يحيلُ تعبير “لاهوت السياسة” إلى علاقة جدلية بين حدين هما: الدين والسياسة. ويتعلق الأمر بـ”الجانب الديني من السياسة”. والحديث هو عن الدين بما هو ظاهرة اجتماعية، وليس بما هو قيم ومقولات روحية وإيمانية. و”لاهوت السياسة” هو بعبارة واحدة: “التمثيل السياسي للقيم الدينية”. وهذا لا يقطع مع “التمثيل الديني للقيم السياسية”. وقد أنتج الدينُ سياسةً وأنتجت السياسةُ ديناً.
الواقع أن الدين والسياسة ظواهر ذات علاقات وتفاعلات اشتقاقية وانقسامية بطبيعتها، على الرغم من التأكيد الإلهي والميتافيزيقي على أن “وحدة الدين” هي من “وحدة الإله” أو “توحيده” بالمعنى الإيماني والروحي. وعلى الرغم من التأكيد السياسي على وحدة الدولة والمجتمع ووحدة السيادة والقانون والتشريع في إطار الدولة. ويركز الحديث على “التمثيل السياسي” لفكرة “التوحيد الدينية”، ليس فقط “توحيد الإله”، المعروفة مثلاً في علم اللاهوت المسيحي وعلم الكلام الإسلامي، بل توحيد الجماعة الدينية نفسها أيضاً.
وتذهب الأمور أبعد للقول: إن الإنسان نفسه هو تكثيف للخلق والعالم، في أفق المقولة الشائعة: “وتزعم أنك جرم صغير، وفيك انطوى العالم الأكبر”، بكل قوتها الميتافيزيقية والدينية في مختلف الأديان، والتي أخذت –لاحقاً- تعبر عن وعي الإنسان عن نفسه (وعن الإله والعالم) بوصفه مركز المعنى والقوة، بعيداً عن الرؤية الدينية وبالضد منها. انظر مثلاً أفكار نيتشه عن “موت الإله” و”الإنسان الأعلى”.
تقول حنة أرندت: إن جانباً من السياسة ينتج عن “التمثيل التوحيدي للإله”، (أرندت، ما السياسة؟ ص7). ويذهب كارل شميت أبعد من ذلك للقول: إن “مفاهيم النظرية الحديثة للدولة كلها ذات الدلالة هي مفاهيم لاهوتية معلمنة”. (شميت، اللاهوت السياسي، ص 49). وإن أصل السياسة هو الدين أو هو “تمثلات سياسية” للدين. ولا يراد من ذلك التأكيد على السلطة الدينية في مقابل الدولة، وإنما: تقصي المرجعيات أو التمثلات والتشابهات من جهة، وأن يكون الدين جزءًا من معنى الدولة والسيادة أو في أفقهما، ولا يكون مصدر تهديد لهما أو أحد مداخل التأثير عليهما من الخارج أو من تكالآت الخارج في الداخل.
وأدعو لقبول هذه الفكرة مؤقتاً، ليس بإطلاقها، وإنما بوصفها واحدة من المداخل الممكنة لفهم وتحليل ذلك التداخل بين الديني والسياسي، وبوصفهما ظواهر بشرية في المقام الأول، من حيث الوعي والتمثل والفعل. وهكذا، فإن السياسة أو السلطة هي -في جوانب منها- تَمَثُّل لفكرة “التوحيد الإلهية”، مثلما أن الدين هو في جوانب منه “تمثُّل” لأفكار السياسة والسلطة والقوة والصراع والتدافع في الظاهرة البشرية.
وما يحدث هو أن الإنسان “يتمثل” فكرة “التوحيد الإلهي”، و”التمثل” محكوم بظروف الوعي وقابلياته وإمكانية تجسيده في الفكر والواقع، وإعادة إسقاط الفكرة (أو تمثلها) تجاه العالم، و”إعادة إنتاجها” فيه، ومن ذلك التفكير الحميم أو المحموم في إقامة “مدينة الله” أو “مملكته” على الأرض، (انظر مثلاً: كتاب “مدينة الله” لـ أوغسطين، وكتابي: “المدينة الفاضلة” و”كتاب الملة” لـ الفارابي)، ولاحقاً “إعادة تشكيل” العالم في أفقها ومعناها.
الواقع أن “مدينة الله” أو “المدينة الفاضلة” لم يمكن تحقيقها على الأرض، على الرغم من الزعم المستمر من قبل الحكام والسلاطين ونخب الحكم، خلال عدة قرون، ومنهم من لا يزال يواصل ذلك حتى اليوم، على: أنهم يقومون على حكم يمثل الدين والسلطة الإلهية أو الروحية، أو يعمل في وفق مرجعياتها وبتحرك في أفقها. وبدت الفكرة إياها لـ “الخلاص” في “نهاية التاريخ” أو ما يعرف دينياً بـ”يوم القيامة” أكثر منها لـ”التطبيق” في الواقع، لكنها، كما ذكرنا، لم تغادر أفق المعنى والفعل السياسي والسياسي الديني، ولا ادعاءات تمثيل السلطة الروحية والإلهية.
ربما كان ذلك “التمثيل التوحيدي للإله” هو –مع عوامل أخرى- في أساس التبشير والدعوة والفتوح، وبالطبع الحروب والصراعات الدينية، التي يقول أطرافُها وفواعُلها -إيماناً أو زعماً وادعاء- أنهم يقاتلون “في سبيل الله” ومن أجل “نشر دينه” و”إعلاء كلمته”. ولاحقاً الصراع على المعنى الديني في قلب الدين نفسه، والحفاظ على “المسار الصحيح” للدين والرسالة. والحفاظ على وحدة الدين والأمة أو الجماعة الدينية. وأنتج ذلك صراعات لا حدود لها داخل الجماعات الدينية نفسها، والمذاهب نفسها، والطرق أو الشبكات الدينية نفسها، وبالطبع الحزب الديني نفسه. وأما الصراع بين الجماعات والمجتمعات والدول والإمبراطوريات من أديان مختلفة فحدث ولا حرج.
وكانت أنماط “الحكم الثيوقراطي” (الحكم الديني) منتشرة في مساحات واسعة من العالم، ولو أنها تراجعت أو تغيرت تدريجياً مع نشوء أو بروز “المجال السياسي” إلى جانب “المجال الديني”، و”السلطة الزمنية” إلى جانب “السلطة الدينية”. ومع فتوح التنوير والتطور والحداثة، حدث تراجع أكثر تواتراً لـ”السلطة الدينية” أمام “السلطة الزمنية” التي ما لبثت أن “تمثلت” فكرة التوحيد الإلهية لتقوم بـ”توحيد” و”تكثيف” السلطات الكبرى في مركز واحد هو: الدولة ذات السيادة، وذات السلطة والتشريع، والتي لا شرعية خارجها أو فوقها، لا دينية ولا دنيوية.
تجلت فكرة “التمثل التوحيدي للإله” في الواقع: إله واحد (هو إله الكنيسة أو الدين أو المذهب). ودين واحد (وعلى هامشه أديان مختلفة). ومذهب واحد (مهمين ومذاهب أخرى لها مرتبة أقل في ميزان المعنى والقوة والاعتراف، ومنها ما هو مرفوض أو مُكفَّر أو مُتَنَكَّر له أو معزول). وطريقة واحدة (من بين طرق دينية أو صوفية ورهبانية أو كنائس فرعية أو محلية مختلفة، متنافسة فيما بينها على من يمثل خط المعنى الصحيح أكثر). وربما شيخ واحد (تظهر المزاودة المحاكاتية بين رجال الدين: من يمثل الطريق الصحيح أكثر، ومن يستطيع أن يصل إلى أكبر عدد من المتلقين، ومن يجذب المتابعين أكثر، حتى ليبدو أن رجل الدين يتحدى نفسه أمام صوره المتعددة التي يجب أن يتجاوزها باستمرار من أجل المزيد من المتابعين، وبالطبع المزيد من المكانة والريع)، إلخ
وهذا يتجلى في السياسة: دولة أو مملكة واحدة (أخذت تبرز كنائس وطنية أو قومية في المسيحية، ومؤسسات ومجمعات دينية وإفتاء على مستوى وطني في الدول الإسلامية). وشعب واحد (المفهوم الحديث على أساس المواطنة وليس الانتماء الديني). وجماعة واحدة (قومية او إثنية إلخ). وحزب واحد (في المجتمعات ذات نظم الحكم التسلطية والأحدية الحزبية). وبالطبع حاكم واحد (في نظم الحكم الفردي التسلطي والدكتاتوريات).
توحيد في الدين وتوحيد في السياسة، وحاكم واحد في السماء وحاكم واحد في الأرض. والحديث هنا هو عن “عالم الدولة” بالمعنى الذي يعرفه العالم، الذي أخذ يسمح بتعدد الأديان، ولا يسمح بتعدد الحكم أو تعدد أو تشتت القوة والسلطة. ولو أن “التمثلات” تتجاوز ذلك إلى معنى الإمبراطورية (وحتى الدولة بالمعنى الحديث) متعددة الجماعات والأقوام الأديان، ولاحقاً العالم أو النظام العالمي بالمعنى الذي نعرفه.
لكن، يجب التنويه إلى أن “السلطة الدينية” الواحدة بالمعنى الديني والإيماني، لم يمكن لها أن تمسك المجال البشري، حتى ضمن الجماعة الدينية الكبرى نفسها. وانقسمت المسيحية واليهودية والإسلام وغيرها إلى عدد كبير من الفرق والمذاهب والتشكلات (قل: التمثلات) الدينية، التي ما لبثت أن أصحبت وقائع مادية وتشكلات اجتماعية واقتصادية وثقافية، وكيانيات سياسية، وكل منها يدعي أنه “التمثل التوحيدي” الأكمل للألوهية، في فضاء الدين والدنيا.
الواقع أن الحداثة “أزاحت” الدين من قمة هرم المعنى والقوة، ويبدو أنها “أقصته” من نظام المعنى والقوة أو نظام السلطة في بعض المناطق حول العالم، وخاصة أوربا، وأَثَّرت الحداثة على الظاهرة الدينية والسياسية في العالم ككل، لكنها “لم تقطع” مع الدين، حتى في أوربا نفسها. والواقع أيضاً أن الحداثة “نَزَعَت” السمة الدينية عن واقع ومعيش المجتمعات، أو أنها جعلت الدين جزءًا من ذلك الواقع والمعيش، وليس نظاماً للمعنى والقوة في المجتمع والدولة أو مظلة له، و”أعادت إنتاجه” قيماً وتمثلات حداثية وعلمانية وربما لا دينية. لكن روح المعنى الديني (بالأحرى تمثلاته) بقيت كامنة في الأسس العميقة للوعي والفعل السياسي في العالم.
ومثلما “تَتَفَلَّتِ” السياسة من هيمنة الدين والتمثلات الدينية، فلا يستطيع فواعل الدين والظاهرة الدينية احتواءها أو الإمساك بها بالتمام. فإن الدين “يَتَفَلَّت” من قبضة السياسة، فلا تستطيع احتواءه بالتمام، كما لا تستطيع السلطة التحكم به بالتمام.
ولا يزال الصراع على” لاهوت السياسة” أو “التمثيل التوحيدي للإله” في السياسة قائماً، لكنه ليس على خط ومعنى وإيقاع واحد. لم يعد من السهل أن يمتلك دين أو جماعة دينية أو مذهب إلخ حق “التمثيل التوحيدي للإله”، ولو أن ثمة من يواصل ادعاء ذلك. وليس من السهل العثور على سياسة أو جماعة سياسية تستطيع القول إنها هي “التمثيل” أو “التجسيد التوحيدي للإله” في الواقع.