Skip to content Skip to footer

لماذا نحتاج إلى الله؟ | عبير جميل سليمان

إن الله بعيد المنال ولا يمكن مخاطبته أو رؤيته أو معرفة مكانه، وهذا من بين الأسباب التي جعلت الناس يحبونه ويتعلقون به أكثر، والإنسان بطبعه فضولي، وهذا الفضول يتفاقم كلما زاد الغموض؛ فلا بأس إذن بأن يسلك البابا “بايوس الثالث عشر” هذا السبيل، مما يضمن تحلُّق الناس حول الفاتيكان بدافع الإثارة. لكن لماذا نحتاج إلى الله؟ وكيف السبيل إليه؟ سؤال قد يجيب عنه مسلسل “البابا” بجزأيه “الشاب” و”الجديد”.


 

من المعروف لمتابعي الفن السابع وأخبار نجومه، أن النجم الوسيم “جود لو” يحاول الابتعاد دائماً عن استغلال وسامته في الأدوار التي يؤديها، ربما كان هذا النهج الانتقائي دافعاً للمخرج الإيطالي الباهر “باولو سورينتينو”؛ كي يختار “جود لو” تحديداً، لتأدية دور البابا الشاب والوسيم “ليني بيلاردو” الذي سيختار لقباً لنفسه “بايوس الثالث عشر”. البابا الشاب في المسلسل لا يحب الظهور للعلن ولا الاستعراض الشخصي ولا أن يحبه الناس فقط لأنه وسيم، ليس هذا فقط؛ بل إنه واثق من نفسه ومن وسامته التي “تشبه وسامة المسيح وتتفوق عليها”، على حد تعبيره؛ لكنَّ هذا لا يمنعه من أن يسلك خطة مستوحاة من الرب من أجل التأثير على أتباع الكنيسة الكاثوليكية حول العالم، فلقد اختار الاحتجاب والغموض من أجل الجذب؛ لأنه أسلوب الإله في علاقته مع البشر. خلال العقود الماضية، بدأ الاهتمام عالمياً بالانتهاكات الجنسية التي يرتكبها الكهنة والأساقفة حول العالم؛ من تحرش واعتداءات على أطفال وقاصرين في بعض المدارس اليسوعية والمؤسسات المسيحية، إلى اعتداءات على الراهبات؛ وصلت حد استعبادهن جنسياً في أحد المجمعات، ولقد أخذ البابا فرنسيس الثاني على عاتقه أمر محاربة هذه “الآفة”، على حد تعبيره؛ وذلك بوضع قواعد صارمة تكفل متابعة كل الحالات وعدم التستر على أي ارتكاب مُخِلٍّ مسيء.

إن ملفّاً كهذا يذكِّرنا مثلاً بمسألة غاية في الخطورة لم تأخذ حقها من النقاش والملاحقة القانونية؛ بل إنها شبه غائبة عن عناية المؤسسات الدينية الإسلامية، ألا وهي مسألة زواج القاصرات التي يتم إهمالها والتغاضي عنها بذرائع مختلفة. يتناول مسلسل البابا هذا الملف أيضاً، ويتيح مساحة لافتة تبين حجم الإحراج والضغط الذي يواجهه الحبر الأعظم خلال ملاحقة المسيئين وكيفية معاقبتهم، إلا أن المخرج يهمز عبر هذا الملف أيضاً إلى الاعتلال النفسي الذي يصيب الكثيرين بسبب الحرمان الذي عاهدوا أنفسهم به، ولم يستطيعوا الالتزام؛ لأنه أمر خارج سياق الطبيعة البشرية.

ولعلَّ الرسالة الأبرز التي قدَّمها البابا الجديد في الجزء الثاني “يوحنا بولس الثالث”، تصب في ذات السياق حين يعزو كل مشكلات البشرية إلى الحب؛ حيث يردد: “ستأتون إليَّ وتخبرونني عن كل المعاناة في العالم، وسأقول لكم كلها أشكال من هستيريا الحب، تشوهات لقدرتنا على الحب”. لكن لماذا نهتم بمسلسل يلقي الضوءَ على طبيعة العلاقات الدينية والنفسية والثقافية وحتى التاريخية التي تربط بين رجالات دين مسيحي في بقعتنا الجغرافية هذه، وهي ذات أغلبية مسلمة لها جوامعها ومساجدها ورجال دين مختلفٍ بتشريعاته ومقدساته؟ إن الجواب عن هذا السؤال يستند إلى حقيقة كون الدينَين، المسيحي والإسلامي، ذَوَي طابعَين بطريركيَّين، تحكم أتباعَهما عاداتٌ وأعرافٌ خاضعة لنظام أبوي ذكوري، الكلمة العليا فيهما لشيخ الجامع أو خوري الكنيسة، للمفتي المعتمد أو البابا باعتباره “ممثل الرب على الأرض”، ولا يمكن متابعة تفصيلٍ متعلق بكيفية تأثير البابا على أتباعه المسيحيين، دون أن نتذكر مدى تأثير الخطب والفتاوى التي يلقيها رجال الدين الإسلامي على مريديهم. لا يبخل مخرج “الصبا” و”الجمال العظيم” بعروض الإبهار البصرية في المسلسل بجزأيه الأول والثاني، سواء أكانت عبر لقطات أداء جماعية مهيبة تصلح للمسرح، أم عبر تسليط الأضواء مطولاً على اللوحات الفنية التي تركها الفنان الإيطالي الشهير مايكل أنجيلو، على أسقف وجدران كنيسة السيستين في الفاتيكان، أو المنحوتات التاريخية المختلفة في كنيسة القديس بطرس، وغيرها من التحف المعمارية والأبنية التراثية في الفاتيكان والبندقية، والأهم من هذا كله، ربما، محاولات الصدمة التي تعمَّد أن يحدثها لدى كل المحافظين والمتشددين الذين سيتابعون المسلسل، وذلك عبر تدنيس المقدسات وخرق الحواجز؛ مِن منظرِ بابا يدمن التدخين ويسبح بالمايوه الأبيض ليخرج من الماء خاطفاً أنفاس الراهبات بحسنه، إلى منظر الراهبات المعتزلات اللواتي يمارسن أنوثتهن بلا أعباء الطهرانية خلف أبوابهن المغلقة، إلى أساقفة رجال يتبادلون التقبيل، إلى أجساد عارية ترقص على إيقاع أغنيات صاخبة وحادة حول الصلبان، وأخيراً وليس آخراً استضافة النجمة الجريئة شارون ستون في الفاتيكان بحكم أن البابا الجديد “جون برانوكس”، يؤدي دوره النجم المختلف “جون مالكوفيتش”، معجب جداً بها، إلى تفاصيل الزيارة المثيرة برمتها. بقليل من التأمل، يبدو الشبه فادحاً بين الراهبات المعتزلات المحجبات بملابس سوداء فضفاضة، وبين النساء المسلمات بملابس مماثلة في الحرملك الذي يعزلهن عن مجتمع الذكور، وفي كلٍّ من الحالتَين يفترض أن على المرأة أن تخدم الرجل وتعمل على راحته كي تؤدي واجبها “الديني” على أكمل وجه، دون تذمر أو مطالبة بحقوق تساويها لا مع رجل الدين الأسمى هناك، ولا مع الزوج أو الأب أو الأخ هنا؛ باعتبارهم أرفع منزلة أو “القوَّامين” عليها. وهكذا يتفنن المخرج بتشكيل الصدمة التي من شأنها أن تثير الجدل وتحرِّك المستنقع؛ لتُعاد بلورة كل الآراء حول المعتقدات القديمة وكيفية تأثيرها على الحياة الجديدة، خصوصاً أنها مقترنة بنص سيناريو ذكي وحوارات شيقة تجمع السخرية اللاذعة والطريفة والفلسفية والشاعرية في آن واحد. تفرض الحياة العصرية على البشر أنماط عيش جديدة لا تستطيع التقيد بما تفرضه الكتب المقدسة عليهم، وتلك مشكلة يعاني منها المتدينون ورجال الدين معاً على حد سواء؛ إذ إن مهمة رجال الدين اتباع التعاليم المقدسة الصارمة بحرفيتها، وبذات الوقت التوفيق بين الكتب المقدسة وحاجات الناس النفسية والجسدية المستجدة التي لا تنفع معها تلك الصرامة، وعاجلاً أو آجلاً سوف تُفقِد الأديانَ مريديها في حال عجزت عن العثور على حلول مرنة توفيقية بين ما هو “منزل” وبين ما هو “ضرورة إنسانية عصرية”.

ومن بين الحاجات الأساسية التي طرحها المسلسل: ضرورة قبول الفاتيكان بزواج الكهنة واعترافهم بالمثليين وتشريع زواجهم، وحق الإجهاض والحب بلا زواج والقتل الرحيم والطلاق. لكن البابا الجديد “يوحنا بولس الثالث” يرى أن الكتاب المقدس ليس جهاز آيفون بإمكاننا تحسين مواصفاته؛ لذلك من الصعب أن تمتثل الكنيسة إلى مثل تلك المطالب التي تتعارض مع الكتاب. وبالانسحاب على الدين الإسلامي نجد أيضاً تعارضات كثيرة بين ما فرضه الإرث الديني على المجتمع وبين ما تمليه الحياة العصرية أو بالأحرى العادلة والمنطقية من ضرورات، يحاول رجال الدين منعها بأية وسيلة؛ كالمساواة بين الرجل والمرأة ومنع تعدد الزوجات مثلاً وليس حصراً، إلا أن هذه المسائل، رغم التطورات الثقافية والتقنية والحضارة عموماً، ما زالت مناقشتها على نطاق واسع وفي مناخ خصب قابل للتغيير، غير واردة بالمطلق. يطرح المخرج مسألة لافتة تؤكد أن الأعمال الإرهابية لا تختص بأتباع دين واحد؛ بل إنها تصبح مع الوقت أمراً متوقعاً حين تبلغ العقيدةُ لدى البعض حدَّ المغالاة والتطرف في قناعاتهم وعباداتهم.

في سياق المسلسل، طائفة من الكاثوليكيين تتحول إلى تقديس البابا وتتشدد في عبادته، ليس ذلك فقط بل إن أفرادها يتحولون لاحقاً إلى إرهابيين من أجل الضغط على البابا، وذلك بغية ملاقاته والتبرك به. 

عادة التحلُّق حول رجل الدين بغية التبرُّك، والمغالاة والمبالغة في التقديس كان لها نظيراتها عند المسلمين أيضاً وما زال، ويصبح الأمر غاية في الخطورة حقاً في حال اسُتغِلَّت عادة كهذه من قِبل شيخ متطرف أو قائد لتنظيمات إرهابية. بعيداً عن الدراما العربية المعروفة بمحظوراتها وخطوطها الحمراء الكثيرة ومسايرتها لمزاج الجماهير عموماً وحذرها من إغضاب رجال السياسة والدين واكتفائها بالرهانات المضمونة التي تتجنب التطرق إلى موضوعات جريئة، تلقي الضوءَ على إرث مجتمعي أو عقائدي راكد، محاولةً تغييره، وبعيداً عن صناديق الاقتراع بنسبها الخارقة في الشرق الأوسط، يدور بين البابا الشاب ورئيس وزراء إيطاليا الحوار المشحون التالي والذي يختصر تاريخَ لعبة شد الحبل بين رجال السياسة والدين، والتي يتحكمان من خلالها بالجماهير التي توالي هذا أو ذاك:

“رئيس الوزراء: أتعرف ما هو الفرق بيني وبينك؟ 

الفرق هو أنني انتُخبت مع 41% من الأصوات، تلك الـ41% موجودة، أما أنت فتمّ انتخابك بواسطة الله، وليس من شيء يؤكد بأن الله موجود.

البابا:

حسنًا، هناك أمر آخر يستحق النظر فيه، فقط تحسُّباً بأن الله موجود. هل تعرف كم من الوقت سيستغرق ليمسح هذه الـ41% من على وجه الخليقة؟ وأين سيذهب الله بهم في صناديق الاقتراع في الانتخابات القادمة؟ وما هو أكثر من ذلك؟ أنا نائب المسيح سأكون سعيداً لمساعدة الله بالقضاء على هذه الـ41%”؛ لماذا إذن نحتاج إلى الله؟ يبدو السؤال كمصباح كهربائي مُعطَّل وسط غرفة تتلمّظها العتمة، فلو أن الجواب بديهي وواضح ومحدد لما انشغلنا بالتفكير؛ حيث لا نهتم عادةً بمصباح تصله الكهرباء ليضيء الغرفة بشكل طبيعي، مؤمناً كنت أو لا دينياً، سوف تراودك تلك المساءلة التي طُرحت وَفق سياق مختلف في الجزء الثاني من مسلسل البابا الشاب: “هل الله موجود؟”؛ لكن الجواب يفرض نفسه دوماً في أكثر لحظات ضعفنا وهشاشتنا وحاجتنا.

“حتى لو لم يكن الله موجوداً؛ إننا بحاجة ماسة إلى أن نؤمن بأنه موجود”.