Skip to content Skip to footer

كيف أثرت الترجمة اللاتينية الأولى للقرآن على الفهم السلبي للإسلام في الغرب؟ | د. محمد عبد الواحد العسري

بطرس المبجّل وترجمة القرآن والوعي الأوروبي

عدنان: أعزائي، أعزائي، أهلًا وسهلًا ومرحبًا بكم. بدأ تيار التعرُّف على الإسلام ومحاورته من غير طريق الحرب ببطرس المبجّل ومشروعه الشهير لترجمة القرآن، وهي الترجمة التي ظلّت على علّاتها المصدر الأكثر استخدامًا من جانب الأوروبيين طوال خمسةِ قرون. فكيف شكَّلت هذه الترجمةُ العِماد اللاهوتي للموقفِ من الإسلام حتى القرنِ التاسعِ عشر؟ وكيف احتَكَرت -وما زالت- اللاشعورَ الجمعيَّ للغربِ الأوروبي حتى اليوم؟ ثم كيف ظلَّت التصوُّرات الغربيةُ الحاليةُ للإسلام والمسلمين مشدودةً، لا من حيثُ مضامينها ولا من حيثُ محدِّداتها المنهجية، إلى بداياتِ تكوُّنها خلال القرونِ الوسطى؟ وماذا عن الاستشراق الإسباني، هل انفلت من هذه الشرنقة أم ظلَّ أسيرًا لها؟ هذه الباقةُ من الأسئلةِ نطرحُها على الدكتور محمد عبد الواحد العسري، الأستاذ بجامعة عبد الملكِ السعدي بتطوان، صاحب كتاب “الإسلام في تصوُّرات الاستشراق الإسباني من ريموندس لولوس إلى أسين بلاثيوس”. دكتور العسري، أهلًا وسهلًا ومرحبًا بكم.

العسري: أهلًا بكم سيدي ياسين، شكرًا على الاستضافة.

عدنان: السيد العسري، ترى بأن تصوُّراتِ الغرب الحاليةِ للإسلام والمسلمين بما يصاحبها من أحكامٍ مسبقة، متجذِّرة في القرون الوسطى، ورغمَ تغيُّرِ الأحوالِ وتداخلِ المصالحِ التي جمعت الغربَ مع المسلمين من مختلفِ الأقطار، لم تتبدَّل. لماذا لم ينَلِ الزمانُ من الثوابتِ المضمونيةِ والمحدداتِ المنهجيةِ لهذه التصوُّرات؟

العسري: كما تفضَّلتم، رغم مرور هذه الأزمنةِ الطويلةِ ورغم المصالحِ المختلفة التي تجمع الغربَ بالإسلام، إن التصوُّرات الغربية للإسلام والمسلمين لم يستطِعِ أن ينالَ منها الزمانُ ولم تحقق أيَّ تغير نوعيّ إلى حدِّ الآن، وذلك لعوامل كثيرة جدًا، لعل من أهمها هذه الترجمة اللاتينية الأولى لمعاني القرآن الكريم. نقول: إن هذه التصوُّرات الغربيةَ للإسلام لم تستطع أن تحقق أي تغيُّر نوعي. واحتكرت –وهنا أستعير مصطلح هشام جعيط- احتكرت اللاشعورَ الجمعيَّ للغرب. هو يقول: إنها احتكرت اللاشعورَ الجمعيَّ للغرب إلى حدٍّ يمكن أن نتساءل: هل يمكن في يوم من الأيام أن يتخلص منها الغرب؟ النص عنده بالفرنسية.

هذه الترجمةُ اللاتينية لمعاني القرآن الكريم تندرج ضمن أول مشروعٍ عالميٍّ للتعرُّف إلى الإسلام والمسلمين. قبل هذه الترجمة كان الغرب لا يعرف عن الإسلام والمسلمين إلا أنهم يصلون بهذه الطريقة، يدفنون موتاهم بهذه الطريقة، إلا من خلال تعايش النصارى والمسلمين، والملاحظة لبادئ الرأي. مشروع دير كلوني هو أول مشروعٍ عالم، معرفة الإسلام. هذا المشروع أطلقه بطرسُ المبجَّل أو البطرسُ المحترم، (Petrus Venerabilis)، من دير كلوني، وجاء ضمن سياق ثقافي مخصوص، ووقع في الأندلس، ذلك أن بطرس المبجَّل قام برحلة إلى الأندلس، لأن إسبانيا لم تكن قد وجدت بعد، ستوجد إسبانيا بعد ما يُسمى بسقوط غرناطة، بعد سنة 1492. قام برحلة إلى الأندلس، من أجل تصحيح النصرانية في الأندلس، وكان يرى بأن النصرانية في الأندلس قد انحرفت، في المصطلح الديني النصراني قد “تهرطَقت”، بالنظر إلى اتصالها بالإسلام والمسلمين، وتعايشها مع الإسلام والمسلمين، فكان يريد أن يُصلح هذه النصرانية.

بطبيعةِ الحال هذا بأمرٍ من البابا ذلك الزمان، إينوسنت الثالث، الذي كان يريد أن يحمل جميع الناس وجميع النصارى، على ضرب مخصوص من النصرانية، وهو الضرب الرومي الكاثوليكي. الأندلس في هذه المرحلة، في مرحلة أواسط القرن الثاني عشر، كانت إلى حد بعيد على ضرب آخر من النصرانية، فالنصرانية في الأندلس كانت منتظمة داخل الكنيسة المستعربة، كنيسة (mozárabes) المستعربين. لا علاقة لهذا المستعربين بحركة الاستعراب التي قد نعرج عليها لاحقًا. لا، هذه المسألة أن اللغة العربية إلى هذا الزمان الذي نتكلم فيه كانت قد أصبحت هي لغة الحياة العامة في الأندلس، هي لغة يتكلم بها الناس، يحسُّ بها الناس، ينتجون بها آدابهم، ينتجون بها تدينهم، ينتجون بها عقائدهم، وشرائعهم النصرانية باللغة العربية.

هذا المشروع كان يرى أن استخدام اللغة العربية، والعلاقة -إن شئت- الطيبة بين المسلمين والنصارى، هي التي أدت إلى انحراف النصرانية. هذا بطبيعة الحال محض اتهام للإسلام والمسلمين، بأنهم من وراء تهرطُق النصرانية، بدليل أن ما كان يريد أن يُصلحه مثلًا بطرسُ المبجل هو إصلاح هذه الكنيسة من الهرطقات التي كانت بها، حسب نظره، وحسب الضرب الرومي الكاثوليكي، وهي هرطقة مثلًا “التبني” Adobcionismo، أو هرطقة: “بريسليانو” Priscilianismo. هذه كانت موجودة في شبه الجزيرة الإيبيرية إذا تكلمنا بالجغرافيا الفيزيائية، أو في الأندلس إذا تكلمنا بالجغرافيا الثقافية، حتى قبل وصول الإسلام والعرب والمسلمين إلى الأندلس.

ولكن مشروع بطرس المبجل هو مشروع رأى بأن الاندراج ضمن التقليد الحربي القتالي لمحاصرة الإسلام والمسلمين لا يكفي، وإنما لا بد، بالموازاة مع هذا التقليد الحربي، أن يندرج ضمن تقليد علمي، علمي، ضمن تقليد علمي، معرفةُ الإسلام من الداخل حتى يتمكن من مجادلته ومن محاصرته. فكان أن وصل إلى الأندلس، بالضبط إلى وادي إيبيرا (مصطلح فرنسي)، وهناك التقى بمترجمين: روبرتوس كيتينيسيس، وإرمانوس دي كارينسيا، وصرفهما عن دراسة العلوم العربية البحتة: الرياضيات والفلك وغيرهما، وترجمتها، إلى ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللاتينية، وترجمة كذلك نصوص عربية أخرى في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي التواريخ الإسلامية، وفي المجادلات النصرانية للإسلام والمسلمين. وكان من أهم هذه النصوص الجدالية: كانت رسالة عبد المسيح بن إسحاق الكندي. وهي رسالة كما تعلمون وُضعت في بغداد في المشرق العربي، لكنها لم تنتشر هناك، وإنما انتقلت إلى الأندلس، وتُرجمت ضمن مشروع دير كلوني.

 

دير كلوني وفريق الترجمة والعنصر الأندلسي

عدنان: دير كلوني، نعم. هذا المشروع الخاص بدير كلوني، سواء فيما يتعلق بالترجمة اللاتينية الأولى للقرآن الكريم، أو نصوص من السيرة، وهذه المساجلات، مساجلات الكندي، هذا المشروع بمعنى من المعاني هو مشروع أندلسي أيضًا؛ لأنه لما كانت الأندلس، وأنت تفضلت بأنه حينما ذهب بطرس المبجّل من دير كلوني بفرنسا وتوجه نحو الأندلس، فلكي يصرف بعض المسيحيين من طلاب العلوم الإسلامية هناك، لكي ينصرفوا عن علومهم إلى هذه المهمة التي اختارها وارتضاها لهم، ولكن كان بين هؤلاء الأندلسيين أيضًا اسم عربي، شخص اسمه محمد. أنا أريد أن أسأل عن هذا العنصر الأندلسي في مشروع دير كلوني وفي مشروع بطرس المبجّل.

العسري: هذا المشروع هو حقيقة، بطرس المبجّل فرنسي، ودير كلوني يقع في منطقة كلوني بفرنسا، ولكنه من وجهة نظر ثقافية هو مشروع وقع في الأندلس. يعني روبرتوس كيتينيسيس هو إنجليزي، كان جاء إلى الأندلس للعلوم العربية، إيرمانوس دي كارينسيا هو مجري وجيرماني، كان قد جاء إلى الأندلس من أجل نفس الغاية. صرفهما بطرس المبجل إلى ترجمة القرآن والكتب التي ذكرنا. وعندما شرعا في الترجمة -روبرتوس كيتينيسيس وزميله- تبين لهم بأنه لتحقيق الإمكانات اللغوية والتغلب على الإشكالات الترجمية لا بد من إضافة عناصر أخرى. فأضيفت عناصر أندلسية، أولها هو بطرس الطليطلي، (Petrus Toletanus )، هذا كثير من الدارسين تصوروا بأنه من المستعربين، ولكني مع بيتر فان كوننغسفيلد، أميل إلى القول بأنه أحد اليهود المتنصرين، ليسوا المُنصرين، وإنما هو اختار النصرانية، والعربية والعبرية، فكان قويًا في اللغة العربية.

وكذلك أضيف إلى هذا الفريق شخص أشارت إليه المصادر، والمصادر هنا بالضبط هي التاريخ الداخلي لإنجاز هذه الترجمة، هذا التاريخ الذي نقف عليه في مراسلات بطرس المبجل مع زملائه، مع البابا، ومع بيردي كلاريفو. يقول له فيها: كوَّنت فريقًا فيه بطرس كيتينيسيس، أرمانوس الكارينسيا، وأضفت إليه بطرس الطليطلي (Petrus Toletanus ) لأنه قوي في اللغة العربية. وأشار إلى شخص اسمه محمد. محمد هذا، في بعض أبحاثي السابقة عن الاستشراق الإسباني، تصورت مع الذين تصوروا بأنه أحد المسلمين المنقلبين عن الإسلام إلى النصرانية، ولكن يظهر لي الآن بأن الأمر ليس كما كنت قد تصورت، لأن عادةً، عندما ينقلب شخص من دين إلى دين، فإنه يأخذ اسمًا جديدًا، يصير دين جديد، ثم أن نعرف موقف النصارى من محمد، من هذا الاسم، ثم أن النصارى يشيرون باسم محمد لكل مسلم، وباسم فاطمة لكل مسلمة.

والظاهر عندي أن هذا الرجل هو مسلم بطبيعةِ الحال، وربما دوره لأن المسلمين لم يكونوا يتقنون اللاتينية، لم يكونوا بحاجةٍ إليها، لأن لغتهم كانت العربية آنذاك عندهم وتحقق لهم الكفاية. أتصور بأنه كانت مهمته هو أن يعطي لهذا الفريق معاني القرآن الكريم بالأراغونية – أراغونيس – بإحدى اللهجات التي كانت منتشرة في الأندلس، وفي شبه الجزيرة الأيبيرية، وبالضبط في وادي إيبير، أراغوني، فهو أتصور بأنه هو الذي تكلم عن معاني القرآن بهذه اللغة، والفريق كان ينقلها إلى اللاتينية. ثم بطرس المبجل أضاف شخصًا آخر، سكرتيره الخاص، فرنسي، لأنه يتقن جيدًا اللاتينية، اللغة المنقول إليها، في النهاية ستكون اللاتينية هي التي ستكون كذا.

فالمشروع هو مشروع أندلسي، مشروع أن الأندلس يأتي إليها الناس من كل جهات العالم للتعلم. أول مشروع علمي عالم أوروبي غربي للإسلام هو في الأندلس، وبطرس أراد بهذا المشروع أن يزود أولًا نفسه، لأنه هو الذي كان يريد أن يجادل المسلمين والإسلام، فكان محتاجًا لترجمة معاني القرآن الكريم، والكتب التي ذكرنا، رسالة الكندي وغيرها وغير ذلك، ليقوم هو بعد ذلك بمجادلة الإسلام والمسلمين، وقام بعد ذلك بمجادلة الإسلام والمسلمين.

 

مركزية الذات الدينية وتشويه النص في الترجمة الأولى

عدنان: لأن هذا هو المهم في هذه الترجمة، هو أولًا هناك السياق الثقافي العام لإنتاجها. هناك أيضًا العناصر التي أمّنت عملية الترجمة؛ فيهم من يُتقن لغة المصدر، وفيهم من يُتقن لغة الهدف، وفيهم من يُتقن اللغة الوسيطة التي تم استعمالها. ولكن كل هذه الدينامية انطلقت في الواقع من الذات النصرانية وتمحورت حولها. كيف يُفسَّر هذا التمركز حول الذات الدينية؟ وكيف يُفسِّر التشويه والتحريف الذي لحق مجمل هذه الترجمة اللاتينية الأولى لمعاني القرآن؟

العسري: طيب، نقوم بالترجمة لحاجتنا إليها، بطرس المبجّل كان في حاجةٍ إلى هذه الترجمة؛ فهي في خدمة الذات. وهذه الترجمة تمّت بالانطلاق من الذات ومن أجل تأسيس الذات بالنظر إلى غيريّتها. من أجل تأسيس الذات النصرانية الرومية الكاثوليكية بالنظر إلى الإسلام، لأنه لا يخفى عليكم أن الهوية لا تزيد الهوية، وإنما الغيرية هي التي تزيد الهوية (جملة فرنسية).

عدنان: تحتاج دائمًا الآخر لتكتمل معرفتك بذاتك. ما هو أنا، وما لست أنا.

العسري: طبعا، الآخر في المرآة. ولذلك انطلقت هذه الترجمة من الذات النصرانية وتمحورت حولها. والمهم هنا أنها استخدمت منهجًا سيُسمّى لاحقًا منهج تاريخ الأفكار (مصطلح فرنسي)، استخدمه فيلولوجيون بكثرة. هذا المنهج كان محل نقض من طرف ميشيل فوكو. وأنا في دراستي للاستشراق انفتحت على العلوم الإنسانية المعاصرة، واصطنعتُ منها منهجًا كفيلًا بنقض الاستشراق، ووقفتُ كثيرًا عند هذا المنهج. هذا المنهج يُعنى بتتبّع التأثير والمؤثّرات والتأثرات وتبادلها فيما بينها.

فالترجمة تنطلق من الذات النصرانية نعم، وتستخدم هذا المنهج، تتبّع التأثير والتأثر، فتتبع تأثير العهد القديم والعهد الجديد في القرآن، في الإسلام، وتختزل الإسلام في هذا التأثر، وكأن الإسلام لا يمكن أن يكون إلا من داخل العهد القديم والعهد الجديد، لذلك..

 

منهج التأثير والتأثر وتحريف مضمون القرآن في الترجمة

عدنان: تمامًا لأن القرآن -وليس الإسلام بشكل عام- لأنه المثير في هذه الترجمة هو طمس كل اختلافات قائمة أو ممكنة ما بين القرآن من جهة، والعهدين القديم والجديد من جهة أخرى. يعني حتى من هنا انطلقت ربما من هذه الترجمة فكرة أن القرآن ليس سوى امتداد للكتابين السابقين، نهل منهما وأخذ عنهما كل شيء.

العسري: طبعًا كان الهدف هو طمس هذه الاختلافات. فالتـرجمة، لأن هذا كان هدفًا، ولكن ليس الهدف هو الذي حدّد في النهاية المنتوج الترجمي بقدر ما حدده المنهج المتبع. فتتبع التأثير والتأثر، أن كل شيء في العهد القديم والعهد الجديد، وأن القرآن مليء بالعهد القديم والعهد الجديد، بالصحيح منه والمنحرف، لأن الفريق الأندلسي الذي ترجم، قام بعملية الترجمة في وادي ايبرة وليس في طليطلة –كما يتصور كثير من الناس-. كما قلنا الهدف كذا إلى آخره، المنهج الذي استخدم هو التتبع التأثير والتأثر، اختزال آليات كثيرة في هذا الباب، فكأن بالنصرانية تقول للمسلمين بدرجة من الدرجات، ولكن هذا العمل هو موجّه للنصارى؛ لأن اللاتينية ليست موجّهة للمسلمين، بل موجّهة للنصارى لمحاصرة جاذبية الإسلام وانتشاره. هي تقول: إن كل شيء في العهدين، والقرآن ما هو إلا مجرد تكرار لهذين العهدين، وتكرار للمنحرف والمتهرطق من هذين العهدين، ولذلك أرى من جهتي بأن الفريق الذي ترجم معاني القرآن الكريم –ليس لدي دليل فيلولوجي قاطع، ولكن استنتاج- كان قد ترجم رسالة عبد المسيح بن إسحاق الكندي قبل ترجمته معاني القرآن الكريم. ولذلك دخلوا إلى ترجمة معاني القرآن الكريم وهم متأثّرون بما جاء في رسالة الكندي، وهي معروفة قليلًا. ولذلك هذه الترجمة من أجل هذا التمسك وكذا تحاشت، واستخدمت كل المفردات ومعاني الإسلام والمسلمين، وعوّضت كل هذا بسرسانيين (أي الشرقيين)، محمديين، هراطِقة، المنحرفين..

عدنان: الإسماعيليين.

العسري: الإسماعيليين؛ نسبة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم منسوب إلى إسماعيل. وسنرى أحد مجادلي الإسلام، قد نتطرق إليه لاحقًا سيضيف اسمًا آخر: الهاجاريين، نسبة إلى هاجر الأَمَة وليس إلى سارة. كل هذا من أجل التشويه والتحوير الذي لحق معاني القرآن الكريم يرجع إلى هذا الأمر. فلذلك نلقى مثلًا أن هذه الترجمة عندما وصلت إلى الآية 48 من سورة المائدة:

﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48].

سنرى بأنها ستسقط “مهيمنًا عليه”..

عدنان: اكتفت بالتصديق.

العسري: فهي أنها “مصدقا”، وبما أنه يدّعي بأنه قد هيمن على العهد القديم والعهد الجديد، فلا يمكن أن يكون وحيًا من السماء، وإنما سيكون من تأليف رجل كان اسمه محمد، وهي دعوة للعرب، وهو عربي، إلى آخر الآية.

لكن الخطير في الأمر هو أن هذه الترجمة ستهمين على التصوّرات التي أُنتجت فيها، ستهيمن على جميع الترجمات التي ستأتي بعدها، سواء إلى اللاتينية، ثم إلى اللغات القومية الأوروبية في ترجمتها لمعاني القرآن الكريم.

 

هيمنة الترجمة اللاتينية على الترجمات الأوروبية اللاحقة

عدنان: أكيد يعني، وسنعود ربما لهذه الهيمنة الأخرى بالتفصيل، ليس هيمنة القرآن على النصوص السماوية التي قبله، ولكن هيمنة هذه الترجمة اللاتينية على كل الترجمات الأوروبية اللاحقة. إنما قبل ذلك، وأنت تتحدث الآن عن الأسماء التي أُلصقت بالمسلمين لتفادي ذكر الإسلام ونعتهم بالمسلمين، يعني جزءٌ منها يجد تبريره مثلًا في أن المسيحيين لم يستطيعوا التفكير في الدين الجديد خارج ذاتهم الثقافية والدينية، وربما إدوارد سعيد قبلك، وأنت أيضًا أشرتم إلى أن نسبة مثلًا المسلمين إلى رسولهم، وتسميتهم بالمحمديين، فيه بعض من نسبة النصارى إلى نبيهم وتسميتهم بالمسيحيين.

العسري: نعم، فهي منطلقة من الذات، والترجمة لا يمكن أن تنفلت من هذا، انطلاقًا من الذات. وكما نعلم جميعًا النصارى ينسبون أنفسهم إلى المسيح فيقولون المسيحيين، وبالتالي فالمسلمون يُنسبون إلى محمد، فهم محمديون، وسرسانيون، يعني شرقيين، إلى آخره. فهذا عامل ذاتي وعامل موضوعي هنا اشتركا في نفس الأمر لكي تقع النسبة ولكي يزداد القرآن تحريفًا وتشويهًا. التشويه والتحريف ليس فقط في هذا، وإنما حتى في إضافة معانٍ أخرى غير موجودة في القرآن الكريم.

مثلًا من المتخصصين الكبار في هذه الترجمة اللاتينية لمعاني القرآن الكريم، باسكس الآن وهو إسباني، لأنه ما زال هناك احتفاء كبير في الأوساط، في الطوائف العلمية في أوروبا، وخاصة في إسبانيا بهذه الترجمة. يعني في 2023 حُقّقت ونُشرت مؤخرًا، وإلى الآن لم أطلع على هذه النشرة؛ حُققت ونُشرت. ثم هناك مشروع أوروبي ضخم جدًا تقوده الصديقة الإسبانية ميرسيدس غارسيا أرينال، وأحد الفرنسيين جاك تولا، أول نشاط لهذا المشروع أمام الناس كان مؤتمر عالمي أمام الناس كان على هذه الترجمة. من المتخصصين في هذه الترجمة مَن أنجز فيها الإجازة والماستر والدكتوراه، وأريد أن أنوه به لأنه ساعدني كثيرًا، خصوصًا في اللاتينية إلى آخره، وهو أليكسيس دي ريبيرا، وهو مكسيكي وتعلّم العربية هناك، وكذا في المكسيك، ومتخصص في ترجمة روبرتوس كيفيتال في هذه الترجمة.

مما استطاع أن يضع يده عليه من الزيادة في القرآن، مثلًا: “وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ”، هذه القصة المعروفة..

عدنان: في سورة يوسف.

العسري: سورة يوسف، “الحُسن أقسمت (حلفت) بيوسفه / والسورة أنك مفرده”. نحدثك بالشعر قليلًا. فيقول إنهن لم يكتفين بتقطيع أيديهن بل “حِضْن”، وهذه “حِضْن” غير موجودة في القرآن.

عدد سور القرآن أضيف فيها، وقع فيها العبث، التحوير، التشويه، الحذف، الزيادة النقصان، كل هذا نجده مثلًا        في ترجمتهم إلى اللاتينية للفاتحة.

عدنان: لفاتحة الكتاب.

العسري: للفاتحة.

 

أسباب الاعتماد الأوروبي على الترجمة اللاتينية وتداعياته

عدنان: مع هذه العلات التي تفضلت الآن برصد بعضها، نحس مع ذلك أن هذه الترجمة اللاتينية لمعاني القرآن الكريم فرضت نفسها، هيمنت -كما قلت قبل قليل- وفرضت نفسها أصلًا لكل الترجمات الأوروبية اللاحقة. والسؤال الحقيقي الذي يُطرح هو: لماذا مثلًا لم يهتم مترجمو معاني القرآن الكريم إلى اللغات القومية الأوروبية المختلفة، لماذا لم يهتموا بالرجوع إلى النص العربي للقرآن، واكتفوا بهذه الترجمة اللاتينية؟

العسري: لأنها على علاتها، تلك العلل هي الجواب.

عدنان: قصدك أرادوا الحفاظ على..

العسري: ما كان يهم هو التعرّف إلى الإسلام من أجل مجادلته، فهذه الترجمة تُعطي هذا، تُخوِّل للنصارى، تخوّل للغرب هذا الأمر. ثم إن هذه الترجمة انتشرت في وقتها، وبعد وقتها كثيرًا، بدليل أننا نجدها، لحد الآن وجدنا منها 24 مخطوطة لهذه الترجمة، مبثوثة في مكتبات العالم الأوروبي. ثم سنجد أن مجادلي الإسلام والمسلمين سوف يَستخدمونها بكثرة، ثم إننا سنجد في القرن السادس عشر تيودور بيبلياندر سينشرها مرتين، في بازل بسويسرا، ثم سنجد أنه سيقع عليها الإجماع من طرف نصارى الغرب، الكنيسة الغربية، الرومية الكاثوليكية، وحتى كنيسة الإصلاح الديني، وحتى الكنيسة البروتستانتية، هي كذلك فرِحَتْ بهذه الترجمة، فنشر طَبْعُها، لم تعد مخْطُوطات، وإنَّما أصبحت مطبوعا، انتشرت. وعندما انتشرت، وعندما ظهرت اللغَاتُ القوميةُ، كانت هناك أسئلةٌ أخرى، وكان لابدَّ من ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغات القومية الأوروبية. سنلاحظ بأن الترجمات الأولى لم ترجع إلى النص العربي للقرآن الكريم، إنَّما رجعت إلى هذه الترجمة نظرًا لعلاتها، ونظرًا للأسباب التي ذكرناها سابقًا، ونظرًا فيما يظهر لي بأن مستوى المترجمين آنذاك في اللغة العربية لم يكن كمستوى المترجمين المستشرقين اليوم. لم يكونوا يتقنون اللغة العربية جيدًا، ثم إنهم كانوا يتقنون اللغة اللاتينية جيدًا لأنها لغة العلم ولغة الدين، لغة الدين عندهم، وبالتالي اكتفوا بالرجوع إلى هذه الترجمة لهذه الأسباب، ولسبب سوف أذكره بعد قليل، لأنها كانت تُحقق لهم الاكتفاء. فسنجد بأن ترجمات.. الترجمة الإيطالية الأولى لمعاني القرآن الكريم ستنطلق من هذه الترجمة.

 

تطوّر الترجمات القومية للقرآن واعتمادها النص اللاتيني

العسري: عندما أخذ الغرب في ترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغاته القومية، اكتفى المترجمون آنذاك للدواعي التي ذكرت قبل قليل بالرجوع إلى ترجمة معاني القرآن الكريم في نصوص دير كلوني. ولذلك سنرى بأن الترجمة الإيطالية سترجع إلى هذه الترجمة، ومن الترجمة الإيطالية ستأتي الترجمة الألمانية، ثم ستأتي الترجمة الهولندية. ستأتي الترجمة الفرنسية المنسوبة لديرير، وصاحبها يقول إنه رجع إلى النص العربي، ولكن بالتدقيق فيها لاحظت بأنه هو كذلك عند ترجمته الآية التي ذكرت قبل قليل (48 من سورة المائدة) حذف “مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ”، مما يدل على أنه –وعلى كل حال كل المترجمين خائنون- أنه كذلك اعتمد هذه الترجمة اللاتينية لمعاني القرآن الكريم، وهي الترجمة التي كما قلنا ونؤكد دائمًا وأبدًا، القطعة الأولى في التعرف الغربي العالي على الإسلام والمسلمين، وأنها في الأندلس. وأنه كذلك دعني أصحّح بعضَ الأشياءِ المشهورة وهي خطأ، أنها هي تُنْسَبُ عادةً إلى روبرتوس كيتينيسيس؛ ويرجع ذلك إلى أنه في إحدى مخطوطاتها يقول روبرتوس كيتينيسيس باللاتينية: “أنا الذي ترجمت معاني القرآن الكريم”، استخدم صيغة المتكلم. ولكنه في بيانات النسخ لنفس المخطوطة يقول (مصطلح لاتيني) “ترجمتنا”، مما يدل على أنها ترجمة الفريق، ثم سنجد بطرس الطليطلي الذي ذكرت يقول “ترجمة أنا بطرس طليطلي الذي ترجمت هذا الكتاب إلى اللاتينية”، ما يدل على أنها من أقلام أربعة أو خمسة، مما يدل على أنها من عمل فريق. فلا يجب أن تُنسب فقط إلى روبرتوس كيتينيسيس، وإنما إلى هذا الفريق.

 

مشروع إصلاح النصرانية وتأثيره على الأندلس

عدنان: هو الحقيقة أنها تُنسب أكثر إلى بطرس المبجل..

العسري: على أية حال لأنه هو الذي رعى هذا الأمر ضمن مشروع عام كان اسمه مشروع إصلاح النصرانية في الأندلس، وهو مشروع أصولي يرجع النصرانية المنحرفة في الأندلس إلى أصلها المزعوم. وأريد أن أنبه إلى مسألة أساسية، وهي أن هذا المشروع سيشوّش على البنية الداخلية الخاصة بتاريخ الأندلس، سيشوّش على أسس تعايش –إن شئت- السلم الذي كان يجمع بين ساكنة الأندلس، لأن قبل هذا المشروع كانت التناقضات بين الناس في الأندلس هي التناقضات بين المراكز التي تريد أن تصير مراكز، والجهات. لأن الجغرافية الفيزيائية التي في شبه الجزيرة الإيبيرية، مثل المغرب، والجبال، والأودية، وكذا، فكنّا نجد مسلمًا ونصرانيًا ويهوديًا ضد أمير مسلم، والعكس، غولكن بعد هذا المشروع التناقضات والصراعات ستلبس لباسًا دينيًا.

هذا المشروع كذلك في نفس الوقت، لهذا المشروع هناك مشروع آخر وأجنبي على الأندلس وعلى أي حال، وهو مشروع المرابطين وإصلاح الإسلام في المرابطين. فنحن أمام أصوليتين همجيتين على أية حال، يعني أودت بالناس في داهية في الأندلس. ولكن هذه مسألة أخرى.

 

الأصولية الكاثوليكية والمرابطية وصراعات الهويات

عدنان: يعني أن الأصولية الكاثوليكية مع بطرس المبجل، والأصولية المرابطية. بأي معنى، يعني بأي معنى ترى بأنهما رهنتا الأندلس وصادرتا الأفق الذي كانت تبشّر به الأندلس على مستوى التعايش؟

العسري: هذا الذي وقع، لأنه أصبح الناس إما أن يكونوا نصارى، رومًا كاثوليك، حتى أنهم تخلّصوا حتى من بقايا الأدوبسيونيسمو Adobcionismo، ولعل هرطقة “التبني”،  هي من بقايا الأريوسية، لأن الأندلس وقبلها شبه جزيرة إيبيريا لم تكن على الضرب الرومي الكاثوليكي في النصرانية، وإنما على الضرب الأريوسي..

عدنان: ولهذا يُقال بأنها استقبلت الإسلام بسلاسة، لأن الأريوسية كانت موحدة..

العسري: كانت موحدة نعم.

عدنان: واستقبلت اليهود أيضًا بسلاسة لأنهم أيضًا موحدون. فربما تثليث الكاثوليكية هو الذي سيصنع الفرق.

العسري: طبعا هو الذي سيصنع الفرق. فنحن أمام مشروعين في الواقع أجنبيين إلى حد ما. وإن كان الغرب الإسلامي هو المغرب والأندلس على أي حال. ولكن هذا أدى إلى أنه حتى الذين سوف يكتبون تاريخ الأندلس من العرب والمسلمين في هذه المرحلة، بعد دخول المرابطين إلى الأندلس، سيتكلمون على أن أجدادهم الميامين، فتحوا الأندلس عنوة، ففكرة الغزو وكذا أراها ليست في المصادر اللاتينية فقط، وإنما كذلك في المصادر العربية الإسلامية. وهناك مثلا إغناسيو أولاغوي، الذي درس هذه المصادر اللاتينية والعربية الإسلامية، ودلّل على الطابع الخرافي.

عدنان: وهو نفى الغزو العربي الإسلامي للأندلس.

العسري: كأن المسلم عليه أن يقول دخلنا إلى هنا، وعلينا أن نكون أقوياء حتى نبقى هنا، والنصارى يقولون: نعم، دخلوا..

عدنان: عنوة..

العسري: نعم، وعلينا أن نخرجهم نحن كذلك. بهذا المعنى، الهمجيتان في المشروعين الأصوليين.

كنا نتكلم عن هذه الترجمات القومية التي أخذت بالترجمة اللاتينية لمعاني القرآن الكريم: الترجمة الإيطالية، الترجمة الألمانية.

 

الترجمة الإسبانية للقرآن: أسنسي وكورتيس وتطور الاستشراق

عدنان: وأنا أريد أن أتوقف معك عند الترجمة الإسبانية، لأنها ربما هي التي تهمنا، خصوصًا وأنها فضاء تخصك. الترجمة الإسبانية للقرآن كانت أول ترجمة علمية لمعاني القرآن الكريم في النصف الثاني من القرن الماضي لرفاييل كانسينوس أسنسي. ولكنك في كتابك  توقفت بشكل خاص عند ترجمة خوليو كورتيس. لماذا خوليو كورتيس؟ لماذا اعتبرته أهم من أسينسي؟ ومرة أخرى، كيف استمرت هذه التصورات القروسطية للإسلام والمسلمين في الغرب عبر ترجمتهما؟

العسري: في الواقع، قبل ترجمة أسينسي، هذه الترجمة كانت في الخمسينات القرن الماضي، وجاءت ضمن المرحلة الاستعمارية الإسبانية لشمال وجنوب المغرب، حيث كان يطيب للديكتاتور أن يتكلم عن..

عدنان: فرانكو.

العسري: نعم، الإسلامية الأندلسية العربية المغربية لأن العرب هم من كانوا يخرجونها من العزلة الدولية، إلى آخره. فكانت هذه الترجمة، ولكن قبلها كانت ترجمة خوان بيرجوا، وكانت ترجمة أخرى، ولكن الترجمتان معًا لم ترجعا إلى النص العربي، رجعتا إلى النص الفرنسي. هو الذي رجع إلى النص العربي، وعنده مقدمة لهذه الترجمة يتكلم عن هذه الأخُوة وعن هذا الحوار وكذا. ولكن يعصف بكل ذلك، بعد ذلك في ترجمته. ترجمة خوليو كورتيس، هو في الواقع اهتممت بها بشكل جدي بعد فراغي من كتابي “الإسلام في تصورات الاستشراق الإسباني من ريموندو لولوس إلى أسين بالاثيوس”. ومازلت أشتغل على هذه الترجمة إلى حد اليوم. لماذا؟ لأنها أولًا في الواقع أول ترجمة إلى الإسبانية معتمدة، طبعًا، على النص العربي، جدية وعالمة ورصينة، ووفّت القرآن الكريم حقه. لأنها هي ثمرة تعاون علمي رصين بين لُغوي وهو خوليو كورتيس، صاحب المعجم العربي الإسباني، وهو يتقن العربية، وجاك جومييه، وهو من كبار علماء الإسلام الفرنسيين (الإسلامولوج). فتكلف جاك جومييه بتقديمه للترجمة، وخوليو كورتيس ترجم معاني القرآن الكريم، وحشى ترجمته بمجموعة من الحواشي، ومجموعة من الهوامش ومجموعة من التعليقات في أسفل الصفحة.

لاحظ معي بأن ترجمات معاني القرآن الكريم ديدنها هو ديدن الترجمة اللاتينية الأولى لمعاني القرآن الكريم: المقدمة، يعني لا تجد نصًا واحدًا هو القرآن الكريم، تلقى مقدمة، الفريق الذي ترجم، عمل مقدمة، الترجمة اللاتينية لفريق بطرس، وروبرتس كتينيسيس عملوا مقدمة، قدموا فيها تكلموا على الهراطقة المنحرفة، المحمديين وكذا، ثم ترجموا.

فسنجد في هذه الترجمة مقدمة، ثم الترجمة، ثم الحواشي والطرر، وعلينا أن نقرأها، ليس فقط الترجمة، أن نقرأ كل هذا المتن. فأولًا لكي نوفيها حقها ومقدارها، فهي ترجمة عالمة وترجمة جيدة، في 1994، وما زالت هي الترجمة التي يحتُفي بها، وهي الترجمة المعترف بها في المؤسسات العلمية اليوم. هي أقوى ترجمة.

هذه الترجمة بدورها، لم تنفلت من قبضة الترجمة اللاتينية لمعاني القرآن الكريم للنصوص لدير كلوني، لم تنفلت. والدليل على ذلك فيما يلي: أولًا اعتمادها لمقدمة وترجمة، مثلًا سنجد في مقدمتها أنها تعلن في هذه المقدمة بأنها ستحترم، ستنقل معاني القرآن الكريم بحذافره، وستحترم القرآن الكريم، وستعدّه وَحيًا من الله إلى الأرض، وبالمعنى الذي يفهمه منه المسلمون، وأنها تندرج ضمن حوار يريده صاحب الترجمة والمقدم، ما بينهما وأهلهما والمسلمين. ويقول المقدم جاك جوميه: “لعلنا في هذه الترجمة نتعرف إلى أنفسنا من خلال تعرفنا إلى غيرنا”، وأنها تندرج ضمن الحوار. هذه نيات طيبة ورغبات نبيلة. عادةً تأتي هذه النيات وهذه الرغبات من إدمان المستشرقين على مادة معرفتهم التي هي الشرق، عندما يشرقنونها.

ولذلك، الإشكال في الاستشراق ليس هو إشكال الموضوعية والذاتية، وأن هناك مستشرقين منصفين ومستشرقين غير منصفين، هؤلاء أشرار وهؤلاء طيبون. الإشكال، كما قلنا، الانطلاق من الذات، والتمحور حولها، اعتماد آلية تتبع. هو إشكال منهجي، ليس إشكالًا في المضمون فقط..

 

المنهج الاستشراقي وحدود الموضوعية في الترجمات

عدنان: ولكن جرت العهدة أننا نفكر دائما بأن المنهج يحمي من كل الخلفيات وكذا..

العسري: نعم، ولكن هذا المنهج -كما ترى معي مثلًا- الذي يتتبع التأثير والتأثر، بما أن العهد القديم والعهد الجديد سابقان على القرآن، فلا بد أن يكون القرآن قد تأثر بهما. ناهيك عن أن ما جاء في رسالة الكندي هو أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم علّمه نصراني متهرطق منحرف محروم، أي مطرود من الكنيسة، هو الذي علمه، ثم اليهود علّموه قليلًا، ثم وضع هذا الكتاب وهو المؤلف.

سنلاحظ في ترجمة خوليو كورتيس، عكس أسينسيو والسابقين، أنه أولًا لم يضع اسم محمد على الغلاف الخاص بالترجمة، لأنه دائمًا جرت العادة يوضع محمد، ثم تحته “Le Coran ” القرآن في العتبة، حتى يكون أن المؤلف هو محمد. هو لم يضع محمدًا هو المؤلف، وقال وَحْيٌ وكذا وكذا وكذا. ولكنه بالنظر إلى استخدامها لمنهج التأثير والتأثر، سنجدها لم تنفلت من قبضة المضامين المبثوثة في الترجمة اللاتينية لمعاني القرآن الكريم. صحيح لن نجد التشويه والتحريف الذي تكلمنا عنه قبل قليل؛ ذلك زمن آخر كان على أية حال. لن نجد العنف المبثوث في الترجمة اللاتينية لمعاني القرآن الكريم الذي لم أثبته أنا فقط، وإنما أثبته المتخصصون في هذه الترجمة، وخاصة فريق في إسبانيا في برشلونة، مشروع “الإسلامو لاتينا” أي الاستقبال اللاتيني للإسلام، وهو فريق يشتغل بجدية. تكلم عن العنف في هذه الترجمة اللاتينية.

ترجمة كورتيس لا تقوم بهذا الشيء، ولكن نلقى أن التوحيد في القرآن هو رجع صدى للتوحيد في..

عدنان: اليهودية.

العسري: العهد القديم وكذا. سنجد ترجمة آيات متعلقة بقصة زواج الرسول صلى الله عليه وسلم بامرأة زيد..

عدنان: زينب بنت جحش.

العسري: إلى آخره، وكذا، هذه الإيحاءات الجنسية والشبقية. سنجدها ليست في الترجمة وإنما في الحواشي والطرر، وقلنا نحن نقرأ كل شيء. وبالتالي فهذه الترجمة لم تنفلت؛ لم تعتمد النص اللاتيني، اعتمدت النص العربي، احترمت هذا النص، لم تجعل من محمد مؤلفه.

عدنان: لكنها لم تنفلت..

العسري: ولكن ضمنيًا جعلته هو المؤلف.

عدنان: ولم تعلن ذلك، ولكن بشكل مضمر..

العسري: بشكل مضمر.

عدنان: تبنته.

العسري:  بطبيعة الحال، نقدي لخوليو كورتيس وزميله ولهذه الترجمة، لا يعيبها أو يقدح فيها، وإنما يريد أن يدلل على أنهما يتكلمان عن الحوار النصراني الإسلامي. أريد أنا بدوري أن أقف عند حدود هذا الحوار، عند معوقات هذا الحوار، لأنتقل بهذا الحوار إلى مجال آخر؛ الحوار بين الأديان لا يمكن أن يتم، وإنما يمكن أن يتم بين المتدينين على أساس أن لا يقع في أمور عقدية وشرعية: إسلام التوحيد، نصرانية التثليث، هذا حلال وهذا حرام، إنما لأثبت بأن الحوار يجب أن ينتقل إلى مستوى آخر. المتدينون: نصارى ومسلمون وغيرهم عليهم أن لا يتحاوروا في معتقداتهم وشرائعهم، وإنما أن يرجعوا إلى تقاليدهم، ما هو عندهم في العهدين، وكذا، والمسلمون ما عندهم في القرآن وفي ثقافتهم، للحوار في إشكالات تهم الإنسانية: توزيع الثروات في العالم، والسلام، والتعايش، كذا. هنا يمكن أن نتحاور. أو حتى إذا كان لابد من أن نتحاور في الدين نتحاور في أفق التصوف وليس في أفق المعتقدات والشرائع، لأننا لن نصل إلى شيء.

فالنية لكورتيس، أنا لا أشكك في النية أو في الميل أو في الرغبة، وإنما المنهج الذي اعتمداه هو منهج اليوم هو صلب، قائم الذات: Histoire des idées (تاريخ الأفكار)، في وقت ترجمة دير كلوني، وكذا. كان هذا المنهج في بادئ الرأي غير مؤسس بعد بالطريقة العلمية. وهذا المنهج – والله العظيم – لو اشتغلت به أنا أو أنت، لوصلنا إلى نفس النتائج، وبالتالي ليست مسألة الميل أو الرغبة، وإنما مسألة منهج يشتغل به الناس، وهو الذي يؤدي إلى هذه النتائج.

 

سؤال الهوية والغيرية في الاستشراق الإسباني

عدنان: على كل حال هذه المناهج اشتغل بها على نصوص وعلى ترجمات، وأنا أريد أن أنقل بك من حديث النصوص والترجمات إلى حديث الهويات. والإسبان في علاقتهم مع المغاربة أو العرب والمسلمين بشكل عام يجدون أنفسهم في صُلب سؤال الهوية. يعني ليس لدى البريطاني أو الألماني مثلًا مشكلة هوية معنا، على خلاف الإسبان. كيف أثّر ذلك على الاستشراق الإسباني؟ وكيف وجه تلقيه لفكرنا ونصوصنا، بما فيها القرآن الكريم والحديث وما إليه؟

العسري: صحيح، عادةً لا يتكلم الذين يتكلمون في الاستشراق ويدرسونه، عن الاستشراق الألماني العالم أو الإنجليزي، ورغم أن إنجلترا قوة إمبيريالية عظمى، فإن الأمر يختلف في هذه الاستشراقات عن الاستشراق الإسباني، أو إن شئت قلت عن الاستشراق اللاتيني. أنا لست متخصصًا في الاستشراقين معًا: لا الإنجليزي ولا الألماني، لا يمكنني أن أتكلم فيهما، ولكن كانت من منطلقاتي، وما زالت، نتائج إدوارد سعيد الذي لم يُستثمر بشكل جيد في الدراسات الاستشراقية عند العرب والمسلمين. ويتكلم أن الاستشراق مكتبة يأخذ كل كتاب بالسابق منه. وأنا أردت أن أجرب هذا الأمر؛ فمرةً تخليت، لمدة قصيرة من الزمن، عن الاستشراق الإسباني، ونظرت في الاستشراق الفرنسي، ونظرت في الاستشراق السويسري من خلال…

عدنان: السويدي.

العسري: السويدي من خلال ترجماته إلى الفرنسية. يعني لا أثقف هذه اللغة، وجدت بأن الأمر يكاد يكون تطابقًا كبيرًا.

عدنان: تطابق.

العسري: تطابق كبير. يعني تلك الترجمة اللاتينية الأولى لمعاني القرآن الكريم، مهيمنة. وأنا مع إدوارد سعيد، خلافًا لميشيل فوكو، أؤمن بالدور الحاسم الذي تتركه هذه النصوص الكبرى العظمى على الذي يأتي بعدها.

بالنسبة للإسبان، صحيح لديك إشكالات هوياتية عظمى. باختصار، الهوية الإسبانية، الإسبان ماذا يقولون؟ يقولون: إسبانيا وُجدت منذ الأزل، كنا هناك منذ الأزل، في يوم من الأيام جاء شخص اسمه طارق بن زياد وموسى بن نصير ودخلوا علينا وأخذوا أموالنا وعيالنا عنوةً، وكذا وكذا، فانتقلنا إلى الشمال الغربي لإسبانيا إلى جيليقية، وأسسنا مملكة بلايو، وقمنا بحركة استرداد دامت قرونًا طويلة. أولًا انتصرنا على المسلمين في معركة اسمها كوبا دونغا، معركة كوبا دونغا، قطعة مؤسسة للهوية الإسبانية. وبعد هذه المعركة التي يتكلمون فيها على أن انتصروا على عدد عديد من المسلمين، وأقبروهم هناك، وكذا. وعندما تقرأ حولياتهم اللاتينية على هذه المعركة تلقاها تحكى كأنها فرعون وموسى، وكذا.

ثم مثلًا إغناسيو أولاغوي هو من هذه المنطقة، هو كتالوني ليس أندلسي، جيليقي، هو من الشمال وليس من الجنوب، ويعرف هذه المنطقة، هذه المنطقة لا تتسع لهذا العدد الهائل من الجنود الذين هُزموا في هذه المعركة. وبالتالي شيء ليس صحيحًا.

عدنان: هناك أساطير.

العسري: هذه أسطورة على أي حال. فالهوية قائمة على هذه الأسطورة: انتصارنا في معركة كوبا دونغا. ثم إننا بعد قرون طويلة، تسمى حركة الاسترداد إلى آخره، قمنا بطرد المسلمين واسترجعنا هويتنا كاملة بمقوماتها الفكرية الهلينية اليونانية، وبمقوماتها الدينية المسيحية.

عدنان: الكاثوليكية.

العسري: الكاثوليكية. هذا الشيء كامل تعرف عليه هو من خلال الغيرية التي هي الإسلام والمسلمون، التي قد نلاحظ بأنها كانت في عقر الدار، في شكل ضد الآخر الداخلي في إسبانيا. من هنا كانت علاقة الإسبان والمستشرقين الإسبان علاقة معقدة مع شيء اسمه الماضي العربي الإسلامي لشبه الجزيرة الإيبيرية أو ما نسميه من جهتنا نحن الأندلس. صحيح هذا الأمر الإنجليز ليس عندهم، الألمان ليس عندهم، ولكنهم يقرأون بعضهم بعضًا، والاستشراق هو مكتبة تجمع بين هؤلاء الناس جميعًا.

عدنان: وهذا يخلق مجموعة من التمثلات يعني، تسبح عبر اللغات الأوروبية. إذا ما أردنا ونحن نتحدث في البداية حول كيف الغزو بين قوسين، (الفتح) أو الدخول العسكري، نعود إلى فكرة كيف أن الاستشراق الإسباني، بالنهاية، من بين كل الاستشراقات طبعا، سيحاول أن يبتكر له هو الآخر استراتيجية ما في التعامل مع الإسلام والثقافة الإسلامية. وأنت توقفت في كتابك عند ما اعتبرته حيلًا مختلفة، اجترحها الاستشراق الإسباني لتطويع الإسلام ليصير “إسلامًا إسبانيًا على مقاسهم”. إذا لم يكن هناك حرب مرة أخرى، عن غير طريق الحرب، هناك محاولة لاستعادة الإسلام، لاسترداد، ليس فقط استرداد الأرض، ولكن حتى الإسلام، لكي يصير لدينا إسلام أندلسي سيُعتبر جزءًا لا يتجزأ من الذات الإسبانية. وبالمناسبة، حتى الشرق لم يكن جغرافية بعيدة عن الإسبان، فقد كان لهم شرقهم الداخلي الذي ظلّوا ومازالوا إلى اليوم يعتبرونه شرقًا أليفًا. أنا أردت هذه الاستعادة والاسترداد في الفضاء الثقافي والديني من طرف الاستشراق.

العسري: هذا الأمر مرتبط بشيء كنا نسميه علاقة الإسبان، المستشرقين الإسبان بالماضي العربي الإسلامي لإسبانيا أو لشبه الجزيرة الإيبيرية. هذا الماضي سيشكل لهم إشكالًا هوياتيًا معقدًا جدًا. هناك من ذهب إلى أن هذا الماضي العربي الإسلامي هو وجودٌ خارجي، يعني عانت منه شبه الجزيرة الإيبيرية، وجود كارثي، وجود استبداد، وجود طغْيان، إلى آخره.  وبالتالي يرى بأن هذا الوجود العربي الإسلامي هو وجودٌ بَراني، وجود خارجي. المهم، تزعم هذا وانبرى له كثيرًا في كتب عديدة، أهم، واحد من أهم مؤرخي إسبانيا اسمه كلوديو سانتوس ألبورنوث. في مقابل ذلك، هناك شخص آخر، هذان زوج مؤرخين إلى حدّ ما، فلاسفة تاريخ، اسمه أمريكو كاسترو، لا يرى في هذا الوجود وجودًا بَرانيًا، وإنما يراه جزءًا من تاريخ إسبانيا، جزءًا داخليًا. المستشرقون الإسبان اندرجوا ضمن التصور الأول، أن هذا الوجود كان وجودًا… قلت لك قبل قليل: هوية، كنا هناك، جاء العرب، انتصرنا في معركة كوبا دونغا، شرعنا في استرداد، طردناهم وتخلصنا منهم، استرجعنا هويتنا كاملة بمقوماتها اليونانية والدينية الرومية الكاثوليكية إلى آخره.

لكن الاستشراق الإسباني الذي أعتبره أنا، بأنه قد بدأ قبل ظهور الكلمة، قبل ظهور المصطلح، مع الترجمة اللاتينية الأولى لمعاني القرآن الكريم، سيستمر في مراحل، وستنحصر الدراسات العربية الإسلامية في إسبانيا في مرحلة قد نعود للحديث عنها لاحقًا، ثم سينبعث الاستشراق من جديد في القرن الثامن عشر، وسيتأسس في القرن التاسع عشر. في هذا الوقت، كان على المستشرقين أن يحتالوا على علاقتهم بهذا الماضي العربي الإسلامي حتى يضمنوا الاعتراف بهم من طرف الطوائف العلمية الأخرى في إسبانيا، من الطوائف العلمية الأخرى. ستقول لهم: لماذا سنهتم بهذا وهو وجود خارجي براني؟ من هنا، إن شئت، ليس حيلًا، وإنما إن شئت محاولة تطويع هذا الماضي البراني، نجعله كذلك ماضيًا جوانيًا، ولكن ننتقي فيه. لذلك سنجد أن المستشرقين مثلًا سيهتمون. نأخذ مثلًا اهتمام أسين بالاثيوس، وهو رائد الاستشراق الإسباني المعاصر، وهو لم يعلُ عليه أحد إلى يومنا هذا. سيجد مثلًا في ابن مسرة أو ابن باجة أو ابن رشد أو مثلًا..

عدنان: ابن حزم.

العسري: ابن حزم أو ابن عربي..

عدنان: كلهم إسبان أقحاح بالنسبة له.

العسري: في الواقع، هو فسّر إنتاجهم في الفكر، في العقلانية، أنه استمرارٌ للهلينية، لليونانية، وإنتاجهم في الزهد وفي التصوف أنه استمرارٌ للنصرانية الثاوية فيهم، لأن الزهد والتصوف بالنسبة إليه لا يمكن أن يقوم في الإسلام إلا من داخل مؤثرات النصرانية. قد نتكلم عن هذا لاحقًا، وفسّر بالدم، بنظرية الطبائع في تفسير التاريخ والثقافة، وأنت تعلم بأنها نظرية عنصرية بأنها نظرية غير علمية.

عدنان: وعنصرية.

العسري: وعنصرية مقيتة على أية حال. فابن مسرة أنتج لأنه تجري في عروقه دماء إسبانية، ثم إنه أخذ الموروث اليوناني، ثم أخذ الموروث الصوفي، الذي هو أصلًا لا يمكن أن يكون إلا موروثًا نصرانيًا. عندما كنت أشتغل على الاستشراق الإسباني، كان عليّ أن أجد مصطلحات، أن أجد من جهتي مصطلحات لمقاربة هذا الاستشراق. فنحت أشباه مصطلحات، أن هؤلاء لا يشكِّلون إسبانيا أقحاحًا، إنما هم على أية حال، ليسوا آخر تامّ الغيرية، ولكن… هذا ابن مسرة وكذا هؤلاء مسلمون، ولكنهم كذلك ليسوا ذاتًا إسبانية مكتملة الهوية بالنظر إلى المكوّن الإسلامي في هؤلاء الأعلام، الذي لم يستطع بلاسيوس نفيها رغم محاولته للالتفاف عليها. فهم يرون بأنهم إسبان غير مكتملي الهوية الإسبانية، ولكن ليسوا آخرين، لأنهم ثمرة من ثمرات الإنتاج العلمي والزهد والتصوف والأخلاق وكذا وكذا الإسبانية، يعني على أساس أن إسبانيا هي الأندلس، هي شبه الجزيرة الإيبيرية، هي كل هذه الأشياء.

دعني أنبه إلى أمر أساسي، وهو أن الذين درسوا الاستشراق الإسباني من الإسبان قليلون جدًّا، أهمهم لوبيس غارثيا بيرنابي، رسالته في الدكتوراه هي عن الاستشراق، وهو بين قوسين يسميه (استشراق) و(استعراب)، تبدو هذه مسألة أخرى، مسألة مصطلح.

 

تطويع الماضي العربي الإسلامي ومصطلح “الشرق الأليف”

العسري: هذا الماضي العربي الإسلامي الذي شكّل إشكالًا هوياتيًا معقدًا للمستشرقين الإسبان، كان عليهم تطويعه وتأنيسه. من هنا مصطلح الأندلس هي الشرق الأليف. أحد دارسي الاستشراق الإسباني من الإسبانيين، وهم بين قوسين، قلة قليل من الذين درسوا إنتاجهم، هو لوبيس بيرنابي غارثيا، الذي كان أستاذاً للغة الإسبانية هنا في المغرب، في فاس، هو صاحب هذا المصطلح “الأندلس هي الشرق الأليف” و”الشرق الداخلي”.

ولذلك، هم لم يعدوا ابن باجة أو ابن مسرة أو ابن حزم أو ابن رشد إسبانًا أقحاحًا بكل ما في الكلمة من معنى. فهم ثمرة من ثمرات إسبانيا، ثمرات تراث إسباني، ولكنهم ليسوا غرباء عن إسبانيا، ليسوا ذاتًا، ليسوا آخر تام الغيرية، وفي نفس الوقت ليسوا ذاتًا مكتملة الهوية.

أنا في اشتغالي على الاستشراق الإسباني، وبما أنني أحاول أن أنظر إليه من وجهة نظر معرفية، فاضطررت إلى نحت مثل هذه المصطلحات: آخر، تام الغيرية، وفي نفس الوقت ذات غير مكتملة الهوية، بالنظر إلى المكوّن الإسلامي لهذه الذات ابن باجة، ابن مسرة إلى آخره. فهذا المكوّن الإسلامي لا يمكن لإسبانيا أن تقبله مكوّنًا من مكونات هوياتها، لأنه –كما قلت- في صراع مع المكوّن النصراني الرومي الكاثوليكي الرئيس. وبالتالي، فهؤلاء إسبان، ولكن ليسوا إسبانًا مكتملي الهوية، وفي نفس الوقت ليسوا غرباء عن إسبانيا، كأنهم يريدون أن يقولوا: لا يمكن للعرب ولا للمسلمين أن ينتجوا في العقلانية مثلما أنتج ابن مسرة أو ابن باجة أو ابن حزم، أو في التصوف أو في الزهد.

هنا أستعيد أن الاستشراق مكتبة؛ هذا الطرح لإرنست رينو، فرنسي قبلهم، أن العرب جبلوا على الفكر غير المنضبط، وبالتالي فإن أنتجوا فكرًا منظمًا فهو ترجمات وتلخيصات للفكر الهليني القديم، الذي يشكل مكوّنًا أساسيًا من مكونات الهوية الغربية والإسبانية. من هنا اضطررنا إلى نحت مثل هذه المصطلحات. أما مصطلح “الشرق الأليف” فهو لبيرنابي لوبيس غارسيا.

 

ظاهرة الانقلاب الديني ودورها في الاستشراق الإسباني

عدنان: هذا هو. ما يأسرني هو هذا الذهاب والإياب ما بين الهوية والغيرية. وأنت تطرح السؤال في عنوان فصل من فصول كتابك: “كيف تتحول الهوية إلى الغيرية؟” ولكن وأنت تطرح هذا السؤال، لم تتوقف فقط عند التمازج العرقي والثقافي والفكري، وإنما توقفت مع ظاهرة أخرى صاحبتها، وهي ظاهرة الانقلاب الديني. كيف صار التحول الديني في نظرك؟ وهذه الظاهرة الانقلاب الديني، رافدًا من روافد الاستشراق الإسباني؟

العسري: في هذا الكتاب كنت أتتبع وأتقفّى آثار هذه الترجمة اللاتينية لمعاني القرآن الكريم، فوجدتها في كتاب مخصوص غير مشهور إلى يومنا هذا، وأردت أن أعرف بهذا الكتاب وصاحبه، وهو كتاب (مصطلح إسباني) يعني “تهافت الفرقة المحمدية”، لصاحبه خوان أندريس. خوان أندريس هذا قدم نفسه للناس بوصفه، أنه كان مسلمًا، اسمه.. وكان فقيه شاطبة، وورث منصب الفقيه عن أبيه، كان اسمه محمد بن عبد الله، تحول إلى خوان أندريس، يعني جعل من هويته الأصلية التي هي الإسلامية غيرية حادة، قوضها، وعلى أساس تقويضها بنى هوية جديدة، وهي هوية خوان أندريس، راهب ورسول المسيح. أهمية كتابه في الاستشراق، هو أنه يكتسب مصداقية لأنه يقدم للناس كأنه شهادة، و”شهد شاهد من أهلها”.

عدنان: يعني هذا فقيه شاطبة ماذا يقول؟

العسري: ماذا يقول؟ فهذا فقيه شاطبة يقول باختصار شديد: أولًا هو كما قدم نفسه للناس، هل صحيح أنه كان فقيهًا أو استكتب؟ هذا أمر لا يمكن أن نحسم فيه لحد الآن، ولكن نحن ننطلق من كونه كان كذلك. هذا إن صح أنه كان فقيهًا مسلمًا، فهو ألّف هذا الكتاب. وجاء هذا الكتاب في 12 فصلًا. الفصل الأول هو عن الدليل على صحة النصرانية من القرآن نفسه، ثم فصول عن محمد صلى الله عليه وسلم، تشويه وكذا وكذا، معروف أن التاريخ الاستشراقي عن محمد شبقي وإلى آخره، وكتاب وفصول عن القرآن، أن هذا القرآن هو محصلة سيافين نصرانيين كانا في مكة، وعلما محمدًا أشياءً من العهد القديم والعهد الجديد. هذا ما نجده في الترجمة اللاتينية، التي تُرجمت بعدها ترجمة رسالة الكندي التي نجد فيها هذا الكلام.

له فصل يتكلم فيه عن أن انتشار الإسلام، والظاهر أنه في وقته كان الإسلام يشكل جاذبيةً ما بالنسبة للناس، فهو يذهب إلى أن هذا الإسلام انتشر بالترهيب، وبما يعد به الناس من منافع مادية ومن ملذات في الدنيا والآخرة.

فإذن، بما أن الإشكال الرئيس في الاستشراق هو إشكال الغيرية، يعني، هو إشكال نظرة الذات الغربية إلى غيريتها الشرقية، هي شرقنة هذه الغيرية على حد تعبير واصطلاح إدوارد سعيد. يصبح هذا الكتاب مكونًا أساسيًا من مكونات الاستشراق الإسباني، بطبيعة الحال دائمًا قبل ظهور مصطلح الاستشراق الذي سيظهر لاحقًا. الكتاب كان في أواخر القرن السادس عشر. هذا الكتاب تُرجم، هذا الكتاب أولًا نُشِر أربع مرات متتالية في إسبانيا نفسها، في إشبيلية، في غرناطة، في عدة جهات. ذلك لأن خوان أندريس كانوا يكرز بالنصرانية في أوساط الموريسكيين أو الأندلسيين المتأخرين. ثم فطن إلى أن هذا الأمر لا يكفي، ولا بد من تزويد النصرانية بمعرفة عالمة كذلك، لا بد من الاستمرار في نهج دير كلوني، معرفة عالمة في الإسلام. فقام بنفسه بترجمة القرآن إلى الإسبانية. لعل هذه هي أول ترجمة للقرآن إلى الإسبانية، وترجم كتب السيرة، وترجم بعض كتب التواريخ، ثم اعتمادًا على هذه الترجمة ألف كتابه (مصطلح إسباني) (تهافت الفرقة المحمدية)، الذي لم يَأل جهدًا في تشويه الإسلام والمسلمين. ثم سنجد بأن هذا الكتاب سيُترجم إلى الإيطالية، وإلى الفرنسية، وإلى الإنجليزية، مما يدل على أن الكتاب راهن على أفق تلقيه ياوس إلى آخره.

الأساسي هو النصرانية، والعالم الغربي النصراني، وإن كان أنه يقدم كتابًا على أساس أنه موجّه إلى الموريسكيين أو إلى الأندلسيين المتأخرين. انطلاقًا من فكرة طرحها في مقدمته أن هؤلاء لا يكفي التبشير بينهم -أو الكرز حسب المصطلح النصراني- بالنصرانية، ولكن لابد من توضيح الإسلام لهم، هم يجهلون حقيقته، وهو..

عدنان: يفضح لهم الإسلام.

العسري: العناية اختارته لكي يوضح لهؤلاء المسلمين الموريسكيين أو الأندلسيين المتأخرين ما هو الإسلام وتهافتُه، وكذا، حتى يحذو حذوه، ينقلبوا مثلما انقلب، ويجعلوا من هويتهم الأصلية غيرية، ومن غيريتهم -بعد تقويضها- هوية، فيدخلوا أفواجًا أفواجًا في النصرانية عن قناعة، واستحقاق.

 

01:12:14

تأثير الانقلاب الديني على الكتابات الاستشراقية الإسبانية

عدنان: تمامًا. والمؤكد أن هناك من دخل إلى النصرانية وانقلب عن دينه، لست أدري هل بتأثير كتاب خوان أندريس أم لا، ولكن كان هناك منقلبون، يعني الظاهرة كانت عامة، وإنه ليس كل المنقلبين كتبوا، ولا كانوا رجال دين أو أصحاب سطوة وصولة، ولكن بعضهم مثلًا كانوا من رجال السياسة، أفكر في مجموعة من أمراء السعديين والمرينيين الذين قادهم الصراع على السلطة في المغرب إلى العدوة النصرانية من أمثال مولاي الناصر الذي غيّر اسمه إلى دون غاسبار المريني ومولاي مُحمّد الذي غير اسمه الى بِلتَزار لويولا ميندِز وغيرهما. يعني الظاهرة كانت عامة، ولم تكن مرتبطة فقط بفقيه شاطبة.

العسري: نعم، الظاهرة كانت عامة، وشيء طبيعي وعادي أن تقع عند خطوط تماس بين ديانتين وبين ثقافتين. لابد أن تقع مثل هذه الظاهرة. وكما تفضلت هؤلاء الأمراء المرينيين والسعديين على أية حال، هذا كشفه ديكاستر في (مصطلح أسباني)، فهو الذي جَلّى هذه الأسماء ومصائرهم في أوروبا، وفي إسبانيا. ولكن دعني أوضح لك لماذا صرفت النظر عن استخدام مصطلح “الردة”، وصعدت عنه بمصطلح “الانقلاب الديني”، ذلك لكي أبتعد عن النقد الديني إلى النقد الثقافي، الذي أقارب به الاستشراق. لأن الردة..

عدنان: مفهوم إسلامي على كل حال.

العسري: مفهوم إسلامي، وله مقابل في..

عدنان: في المسيحية؟ ما هو مقابله؟

العسري: “Renegatus”، “Renegade” في الإنجليزية، “Le Rénégat”. لأن كل دين، أهله لما يجدون أحدًا انقلب عنهم وانصرف إلى دين آخر فهو “مرتد”، ولكنه هو مهتدٍ إلى دين آخر. فالنصراني عندما يرتد حسب النصرانية عن النصرانية..

عدنان: يصير مهتديًا.

العسري: يصير مثلًا مسلمًا. المصطلح الذي لديهم هو “المهتدي”. نقول المهتدي في الاصطلاح الشرعي، ولكن في الاصطلاح الثقافي الشعبي لا نسميه مسلمًا، نسميه إسلاميًا، نقول فلان الإسلامي، فاطمة الإسلامية، كذا. لأن المجتمع ينظر بعين الريبة دائمًا وأبدًا إلى هذا المتحول، وكذلك الشأن عندهم.

فإذًا أنا حاولت أن أنحت هذا المصطلح “انقلاب ديني”..

 

01:15:20

الراهب تورميدا وفقيه شاطبة وفرض التحول

عدنان: تمامًا وأنا أخذته منك ومن كتابك، وفعلًا لك الحق لأنك وظفته في الجهتين، وأنت تتحدث عن فقيه شاطبة الذي تحول إلى خوان أندريس، وأنت تتحدث عن انقلاب الراهب أنسيلمو تورميدا الذي غيَّر اسمه إلى عبد الله التَّرجُمان، وإن ربما هذا فقط كانت له رغبة في الزواج هي التي جعلته ينقلب.

العسري: انظر، مثلًا نأخذ أحد كبار مجادلي الإسلام في العالم النصراني ريموندس لولوس. هذا لم يقصر في التبشير أو الكرز بالنصرانية بين أوساط المسلمين، وكانت لديه قدرة فائقة على خداع نفسه بنفسه؛ فكان يقول من الناحية العددية: لاحظ أن هناك كثرة من النصارى يدخلون في الإسلام، وقلة من المسلمين يدخلون في النصرانية، وفسّر ذلك بأن الإسلام يتيح لهؤلاء النصارى عندما يتحولون إلى مسلمين منافع مادية كثيرة، وكذا وكذا. كل أهل دين يتهمون ويخونون من ينصرف عنهم إلى دين آخر بأنها ليست هي قناعته الحقيقية.

عدنان: بأنه مجرد شخص انتهازي.

العسري: مجرد شخص انتهازي، ولكن الأمر ليس بهذه البساطة. مثلًا، هذا أنسيلمو تورميدا الذي غيّر.. الذي صار عبد الله الترجمان كتب، لأنه عادةً الكبار لما يتحولون يجدون أنفسهم مضطرين لكتابة كتاب يسوّغون فيه لِمَ غادروا دينهم إلى دين آخر. فهو كتب كتاب “تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب”. والظاهر عندي مع ميكيل دي إبالسا، بأن الأمر لا يرجع إلى ما يمكن أن نسميه انتهازية أو أنه طمع في المنافع المادية، وكذا التي سيجنيها، وكذا وكذا، وفي الملذات الحسية، خاصة الجنسية المنحرفة التي حسب النصرانية يتيحها له الإسلام. إنما انزوت خلف انصرافه عن النصرانية إلى الإسلام مسألة حل إشكالات روحية وعلمية، إشكالات روحية بالدرجة الأولى بالنسبة إليه.

إذًا، هنالك من ينقلب وراء منافع، وهنالك فعلًا من ينصرف من دين إلى دين آخر عن طواعية واستحقاق.

أنسيلمو تورميدا أو عبد الله الترجمان بعد أن صار مسلمًا، درسه بعناية ميكيل دي إبالسا، وميكيل دي إبالسا رحمه الله. هذا هو كذلك كان راهبًا وانصرف عن الرهبانية، لم يتحوّل إلى الإسلام، وإنما انصرف عن الرهبانية وتزوج، ولكنه عندي أنه هو الذي فهم جيدًا أنسيلمو تورميدا، لأنه حقق كتابه، والتحقيق مسألة مضنية، ولكن تعطي أشياءً، تُعطي نتائج مهمة. فظهر له بأن تحوّل أنسيلمو تورميدا إلى عبد الله الترجمان، ثوت خلفه ليس فقط هذه الانتهازية إن صح التعبير، وإنما أزمات روحية.

المسألة، عطفًا على ما تفضلت به عن الأمراء وكذا، عندي أن هنالك من ينقلب في خطوط تماس بحثًا عن هذه المنافع، وهنالك من ينقلب لأنه قُلّب، لأنه اضطر إلى أن ينقلب. مثلا الأمراء الذين ذكرت، ومؤخرا مجلة “زمان” نشرت مقالًا عن أمير مغربي آخر يُضاف إلى الأمراء الذين تفضلت بذكر أسمائهم، والقائمة طويلة.

فهنالك من يضطر، من المسلمين من اضطر إلى التنصر، لأن هؤلاء فروا من المغرب إلى إسبانيا، فهم… وهنالك من يضطر لأنه أُسر، وبالتالي ظروف الأسر، وكذا، قد تؤدي به إلى التحول.

وهنالك كذلك مثلًا يُفرض عليه دين ما عنوةً، مثلًا ما نسميهم، ما سمتهم الاستغرافية الإسبانية والاستغرافية الغربية، الموريسكيين، وهو مصطلح غير دقيق، ولذلك وجب أن نستبدل هذا المصطلح بمصطلح “الأندلسيون المتأخرون”. لذلك، أستاذة بكلية الآداب بتطوان قدمت رسالة لنا دكتوراة دولة، في موضوع الأدب الموريسكي، انتصرت إلى أن هؤلاء الناس يسمون بالموريسكيين. لأن إسبانيا هي التي سمتهم بالموريسكيين، هم لم يسمّوا أنفسهم بالموريسكيين أبدًا، إنما إسبانيا غرّبتهم في بلادهم..

عدنان: بهذه التسمية.

العسري: فالتسمية هي أمر واقع. هنالك أحد الإسبان الذي قارب هذه المسألة مقاربة جديدة من وجهة نظر النقد ما بعد الاستعمار، وذهب إلى أن إسبانيا غرّبت هؤلاء الناس داخل أوطانهم، وهو لم يكن يعرف كتاب أو فتوى لهؤلاء الموريسكيين، الخاصة بالمغراوي الذي سماهم هم “الغرباء القرباء”، الأندلسيون الغرباء القرباء، وأفتى لهم بالبقاء في إسبانيا، في مقابل الونشريسي مثلًا الذي أفتى لهم بتحريم بقائهم في إسبانيا، وعليهم أن يهاجروا. فهؤلاء انقلبوا إلى النصرانية على أية حال، ولكن عنوة. فهم في دخولهم إلى النصرانية لم يبحثوا عن منافع مادية، ولا ليحلوا أزمات روحية، وإنما الأمر كان مفروضًا، فرض فرضًا عليهم.

 

01:22:05

تنصير الموريسكيين ومحاكم التفتيش: بين الجدال والمنع

عدنان: وربما كتاب مثل، مثلًا، كتاب خوان أندريس جاء لمصاحبة هذا التحول الديني الذي عاشوه، واعتُبر كل مشروع خوان أندريس في الترجمة والتأليف يندرج في سياق تنصير الموريسكيين. ولكن أنا عندي سؤال هنا: لماذا إذا كان لمؤلفات فقيه شاطبة السابق، إذا كان لها كل هذه القصدية أنها تجادل الإسلام والمسلمين لصالح النصرانية، لماذا مع ذلك منعتها محاكم التفتيش؟

العسري: هو صحيح أنه استكتب هذا الكتاب، ولربما أن محاكم التفتيش بوصفها إحدى السلط الدينية في إسبانيا هي التي ربما استكتبته، وهي على أية حال الطبعة الأولى عليها ترخيص محكمة التفتيش بنشر الكتاب. والطبعات التي تلتها. وسنجد أن المحكمة ذاتها بعد مرحلة، بعد انصراف تقريبًا نصف قرن، ستمنع هذا الكتاب من نشره من جديد.

قبل ذلك، دعني أوضح لك مسألة ما: صحيح أن الكتاب جاء في إطار هذا المشروع الإسباني، الآن نتكلم عن إسبانيا، لأن إسبانيا وجدت، إسبانيا ستوجد بعيد سقوط..

عدنان: الأندلس.

العسري: غرناطة. لا، الأندلس بالنسبة إلي لن تسقط إلا في 1612، وحتى استمرت حتى بعد هذه المرحلة، وما زالت مستمرة على أية حال.

عدنان: يمكن أن نرجع لهذا.

العسري: طبعًا، جاء الكتاب ليرافق هذا المشروع، مشروع توضيح الإسلام للموريسكيين أو الأندلسيين المتأخرين، حتى يخرجوا منه ويدخلوا في النصرانية. ولكن قبل السؤال: لماذا محكمة التفتيش منعت نشره من جديد؟ لماذا ترجم إلى الإيطالية، ولماذا ترجم إلى الفرنسية، وترجم إلى الإنجليزية؟ وهذا الأوضاع ليس فيه موريسكيون. إذًا، فأفق الستار الرئيس في هذا الكتاب هو النصرانية الأوروبية، وكذلك الرهان به على تحويل الموريسكيين أو الأندلسيين المتأخرين إلى نصارى. ثم نفس المحكمة، كما قلت، ستمنع إصداره من جديد. لماذا؟ هذا الكتاب، ولا صاحبه، لم يدرسا بشكل كافٍ إلى حد الآن، لا في الغرب ولا في الشرق. ولكن هنالك رسالة لنيل الدكتوراة لجان إيلكولي، فرنسية، هي عن خوان أندريس وعن لوبي دي إبريغون، بوصفهما (مصطلح فرنسي)، الناس الذين كانوا ضد القرآن. ذهبت في رسالتها الجامعية، -لم تُنشر هذه الرسالة، وإنما أنا صورتها من المكتبة-. إلى أن محكمة التفتيش منعت صدور هذا الكتاب مرة أخرى لما تضمنه من نصوص إسلامية. قلت لكم قبل قليل بأنه ترجم القرآن، وترجم السيرة، وترجم التواريخ، فهي نصوص إسلامية مترجمة إلى الإسبانية.

وهذا.. أنا أوافق هذا الرأي، لأن بالنسبة إليّ، نحن الآن أمام إسبانيتين: إسبانيا النصرانية التي انتصرت على إسبانيا الإسلامية، انتصارها خوّلها تنمية مشاعر استعلاء على الإسلام وعلى المسلمين. وأضيف إلى جان إيلكولي، بالنسبة إليّ، أن إسبانيا.. ومحكمة التفتيش وإسبانيا شيء واحد بمنعها صدور الكتاب من جديد، اقتنعت بأنه لا حل مع هذا الإسلام إلا تجاهله.

لم تجدِ، لا التبشير، ولم يجد لا التأليف العلمي، ولا الترجمة، ولا أي شيء في تحويل هؤلاء إلى نصارى حقيقيين، وإنما نُصّروا وعُمّدوا وأظهروا النصرانية وأخفوا الإسلام. طبعا، هذا الحكم يحتاج إلى تقييد، لأن الأمر يُقدم لنا هكذا، ولكنه ليس هكذا على أية حال، ثقافيًا ليس هكذا. هناك من دخل النصرانية عن اقتناع على أية حال.

فهذا المنع يتأتي في سياق أن إسبانيا قررت تجاهل الإسلام، وأن لا حل لها معه، لأنها كانت قد بدأت تفكر في طرد هؤلاء الإسبان، في طرد النصرانية الإسلامية التي هي فيها، في تطهيرها، تطهير نصرانيتها من الإسلام الذي هو جزء مكوّن لها، شاءت أم كرهت. وبالتالي فلابد من القطع مع أي نصوص فيها الإسلام والمسلمون، إحراق الكتب، كذا كذا.

وهذا شبيه بإحراق الكتب، عدم طبع الكتاب من جديد، ومنع طبعه حتى لا.. يقولون سيقرأ الناس الكتاب. فالموريسكيون يتقنون الإسبانية، وسيقرأونه بعكس الهدف من نشره.

 

01:28:23

الكتب الرصاصية: اكتشافات غرناطة وأسرارها بين النصرانية والإسلام

عدنان: ساد هناك نوع من الارتياب في إسبانيا من الكتب التي تقارب الدين –هذا الدين أو ذاك- انطلاقًا دائمًا من خشية الدس. وأنا أريد أن أشير إلى الكتب الرصاصية التي لا نكاد نعرف عنها شيئًا في العالم العربي، وأنا في الحقيقة أول مرة أتعرف عليها من خلالك ومن خلال كتابك. أحب لو تحدثنا قليلًا عن هذه الكتب، كيف تم العثور عليها أولًا، وماذا عن مضامينها؟

العسري: طيب، أنا أشكرك كثيرًا على إثارتك هذا السؤال. دعني أنبّه إلى أمر، وهو أنني عندما ألفت كتابي في الاستشراق الإسباني، لو كُتب لي أن أكتبه من جديد، لتكلمت طويلًا عن الكتب الرصاصية، لأنها مرحلة مهمة من مراحل تاريخ الاستشراق الإسباني نفسه. ولكنني عندما كتبت الكتاب في الطبعة الأولى، معرفتي بالكتب الرصاصية كمعرفة الناس آنذاك كانت قليلة جدًا، فلم أتكلّم فيها. ثم في الطبعة الثانية كذلك ليس تكاسلًا مني أو تهاونًا، وإنما الوضع الراهن آنذاك في العلم لم يكن يسمح بالكلام. ولكن الآن، هذا موضوع يحتاج إلى حلقات أخرى، هذه الكتب سيتضح لماذا هي كذلك، جزءٌ من تاريخ الاستشراق الإسباني.

أما سؤالك: كيف تم العثور عليها وكذا؟ ففي مطلع القرن السابع عشر، 1580، قبل العثور على هذه الكتب التي تسمّى الكتب الرصاصية، تم العثور في مئذنة المسجد الأعظم في غرناطة، الذي كان المسجد الأعظم لغرناطة، عند هدم هذه المئذنة لتحويلها إلى..

عدنان: كنيسة.

العسري: كاتدرائية، تم العثور على صندوق من رصاص، داخله قطعة من أصبع نسبت إلى أول شهيد في النصرانية، وقطعة.. نصف قطعة من خمار نسبت إلى مريم، أنّها كفكفت بها، بهذه القطعة دموعها وهي تنظر إلى ابنها يُصلبُ تصليبًا. ورقّ، يعني مخطوط مكتوب على جلد، وهو الرقّ. وهذا الرقّ جاء مكتوبًا فيه نصوص باللاتينية، بقليل من اليونانية، وفيه نص قصير بالإسبانية، وفيه نص طويل بالعربية، كله تنبؤ عن مصير إسبانيا، ومنسوب إلى… موقع هذا الرق، في أسفله توقيع، أنا شاهدت هذا الرقّ، في أسفله توقيع سيسيلو بوبيشبو غراناتيسيس، سيسيليو شماس غرناطة، يعني راهب في غرناطة. والسردية الداخلية لهذا الرقّ أن هذا أحد تلاميذ يعقوب الحوري، الذي جاء إلى إسبانيا وكتب هذا الرقّ.

بعد ذلك، خلال أربع سنوات متتالية، وقع العثور على الكتب الرصاصية في حد ذاتها. جاء ذلك عندما كان بعض الإسبان يبحثون، وهذه دائمًا عند جميع الناس يبحثون عن كنوز، وكان أن توفر على خريطة تدلّهم على مكان الكنز، كان بضواحي غرناطة، بجبل كان اسمه “خندق الجنة” (مصطلح إسباني)، وجبل كان.. وكان جبلًا سوف يصير بعد العثور على هذه الكتب مقدسًا، سيُسمّى “الساكرومونتين”. وجدوا.. الناس يبحثون عن الكنوز، وجدوا بدلًا من أن يجدوا كنوزًا، يتصرون بأن هنالك كنوزًا دفنها النصارى عندما دخل عليهم العرب، وكنوزًا وضعها العرب عندما خرجوا من إسبانيا، لكنهم وجدوا كتبًا من رصاص، ما معنى كتب؟ يعني هذه الكتب كُتبت ليس على أوراق من كاغد، وإنما على أوراق من معدن الرصاص. إذن نُحتت على هذه الأوراق.

حملوا هذه الكتب إلى الكنيسة في غرناطة، لأن هي العلم. الكتب الأولى التي وجدوها، الصفحة الأولى من الكتاب الأول كانت باللاتينية. لاحظ معي، شماس غرناطة دون بيترو دي كاسترو آنذاك، أمر ورعى متابعة البحث في هذه المغارة بهذا الجبل عن مثل هذه الكتب. فتوالى العثور على هذه الكتب. في كل مرة كان يتم العثور على هذه الكتب يعطى لها رقم: كتاب أول، كتاب ثانٍ، كتاب ثالث، كتاب رابع إلى آخره.

هذه الكتب وقعت العناية بها من طرف هذا الراهب، فشكّل لجانًا لفحصها. إنه كما سيرد في سرديتها الداخلية، تدعي هذه الكتب بأن تلاميذ السيد يعقوب الحوري، تلاميذ السيد المسيح، هاجروا من فلسطين إلى نهاية الأرض، إلى إسبانيا، لينشروا النصرانية، وحملوا معهم كتابًا من هذه الكتب، وهو يسمى “كتاب حقيقة الإنجيل”، وكتبوا هذه الكتب، وأخفوها في هذه المغارة لأنهم كانوا يعلمون طبعًا أنهم قديسون، يحل عليهم الروح القدس، يعلمون بأن روما، التي كانت آنذاك في إسبانيا الوثنية، ستحرقهم. فتم العثور على هذه الكتب، وعلى بقايا جثامين هؤلاء الذين كتبوها حسب سرديتها الداخلية، بين قوسين.

عندما تشكلت لجان لفحص هذه الكتب وفحص الرقّ، الكتب تدّعي بأنها من بداية القرن الأول الميلادي. لجان الفحص ذهبت إلى أن هذه الكتب، ولا هذا الرقّ، ليس من القرن الأول الميلادي، ولكن الأغلبية الساحقة من أعضاء لجان الفحص ذهبت إلى أن هذه الكتب هي من القرن الأول الميلادي، وكذلك الرق، لأن الراهب دون بيترو دي كاسترو تصور بأن هذه الكتب تحدثه هو، لأنّه جاء فيها من سيعتني بهذه الكتب مصيره الجنة. يعني هو شكّل فرقًا للبحث، وفرقًا للترجمة، فكان يتم تخريج هذه الكتب من أوراق رصاص، وكتابتها عبر أوراق كاغد، في نسخ عديدة، وإرسال نسخ إلى الفاتيكان، وإرسال نسخ إلى مدريد، إلى الملك.

وكذلك الذخائر التي وجدوها، قطعة الخمار، وكذا وكذا. والذي رأى الترجمة والفحص والدراسة والتدقيق كان يريد من الفاحصين، ومن المدققين، ومن المترجمين، أن يدلل له على أن هذه الكتب كتب نصرانية حقيقة، صحيحة، وهو الذي كان يمول هذه العمليات من ثروته الخاصة، وحتى أنه لم يتوانَ حتى عن إرشاء، حتى على الضغط على المترجمين ليترجموا له ما يريد من هذه الكتب.

عدنان: هذه أيضًا فيها تنبؤات وعقائد إسلامية إلى جانب العقائد المسيحية، لهذا كان مجبرًا على الإرشاء لكي يضمن سردية واحدة.

العسري: دعني أتابع أولًا، هذه الكتب.. وقعت عناية بهذه الكتب لأنها تعطي لغرناطة ماضيًا آخر، ماضيًا تليدًا في النصرانية، أنها هي المكان الأول الذي بدأت فيها النصرانية في إسبانيا. يعطيها ماضيًا عريقًا، كانت غرناطة في حاجة إليه، وكان هذا الشماس في حاجة إليه.

الذين ارتابوا في هذه الكتب، في الواقع لم ينظروا كثيرًا في مضامين هذه الكتب، لأن مضامين هذه الكتب في الظاهر ليست إسلامية، بل أكثر من ذلك، الكتب الأولى من الكتب الرصاصية نجد فيها العقائد النصرانية التي لا يمكن أن تُقبل في الإسلام، نجد فيها عقائد الصلب، وعقائد الحلول، وغيرها من الحدود الحادة بين الإسلام والنصرانية. ولكن في بقية الكتب نجد هذه العقائد تتوارى، ولكن لا يظهر فيها الإسلام بصفة واضحة، وإنما بصفة مضمرة. لكن إدانتهم لهذه الكتب، يقولون لهذا الراهب هذه ليست كتب نصرانية صحيحة، بالنظر إلى أن الراهب قد كلف المترجمين منهم. هذه الكتب ظهرت في المرحلة التي قلنا عنها قبل قليل، أن إسبانيا قررت الانتهاء من الإسلام ومن العربية، وأقفلت شعب اللغة العربية، وأقسام اللغة العربية إلى آخره.

من هنا بقي البعض الذين.. ومنع استخدام اللغة العربية، سمحت لبعض الموريسكيين بها لكي يكونوا مترجمين للملك، ومترجمين لمحاكم التفتيش، ومترجمين للكنيسة. فالذين أدانوها نظروا إلى المترجمين، من هم المترجمون الذين كلفهم أولًا بيدرو دي كاسترو بالترجمة، كان من مترجمي الموريسكيين. المترجمون الأساسيون كانوا موريسكيين وهم: ألونسو دي كاستيو، ميغيل دي لونا، وإغناسيو دي لاسكاساس، إغناسيو دي لاسكاساس من أصول موريسكية وراهب.

إغناسيو دي لاسكاساس في الأول ذهب مذهب الراهب، قال هذه الكتب النصرانية صحيحة لأنه يقرأ فيها التثليث، فيها المصلب، فيها التثليث، ثم ارتاب في هذه الكتب ونصب العداء للراهب، وقامت بينهما عداوات، وشكايات إلى البابا، وإلى ممثلية البابا في غرناطة إلى غير ذلك. واضطر بيدرو دي كاسترو إلى أن يستنجد بالدولة الإسبانية، وإلى استقدام مترجمين، وإلى إرسال هذه النسخ من هذه الكتب إلى مترجمين في العالم.

حتى الآن وقفنا على تسعة عشر مترجمًا لهذه الكتب، من جميع أنحاء العالم، حتى من هولندا، من إيطاليا، من جميع أنحاء العالم. وبعد ذلك، الفاتيكان سيلوي يد الملك الإسباني، سيهدده بالتحريم. ودون بيدرو دي كاسترو، وستأتي لجنة من الفاتيكان، وسوف تصادر هذه الكتب والرق، وبعض الاستنساخات والتخريجات، وتؤخذ إلى الفاتيكان. واستمر الفاتيكان في دراستها وتحقيقها مدة قرن من الزمن، ثم أصدر قرارًا بتحريم النظر فيها على أساس أنها تتضمن أشياء إسلامية، وأنها دس.

بعد ذلك أُهملت هذه الكتب. الناس في غرناطة لم يقبلوا لا هذه المصادرة ولا هذا الحكم، سيزوّر أحدهم كذلك… سيعيد أحدهم نفس القصة مرة أخرى إلى آخره.

بعد ذلك في القرن العشرين، في نهاية القرن العشرين، سيشتغل أحد اللغويين المترجمين، ميغيل دي لازرتي، في رسالة دكتوراه على هذه الكتب، وسينشر إحدى ترجماتها. قلنا كانت تخرج وكانت تترجم إلى الإسبانية، سينشر ترجمتها الإسبانية، ثم سيشرع في حشد التأييد لكي يردّ الفاتيكان هذه الكتب إلى إسبانيا بوصفها جزءًا من تراثها. ردّ.. الفاتيكان رد هذه الكتب، ولكن إلى الكنيسة وليس إلى الدولة الإسبانية، مما جعل البحث فيها معقدًا وبطيئًا.

 

01:43:04

تحقيق الكتب الرصاصية: عمليات فك الشفرات ودلالاتها

عدنان: أنت قلت لي أنك تشتغل على إحدى هذه الكتب.

العسري: نعم، في النهاية، أولًا الذين يشتغلون على الكتب قلة قليلة، وعلى رأسهم المرحوم الصديق بيتر فان كونينكسفيلد، الذي أمد الله في أموره وصحبته خيرار فيخاس، طالبه وتلميذه، هما معًا قاما بتحقيق هذه الكتب، وأصدرا التحقيق في نهاية 2024، لكن تحقيقهما عرى عن تحقيق كتاب من هذه الكتب. هذه الكتب عددها 22 كتابًا، وهما حققا 21 كتابًا. كتاب رقم السابع عشر عنوانه “حقيقة الإنجيل”، وهو حسب السردية الداخلية لهذه الكتب هو وحي، هو صعود مريم العذراء إلى السماء ولقاؤها بالله وبابنها، وأوحيى لها بهذا الكتاب “حقيقة الإنجيل”، الذي هو جزء من هذه الكتب.

وهذه الكتب الرصاصية تذكر مئات المرات هذا الكتاب، وهذا الكتاب هو الذي لم يحققه المحققان، لماذا؟ لأن جميع هذه الكتب مكتوبة باللغة العربية، لا بالإسبانية ولا بالأخميادو، مكتوبة باللغة العربية، وهذا الكتاب “حقيقة الإنجيل” مكتوب.. منقوش برموز، وليس بالحروف العربية. الشاهد أن المحققين خلصا إلى أنه ليس نصًا عربيًا مبنًى ومعنى، وإنما هو نوع من الكتابة السحرية والطلسمية والحروز.

أحد الفضلاء تمكّن من فك شفرة هذا الكتاب، ومكنني مشكورًا منها، فقمت أنا بتحقيق هذا الكتاب لإضافته إلى التحقيق الجيد العلمي الرصين جدًا، الذي قام به بيتر فان كونينكسفيلد وخيرار فيخاس.

عدنان: ولكن تحقيقك لم ينشر بعد؟

العسري: سينشر هذا التحقيق إن شاء الله ضمن منشورات جمعية الدراسات الأندلسية في تطوان، لأن هذه الجمعية خصصت يومًا دراسيًا للنظر في تحقيق المحققين، بحضور المحقق خيرار فيخاس، فسننشر الأعمال إن شاء الله..

عدنان: كاملة.

العسري: كاملة إن شاء الله. فأنا حققت. عندما حققت أصبح علي الآن أن أنظر ليس فقط في تحقيق 21 كتابًا، ازداد الأمر تعقيدًا. هذه الكتب تتضمن، مضامينها نصرانية، كما قلت. قبل التحقيق أنا الآن أتكلم قبل التحقيق، هي نصرانية، الإسلام يحضر فيها بصفة مضمرة. كيف ذلك؟ مثلًا، هذه الكتب تكتب “ر م” اختصارًا. بعض المترجمين قرأوا “ر م” المسيح روح الله، وهذه القراءة توافق النصرانية وتوافق الإسلام. الإسلام كذلك يقول “روحٌ من الله وكلمة منه”، فهذا المشترك.

بعض المترجمين ترجمها “محمد رسول الله”، وهذا، يسمح به النص، ولكن هذا لم يكن يقبله راعي الترجمة دون بيدرو دي كاسترو.

هذه الكتب، مثلًا بعضها يبدأ بحروف مقطعة، يُذكّر بالحروف المقطعة في القرآن الكريم.

عدنان: “ألف لام راء”.

العسري: نعم، هذه الكتب مثلًا في خاتمتها، في خواتيم كثير من هذه الكتب، هي مكتوبة باللهجة الأندلسية: كل كتاب حق، إشارة أن القرآن كذلك حق، فمحمد رسول الله، والقرآن والإسلام يحضر في هذه الكتب من خلال المشترك والمتفق عليه ما بين النصرانية والإسلام في المسيح، ويحضر في المختلف ما بين النصرانية والإسلام، بصفة مضمرة، مما يجعلنا نراهن بفرضيات عن استراتيجيتها، وفرضيات كذلك عن مؤلفيها.

وبالتحقيق لهذه الكتب أُضيف فرضيات أخرى عن مؤلف هذه الكتب الحقيقي، إن صح التعبير، ولكن ليس لدي دليل فيلولوجي قاطع، وإنما قرائن أُضيفها إلى قرائن أخرى.

فمضامين هذه الكتب هي مضامين نصرانية وهي مضامين إسلامية. فإذا استحضرنا السياق الذي تم فيه العثور على هذه الكتب، باختصار شديد، هو أننا الآن في مرحلة: الموريسكيون أو الأندلسيون المتأخرون، خسروا واندحروا في ثورة البشرات، التي كانت ثورة ضد إسبانيا، وضد سلخهم الثقافي، وسلخهم عن هويتهم الدينية الإسلامية العربية. وربما فكروا أن الحل هو هذا هو أن نكتب ونندس على النصرانية مثل هذه الكتب، لنحاول أن نسترجع بها بقايا التعايش السلمي الذي جمع بين مكونات الأندلس، وإلى حد ما مكونات إسبانيا بعد ذلك.

فهي واحدة الشكل، كأنها تأخذ الناس أخذًا جميلًا للاعتراف المتبادل ببعضهما بعضًا، مما يرجح عندي أن المشروع، ليس الكاتب، أن المشروع أسهم فيه بعض انصارى القدماء، لأنه ليس في مصلحتهم أن يطرد المورسكيون وهم أهل حرف وأهل علم، وأهل كذا وأهل كذا. وفعلًا كانت خسارة، عندما طردت إسبانيا جزءًا منها وأبنائها، إسبانيا خسرت اقتصاديًا واجتماعيًا..

عدنان: وحضاريًا، وحضاريًا.

العسري: وحضاريًا.

عدنان: وأنا حقيقة يهمني هذا الجانب، كيف أن الإسلام تداخل مع النصرانية في لحظة ما، وكان هناك من يفكر بأن هذا التمازج مطلوب، لكي تحافظ الأندلس على روحها. وأفكر في أسين بلاثيوس الذي سيؤلف كتابًا تحت عنوان “الإسلام المُنَصْرَن” وهو الكتاب الذي وجد فيه ميغيل كروث هيرنانديث “نصرانيةً مُؤسْلَمة”. كيف حاول الاستشراق الإسباني خصوصًا في زمن البدايات مع بلاثيوس، أن يبحث عن هذا المزج ما بين الإسلام والنصرانية في الفكر والكتابة والتأليف؟

العسري: دعني، لو سمحت، باختصار شديد، أن أشير إلى المؤلف الذي أفترضه من جانبي لهذه الكتب. فهي.. أشارت أصابع الاتهام إلى أنها كتب منتحلة على أية حال، لأن المنتحل هو ألونسو دي كاستيو، أبحاث بيتر فان كونينكسفيلد برأته من هذا، وإن كان له ماضٍ تليد في التصوير وفي الانتحال، هذا أمر آخر. وأشارت كذلك إلى ميغيل دي لونا، ولكن عندي بعد تحقيق كتاب “حقيقة الإنجيل” أن قد يكون المؤلف هو.. أو المؤلف الرئيس هو ميغيل دي لونا، الذي يُنسب بوصفه ابن ألونسو دي لونا.

طيب، آتي إلى سؤالك عن أسين بالاثيوس. أسين بالاثيوس ألف كثيرًا وأكثر..

عدنان: لكن فكرة الإسلام المنصرن هي التي تهمني.

العسري: هو ألف كتابًا عنوانه “ابن عربي أو الإسلام المنصرن”، وألف أشياء كثيرة. المستشرقون، ومنهم كروسي هرنانديس، كانوا يأخذون على أسين بالاثيوس أنه أكثر وبأّر الكلام في التأثير الإسلامي في النصرانية، هو باعتماده هذا المنهج، منهج التأثير والتأثر المتبادل بين النصرانية والإسلام. تكلم عن تأثير الإسلام في النصرانية، فظهر لنقاده بأنه أكثر من هذا، وأنه أعطى لهذه المؤثرات ما لا تستحقها، بين قوسين، وكتب عن دانتي وكذا، وقال عن مؤثرات إسلامية في “الكوميديا الإلهية”. ولكن، بالنسبة إلي، ميغيل كروس هرنانديس، واهم جدًا في هذا. لأن أسين بالاثيوس عندما تكلم في كتاباته عن تبادل التأثير والتأثر ما بين الإسلام والنصرانية، ليس في هذا الكتاب فقط، وإنما له كتاب مهم جدًا نشر بعد وفاته عن تبادل التأثير والتصوف، التأثير والتأثر ما بين التصوف الإسلامي في شقه الشاذلي، في متصوفة إسبانيا الكبار، التصوف الصحيح في إسبانيا، تصوف خوان دي لا كروس، وتصوف سانتا تيريسا بالخصوص، والتصوف النصراني المنحرف في إسبانيا. ذهب بأن هنالك تأثيرًا للتصوف الشاذلي، ولم يكن له دليل قاطع، وإنما الدليل القاطع سيأتي بعد ذلك من خلال الذين تابعوا البحث في هذا الأمر، وخاصة من طرف لوسي بارات. وهي تفكر في هذا الأمر، وهي من خارج إسبانيا، من أمريكا اللاتينية، من بورتوريكو. وقد أثبتت بأن التأثير كان.

فهما، كروس هرنانديس، ماسينيون قبله كان آخذ أسين بالاثيوس أنه بالغ في هذا التأثير، ولكن، كذلك بعض الأحرار المسلمين، عندما يقرأون أسين بالاثيوس ويرونه يتكلم عن التأثير الإسلامي في النصرانية، يقولون هذا منصف، لكنه لما يتكلم عن التأثير الإسلامي في النصرانية، فهو التأثير النصراني الثاوي في هذا الإسلام، الذي تسترجعه النصرانية من داخل الإسلام نفسه. ولكن مع ذلك تبقى هذه الكتب كتبًا لأسين بالاثيوس، تكلمت بالفعل عن هذا التبادل، التأثير والتأثر، وعن هذا التمازج. فيمكن قراءتها من زاويتين مختلفتين.

ولكن بالنسبة إلي، يمكن استخدامها هذا الاستخدام. ولكن بالنسبة إلي، هنالك حدود تعيق هذا الاستخدام الثاني، أن التأثير الإسلامي في النصرانية هو تأثير نصرانية، لأن الإسلام عند أسين بالاثيوس هو أصلًا نصرانية صحيحة ونصرانية محرفة داخلها. هو أصلًا رسالة الكندي، هو أصلًا الترجمة اللاتينية الأولى لمعاني القرآن الكريم.

وها أنت ترى معي بأن هذه التصورات لم تتمكن من أن تُحدث في نفسها، تُحدث لنفسها تغيرًا نوعيًا ملحوظًا.

عدنان: عودًا على بدء.

العسري بلغة قاطعة، لم يكن هناك قطيعة..

عدنان: هناك استمرار.

العسري: هنالك استمرارية ليس لأن الناس أشرار أو أخيار، لا، لأن المنهج المتبع البحث عن التأثير والتأثر يقود بالضرورة إلى هذه النتائج.

 

01:55:51

استمرار الهيمنة اللاتينية ونشأة “المتأندلسيون”

عدنان: وكأن الترجمة اللاتينية الأولى للقرآن الكريم لبطرس المبجل التي بدأنا بها ما زالت ترهن الاستشراق الإسباني، وربما بعض مدارس الاستشراق الأوروبي إلى يوم الناس هذا.

العسري: ما زالت ترهن إلى بعض الناس هذا. الآن الاستشراق الإسباني مثلًا، أغلب الذين يكتبون الآن فيه لا يكتبون في موضوعات دينية بحتة. وبالتالي لا ترى هل ما زالوا يرددون نصوص كلوني، أو.. مثلًا آخر ما قرأته البارحة في موقع ينشر أبحاثًا عن الأندلس، مثلًا مقالة من أميغا ميريم عن النساء النصرانيات واليهوديات والمسلمات والأعراس والحفلات وكذا وكذا. يعني الآن لا يكتبون في هذه الموضوعات الدينية، يكتبون مازال بعض..

عدنان: ولكن تعددت مشاربهم وفضاءات الكتابة، وميادين الاهتمام.

العسري: نعم.

عدنان: ولديك أيضًا مقولة تقول بأنه يمكن كل هؤلاء الناس ليسوا بالضرورة مستشرقين على أساس أن الاستشراق هو طلبُ الشرق، وليسوا بالضرورة مستعربين على أساس أن الاستعراب هو طلب العربي والعروبة والحضارة العربية. وهؤلاء الذين يكتبون اليوم من الإسبان، في نظرك، لم يتناولوا لا العروبة ولا الإسلام بشكل مباشر، وإنما هم مهتمون بموضوعات الأندلس، على أساس أن ما يعنيهم هو طلب الأندلس. فأنت تقترح لهم تسمية جديدة، أنا أريد أن تقترح علينا في ختام هذا اللقاء.

العسري: طيب، هناك جدل حول الاستعراب، الاستشراق، الاستفراق. عندي باختصار أنه لا الاستعراب ولا علاقة للاستعراب بالكنيسة المستعربة أبدًا، ولا الاستفراق الذي هو طلب إفريقيا، هو بالضبط طلب للمغرب، “Marroquismo”. هذا بالنظر إلى موضوع، إلى مادته التي يشتغل عليها، وإلا بالنظر إلى الرؤية والمنهج هو استشراق. هو استشراق إسباني. تكلمنا قبل قليل على أن هذا الاستشراق كاد.. لم يهتم إلا بالأندلس، بهذا الشرق الأليف، “مصطلح إسباني”. صحيح، آلاف الكتب تصدر حول الأندلس، آلاف المقالات تصدر، صدرت وتصدر وستصدر حول الأندلس بوصفها الشرق الأليف بالنسبة إلى إسبانيا.

ما جاء في كتابي عن اقتراح مصطلح جديد للتدليل به على مجهودات المستشرقين الإسبان، هو في الواقع ليس لي. وإنما أنا أخذته عن المرحوم ميكيل دي إبالسا الذي تكلمت فيه قبل قليل. في إحدى اللقاءات التي جمعتني به بمكتبة الأب فيليكس ماريا باريخا بمدريد، وهي من كبريات مؤسسات الاستشراق الإسباني. تكلمنا كثيرًا وقال: نحن نشتغل على الأندلس، ونحن أندلسيستاس (Andalucistas) ، متأندلسون

عدنان: متأندلسيون.

العسري:  قلت له: أنت تقول لي هذا الكلام ولكن أنا ربما أكتب في يوم من الأيام. فأرسل لي رسالة بخط يده يبين فيها لماذا يقترح هذا المصطلح الجديد. أنا حملت هذا المصطلح للمجلس الأعلى للأبحاث العلمية في مدريد، كانوا استدعوني لإلقاء محاضرة عن الاستشراق الإسباني ما بعد أسين بالاثيوس، وقدمته لهم، وبطبيعة الحال لم يقبلوه لأنهم يسمون أنفسهم “أرابيستاس” (Arabistas)، أي المستعربون، وقالت لي إحداهن، مانويلا مارين، الآن “أرابيستاس”، العسري، أنت معك الحق، هذا استشراق، ولكن الاستعراب أصبح مستعربًا، وهذا “مَارْكَة مسجلة” مثل كوكاكولا، أصبح أمرًا واقعًا، وهذا ما يقوله إبالْسا. بالإسبانية: ممكن “Andalucismo”، “أندلسيسمو” هذا العلمُ، الذي..

عدنان: بالعربية صعبة، “المتأندلسيون”.

العسري: “المتأندلسيون”. حسب قواعد الاشتقاق وحسب الإشكالات الترجمية في العربية، صعب أن نقول علم الأندلسيات أو علماء الأندلس. نحاول وسنحاول، أنا لدي علاقات مع ناس أقوياء في اللغة العربية في كلية الآداب، أطرح عليهم مثل هذه الأمور في الاشتقاق، ولم يجدوا لها لحد الآن. ولكن نحشّي في أسفل الصفحة نقول ماذا نقصد. فـ”تأندلس” الشخص، أي طلب الأندلس. دعني أقول لك: علينا أن نطلب الأندلس، ليس بوصفها الفردوس المفقود كما نكرّر دائمًا، وإنما علينا أن نطلب الأندلس بوصفها الفردوس الموعود، على حد تعبير حسين مؤنس، الموعود بمعنى الذي نعود إليه نحن وغيرنا لندرسه، لنتابع تأملنا..

عدنان: فيه، وأخذ الدروس من تجربة الأندلس كفضاء للتعايش الثقافي والحضاري والديني.

العسري: نعم، استثمار هذه الأسطورة، ميكل دي إبالسا كان دائمًا يقول: علينا أن ننتهي مع الأساطير السلبية، التي تؤسس ذاكرتنا المشتركة، لكي ننسج، لأن بالتاريخ تصير علاقات دولية، لكي ننسج علاقات جديدة بأساطير أخرى.

الأندلس خلال مراحل تاريخها تعايش، خلال مراحل تاريخها احتدام وصراع وكذا وكذا، لعل الكتب الرصاصية أرادت أن تسترجع هذه التقاليد، لأنها في النهاية ماذا تقول الكتب الرصاصية؟ تريد أن تقول للإسبان، لأنها تعرف بأن إسبانيا تفكر في طردهم، أي المؤلفين المفترضين لهذه الكتب من الموريسكيين، لماذا ستطردني؟ بتهمة أنني حفيد لأولئك العرب “الهمج” الذين دخلوا بلادك؟ أنا حفيد لأولئك النصارى الرسل، تلاميذ السيد المسيح الذين حملوا النصرانية إليك، فأنا أزايد عليك في النصرانية. لكن هذه النصرانية، وحسب ما سيتضح في تحقيق كتاب “حقيقة الإنجيل”، هي كذلك نصرانية مؤسلمة.

عدنان: ونحن سنبقى في هذه التماسات الأندلسية الجميلة التي سعدنا باستعادتها معك الدكتور عبد الواحد العسري.

عدنان: أنت تَصدر عن كونك شاعرًا وروائيًّا، وكذا، دائمًا وأبدًا الفنانون مثلًا ليسوا كالمؤرخين يعني لديهم عقلية “مربعة”، ومنفتحون.

عدنان: ونحن لدينا ذلك الانفتاح.

العسري: لذلك، صديقك السابق المرحوم خوان غويتيسولو، نظر نظرة إعجاب لكتاب إغناسيو أولاوي، الذي ينفي فيه غزو المسلمين للأندلس، بينما المؤرخون حتى اليوم، حتى مؤرخونا نحن لا يقبلون.. مرّة في مؤتمر طرحت فكرة إغناسيو أولاوي كان المشارقة أرادوا أن “يفتكوا بي”، لأنه بالنسبة إليهم هم العرب الفاتحون..

عدنان: هي تلك القوة التي..

العسري: القوة التي يفتقدونها الآن.

عدنان: تمامًا، تمامًا.

العسري: لا يريدون أن يفقدوها حتى في الماضي.

عدنان: شكرًا جزيلاً دكتور العسري على ما حملته لنا من معلومات ومعارف وأفكار، وكأننا كنا نجول بين الكتب ونحن نحاورك.

عدنان: شكرًا لك سيدي ياسين على إتاحتك لهذه الفرصة، وأنا سعيد جدًّا بالتعرّف إليك ولو مؤخّرًا.

عدنان: أنا الذي سعيد. شكرًا جزيلاً دكتور العسري. وأنتم أعزائي عزيزاتي إلى اللقاء.