Skip to content Skip to footer

ماذا نفعل بأمين معلوف؟ | ريم حبيب

حين هاجر أمين معلوف من لبنان عام 1976 كان فرانكفونياً، ولكنه أصبح أكثر فرانكفونية حين اندمج بالمجتمع الفرنسي، إلى أن شغل مناصب ومراكز متعددة تكللت اليوم بوصوله، بوصفه أول شخصية من أصول عربية، إلى منصب الأمين العام الدائم للأكاديمية الفرنسية.


 

في العلم هناك علاقة جدلية تقول: إذا أردنا أن نعرف لماذا يكون ذلك عن طريق معرفة الكيف.

يدَّعي أمين معلوف دائماً أنه يقدم صورةً واقعيةً عن الشرق؛ لكنه في الحقيقة يفترض هذا الواقع مسبقاً، بعبارة أخرى منذ بداية سفره إلى فرنسا كان يلفق خطاباً فرانكفونياً مهيمناً، تمتزج فيه رؤاه وهواه ومشاعره، ويتحكم في مضمونه سياقه الشخصي، الذي يوضح انزياحه دوماً لرغبة الغرب في رؤية شرق يشتهيه، فثمة قصدية لدى الكاتب تشحن عوالمه السردية برؤية استشراقية لترسم شرقاً في إطار سوسيولوجي معين، شخصيات وأماكن وعلائق، خلفاء، سلاطين وأباطرة، وعوالم الحريم والتوحش والغيبيات الدينية، الحمامات، ومخلوقات عارية وهشة وسعيدة بأسرها سعادة كاملة، لتصنيع هوية ثقافية سلبية، مادية، زائفة، بذهنية غربية، تمارس علينا العنف، ولا تأبه بمآسينا على وجه الأرض، فكأنه لا يوجد في الشرق إلا سلاطين وجوارٍ، ولا شيء عن الحياة العامة البسيطة وما تكتنفه من دوافع نفسية، وأسرار خفية هي أصل في الأحداث التي تقلب وجه الحقيقة، فالتمييز يفصل بيننا وبينه، فهو رسخ تقسيم العالم في رواياته إلى شرق وغرب، مؤكداً عدم براءة الأدب والثقافة من السياسة؛ بل ومن التاريخ، فأمين معلوف لا يروي الماضي بل يروي الحاضر، لغايات محددة، ولا يلتفت إلى الماضي إلا من خلال قضايا حاضره، مغلباً الجانب المتخيل على الجانب المرجعي، فيتداخل الماضي بالحاضر، والظاهر بالباطن، وليس من همنا أن نحكم على وفاء معلوف بنقل التاريخ؛ فهذا عمل مؤرخ، بل نريد من خلال ذلك تبيُّن الغايات التي حدت بالكاتب في المغايرة. 

بدايات

كانت الرواية الأولى لـ(أمين معلوف) الحائزة على جائزة المتوسط والصادرة عن دار الفارابي في عام 2004، وكان قد صرح بها عن علاقته بالجذور وبالأرض وبالهوية؛ فهو لا يقيم وزناً لكل ذلك، وهذه التناقضات الكثيرة التي يعيشها جعلت خياراته تنحصر في تسويات لا حصر لها. وفي هذا السياق نورد المقطع الآتي: 

(غيري قد يتحدث عن (الجذور)… تلك ليست مفرداتي، فأنا لا أحب كلمة جذور، وأقله صورتها. فالجذور تتوارى في التربة، تتلوى في الوحل، تنمو في الظلمات. فأنا أنتمي إلى عشيرة ترتحل منذ الأزل في صحراء بحجم الكون، مواطننا واحات نفارقها متى جف الينبوع، وبيوتنا خيام من حجارة، وجنسياتنا مسألة تواريخ أو سفن، هويتي تستند إلى أسطورة من أساطير الميثولوجيا، أعلم أنها زائفة …”.

فهل اقتلاع الجذور ممكن؟ هذه البداية لا تنفي صلتها بمنظومة العقائد التي استوعبت كل أيديولوجيتها عن شرق استعاروه من سرديات أسطورية، نهبت تاريخنا وحضارتنا وحولتنا إلى بدو رحل لا أرض ولا هوية، لا كرامة، لا سيادة، وكأنه قدر حتمي علينا أن ننصاع له. إن تفريغ الأمم من ماضيها، واجتثاثها من جذورها، من الخدع العقلية التي تقوي سياسة التوسع التي تقوم على تعميم ثقافة التلاشي، لتفرخ أخطر مشاعر الاغتراب، ومشاعر التنصل والحياد، وشحن أجيال مفتونين بمقولات معلوف بهذا السعار من اللا انتماء، بما يعزز أفكاره التي لا تختلف في المضمون عن أي غزو آخر؛ بل يمكن القول إنها مرادف له، فالرواية تقول ما لا تستطيع السياسة قوله. 

ليون الإفريقي مجافاة التاريخ خدمة للرواية وإن كانت الأخطاء التاريخية التي وقع فيها معلوف مقصودة.

صدرت الرواية سنة 1986 عن دار النشر الباريسية. وكانت أساساً ونتاجاً لمخطوطة “وصف إفريقيا” الأصلية، التي دوَّن فيها ليون الإفريقي ملاحظاته عن البلدان التي حل فيها.

فلا غرابة أن نجد فيها ما يسعى إلى مراجعة علاقاتنا مع الغرب، لإصلاح ما فسد وتقويم ما اعوج، فهي تقوم على تمويه الخطابات السابقة داخل الثقافة العربية، حتى تظل في أسر الرحم الغربي، وبذلك يدعونا الراوي لمجافاة التاريخ خدمةً للرواية. لذا لم يكن لها استقبال إيجابي بين مجموعة من النقاد العرب؛ إذ عدَّها حسين سرمك حسن، رواية ذات حمولة أيديولوجية غير متوازنة، ويبسط مثالاً لذلك، حيث يرى سرمك أن سقوط الأندلس صور في الرواية “كرحلة سياحية” للمسلمين نحو الضفة الجنوبية، مقابل الأهمية التي أولتها لاضطهاد اليهود. ويلاحظ سرمك أيضاً أن معاناة المسلمين المطرودين، في رواية معلوف، “لا تبدأ في غرناطة بل في فاس”. وهي مواقف، في نظر سرمك، تشكل “جواز سفر فكري”، لا مناص عنه لكي تقبل الرواية في المشهد الأدبي الأوروبي الذي أصدرت فيه.

الجنرال ديغول مناسباً اليوم

 لقد نجح أمين معلوف خلال مدة وجيزة في انتزاع الاهتمام، مستأثراً بالمكانة الأولى في الآداب العالمية وفي الأدب العربي، وليس مرد ذلك إلى قدراته الفائقة في السرد، أو دخوله إلى عوالم غريبة ومدهشة في الوصول إلى خبايا النفس البشرية فحسب؛ بل لأنه جزء من سياق ثقافي كولونيالي. وليس أدل على ذلك من حوار أمين معلوف مع مجلة “لوبوان” التي جاءت تحت عنوان اعتراف كما جاء على لسان المترجم في مجلة الدوحة الذي نشر 2020، فوراء مقولاته، أو اعترافاته، تكمُن حقيقة فرانكفونيته، وهو يستدعي ديغول ليحكم لبنان، مسترجعاً كلماته التي قالها عام 1965: لبنان أمة مستقلة، مزدهرة، ومثقفة، مؤكداً أن ديغول يصلح لكل زمان ومكان، وأنه المستقبل الذي يأمله اللبنانيون وأصدقاء لبنان. وبهذا علينا أن نعي خطاب معلوف الذي سعى إلى تفكيك نظرتنا الحاقدة إلى ديغول كمستعمر، عاث في البلاد والعباد تدميراً وقتلاً، مؤكداً دوره النهضوي الطامح المخلص للحصول على الحقوق الإنسانية، فأمين معلوف يعتبر وهو مرتاح الضمير أن وعيه الفائق ووعي الآخرين شيء واحد، وأن ما يتباهى به من آراء فردية متطرفة تعبر عن الإرادة العامة والقومية لبلاد الشرق، ليذهب إلى المدى الذي ذهب إليه، إذ يبين لنا في اعترافه السابق في المجلة المذكورة أعلاه قائلاً: يجب ألا نخطئ بالقرن! الأمم المتحدة مهمتها المجيء لمساعدة البلدان التي تكون في حاجة إليها.

بهذا المنطق أطلق معلوف نظرياته، ليعلنها بكل وضوح وصراحة أنه علينا أن نضع ثقتنا، ومستقبلنا، ومصائرنا في يد من عمل على تقويض حقوقنا، وسلب أراضينا، واقتلاع جذورنا الذي كتب علينا أن نعايشه قروناً كثيرة. في النهاية لا يمكن للأوطان والهويات والجذور، أن تكون موضع رهان، مهما كانت تحت تأثير الخوف والقلق، فلا يمكن للشعوب أن تنساق في تيار تداعيات الحالة الراهنة إلى التنازل عن خيار البقاء ولو كان هذا الخيار سيأتيها بالمزيد من الخسائر. 

ربما تكمن مهمة الكاتب في الإفصاح عن أفكاره، لكن ليس من حقه مصادرة الوعي، بإعطاء القراء جرعة مخدر لتؤمن استكانتهم وإذعانهم. فالهوية الثقافية هي التي تؤصل علاقة الفرد بمجتمعه، وتمثل تصوره لوجوده، ووعيه بذاته، ووعيه بالآخر.

ويبقى السؤال: هل في إمكاننا بعد اليوم أن نقرأ روايات أمين معلوف، بعيداً عن دوافعه ودوره الفرنكفوني؟ فإذا كانت الإجابة بالنفي، يصبح السؤال إذن: ماذا نفعل بأمين معلوف؟