Skip to content Skip to footer

كيف نقرأ تاريخنا؟ | أ. د. فتحي التريكي

كيف نقرأ تاريخنا؟ ماذا عن حقيقة التّاريخ؟ وما هو العقل التاريخي العربي؟ سأحاول من خلال مقالات متتالية في موقع “مجتمع” أن أقدّم بعض المسالك النظريّة التي تعالج زمنيّة التاريخ العربي من حيث هي تأسيس لوعي عربي وإسلامي أصيل ومنفتح على العالم.

في بحوث سابقة ولاسيّما في أطروحتي لدكتوراه الدولة والتي ناقشتها بجامعة السوربون بباريس تحت عنوان “الروح التاريخي في الحضارة العربية والإسلامية”، حاولت الدفاع عن زمن عربي ذي بعد تعقّلي من خلال الكتابات المختلفة من الفلاسفة والمؤرّخين العرب. فقد كان تعريف التّاريخ عامّة من حيث هو سرد، عند هؤلاء محدّدا بكونه رواية أحداث الماضي، موضوعه الإنسان في الزّمن، كما ذهب إلى ذلك المؤرّخ العربي السّخاويّ في كتابه “التوبيخ لمن ذمّ التاريخ”[1]. غير أنّ التّفكير في التّاريخ هو أيضا تحقيقٌ، واستفهامٌ، وإعادة تنظيم جملة من المعلومات، وحوار شائك بين الأحداث نفسها. لذلك سيكون علم التّاريخ قبل كلّ شيء، تأويلا وقراءة للظواهر وعملا متبصّرا ونقدا شاملا وتوضيحا متواصلا. وبعبارة أخرى، فالعلم التّاريخيّ هو قبل كلّ شيء تعقّل الواقع الماضي واستحضاره واستشراف مستتبعاته في المستقبل. وتكمن خلف الرّواية الّتي يقترحها المؤرّخ في طيّات كتابته، صورةُ للتّفكير تكون في كثير من الأحيان معقلنة ومنظّمة وباحثة بطريقة أو بأخرى عن التّأثير في الحاضر.

فالتّاريخ قد كان بهذا المعنى عند العرب “بنية الوعي”، باعتباره الضّامن لاستعادة ما قد أفلت منه أو ما قد ضاع في طيّات الزمن. هناك إذن اتّصاليّة زمنيّة تجعل من الإنسان موضوعا جيّدا لكلّ ممارسة استدلاليّة.

 نعرف أنّ ميشال فوكو في كتابه المراقبة والعقاب[2] قد فضّل الانعطاف بدل العمل على تعيين التّطوّر والاتّصاليّة بين إيديولوجيا السّلطة الّتي تمثّلها في القرن الثّامن عشر المشاريعُ الإصلاحيّة الثّوريّة في مجالَيْ قانون العقوبات وتقنيّات الجهاز التّأديبيّ، ذلك أنّه، في آخر التّحليل، أبرز القطيعةَ، والعلاقةَ المعكوسة بين المذهب والعمل من خلال تحليل مفصّل لتكنولوجيّات الإجراءات اللاّمتناهية في الجهاز التّأديبيّ.

أفلا توجد في هذه الحالة طريقة أخرى في بناء التّاريخ غير الاتصالية عبر تعيين لعبة التنوّع في الموضوع والمنهج؟ فمن خلال توخّي مناهج قد استعملها بعض مؤرّخي العرب مثل المسعودي وابن خلدون ونعني الشّكّ والتّبليغ، والمنعطفات، يمكننا طرح إمكانيّة تكوين تاريخ عربي تعدّديّ بشكل أوضح. ونحن لا نذهب إلى حدّ القول، على منوال ميشال سير، بأنّ “التّاريخ اتّفاقيّ عشوائيّ”[3]، ولكنّنا نؤكّد بإنّ التّاريخ جداليّ، وهو تكوين للتّراكيب والأنساق والأنظمة انطلاقا من منطق معيّن حدّده المقدسي بالعقل الممكن كما سنبيّن ذلك في هذه المقالات المسترسلة.

وفي حقيقة الأمر لم يكن الأساس لدى العرب في ممارسة التّاريخ هو فهم الأحداث على أنّها متتالية منطقيّة مسترسلة ذات بعد زمني أفقي واضح، أو على أنّ هذا التّاريخ صيرورة متكرّرة أو دوريّة. لقد نشأ الفكر التّاريخيّ عند العرب شكلا من أشكالاستذكار نشأة الإسلام وبناء المجتمع الإسلاميّ. فما كان أساسيّا إذن، هو تجميع المعارف وتنظيمها بحسب أهمّيّتها الدّينيّة، لأنّ عالِم التّاريخ في هذا المجتمع يكون في الآن نفسه مهتمّا بعلوم الفقه والحديث، وفي غالب الأحيان تابعا لها. غير أنّ المؤرّخين شرعوا حقّا، في منتصف القرن الثّاني للهجرة، في تغيير مناهجهم إذ أضحوا يقبلون بنظام بنيويّ زمنيّ معيّن في حكاية التّاريخ، وبتحديد شكل “تفسيريّ” وتأويلي للأحداث بواسطة أحداث أخرى، بطريقة تمكّننا من الحديث عن نشأة الأحداث “التّاريخيّة” مع هيثم بن عديّ (المتوفّى سنة 207هـ) مثلا. كذلك لم يعد هناك مزج بين مفهوم البداية التاريخيّة وظهور الإسلام، خاصّة مع الطّبريّ (المتوفَّى سنة 310هـ) حين أصبحشموليّة، تجد نقطة بدايتها مع الخلق وتسترسل حسب ظهور الأنبياء والأديان. لكنّ هذا المفهوم للبداية التاريخيّة يظلّ مصبوغا بصبغة عقائدية وأحيانا إيديولوجيّة أملتها اعتبارات سياسية ظرفيّة.

وبرغم كلّ ذلك، فهذه الفترة الذّهبيّة قد شهدت في الآن نفسه محاولات تفسيريّة تأويليّة لنشأة الإسلام ونشاط فكري مكثّف لتنظيم المجتمع الإسلاميّ الجديد. وفي هذا المعنى، كان لعلماء التّاريخ مقاربتان مختلفتان لمعرفة مسيرة الدين الجديد ونعني الفترة الّتي سبقت ظهور الإسلام والفترة الّتي لحقته. فقد كان انشغالهم بالمعلومة محدودا في المقاربة الأوّلى، حيث تركوا المجال واسعا للخرافات والأساطير والأحداث المبهمة، بينما كانوا يسعون في المقاربة الثّانية إلى الالتزام “بشرط الدّقة والفهم والتثبّت ويكون ذلك باستعمال العقل والمنطق أحيانا.[5]

فقد ذهب بعض المستشرقين إلى القول بأنّ الرّغبة في إيجاد روح تاريخيّة وبالتالي عقل تاريخي عربي تمثّل ضربا من المفارقة، بما أنّ الرّوح إذ تتحقّق في التّاريخ، أي في زمنيّة خالصة للصّيرورة، فإنّها تمثّل فعلا إنسانيّا شاملا لا نجده إلّا في الثّقافة العبريّة-المسيحيّة الّتي اكتسبت قوّتها العلميّة في القرن التّاسع عشر مع هيغل، في اللّحظة الّتي كوّن فيها مفاهيمه الإجرائيّة وأعدّ حقل عَرْضه. وينبغي التّأكيد مسبقا أنّنا لا نكتفي هذه الدّراسة بالرّجوع فحسب إلى نموذج التّاريخ الغربيّ، ولا ننطلق من فكرة كون التّاريخ متتالية من الأحداث السّياسيّة المنتظمة بعضها يفسّر تبادليّا بعضا، وتكون بصدد إعداد المستقبل. وإذا اعتبرنا أنّ رؤية التّاريخ هذه قد نتجت عن تطوّر الرّوح الإنسانيّة، وعن تفكير عميق في المنزلة المحدِّدة للوجود الإنسانيّ، فإنّنا نستطيع أن نعتبر أنّ الفكر التاريخي العربي قد أسّس لعقل تاريخي نجد مظاهره عند فلاسفة التاريخ كالمقدسي وابن خلدون، كما نجده عند المؤرّخين أنفسهم كاليعقوبي والمسعودي، وعند الفلاسفة كالبيروني وابن مسكويه. أمّا الأطروحة السائدة في الايديولوجيّة الغربيّة والقائلة بأنّ الروح التاريخيّة المعقلنة حيث يتبع فهمنا للتاريخ إملاءات العقل لم تر النّور إلاّ بعد ثورات وتحوّلات علميّة وسياسيّة واجتماعيّة، شاهدها العالم الغربي فأنتج فلسفة التاريخ الشاملة والكونيّة، فهي غير دقيقة لأنّها لم تأخذ بعين الاعتبار فلسفة التاريخ العربيّة التي سوف نقوم بتحليلها ونقدها ونبيّن كيفيّة تعاملها مع العقل منهجا ومع الإنسان غاية.

 

[1]  بيروت 1979، ص7.

 

[2] – M. Foucault, Surveiller et punir, Gallimard, Paris, 1975.

ميشال فوكو، المراقبة والمعاقبة، ترجمة د علي مقلد ومراجعة مطاع الصفدي، مركز الإنماء القومي بيروت 1990

[3] – Michel Serres, La naissance de la physique, Ed. de Minuit, Paris 1977, p 202.

[4] – Hegel, La raison dans l’histoire, Unions Générales d’Editions, Paris 1965, p 52. محاضرات في فلسفة التاريخ