في أقدم كتب السياسة “الجمهورية” للفيلسوف أفلاطون، طُرحت فكرة بناء الجمهورية أو الدولة العادلة على أسسٍ تقوم بالدرجة الأولى على تربية المواطنين تربيةً صارمةً. وكانت الشريحة الأهم التي أولاها أفلاطون اهتمامه هي شريحة الجند وحرس المدينة. ومما ذُكر في هذا السياق أقدم طرحٍ لما أصبح اليوم يُطلق عليه اسم (وطن)..
الوطن الميتافيزيقي
في أقدم كتب السياسة “الجمهورية” للفيلسوف أفلاطون، طُرحت فكرة بناء الجمهورية أو الدولة العادلة على أسسٍ تقوم بالدرجة الأولى على تربية المواطنين تربيةً صارمةً. وكانت الشريحة الأهم التي أولاها أفلاطون اهتمامه هي شريحة الجند وحرس المدينة. ومما ذُكر في هذا السياق أقدم طرحٍ لما أصبح اليوم يُطلق عليه اسم (وطن)، بما يحمله من دلالات تشير إلى الرابطة المشتركة بين الأفراد من جهة، والأهم في هذا السياق رابطة الأرض من جهة أخرى. الجغرافيا حتى وقته لم تكن حاسمةً في الرابطة الأقوامية. فتمدُّد الإمبراطوريات وتقلصها وانتقال مراكزها في العالم القديم جعل من الجغرافيا مفهوماً مائعاً غيرَ حاكمٍ لمعنى الوطن بنسبته إلى الأرض المشتركة. ولما كان الهيلينيون (اليونان القدماء) قد ركنوا للتنظيمات السياسية كما ظهرت عند الفينيقيين -أي نمط “الدولة المدينة”-، فقد كان أن جاءت منتجاتهم السياسية منسجمةً، وربما في بعض الحالات ناسخةً، لتلك التي يطلقون عليها مؤلفات الأجداد. فقد فطن أفلاطون لأهمية تعزيز شعور الانتماء إلى الأرض عند الجُند وحرس المدينة، واقترح على لسان سقراط أن يتم انتقاء الأساطير المفيدة لتعليم الجند، وقام باستعارة أسطورةٍ فينيقيةٍ من مدينة قدموس في سوريا. مضمون تلك الأسطورة أن قدموس حين قتل الثعبان زرع أنيابه في الأرض لتعود وتنبت محاربين، وبذلك رأى أفلاطون أن الأسطورة تُقنع الجند أن أمهم الحقيقية هي الأرض التي تولَّت احتضانهم، ثم أرسلتهم لسطحها ليقوموا بواجب الدفاع عنها. وقد كانت هذه الأكذوبة السورية المتضمنة في (الجمهورية) هي الحاملَ الأقدم لفكرة الوطن بمعنى أرض المنشأ. وقد أكمل أرسطو هندسة البناء السياسي باستجلاب فكرة الدستور من دستور القرطاجيين الحاضرة الفينيقية على البحر المتوسط، جاعلاً من الفضيلة رائزاً للعمل السياسي. وبعده جاء الأفلاطونيون الجدد والرواقيون اللاذقانيون مثل بانتاينوس (Pantaneus) ولونجينوس (Longinus) ليوسعوا حدود الوطن من جديد ويكرسوا رؤية الرواقيين في الوطن، ذلك أنهم رأوا أن العالم بكله هو الوطن: “ليس لي وطن إلا العالم، وليس لي قانون إلا قانون العقل”.
الوطن الديني
ارتبطت فكرة الوطن في الإمبراطوريات القديمة بالولاء لمركز السلطة، حيث كانت المواطنة حقاً يُمنح للخاضعين لقانون الإمبراطورية. أما انتماء الفرد لـ”مدينته” أو مقاطعته، فلم يكن ليتناقض مع انتمائه للكيان الإمبراطوري. فقد حوّلت الإمبراطورية الرومانية المسيحية مفهوم الوطن إلى مفهومٍ دينيٍ، ربط بين الأرض و”المدينة السماوية” كما في كتاب أغسطينوس “مدينة الله”، وقللت من شأن الأرض لصالح السماء.
ومع مجيء الإسلام، حافظت الدولة الأموية على التركيبة القبلية العربية، حيث كان الوطن يرتبط بمناطق القبائل (مثل حجاز قريش أو شام بني أمية). وجعلت دمشق (عاصمة الأمويين) محوراً لـ”وطن السلطة”، فالشام أصبحت قلب الإمبراطورية، وطويت حدود الوطن القبلي لصالح التمدد الإمبراطوري. مزج الأمويون بين فكرة الوطن ودار الإسلام (من الأندلس إلى نهر السند)، فالوطن هو حصن العقيدة ضد “دار الحرب”. وفي ظل الدولة الأموية بات الوطن كـ”دار الإسلام”، مع تركيز على التمدد العسكري والولاء القبلي، حيث كانت دمشق مركزاً للسلطة العربية.
ثم طورت الدولة العباسية فكرة الوطن إلى هويةٍ ثقافيةٍ عابرةٍ للقوميات، فقد حوّلت بغداد (عاصمة العباسيين) إلى وطنٍ لـ”العالم الإسلامي”، يجمع العربَ والفرسَ والأتراك وغيرهم تحت هويةٍ إسلاميةٍ عابرةٍ للقوميات مع تمركزٍ للسلطة في بغداد، وتعزيز اللغة العربية والعلوم الإسلامية كرابطٍ وطنيٍ جامع للمسلمين. وأصبحت اللغة العربية والعلوم الإسلامية (مثل الفقه والتفسير) رابطاً وطنياً لجميع المسلمين، بغض النظر عن أصلهم الجغرافي.
أما السلطنة العثمانية فكانت إمبراطوريةً متعددة الثقافات، تمتد من البلقان إلى المناطق العربية، لذلك لم يكن هناك مفهومٌ واحدٌ للوطن، بل تنوعت رؤى الانتماء حسب المناطق والطوائف. وكان الانتماء الأساس للفرد موجهاً نحو السلطان (خليفة المسلمين) والدولة العثمانية، لا لمنطقةٍ جغرافيةٍ محددة. وكانت العبارة الشهيرة “دولته أبدية” تعكس هذا الولاء. وقد أعطت السلطة العثمانية حكماً ذاتياً للأقليات الدينية (مثل المسيحيين واليهود) تحت سيادتها، فكان الانتماء للدين أقوى من الانتماء الجغرافي. وقد نظرت السلطنة العثمانية إلى أراضيها كجزءٍ من دار الإسلام، بينما عوملت المناطق غير المسلمة كـ”دار عهد” تحت الحماية.
الوطن الحديث
مع ضعف السلطنة العثمانية وصُدور التنظيمات (الإصلاحات)، ظهرت مفاهيم جديدة مثل “العثمانية” (Osmanlıcılık): حيث دعا الإصلاحيون إلى وحدةٍ تعتمد على مواطنة عثمانية مشتركة، بغض النظر عن الدين أو العرق. وجاءت “اللامركزية”: كمحاولة لتقوية الانتماء المحلي في المناطق العربية (مثل سوريا والعراق) ولكسب ود الشعوب. وقد جاء ذلك تأثراً بمفهوم الوطن الحديث المنبثق عن الفكر الأوروبي، القائل برفض المرجعيات الميتافيزيقية والدينية لبناء الأوطان، والعمل على بناء فكرة الوطن القومي المرتبط بالأرض واللغة والتاريخ والإرادة المشتركة.
إلا أن هذه المرجعية الحديثة لفكرة الوطن لاقت صدى مختلفاً عند العرب، إذ بدأوا ينظرون إلى العثمانيين بوصفهم محتلين لأراضيهم، وبدأت تتعالى المطالبات بقيام شكلٍ جديد للوطن تذبذب بين الوطن العربي أو الإسلامي أو الوطن العربي الإسلامي، والوطن السوري والمصري والمغاربي. لكن صخب هذه المطالبات بعد انهيار السلطنة العثمانية خفت مع احتلال الغرب للأراضي العربية.
الوطن المعاصر
بعد الخلاص من الاحتلال الغربي للأراضي العربية، بقي مفهوم “الوطن” يَنوس بين حدين: الوطن المتخيل العابر للحدود، والوطن المتشظي داخل الحدود! فهو من جهة مرهون لتصور يتجاوز حدوده القطرية في المنطقة العربية؛ لأنه نتاج تفاعل معقد بين عوامل تاريخية، سياسية، اجتماعية، وثقافية، تتنازعها روايات متضاربة بين الهوية القومية العربية، والهوية الإسلامية العابرة للحدود بتنوع أطيافها، وبقايا هوية أممية (ماركسية) تنحسر بشدة لصالح تمدد هوية عالمية جديدة متمثلة بالنيوليبرالية العالمية.
ومن جهة أخرى، داخل حدوده، فهو مزيجٌ غير قارٍ بعد لصراع هويات إثنية ومحلية ومناطقية وطبقية ومذهبية وطائفية، يتفاوت بنوع وكم حضور هذه المكونات. وبذلك ظل الوطن مفهوماً اسمياً يتعين بالحدود التي أقرتها الاتفاقيات الدولية (سايكس-بيكو، لوزان…) أخذ شكل فكرةٍ هشة أمام الهويات الطائفية والقبلية والقومية أحيانا، وتحول إلى علامة تجارية (ترند عالمي) أحيانًا أخرى، أو ظهر على صورة عقد اجتماعي يقوم على الولاء مقابل الرفاهية، بينما يشهد صراعاً صامتاً حتى الآن بين الهوية الوطنية والهوية الإسلامية.
اليوم، يبدو أنه حتى المفهوم الاسمي للوطن يترنح أمام خرائط جديدة تُنشر للعلن. فالحدود القطرية التي تم الاتفاق عليها لم تعد مناسبة للنظام العالمي الجديد. ويبدو أن رياح التغيير هذه ستهب من بوابة سوريا! ومن يقرأ التاريخ يعلم أن التغيير جارف.
الوطن في مهب الريح… وأبناء الأرض هم الباقون!
الآن، الجمهورية السورية في مهب الريح، مُقَسَّمَةً في نفوس أبنائها بسبب فسيفساء الهويات السابقة. تتراكب مكونات الهوية الوطنية في النفوس، ويعلو بعضها على بعضٍ تبعاً للمناطق أو المصالح الطبقية. وسوريا اليوم غنيمةٌ مُتَخَيَّلَةٌ من جوارٍ إقليميٍّ بدأ يُعِدُّ العدة لحربٍ بالوكالة من جديد؛ لاقتسام ما تبقَّى ممَّا تبقَّى. والاقتسام هنا يقتضي التقاسم، وإعادة رسمٍ جديدٍ لحدودٍ تُفَصَّلُ في المطبخ السياسي!
لا مكان للعقلانية والوطنية بمعناهما الحديث؛ إذ لا يتجاوز حضورهما حدودَ منشورٍ على وسائل التواصل الاجتماعي يشطرُ المُتشظِّي! مجرَّدٌ من كل أدوات الفعل السياسي، فعن أي وطنٍ أو مواطنةٍ نتحدث؟
من بين كل ذاك الركام التاريخي، تطلُّ الجغرافيا برأسها مرةً أخرى. فهناك على الأرض السورية فئةٌ تتشبث بالأرض؛ هويتها أرضٌ عاريةٌ من كل الأطر، تعضُّ على النواجذ استجداءً لمعجزةِ لمِّ الشمل. وحدهم الذين لا يستطيعون العيش خارج هذه الجغرافيا هم ملحُ الأرضِ والنسغُ السوري الأصيل. لا يعبأ أبناءُ الأرض بالموروث عن الوطن، ولا بالمستورد عن المواطنة.
فأنيابُ الثعبان تلك التي دُفِنت في تلك الأرض ولاّدةٌ، يحتاج أبناء الأرض إلى مَن يُعيد أسطرتَها، ويُقنع الجنودَ والحراسَ أنهم أبناءُ هذه الأرض أيضاً، وأن الأيديولوجيات والمعتقدات عابرةٌ —ولطالما كانت كذلك— وبقيتِ الأرضُ.
الخطر يداهم الجميع، فمن أين نجدُ أكذوبةً جديدةً لـ”الجمهورية” المنتظرة؟ وأي عبقريةٍ يمكن أن تنتج أسطورةً تصنع وطنًا من جديد؟