يُحكى أن أحد المترجمين اقترح على محمد علي باشا، أن يترجم له كتابَ “الأمير” لمكيافيلي، قائلاً: إنه من أهم الكتب التي يعتمد عليها أمراء وحكام أوروبا في “تدبير” السياسة والحكم. فطلب منه محمد علي ترجمة بعض صفحات الكتاب لينظر في الموضوع. وعندما قرأ محمد علي ما قدمه المترجم، قال له: دعك منه، إن لديَّ من فنون وحيل الحكم ما لا يعرفه صاحب الكتاب.
كان محمد علي قائداً كبيراً على مستوى الإقليم، ومعتداً بنفسه وبقوته، لكن حدثت أمور؛ من بينها تحالفات ومؤامرات وتدخلات أوروبية وعثمانية وصدوع محلية، أدَّت إلى انكساره. ولو أمكن للرجل أن يقرأ تحولات ورهانات القوى الفاعلة في العالم آنذاك، بالاستعانة بخبراء على معرفة أكبر وأعمق بما يجري، لربما أمكنه إدارة الأزمات والتحديات التي واجهته، بشكل أفضل. ولا تزال فواعل السياسة والحكم في هذه المنطقة من العالم، أو شريحة كبيرة منها، تشعر بأنها تعرف ما لا يعرفه فواعل الفكر، ولا حاجة لها بهم، اللهم إلا لـ”المسامرة” و”الإمتاع والمؤانسة”، إن أمكن استعارة عنوان كتاب معروف لأبي حيان التوحيدي! وفي تاريخ المنطقة كثير من أدب النصائح ومرايا الأمراء والملوك.
وتَعَرَّضَ كثيرٌ من المفكرين والفلاسفة وغيرهم في تاريخ المنطقة إلى السجن والقتل لأسباب سياسية أو لمجرد أن الحاكم استشعر من أحدهم خطراً. وهذا باب فيه كلام كثير. ويشهد العالم العربي مشكلات دائمة بين أهل الفكر وأهل السياسة. ثمة القليل من الثقة بينهما، وظروف لا تساعد في وجود “مراكز تفكير” ذات أهلية وفعالية، مقارنةً ببلدان كثيرة حول العالم. وإن كثيراً من مراكز التفكير في المنطقة العربية ليست اسماً على مسمى! ومنها ما هو موجود شكلياً أو على الورق أو في الكشوف الإدارية والمالية! ولا شك أن في المنطقة العربية العديد من مراكز التفكير المهمة والناهضة؛ لكنها تمثل استثناء في سياق يمثل الإخفاق أهم سماته. لكن أهل السياسة والحكم اليوم يدركون أن العالم يزداد تعقيداً ولا يقينية، ومن الصعب تتبع تطوراته ومتغيراته، وتقصِّي مصادر التهديد- الفرصة فيه، كما أن المؤسسات الرسمية، ومنها المؤسسات الأمنية، غير كافية أو غير متهيئة لذلك بقدر مناسب، الأمر الذي يتطلب تخصيص المزيد من الموارد المادية والمعنوية من أجل “معرفة العالم” وقراءة تحولاته وتدبير السبل المناسبة حياله. وهذا يعني -من جملة ما يعني- الحاجة إلى إقامة مراكز البحث والتفكير، ومؤسسات التخطيط متعددة الأنماط والاختصاصات، والمراكز الاستشارية وغيرها. وأخذت مراكز التفكير تمثل ظاهرة واسعة الانتشار حول العالم، من أمريكا حيث بدأت بالمعنى الذي نعرفه ويعرفه العالم اليوم، وصولاً إلى أوروبا وبلدان أخرى؛ مثل: الصين وروسيا واليابان والهند والبرازيل وغيرها، بما في ذلك مراكز التفكير الحكومية وشبه الحكومية والمستقلة، ومراكز البحث والتطوير لدى الشركات والمؤسسات الأهلية. تعمل مراكز التفكير لـ”السياسة” وبـ”السياسة”، بمعنى أن السياسة هي هدفها وأداتها في آن. وتناول ماكس فيبر هذا الموضوع في كتابه الشهير “العلم والسياسة بوصفهما حرفة”. (فيبر، 2011). وتحدث ميشيل فوكو عن العلاقة بين المعرفة والقوة. وثمة دراسات كثيرة في هذا الباب. ويمكن الانطلاق في تحليل ظاهرة مراكز التفكير من فكرة:
– “تدبير السياسة بالعلم”، وهذا هو أصل فكرة “مراكز التفكير”، بمعنى الاعتماد على مؤسسات العلم والمعرفة والخبرة في صنع السياسات، وتقييمها، واقتراح البدائل حيالها، واحتواء الأزمات واغتنام الفرص.
– والعكس أيضاً، أي “تدبير العلم بالسياسة”. وهذا هو أساس السياسات الرشيدة التي تَعُدّ امتلاك العلوم والمعارف هو شرط رئيس لامتلاك القوة في العالم اليوم. المعرفة قوة، ولا بد من أن يمثل ذلك أولى أولويات صناع السياسة.
– وتطور الحال بمراكز التفكير بأن أخذت تمثل فواعل مرجعية واسترشادية في صنع السياسات وتقييمها والدفع نحو خيارات بعينها، والمدافعة عن خيارات والمرافعة ضد أخرى.
ويكون مركز التفكير على شكل مجموعة أو منظمة، ولها تسميات مختلفة؛ مثل: مركز بحوث ودراسات، منتدى، مؤسسة، بيت خبرة، وحدة أبحاث، شبكة أبحاث، وحدة دعم سياسات.. إلخ؛ تعمل في “حيز تخومي” و”تكامل” بين مختلف المجالات والاختصاصات العلمية والمعرفية من جهة، ومؤسسات وفواعل السياسة من جهة أخرى. يقول ديفيد مارتيمور: إن فواعل السياسة؛ وعلى رأسهم صناع القرار، مُجهَّزُون بشكل محدود للتعاطي مع قضايا على درجة كبيرة من التعقيد؛ وخصوصاً المرتبطة بأمور تقنية وتخصصية، مثل: قضايا البيئة والدواء والغذاء والتحولات الاجتماعية والديمغرافية، والإنفاق والتنمية، والإحاطة بالمنعكسات المختلفة للسياسات، والقدرة على ترجيح بدائل بعينها، وتقصي مصادر التهديد البطيئة والباردة والمديدة.. إلخ، ويزداد العالم تعقيداً، وكذلك مصادر التهديد- الفرصة، وإن الاستجابات المناسبة والإبداعية حيال ذلك تتطلب وجود “مجتمع خبراء حقيقي” (مارتيمور، دراسة العلوم الاجتماعية، النقد، ص211). ونظراً لطبيعة “مراكز التفكير” ومرونتها العالية وقدرتها على تجاوز إكراهات الروتين والعقبات الإدارية والإجرائية وغيرها لدى فواعل السياسة وبيروقراطية الحكم والدولة، وحتى لدى الجامعات والمؤسسات البحثية الأكاديمية التقليدية، فإن أهل السياسة يمكن أن يُعَوِّلُوا عليها في مهام وأدوار كثيرة، يمكن تركيزها في النقاط الرئيسة الآتية:
– نقل المعارف والخبرات من حيز العلم إلى حيز السياسة، وتحويلها إلى أفكار برامجية وتنفيذية ما أمكن.
– تدبير البدائل الممكنة أو المحتملة أو المرجحة تجاه الواقع.
– تقصي مصادر التهديد- الفرصة، القائمة والمحتملة، وتقديم مقترحات وبدائل حيالها.
– تقييم السياسات القائمة تقييماً نقدياً.
– المدافعة عن بدائل وخيارات سياسية معينة.
– تعميم وتسويق المعارف والأفكار حول السياسات، والترويج لخيارات وبدائل معينة.
وتذهب التحليلات من منظور “نظرية النخبة” حسب سي رايت ميلز، إلى أن مراكز التفكير هي “الآلية الفكرية للشبكات والمغلقة للنخب من رجال الأعمال والنخب المالية والسياسية”، (ميدفيتز، مراكز الأبحاث الأمريكية، ص25). لكن هذا جانب فقط من الظاهرة. ويمكن أن تكون مراكز التفكير عبارة عن نواة إدارية ومعرفية متعددة الاختصاصات، ومتعددة الاهتمامات، وأقرب لشبكة من فواعل الفكر والثقافة والبحث التي تتسم بالكفاءة والمرونة والقدرة على تناول الظواهر من زوايا مختلفة، وبقدر كبير من المهنية والموضوعية، بما يمكنها من تقديم قراءات وتقديرات قادرة على التأثير. وهكذا تصبح “مراكز التفكير” مساهماً في “صنع السياسة من أعلى إلى الأسفل”. (ميدفيتز، ص25). وأحياناً ما يكون العكس؛ أي أن لمراكز التفكير دوراً في صنع السياسة “من أدنى إلى أعلى”، وخصوصاً من خلال قراءة الواقع وتقييم وتقدير اتجاهاته وتحولاته، والتدخل والتأثير على اتجاهات الرأي العام والنخب الثقافية والفكرية والسياسية والإعلام، لتعزيز اتجاهات وتقديرات ومواقف معينة؛ مثل: قوانين العمل والتأمين الصحي والبيئة والتعليم والضرائب.. إلخ، ولمراكز التفكير” دور في المدافعة وحشد التأييد، مع (أو ضد) مشروعات لقرارات ذات صلة بحياة الناس. هذا الكلام لا يغفل وجود مقاربات مختلفة؛ مثل “نظرية النظم” وغيرها، التي ترى السياسة بوصفها عملية تفاعلية لها محددات ومخرجات وديناميات إنتاج وإعادة إنتاج، وبيئة تنافسية وربما صراعية.. إلخ، وهذا يعني أن “مراكز التفكير” هي أحد فواعل السياسة، إلى جانب فواعل أخرى؛ مثل: المنظمات المهنية، والاتحادات، والأحزاب، والإعلام، وجماعات الضغط، والمنظمات غير الحكومية، وشبكات التنظيم والتأثير المختلفة. تواجه مراكز التفكير تحديات كثيرة؛ منها ما يتصل بظروف نشأتها وتكوينها، وطبيعة النظام السياسي والدولة، والمجتمع، وأولويات السياسات العامة، والأطر القانونية الحاكمة أو المحددة لعملها، والحريات، والتنمية، وديناميات الفعل الثقافي والفكري وعلاقته بالسياسات، وبالطبع التمويل. ويمكن تصنيف مراكز التفكير من حيث: الاختصاصات؛ إذ ثمة مراكز تفكير ذات طابع علمي تقني مثل القطاعات الهندسية والطبية والدوائية وعلوم المواد والتقانة الحيوية والاتصالات والروبوت والنانو.. إلخ، أو في علوم الاجتماع والاقتصاد والسياسة والثقافة والتاريخ والديمغرافيا والعنف والإرهاب والتنمية والأنثروبولوجيا.. إلخ، أو من حيث الملكية أو التابعية، هل هي حكومية أم خاصة، أم هي مراكز وقفية غير ربحية. أم من حيث الأجندة السياسية والأيديولوجية.. إلخ، ومع انتشار مراكز التفكير حول العالم، برزت معايير لتصنيفها وقياس التميز والأداء بالاعتماد على مؤشرات محددة. ومن ذلك مثلاً مؤشر جامعة بنسلفانيا لمراكز الأبحاث الأفضل في العالم الذي يصدر سنوياً، منذ عام 2008. ومراكز التفكير أمام تحدي إثبات:
– المهنية والاحترافية، وجودة الأداء، والقدرة على إثبات النجاعة والفعالية.
– التفكير المتجه للفعل، وليس مجرد التفكير النظري أو المخبري.
– أن تكون قادرة على المحافظة على حد معقول من الموضوعية.
– بناء القدرات، ورفد المركز نفسه بالموارد البشرية الكفؤة، وتوفير بيئة عمل وتفكير إبداعية.
– القدرة على استقطاب الاهتمام.
– تقصي التأثير في الجهات المستهدفة، وتقييم الأداء.
– التشبيك وبناء الشراكات مع مراكز التفكير والمؤسسات العلمية وغيرها.
– الانفتاح على التعدد واختلاف وجهات النظر والمقاربات أو الاتجاهات الرئيسة في الوسط الذي تعمل فيه.
– الموازنة بين “الرصانة” و”الرشاقة”! بمعنى عدم الإغراق في خطاب ثقافي وعلمي ثقيل أو جامد أو بالغ التخصص والتقنية، ولو أن هذا مهم، إنما يجب الاهتمام بإنتاج تقديرات وصيغ دراسات قابلة للقراءة والفهم والتلقي من قِبل شريحة أوسع.
وثمة محاذير يُفترض بـ”مراكز التفكير” التنبه لها والتعامل الفعال معها، ما أمكن. ويمكن التركيز هنا على المخاطر أو التهديدات الرئيسة الآتية:
– وهم التأثير والقدرة على التغيير، ذلك أن الوسط أو المجال فيه فواعل تفكير ومستشارون كثر، ولا يجب التقليل من قدرتهم وتقديراتهم وأولوياتهم وتأثيرهم.
– إغفال التنافسية المفتوحة، وقد أخذت مؤشرات التقييم التي تصدر سنوياً تمثل تحدياً إضافياً لإثبات الأهلية والاعتمادية والمكانة والتأثير.
– أن تكون مجرد جماعة نشر أو منبر للتعبير. وهذا يعني الاقتصار على بعض مهام وأدوار مراكز التفكير، والتخلي عن مهام وأدوار أخرى.
– أن تتحول إلى مجموعة علاقات عامة أو جماعة ضغط أكثر من كونها جماعة تفكير وتأثير في السياسات.
– الريعية، أي أن تهتم بالحصول على الريع المادي أو المعنوي، وأن تكون غب الطلب، تسوق مع السوق، إن أمكن التعبير. وهنا يظهر تأثير التمويل، ذلك أن الممولين يدفعون بمراكز التفكير للاهتمام بموضوعات معينة تنسجم مع أولوياتهم وأهدافهم، الأمر الذي يمكن أن يؤثر على دور وسمعة ومكانة مركز التفكير.
– التحول إلى “مركز دعاية وتسويق” للسياسات أو للممولين (إذا كانت لديهم أجندة تدخلية في الشأن العام أو في السياسات). وهذا يؤثر على مصداقية مركز التفكير.
– أو العكس؛ أي التحول إلى “مركز تشاؤم”، بمعنى الوقوع في العلموية والثقافية، وشيوع صور سلبية عن عملها ونشاطها، بما ينفر المتابعين وفواعل السياسية منها.
تبدو مراكز التفكير حاجة ماسة لصناعة سياسات فعالة في العالم اليوم؛ وخصوصاً مع سيولة التدفقات التي لا نهاية لها تقريباً من المعلومات والأحداث والمواقف والتطورات، وبالطبع المنافسات ومصادر التهديد- الفرصة. تمثل مراكز التفكير نوعاً من “صناعة ثقيلة”، وذات عائدية كبيرة، وهذا ما يدفع الدول الكبرى والدول الناهضة في النظام العالمي لتخصيص المزيد من الموارد المادية والمعنوية من أجلها، والاعتماد عليها في معرفة العالم، وتدبير السياسات حياله. وإن المزيد من المنافسة في سوق الأفكار والمعاني، يعني قدرة تنافسية أكبر في ميزان المكانة والقوة في النظام العالمي.