح، نعم، كلامك سليم.

حسن: مضبوط هكذا. ولكن الفكرة هي أنه مثلًا “يا حبيبي”، يعني “يا حبيبي”، هذا نداء للحبيب. يمكنني أن أضعها في سياق مُعتم، لونه غامق. أو يمكن أن أضعها في سياق لونه مبهج، برتقالي مثلًا. أو يمكنني أن أضعها في سياق تساؤلي.

باسم: عندما تصل إلى هذا المستوى، حيث يكون لديك لفظ يمكن أن تستخرج منه أكثر من مستوى من المعنى وتوظفه بموسيقاك، كيف يتبدى هذا الوعي باللفظ أو بمعنى اللفظ؟ كيف يتبدّى في النوتات الموسيقية؟ أنا لا أفهم معنى اللفظ فقط، ولكن يمكن بالموسيقى تستطيع إيصال المعنى عن طريق الوتر.

حسن: دعنا نقوم بتجربة على أي شعر قديم، مثلًا:

“المرءُ يُعرفُ في الزمانِ بفضلِهِ/ وخصائلُ المرءِ الكريمِ كأصلِهِ”. دعنا نأخذ هذا كنموذج. لنرى، لو ملحن ما تناوله، فما أول شيء سيظهر له، سنرى الشكل هذا. أنا اخترت مقامًا في البداية، وأنا الآن في مقام النهاوند. سأبدأ بتجربة شكل معين، سأقول مثلًا:

“المرءُ يُعرفُ في الزمانِ بفضلِهِ/ وخصائلُ المرءِ الكريمِ كأصلِهِ”، قد يبدو مرضيًا بنسبة، الشكل هذا، “المرءُ يُعرفُ في الزمانِ بفضلِهِ/ وخصائلُ المرءِ الكريمِ كأصلِهِ”. ولكن في الحقيقة، هذا الشكل لا يزال مساويًا لنفسه. لم يُحدث شيئًا. لم يحدث شيئًا بعد. لم يحدث تساؤل سببته الموسيقى، لا يزال سهم الكلام أعلى.

باسم: من الموسيقى؟

حسن: نعم، فيما جربناه. حسنًا، لنحاول القيام بأي كسر في هذا الجدار التعبيري. كسر بمعنى خرق لما هو مألوف. هذا، إذا اعتبرنا أن هذا هو المألوف على نفس المقام:

“المرءُ يُعرفُ في الزمانِ بفضلِهِ/ وخصائلُ المرءِ الكريمِ كأصلِهِ”. هناك شيء حدث، ولكنه ليس عظيمًا بعد.

باسم: ولكن صار فيه تغيير.

حسن: نعم، صار فيه تغيير. قصدي نحو التعبيرية. لكنها لم تتحقق التعبيرية الكاملة. فالملحن هو في حالة التجريب الدائم هذا، وهو المتذوق الأول لما يفعل، بالقطع. حسنًا، لو وضعت:

“المرءُ يُعرفُ في الزمااااانِ بفضلِهِ/ وخصائلُ المرءِ الكرييييمِ كأصلِهِ”، مثلًا. رغم أنني لجأت إلى ما يُسمى “المعلبات” (القوالب الجاهزة)، يعني دخلت على مقام الصبا، وهو مقام حزين، يُفترض فيه شجن زائد. ولكن، أحدث تغييرًا. ربما كان هذا المقام هو الأكثر اتفاقًا مع هذا الكلام.

باسم: من يحدد الانتقال من حالة إلى حالة مثلًا؟

حسن: تقصد من مقام إلى آخر؟

باسم: من مقام إلى آخر.

حسن: من إيقاع إلى آخر؟

باسم: نعم، أو من إيقاع إلى آخر. أعني، عندما تقرأ جملة ما، لماذا اخترت هذا الإيقاع وهذا النمط؟ لماذا لم تختر النمط الثاني، أو نمطًا آخر؟ ما الذي يحدد ذلك؟ ذوقك مثلًا؟ هل تفرض ذوقك على السامع؟ أم أن توليفة الملحن نفسه، فهمه، عروض الكلمة، الوتر المستخدم، التوليفة نفسها هي التي فرضت نفسها على المستمع؟

حسن: والله، دكتور، أعتقد أن كل هذا ذوق الملحن، ثم خبرته، ثم مشاعره. يعني، كل هذه التوليفة تفرض نفسها. لا يوجد شيء منفصل عن الآخر.

باسم: ما فهمت.

حسن: نعم، أنا مثلًا يكون لدي تعبير مسبق في ذهني، والكلام معي أقرأه، أرى أن هذا أختار له المقام الفلاني والإيقاع العلاني لكن حينما أتناول الآلة، أو الموضوع أتناوله من خلال الآلة، اللفظ يتبدّى لي في صور مختلفة، عندما أدخل أنا داخل النص نفسه. لأنك ما زلت تطرق الباب، تستأذن أهل الحكاية. كأنك كما لو أنك داخل بيت فيه سكان. الحروف هذه، من وجهة نظري، هي كما قال ابن عربي: “الحرف أمة من الأمم”.

باسم: نعم، صحيح.

حسن: نعم، فهم ما زالوا هناك، وأنت لا تعرف هذه العلاقة، واشتباكاتها، وتركيباتها.

باسم: بين أصوات الحروف؟

حسن: بين أصوات الحروف. ربما هناك صوتان في منتهى اللطافة، ولكن عندما يأتيان وراء بعضهما يسببان لك أزمة، والعكس. وأيضًا، أنت مشدود من الاتجاهات الأربعة. أنت رهين التعبير، ورهين الإيقاع، ورهين أن تخرج نغمًا، وانتقالات نغمية، وإيقاعًا، وانتقالات إيقاعية. فأنت رهين مساحة كبيرة جدًا. إذا لم تترك نفسك كمن يتعلم العوم، فأنت كملحن…

باسم: نعم، يعني تترك نفسك وتصبح أسيرًا؟

حسن: نعم، تتوحد مع النص مبدئيًا. ثم تستمع إلى ما أنتجته في الجلسة الأولى بشكل محايد. أنت لست الشخص الذي أنتج هذه الموسيقى. لابد من العودة إلى البصيرة الأولى. حتى بعد يوم مثلًا، تقوم بتسجيل هذا الشريط وتستمع إليه وأنت محايد تمامًا.

 

العلاقة بين النص والملحن

باسم: في هذه الحالة، إذن، ما هو دور كاتب النص؟ يعني، دور كاتب النص هو أن يضع معانيه الخاصة، مستواه المعرفي، تجربته الذاتية، يضعها داخل النص. وبالتأكيد لديه رسالة أو معانٍ حمّلها لهذا اللفظ الذي أعطاك إياه، وطلب منك أن تحوله إلى موسيقى. الآن، هل الملحن قادر على إيصال نفس المعنى الذي قصده كاتب النص إلى السامع؟ أم قد يزيد عليه أو ينقص منه أو يتدخل في طريقة توصيله؟

حسن: هو قطعًا سيتدخل، باعتباره أصبح الآن في مرحلة التلحين. هذا نوع من التدخل. ولكن أحيانًا يقع في الخلل، وهو ألا يوصل مفهوم النص بشكل كامل، حتى لو كان هناك قصدية في عدم التوصيل الكامل. وأحيانًا يوصل النص بشكل كامل. أنا أتصور أن الكتابة هي الوجبة، والموسيقى هي الطبق الذي تُقدَّم فيه هذه الوجبة.

باسم: بشكل تقديمي؟

حسن: نعم، وأحيانًا أخرى تتجاوز الموسيقى النص. لدينا بعض النماذج العربية التي فيها.. إن لم تكن قدمًا بقدم، فهو تجاوزها أحيانًا، اللحن. ولكن وجهة نظري أنا أن الملحن ليس مطالبًا أن ينقل المشاعر…

باسم: نعم، ليس مطالبًا؟

حسن:أن ينقلها بالحرف. لأنه أصلًا.. يا دكتور لو قلت لك لفظًا مجردًا كـ”بحر”، كلمة “بحر” فقط، بالتأكيد تعني عند الدكتور، وعند المستمعين الآن، كل على حدة، تعني آلاف المشاعر وآلاف اللقاءات وآلاف الـكذا. عندما أعطي أنا كشاعر أو كاتب للنص خمسة أو ستة ملحنين نفس النص، الذي يحتوي على كلمة “بحر”، مثلًا، لكل بحره الخاص، أصلًا مبدئيًا. ثانيًا، لو كانا توأمين، أي الشاعر والملحن، فسيكون لدينا مساحة من التعبيرية مضمونة إلى حد كبير، أنهما سيعبران من وجهة نظر متقاربة. لكن هذا ليس في صالح النص ولا في صالح الموسيقى بشكل كامل.

باسم: نعم، يعني ليس بالضرورة أن يكون هناك اتفاق مثلًا؟

حسن: لا، ليس بالضرورة. ستخدم أحيانًا ولكن ليس طوال الوقت ستخدم. يعني، إذا رأيت الأستاذ عبد الوهاب مثلًا مع أحمد شوقي في “مضناك”، المعارضة الخاصة بالقيرواني. هذا اللحن نصيبه، لم ينتهِ منذ أن لُحِّن. تم تقديمه في نسخة كوميدية في أحد الأفلام العربية، “كروان الفن وبلبله”، وتم تقديمه أيضًا في الدراما، وتم تقديم النص الأصلي الخاص بالرحبانية في “يا ليل الصب”. ولكن انظر مثلًا إلى عبد الوهاب هنا، بعد أن تجاوز:

“مضناك جفاه مرقده *** وبكاه ورحم عوده

حيران القلب معذبه *** مجروح الجفن مسهدّه

ثم جاءت النقلة التي حدثت:

جحدت عيناك زكيّ دمي *** أكذلك خدك يجحده؟

قد عز شهودي إذ رمتا *** فأشرت لخدك أشهده

بيني فى الحب وبينك ما.. إلى آخره.

ما الذي جعل عبد الوهاب هنا يحوّل -وهو عبد الوهاب- من الإيقاع التقليدي الذي بدأ به في “مضناك” إلى “جحدت عيناك”؟ “وأنت تعلم، رباه شوقي”. هل تفهم كيف؟ ولكن هذه حرية عبد الوهاب هنا. هل كان يصح أن تتم هذه النقلة في مقطع آخر غير هذا؟ نحن كمستمعين لن نقبل ذلك الآن، لأنه أصبح علامة مميزة. أصبحنا نعلم أن نقلة “الراست” هذه في “جحدت عيناك”. ولكن ربما كانت تأتي في مكان آخر.

باسم: كان يمكن أن تكون أفضل مثلًا؟

حسن: لا، ليس القصد الأفضلية. القصد هو أن هذا الشكل الذي بناه عبد الوهاب، هل هو.. أنت تعلم النص الموسيقي الآن، يا دكتور، وتعلم النص المكتوب. صحيح؟

باسم: نعم.

حسن: أيهما تفضل؟ أنا آسف أنني قلبت الحوار هكذا. أيهما تفضل الآن؟

باسم: الذي سمعته؟

حسن: نعم.

باسم: لا، أطربتني جدًا هذه “جحدت عيناك”.

حسن: إذن، يُقال عنهما: “لو ألقيتهما في البحر لخرجا كما هما”. صحيح؟ لقد ارتبطا ببعضهما البعض. النص الموسيقي، أي الملحن، والنص المكتوب الذي كتبه أمير الشعراء. هل من الجائز أن تكون هناك وجهات نظر أخرى في هذه الكتابة؟ نعم. حتى عبد الوهاب نفسه، يمكن أن يخرج لنا بلحن ثانٍ. ربما، وربما كان لديه داخل النص نفسه تجارب أخرى، ولكن هذا ما ارتضاه ليخرجه للناس. هناك أكثر من شكل.

بمناسبة عبد الوهاب، الشيء بالشيء يُذكر. انظر إلى التانجو الذي تم عمله في الثلاثينيات. (عزف موسيقي).

باسم: حوارية؟

حسن: ثم جاء منه:

“سهرتُ منه الليالي/ مال الغرام ومالي”.

باسم: جميل.

حسن: شكل التانجو هذا، ما الذي جعل عبد الوهاب يبني هذا البناء؟ والتانجو هذا قالب ليس ملكنا، ولكنه أصبح من تراثنا بعد أن قدمه عبد الوهاب، أصبح موجودا في تراثنا. ولكن لكي تقوم بتقديم هذا الشكل أو المقطع التمهيدي، لتقول:

“سهرت… ترارارا… منه الليالي… مال الغرام ومالي”،

كان قبل هذا التوقيت يتم تقديم القصيد العربي بشكل مختلف تمامًا. أتحدث موسيقيًا. وحتى ما تزامن مع هذا، كان يُقدَّم بشكل مختلف أيضًا. عبد الوهاب أتصور أنه كان من القلائل الذين يرون كيف أُلحَّن معنى النص، وليس كيف أُلحَّن النص.

 

دور الخيال في التلحين؟

باسم: نعم، هذا السؤال أيضًا. فعلاً تحدثنا عنه في البداية: هل التلحين يشمل اللفظ ذاته أم يشمل معناه، أم يشمل المعنى واللفظ معًا؟ نحن ذكرنا أن هناك أحيانًا موسيقى تسير وفق موسيقى العروض نفسها. الآن بدأنا نتحدث عن تلحين المعنى نفسه أو تحويل المعنى إلى موسيقى. سؤال آخر: أريد أن أسأل أيضًا عن دور الخيال، دور الصورة. يعني، مراتٍ يأتيك نص يحتوي على صورة، سواء كانت صورة ثابتة أو صورة متحركة، والأفضل أن تكون الصورة متحركة. وفي رأيي، هذا ما يميز ما بين المطرب الأصيل والمطرب ابن الشارع، الذي يقول لك كلمتين وتنساه.

حسن: المؤدي، نعم.

باسم: أو المؤدي. لأنك تشعر أن الموسيقى تحتوي على صورة، واللفظ يحتوي على صورة، والصوت يحتوي على صورة. يعني، هذه التوليفة الثلاثية تعطيك صورة تجعلك تستمتع بالخيال الذي بدأ يتولد في ذهنك. وأيضًا، إن الموسيقى تخاطب مشاعرك أو أحاسيسك، وبالتالي تشعر بالمعنى. يعني، تصل إليك ثلاثة

 أشياء تقريبًا متوالفة. هل كل الملحنين يستطيعون الوصول إلى هذه المرتبة، مثلًا، أن يوصلك المعنى بموسيقى جميلة تحتوي أيضًا على خيال أو صورة متحركة؟

حسن: طيب، نحن من المفترض أننا متقلبون بين أوجه التلحين: أن أمتطي إيقاع اللحن، ثم أن أعبّر عن لفظة داخل اللحن تعبيرًا موسيقيًا، ثم أن أصنع لحنًا موازيًا للكتابة. هذا كله، أتصور يا دكتور، أنه خطوات في طريقنا إلى النسخة البحتة. هذا رأيي، خاصة أننا مجتمعات…

باسم: عندما تقصد بالموسيقى البحتة، هل تعني الموسيقى بدون لفظ، بدون غناء؟

حسن: قوالب موسيقية غير مغناة، قوالب آلية.

باسم: آلية؟

حسن: نعم، لأننا مجتمع “ميلودي”، مجتمع يعتمد على الصوت. يعني، الصوت عندنا هو الأساس. بناؤنا الموسيقي أفقي، بينما البناء الغربي بناء رأسي.

باسم: صحيح، نعم.

حسن: يحتوي على هارمونيات. لكن عندنا “المونو”، الصوت هو صوت “سوليست”. حتى لو استمعت إلى آلة، ستجدها تؤدي “السولو” تنتهي، ثم يأتي المطرب ليقول كذا، أو الآلة الأخرى تقول كذا. لذلك، لكي نخرج من النتيجة التلحينية، النتيجة التأليفية حتى تسلمنا هذه الحالة إلى حالة أخرى، لكي نسمع موسيقات كثيرة، لدينا في حياتنا الآن أصبحت موجودة، لكن في 1800، كانت هناك تحميلة أو اثنتان أو خمس أو ست قوالب صغيرة. كان العدد بسيطًا جدًا في مصر. ولكن بعد فترة، أصبح لدينا مؤلفون موسيقيون. أنا أتحدث عن المؤلفين ذوي القيمة، أي الأعمال التي يقف عندها التاريخ. مثلًا، ستسمع موسيقى مثل “ذكرياتي” التي قام بها الأستاذ القصبجي. سأسمعك جزءًا منها. أنت بالتأكيد تتذكرها، والمستمعون أيضًا يتذكرونها: (لحن موسيقي طويل). إلى آخره.

هناك مقولة تقول إن هذه كانت مقدمة “رق الحبيب”، وأم كلثوم رفضتها، فحوّلها القصبجي إلى قطعة موسيقية اسمها “ذكرياتي”. وهناك من يقول إنها كانت منذ البداية قالبًا موسيقيًا. الخيال هنا، سؤال حضرتك، الخيال في الموسيقى البحتة حر.

باسم: بمعنى؟

حسن: أنا كمستمع أقيس نفسي كمستمع، وليس كموسيقي طوال الوقت. لأنني كمستمع، لدي لفظ يقول كذا، ولدي نغم يقول كذا.

باسم: يعني، كيف أتخيل هذا؟

حسن: لا، أيضًا أنت طوال الوقت تقوم بعمل مواءمات. عندما يقول لك أحدهم، يا دكتور، شيئًا، ويقول لك آخر: “السيارة تنتظرك بالخارج”، وأنت لديك عمل ثالث تريد إنجازه، فأنت في حالة شتات. غصبًا عنك، لست في حالة “نقاء” كامل للاستماع. لاحظ أن الموسيقى لغة، سواء أجدنا قراءتها وفهمها أم لا. هي لغة. بل على العكس، هي لغة أكثر شيوعًا لأنها تتعامل مع الجميع.

باسم: أبو حامد الغزالي كان له قول…

حسن: في السماع، نعم.

باسم: يقول: “من لم يطرب لموسيقى الكون أو للانسجام الموجود في الطبيعة، فأكيد عنده نفس مشوهة”، أو شيء من هذا القبيل.

حسن: قبل أن ننتقل لفكرة السيمفونية الكونية أو المؤلف الكوني، تخيل أنك تتعامل مع وسيط واحد يخاطبك، حتى لو كان متعدد الأصوات، هذا الوسيط. يعني، أنا أستمع إلى موسيقى تحتوي على الفيولا والبيانو والكمان والعود، وغير ذلك. أستمع إلى كل هذه الآلات، لكنها تخاطبني بلغة واحدة. لاحظ الحيادية هنا التي أقصدها.

باسم: نعم، صحيح.

حسن: لكن عندما يدخل المطرب ليغني، سواء كان يغني لاتينيًا أو عربيًا أو أي شيء آخر، فأنت تعتبر أحدهم خلفية ذهنك سيفعل ذلك إذا لم يكن متدربًا على الاستماع الجيد.

باسم: يركز على أحدهما ويترك الآخر.

حسن: يعتبر أحدهما خلفية أو خفيًا.

باسم: إما المطرب أو الموسيقى.

حسن: نعم.

 

الفرق بين الموسيقى الغربية والشرقية

باسم: في حالتنا، أي في الحالة العربية، كنت أريد أن أسأل السؤال لماذا، مثلًا، في المجتمعات الأخرى، بدون تفصيل أين هي، هناك إنتاج موسيقي بحت، كما تسميها موسيقى حرة بحتة، بينما في المجتمعات الشرقية يكون المطرب جزءًا أساسيًا من الموسيقى؟ بالعكس، المطرب هو من يسوّق للموسيقى المصاحبة له. لدينا أمثلة كثيرة في حياتنا، أمثلة أصبحت خالدة ومتكررة، وكل الأجيال تستمع إليها. ما رأيك في هذا؟ هل يعود إلى ماذا؟ هل يعود إلى أن هناك مجتمعات أنتجت سيمفونيات دون أن يصاحبها أي همس، بينما نحن أنتجنا غناءً فعلًا خالدًا ومطربًا ويحرك الجسم؟ أنا دائمًا أقول: الموسيقى التي لا يتمايل معها الجسم لا تُعتبر موسيقى، بينما عند الآخرين الموسيقى التي لا تحرك ما في الدماغ من صور وخيالات لا تُعتبر موسيقى. لدينا نوعان من الموسيقى: الأولى يتمايل معها الجسم، وبالتأكيد لا الجسم يتمايل إلا إذا فهم، والثانية لا يتمايل معها الجسم، لكن العقل يفهمها. ما سبب الاختلاف؟ هل يعود الاختلاف إلى اللغة أو إلى مبنى اللسان الذي يتحدث به هذا القوم والموسيقى المتضمنة في اللفظ؟ أم أن هناك شيئًا مختلفًا آخر؟

حسن: والله، المرجع لأمرين. أتصور أنه أولًا، المجتمع العربي مجتمع “جواهرجي” في الكلام، مثل محل الجواهر. هو يعلم أن المتنبي فيه كذا، ويحب أحمد شوقي، ويحب البهاء زهير، ويحب معلقة عنترة أو عمرو بن كلثوم أو…

باسم: بمعنى: اللفظ هو الأساس؟

حسن: اللفظ هو الأساس. وهذا ما صنع “السوليست” أو البطل الفرد. المجتمعات الغربية مجتمعات جمعية، حتى في الموسيقى. لذلك، عملت فكرة الجمع، البناء الذي ذكرته لك، البناء الموسيقي المتعدد التصويت. عندنا، بالطبع، محاولات عربية، ولكن هذا ما أخّر فكرة التأليف الآلي أو التأليف الموسيقي البحت. لكن نحن لدينا منجز آخر هم لن يستطيعوا الوصول إلينا فيه. لنكن منصفين في هذا. فكرة “الميلودي” أو الجملة الجميلة موسيقيًا عندنا، توازي الشعر أيضًا. ستجد مثلًا الشيخ القباني، والشيخ علي محمود وبطانته، وداوود حسني، وسيد درويش، ومحمد عثمان، وعبده الحامولي، إلى آخره. تركوا لنا منتجًا ليس ضخمًا فقط، بل مخيفًا من حيث الجمال ومن العدد، كمًا ونوعًا. عندما ترى مثلًا الشيخ علي محمود في “أسماء الله الحسنى” وتدريبه للبطانة أو للكورس، تجد أن البطانة ذاتها مخيفة وتؤدي خطوطًا، عرفناها فيما بعد باسم “الأكابيلا” أو التصنيف، أي توظيف الأصوات البشرية آليًا. فتسمع شيئًا تعرفه، يعني كلنا أيضًا نعرفه. فمثلًا:

“نسألك يا من هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم”.. هذا الكورس “الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار”، ثم الشيخ علي محمود يدخل قائلًا: “الله”، “الحق الوكيل”، كورس آخر: “القوي الـ..”. متدربون بشكل جيد جدًا، يتعاملون كأنهم فرد واحد. وهذا منجز بسيط. أنا لا أقصد أن هذا نموذج. نحن تأخر لدينا.. نعم.

حسن: نعم، لدينا مؤلفون حاليًا أصبحوا مصنفين بالخارج، مثل الأستاذ عبده داغر، رحمه الله. عم عبده داغر، عازف الكمان. عم عبده داغر مصنوع له تمثال في نادي الخالدين في ميدان الخالدين في برلين، مثل موتسارت وبيتهوفن. هناك عبده داغر. وقد رأيت الورقة التي كُتبت عن عم عبده، والتي جاءت من ألمانيا ثم فيينا ثم هارفارد، تصفه بأنه صاحب الموسيقى الكلاسيكية الصوفية الحديثة. يعني، وضعوا الكلاسيكية مع الحديثة. وعم عبده لديه هذا الشكل، حقيقة. وشيء غريب جدًا أن تجمع بين، ليس نقيضين، ولكن بين متباعدين في الحقيقة: الحداثة والكلاسيكية في الوقت نفسه. وعم عبده أخذ الشكل الآلي هذا، وأصبح يؤلف موسيقى بحتة. وهناك آخرون بالطبع. في القرن الفائت كان هناك إنتاج موسيقي كبير. لكن أعتقد أن مزاجنا الجيد هو الذي أخّر تأليف الموسيقى.

باسم: أخّر تأليف الموسيقى الحرة؟

حسن: البحتة.

باسم: نعم، البحتة. أكمل في هذا الموضوع. عندما طرحت المقارنة بين النموذجين، لا يعني أنني وضعت طرفًا مقابل طرف آخر.

حسن: نعم، قطعًا.

باسم: هذه نتيجة ثقافة ونتاج ثقافي. وكلاهما مقبول. يعني، العربي العادي قد لا يستمتع، مثلًا، ببيتهوفن. قد لا يفهمها. لكن تجده يستمتع ويتسلطن الطرب عندما يسمع مثلًا عبده الحامولي أو أم كلثوم أو فلان أو علان من الأسماء الكبيرة هذه. والعكس صحيح. هناك مجتمعات أخرى تمكنت من إنتاج موسيقى حرة.

أنا رأيي أن إنتاج أوروبا أو المجتمعات لموسيقى حرة ربما يعود إلى موضوع انسجام اللسان واللغة. يعني، انسجام المفردة المستخدمة في تلك الثقافات على عكس ما هو موجود، مثلًا، في الثقافة العربية. يعني، اللفظ في الثقافة العربية، مثلًا، محكوم بقواعد صارمة لضبط المعنى باللفظ أو اللفظ بالمعنى. بمعنى أن الدال يجب أن يبقى مطابقًا للمدلول، وإلا تصبح اللغة مهلهلة. تصبح اللغة “أميبية”، لا يمكن ضبط معناها.

حسن: نعم.

باسم: ولهذا تمكنت المجتمعات العربية من إنتاج هذه الموسيقى المتوالفة، ولم تنحُ، أو لم تذهب إلى الموسيقى الوحدانية أو الحرة أو غير المغناة، لأنها تمتلك ثروة من المعاني في اللفظ.

حسن: في إحدى الدوريات العربية، كنت أكتب مقالة عن “دولة القراء” في مصر.

باسم: دولة؟

حسن: دولة القراء. كنت أسمي السلسلة هكذا. كنت أبحث في أوراق قديمة في أحد الأماكن. فاكتشفت أن جمعية المؤلفين (والملحنين) في باريس كانت قد أرسلت لمشايخ كبار، مثل شيخ أو اثنين من مصر. أعتقد أن أحدهما قد يكون الشيخ مصطفى إسماعيل أو علي محمود. أرسلت لهم مبلغًا كبيرًا جدًا بالدولار للورثة. فقالوا لهم، ماذا تعني هذه الأموال؟ مثلًا، هل باع المصحف مجودًا لإذاعة تونس أو القاهرة وأخذ المال وانتهى؟ فقالوا لهم: لا، هم تعاملوا معه في باريس، مع الشيخ، مع هذا الصوت كمؤلف موسيقي. هم تعاملوا مع النص كنص موسيقي.

باسم: نعم.

حسن: هذا تعضيدًا لما تقوله يا دكتور. فقالوا: لا، لا. أنتم لكم حقوق، ولم يُستدل على العنوان، لكم رقم كبير، ملايين من الدولارات. هذا جزء له علاقة بما أقول.. أريد أن أضيف أن المنجز الموسيقي الذي أنجزته دولة القراء، قراءةً وتوشيحًا، هو منجز ضخم جدًا. وتكئة، أكبر، أو على الأقل يشابه منجز الكنيسة في أوروبا خلال عصر النهضة. يمكننا مقارنة المساحتين. الكنيسة في أوروبا، رغم أنها كانت تقهر المبدعين، إلا أنها تمتلك منجزًا تشكيليًا ومنجزًا موسيقيًا لا ينكره أحد. لكن عندنا، دولة القراء، أو المسجد إذا جاز التعبير، أو لنقل “دولة القراء”، تمتلك منجزًا لا يقل أهمية عن ذلك. أنتجت لنا منجزًا ضخمًا جدًا. وفي النهاية، أنت لأنك شخص تستطيع أن تتذوق المعنى، بمعنى أن تلوكه وتهضمه، لثراء قريحتك ولثراء لغتك من قبل، لغة لهذا الثراء كما ذكرت يا دكتور..

باسم: إن غنى اللفظ، بمعنى أن هذا المعنى واسع ويمكن استخدام أجزاء منه في الكثير من المناسبات أو في الكثير من السياقات، يعطي للموسيقار أو الملحن حرية أكبر في اختيار اللحن. وهذا هو دور اللسان، دور اللفظ. يعني، دور اللفظ في تشكيل الوتر، في تشكيل الصورة، في تشكيل المعنى، وأيضًا المفهوم، يعني، من أين نستقي مفهومنا الموسيقي؟ من اللفظ المصاغ نفسه؟ من الكلمة نفسها؟ أم من معنى سابق على اللفظ؟ لا يمكن أن يكون فقط من مفهوم سابق. أكيد مفهوم سابق على اللفظ.

حسن: دعني أستعير مقولة الإمام علي: “متى عرفت الله يا إمام؟” قال: “من ساعة ألست. ألست بربكم؟ قالوا: بلى”. ونحن في عالم الذر، أنت في تكوينك، يا دكتور، بأمر الجينات، لا يمكن إحصاؤه ووضعه تحت المجهر. عندما تسمع مثلًا اللفظة الفلانية، تطرب، حتى لو سمعتها بصوت أجش. تذكرك بشكل ما بمساحة ما، بتفكير ما، بتاريخ ما. أو تسمع النغمة العلانية من آلة بعينها، فيحدث لك نفس الشعور. حبلك الجيني اللامتناهي الممتد منذ آدم، محمل بمجموعة مشاعر، تصدرت لك عبر أب أو صديق أو أخ أو أم. أنا أتحدث، أيضًا، جينيًا. فضلًا عن أنك تمتلك لغة ذات قيمة لفظية. ليس انحيازًا للعربية، أعتقد أن المجامع اللغوية وصلت لما يشبه ما أقوله. هي أكثر اللغات جذرًا. لها أكثر من جذر لغوي. هناك من يرفض الآن فكرة المعاني، ويقول: “اللغة العربية لا يوجد فيها شيء يساوي كذا. ليست معناها كذا”. هي لغة الأضداد.

باسم: يعني، المقصود ليست الضاد. المقصود أن اللسان العربي، دعنا نقول كالتالي، تجاوزًا للغة، هو اللسان. حقيقةً، اللسان العربي ألفاظه ولادة للمعاني وفق السياقات المختلفة. وأنه لا يوجد لفظ يساوي لفظًا آخر في المعنى إذا اختلف المبنى. هذه قاعدة ذهبية جدًا في اللسان العربي. أي لفظتين مختلفتين في المبنى لا يمكن أن يشتركا في المعنى.

حسن: يعني، أنت يا دكتور…

باسم: يعني، لا يمكن أن يتماثلا في المعنى. لكن يمكن أن يرادف لفظٌ لفظًا آخر.

حسن: يتجاور، يعني، وليس يرادف بالمعنى. إذا قلت لصديق أجنبي: “جاء” غير “حضر”، و”جلس” غير “قعد”. سيشعر أنك.. يعني، هناك شيء من الخلل، لأن لغته، إلى حد ما، محدودة. وفكرة أنه حتى عندما تذهب إلى معنى اللغة وعلماء النحو، مثلًا العلماء الكبار، يقولون لك مثلًا: الفاعل مرفوع لقيمته، قيمة الفاعل الرفع. فتحس أن هناك فلسفة للنحو، والمفعول منصوب لقيمته، لأنه مفعول به. يعني، فحتى هذه الفلسفة التي ما وراء اللفظ، أنا أتكلم عن قيمتها داخل اللغة، داخل الجملة. أن هذا مرفوع لكونه فاعلًا، وأن هذا منصوب. يعني، حتى لا توجد لغة عندها… دعك من أن هناك لغات لديها “قواعد” وفيها كل شيء، لكن إذا وضعت نفسك مقابل شخص يتحدث لغة أخرى وقلت له: إن “أتى” غير “جاء”، وإن “جلس” غير “قعد”.

باسم: قد يستهزئ بك.

حسن: يعني، نعم، سيشعر أن هناك مشكلة. لكننا نعلم الآن أن “كذا” تعني أنه كان نائمًا، وأن الآخر كان واقفًا فجلس. هذا التباين الدقيق الذي يجعلنا نقول مجازًا إن “جلس” يرادفها “قعد”، يرادفها مجازًا، لأنها ليست مرادفًا.

باسم: لا، دعنا لا نتفق على معنى الترادف. يعني هنا أن معنى يردف معنى آخر، وأن هناك تشابهًا في بعض الحروف في اللفظين، لكن التماثل ممنوع.

حسن: مفهوم، وهذا ما أريد أن أصل إليه.

باسم: أن يماثل لفظ مختلف في مبناه لفظًا آخر في معنى آخر، هذا هو الممنوع. أما أن تترادف المعاني… يبدو لي أن الناس تخلط ما بين الترادف. طبعًا الناس تقول: لا يوجد ترادف في اللغة العربية بمعنى أنه لا يوجد تماثل. بينما الترادف…

حسن: التماثل غير الترادف، قطعًا.

باسم: نعم، التماثل هو التطابق التام في المعنى لمعنيين مختلفين في المبنى.

حسن: هذا غير موجود.

باسم: أتفق.

حسن: أنا أقصد أيضًا أن الموسيقى، تخيل عبأها الأكبر حين تتعامل مع لغة بهذه الحساسية. يعني، لغة بهذه الحساسية. تخيل، نحن لنا كم دقيقة نتحدث عن الفرق بين التماثل والترادف، ونحن عربيان، أليس كذلك يا دكتور؟ لكن أنت كموسيقي، حين تتعامل مع لغة بهذه الحساسية وهذا الثراء، فأنت أمام مشكلة أخرى. أنا أتصور أيضًا أن الملحن الذي يولد في لغة أخرى مهمته أسهل من وجهة نظري.

باسم: صحيح، لأنه ليس لديه هذه الفواصل أو هذه الفروقات الدقيقة بين الألفاظ.

حسن: نعم.

 

كيف يتخطى الملحن العقبات؟

باسم: لأن هناك موسيقى في الألفاظ، لكن لا توجد موسيقى في المعاني في سياقاتها بنفس الموضع. وهذا ما أريد أن أقوله، بالتالي: كيف يستطيع الملحن أن يتخطى هذه العقبات؟ يعني، ما المستوى المعرفي الذي يجب أن يكون عليه الملحن حتى يستطيع أن يتعامل مع هذه الفروقات الدقيقة بين الألفاظ ومنتجاتها المعرفية؟

حسن: بعد إلمامه المناسب بالموسيقى ومقاماتها وإيقاعاتها، أعتقد أنه يجب أن يكون على لغة لا تقل عن وطيدة، في علاقته باللغة، وحساسيته هو باللفظ. لأنه أحد مصنعي الإحساس وأحد مصنعي الملمس أو “التكتشر”. يعني، أريد أن أقول لحضرتك، كما قلنا في المثال الذي ذكرناه عن الانتقال من النهاوند إلى الصبا، يمكن أن نستحسن الاثنين. هل هناك حل ثالث؟ نعم، هناك حل عاشر أيضًا لهذه الحكاية. لكن ذلك راجع إلى فكرة، أولًا، معايشته للنص، وفض بكارته كما نقول، واستخراج الجواهر المكنونة داخل هذا النص مبدئيًا، كقارئ أولًا. لأنه، خذ بالك، الملحن هو قارئ بصوت منغم. هو قارئ جيد. يعني، المفترض أن يكون من القراء رفيعي المستوى. الملحن، أصلًا، يمكنك أن تقول عنه إنه قارئ رفيع المستوى. لأنه سيصدر قراءته هذه لمستمعيه. ما الفرق بين قارئ يجيد فن الإلقاء وبين الملحن؟ فهما الاثنان منغمان، يا دكتور. نعم، فأنت قارئ. بالمناسبة، الملحن هذا قارئ، لكنه قارئ جيد يصدّر ذوقًا يُفترض فيه أن يكون رفيعًا.

باسم: يعني، بشكل مجرد، كملحن أتاك نص أول ما تقرأ النص، أين تبحث؟ هل تبحث عن معنى اللفظ أم عن الموسيقى في اللفظ؟

حسن: أنا تأتيني ولادة قيصرية، كما يقولون. أول شيء يصدم مخيلتي طوال الوقت هو المعنى.

باسم: المعنى؟

حسن: ثم المبنى، بما فيه الموسيقى. لكن أنا لا يشغلني أبدًا اللحن المصاحب. أنا كملحن، وهناك بالتأكيد أشخاص تختلف مدارسهم عن ذلك، فاللحن المصاحب بعد أن يصبح لحنًا. أنا لا أنشغل بهذا أبدًا. أنا أعيش النص وأقرؤه حتى الحفظ، وأقرؤه مرة ثانية وثالثة، إلى أن يعطيني أسراره هذه. وأنا يمكن ذات صباح أو مساء ما، أجد جملة موسيقية تأتي.

باسم: نعم، أحسسته.

حسن: نعم.

باسم: يعني، لا يمكن أن تكتب موسيقى، بمعنى لا يمكن أن تضع جملك الموسيقية إلا بعد أن تفهم النص بشكل جيد أو تتخيله، مثلًا، أو تتمثله.

حسن: نعم، أحيانًا أكتب أو ألحن مباشرة لشيء، وأنا مضطر. إذا كان شيًا مطلوبًا في توقيت معين. لكن الشكل الأمثل بالنسبة لي هو الشكل الذي ذكرته.

باسم: أن تعيشه.

حسن: نعم، أعيشه، وحتى يعطيك سره ويعطيك لحنه. وتكون مساحة المونتاج فيه بسيطة جدًا. لأنه يكون قد وُلد مكتملًا.

 

كيف يتم اختيار الآلة الموسيقية للحن؟

باسم: على أي أساس تختار الآلة الموسيقية للتعبير عن المعنى؟ هل هي توليفة جمالية أم توليفة لها أيضًا مدلولات معرفية مستمدة من المعنى المستقى من اللفظ؟

حسن: الحاكم هنا هو المدلول الجمالي. الحاكم الأصلي في توزيع الجملة على آلة أو غيرها او أخرى، هو الحاكم الجمالي. لكن إذا كانت الجملة عبقرية إلى حدٍ تسمح لنا أيضًا بأن نضع فلسفة داخل التوزيع، فهذا شيء عظيم جدًا. تخيل جملة تريد أن تعبر عنها بصوت أنثى. العود صوته مذكر، فسأضع “كمنجة” مثلًا. إذا كان هذا الوعي حاضرًا في تلك اللحظة، سأضع “كمنجة”. التشيلو صوته ذكوري أيضًا. مثلًا، فأنت…

باسم: نعم، حتى الأدوات مصنفة.

حسن: نعم، صحيح. مراحل الوعي متعددة أيضًا داخل التنفيذ. في البداية تقول: “أريد جملة ثانية تقولها آلة ثانية”، نوع الآلة الذي لم نختره بعد، فتجرب. المفروض أنها سيدة، التي ترد هنا، فالعود لن يناسب، حتى لو قالها العود بشكل جيد، لكنه لا يصلح، مثلًا.

 

ما دور المطرب؟

باسم: تحدثنا كثيرًا عن هذا، لكننا لم نتحدث عن المطرب، عن المؤدي، مثلًا، أو عن الذي له دور في إيصال المعنى والمشاعر الكامنة في اللفظ. ما دوره أيضًا؟

حسن: كان يشغلني منذ الصغر، يا دكتور، كلمة: “هذا الصوت مثقف”. فكنت أقول: كيف يكون الصوت نفسه مثقفًا؟ كنت أسأل نفسي هذا السؤال طوال الوقت. فاكتشفت أن الصوت المثقف ليس بالضرورة أن يكون قارئًا للشاطبية أو الأجرومية أو حافظًا للمعلقات. إذا كان قارئًا لها، فهذا جيد جدًا. لكنه، في الأصل، يجب أن يكون مثقفًا موسيقيًا. بمعنى أن يكون مدربًا جيدًا، قام بتمارين الصوت بشكل جيد، وأتقن تدريبات النفس. ثم يأتي بعد ذلك. نفهم نقرأ ونتثقف، ونتثقف بشكل عام، لكي يكون الصوت محملًا بالمشاعر. لكن في الأصل، الصوت المثقف فقط هو الصوت الذي قام بتمريناته كصوت. ثم يأتي الجزء الآخر من الثقافة تضيف لهذا الصوت، ولكن إضافتها بعد اكتماله كصوت. يعنى كيف يكتمل كصوت؟ أن يتدرب كصوت في الأصل، ثم تضاف له هذه الحليات البسيطة على الصوت التي هي ستعطينا نحن كمستمعين، أنه عندما يقول لي “ريم على القاع بين البان والعلم”، أشعر أنه يفهم ما معنى “ريم”، ومعنى عندما يتكلم عن لفظ ضخم، وليس مجرد أنه قادر على تأديته، لكن أيضًا لو كان مثقفًا سيحملنا جزءًا مما حُمل هذا الصوت من وعي. الصوت هذا حين يحمل من وعيه، و”يا سلام” كذلك لو هذا الصوت كامل ومدرب. وبالتالي، إذن هو في البداية يجب أن يتدرب كصوت ويتثقف كصوت. ثقافته كصوت تتعلقة بقدرته على أداء مهامه كصوت، مثل القيام بتمارين الصوت (فوكاليز وسولفيج)، وتمارين التنفس، ومعرفة الممنوعات من الأكل والشرب والأشياء المؤذية للصوت، وعدد ساعات النوم، إلى آخره. وبعد ذلك، يتثقف كشخص عادي. هذا ما يُضفي على الصوت الثقافة أو اكتمال الثقافة.

باسم: هل يتدخل الملحن في اختيار الصوت، مثلًا؟

حسن: طبعًا، هذا جزء أصيل من عمل الملحن، وهو اختيار الصوت.

باسم: حتى لو كان الصوت مشهورًا؟

حسن: بالطبع، نحن نتحدث عن ما يجب أن يكون، أليس كذلك؟

باسم: نعم، أنا أتحدث عن ما يجب أن يكون أكاديميًا وبشكل واضح.

حسن: نعم، إذا كنت قد أعددت اللحن أو كتبت الموسيقى، ورأيت أن الصوت المطلوب يجب أن تكون مواصفاته واحد، اثنان، ثلاثة، وإذا جاءك صوت مواصفاته واحد واثنان فقط، لكن ينقصه العنصر الثالث، فلن يكون مناسبًا. يعني، أنت بحاجة إلى صوت تتوفر فيه المواصفات الفلانية كي يؤدي اللحن.

باسم: يعني، أنت كملحن تأخذ قصيدة وتلحنها، وتضع لها الألحان وكل شيء، ثم تقول: “لكي يتم تأدية هذه الموسيقى، أحتاج إلى صوت بهذه المواصفات”.

حسن: نعم، إذا لم تكن هذه المواصفات موجودة أمام عيني، سأقول: “أنا بحاجة إلى صوت غائب بمواصفات واحد، اثنان، ثلاثة”.

باسم: لكن إذا كان لديك، على سبيل المثال، صوت مثل أم كلثوم، هذه الأصوات التي كان من الصعب أن يتدخل الملحن فيها أصلًا. بالعكس، كان هناك ملحنون يطربون أو يفرحون بأنهم لحنوا لأم كلثوم أو لعبد الوهاب.

حسن: أصلًا، مع مثل أم كلثوم، ستكون الخلافات حول الجملة الموسيقية، لكن الصوت مكتمل. يعني، لن تكون لديك طلبات موسيقية غير متوفرة، لأن كل شيء متوفر. لكن ستكون المشكلة، مثلًا، أنها قد ترغب في تغيير الجملة قليلًا لأنها راقصة بعض الشيء، ولا يصح أن تقولها أم كلثوم. ستكون هناك خلافات في هذا المعنى. لكن صوت أم كلثوم، ما هي الطلبات التي يمكن أن يحتاجها ملحن في هذا الصوت ولا يجدها؟ لكن إذا نزلنا مستوى أقل من أم كلثوم، ستكون الخلافات أو العراك في مساحات أخرى، ليس حول جملة لا تعجبها أو ترغب في تغييرها، وإن كان لكل شخص حقه في هذا. لكن ستكون أزمتك الحقيقية أن المطرب قادر على إقناعك كملحن بأدائه للجملة أم لا. ليس مثل المثال الخاص بالسيدة أم كلثوم.

باسم: نعم، يعني، قد يكون هناك مطرب لا يقنعك بأنه قادر على حمل الموسيقى الخاصة بك.

حسن: نعم، بالضبط، هذا يحدث كثيرًا.

 

ما أهمية ثقافة المطرب؟

باسم: ما دور ثقافة المطرب أو المغني أو المؤدي في أن يكون فعلا لديه صوت مثقف، كما سميته، وقادر على تحميل هذا الصوت المعاني التي شعر بها أو فهمها من النص، وأيضًا التلاؤم مع الموسيقى؟

حسن: بالطبع، إذا افترضنا أنه يؤدي نصًا فصيحًا، ولغته غير سليمة، حتى لو جلس معه مصحح لغة وقال له كذا وكذا، فإن خبراء اللغة سيلاحظون أنه يسير على الحبل بالكاد، بالكاد أدى. أنا أتحدث عن مستوى اللغة فقط. لكن إذا كان لديه لغة ولديه إحساس بالألفاظ وإحساس بالمخارج والصفات، إلى آخره، فحتى لو كان لديه بعض الأخطاء وقام مصحح اللغة أو الملحن أو الشاعر بتصحيحها له، فلن تشعر بها كمستمع، مهما كانت درجة شفافيتك وحساسيتك للغة. لأنه بالفعل لديه أرضية. أنا أتحدث عن صفوة المستمعين. لأنني أتحدث عن مساحة من المستمعين، وليس عن العوام..

باسم: بالطبع، العوام لديهم موسيقاهم العامة، التي تؤدى وتُنسى. يعني، تسمعها وبعد خمس دقائق تنساها. وهذا يبدو لي السبب فيها، هل هو مثلًا هبوط مستوى وعي السامع والمؤدي مثلا وحتى الملحن؟ لأن الموسيقى المصاحبة للأصوات هي موسيقى “أي كلام”. ما السر، مثلًا، الذي يجعل موسيقى مثل أم كلثوم وعبد الوهاب وكل هذه الثلة ما زالت خالدة؟ وأنا متأكد أنها ستعيش مئة أو مئتي سنة أخرى، بينما ما تسمعه اليوم تنساه غدًا؟ في بعض الموسيقى المحلية. هل لها مثلًا أن الكلمات المختارة سيئة أو أن الثقافة متدنية أو أن الألفاظ متدنية أو أن الموسيقى، كما نسميها، موسيقى “بنت الحارة”؟

حسن: والله، أتصور أن ما يُنتج من موسيقى سيئة هو لأن هناك موسيقى غير سيئة تُنتج أيضًا. هذه الشريحة من الناس في البداية كانوا مهمشين. أنا أكلم حضرتك على إجراء اجتماعي. فهم ارادوا أن يقولوا إن لدينا أشياء أنتم أيضا لا تفهمونها، أنت تتحدث أمامنا “بالنحوي”، أقدم لك تحليلًا اجتماعيًا للحكاية، فهو أراد عمل شيء، أنت أيضًا لا تفهمه أو تتواصل معه، أو على الأقل سيضايقك، يسبب لكم ضيقًا. فهذه شريحة ستهضم ذاتها بعد وقت قليل أو كثير. أتصور أنه لن يأخذ وقتًا كبيرًا، أنا أعرف ناسًا تشتغل في الوسيط السيء هذا، ولا تسمع غير أم كلثوم أصلًا، لكنه يعمل لأن هذا “أكل عيشه”. أنا ضد هذا. يعنى ضد الشكل هذا من التعامل، لكن وهو يتعامل معي على أنه ليس لديه فصام أو شيء آخر، يعنى هو يحب أم كلثوم لكن يعمل في هذا النوع، وهو يسميها “حاجات” أشياء، يعني لا يسميها موسيقى أو كذا، لكن في النهاية هناك موجات من الموسيقى ظهرت في أوروبا في السبعينات مثلا كانت نتيجة تهميش أيضًا، في توقيت ما كان فيه مساحة “رسمية” كبيرة مسيطرة على الأشياء، لكن نحن لأن ذائقتنا راكزة وقاعدة، وعندنا أم كلثوم وعندنا عبد الوهاب وعندنا..

باسم: أظن موسيقى الراب ظهرت نتيجة الإهمال يعني ردة فعل على..

حسن: هي ردة فعل اجتماعية من الشباب المهمش هذا. أتصور، لكن هو خلل بالقطع يعنى، هو خلل مثلما ما حضرتك طرحت في البداية يا دكتور، إنه خلل على مستوى اختيار الكلمة. أنا أقدر أحاسب أم كلثوم لو اختارت كلمة سيئة، يعنى أنا أحزن. صح؟ طيب أنت ستحاسب من هنا؟

باسم: صح

حسن: من ستحاسب من هنا؟ هو لم يثبت شيئًا في ثقافته تقول إنه يفهم، بالمعنى يفهم لغويا أو موسيقيا، هو مازال يحبو تجاه كذا، ربما تخلص هذه النتيجة لموسيقى جيدة تستمر في التاريخ ربما.

 

ما الفرق بين أم كلثوم وفيروز؟

باسم: أريد أن أسأل سؤالًا قبل ما ننهي، نعمل مقارنة مثلا ما بين نفس اللغة أو نفس اللسان العربي، لكن الموسيقى اختلفت، مثلا نأتي على موسيقى فيروز، تجد الشعراء الذين يكتبون، يكتبون عن القرية وعن الضيعة وعن شجرة البرتقال، تحس فيه.. وعن العصافير وعن صوت المطر وعن صوت.. وعن النار في وقت البرد، التدفئة، تحس وتحس، والكلمات المستخدمة بسيطة جدا، باللغة الدارجة العامية بسيطة، لكن الصورة التي تحسها أنت، الصورة تحس بوجود فيلم، يدور، وغني بالصور، وغني بالألوان. ستستمع للطقطوقة الصغيرة أو الأغنية الدقيقة، بينما عندما تستمع لأم كلثوم تشعر مثلًا بوجود شكل من المشاعر مختلف، يعنى هناك لغة أرقى، معناها الصورة أيضًا تختلف معانيها الوجودية، فيها اختلاف. أنت كملحن تحب أن تلحن هذا النوع أم ذاك النوع؟ أم أن الملحن عادة يكون ملحنًا له طريقته في الاختيار مثلا؟

حسن: الملحن المفروض أن يعرف تلحين الألوان كلها.

باسم: المفروض.

حسن: المفروض، هذا ما ينبغي أن يكون عليه. لكن خذ بالك، المثال عند السيدة فيروز مثلا، فيروز وراءها مؤسسة، وفيروز ذاتها مؤسسة، صوت مؤسس أنت أصبحت في مساحة من.. يعنى من في الوطن العربي لن يتذكر مثلا (لحن موسيقي طويل). فيروز صوت في ثلات، أربع ثواني، يستطيع أن يضعك في “الحالة الشعورية” مباشرة. صوت الرحبانية، حتى عندما عبد الوهاب لحن لها “سكن الليل”، هي أخذت من عبد الوهاب غنت له “يا جارة الوادي”، وكم لحن أيضًا. وبعدها عبد الوهاب لحن لها..

باسم: “سكن الليل”.

حسن: عدة ألحان جديدة، يعنى “جارة الوادي” كانت ألحانًا قديمة، عبد الوهاب غناها، فلما لحن “سكن الليل”، حدثت جملة “بار” طويلة، جملة طويلة عبد الوهاب لحنها، رأى فيروز من زاوية أخرى، فهم كانوا مؤسسين، لأنهم يصنعون مؤسسة صدارتها اسمها فيروز. لكن المقارنة هنا مقارنة لطيفة جدا بين أم كلثوم التي تقدم المعاني الكبيرة والقصائد العربية، أيضًا فيروز قدّمت قصيدة عربية أيضًا، حتى لو بشكل موشح، لأنها تعرف إمكانياتها، أنها تغني السريع واللطيف، رغم دقة وسلامة صوتها أيضًا. لكن تخيل هذا عصر كان فيه كل هؤلاء، ومعهم فايزة، ومعهم وردة، ومعهم قنديل، ومعهم أصوات، عندنا وديع الصافي، سعاد محمد، عندنا أصوات كانت.. تخيل روحك في هذا التوقيت يا دكتور وأنت شاعر أو ملحن عندك كل الباقة هذه من.. عندك “جنينة” وليس باقة ورد فقط.

باسم: تحتار من تشم من الورد؟

حسن: نعم، بالضبط.

باسم: دكتور أنا بجد سعدت، وأنا أمتعني الحديث حقيقة.

حسن: كثر خيرك يا دكتور.

باسم: وكان ودي أن نستمر لأن فيه أمثالًا كثيرة، وفيه أيضا مواضيع كثيرة يمكن مناقشتها، لكن الوقت ضيق. إن شاء الله يكون لدينا لقاءات أخرى في “مجتمع”.

حسن: بإذن الله قريبًا.

باسم: شكرا لك دكتور، وشكرا لكم وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”.