Skip to content Skip to footer

قراءة نقدية لكتاب “ما بعد التاريخ: الخيال التاريخي في أوروبا القرن التاسع عشر” | انتصار عباس

المؤلف: هايدن وايت الناشر: المركز القومي للترجمة/ 2022 ترجمة وتحقيق: شريف يونس


 

يبدو أن مصطلح الرواية التاريخية قد بدأ يتراجع ليفسح المجالَ أمام مصطلح جديد هو التخييل التاريخي؛ وهذا سوف يجعل الكتابة السردية التاريخية تتخطى مشكلة الأنواع الأدبية وحدودها ووظائفها، علاوة على أنه يعمل على تفكيك ثنائية الرواية- التاريخ ويعيد دمجهما في هوية سردية جديدة، ولا يرهن نفسه لأي منهما. 

قدَّمَ المفكر الأمريكي هايدن وايت، بحثه العلمي حول التخييل التاريخي، والذي يقوم على فكرة أن القصة والتاريخ يمتلكان نفس البنية السردية، وارتكز في نظريته على دراسة النظريات التاريخية بوجه عام والتخييل التاريخي بوجه خاص؛ مما جعل دراسته التاريخية تندرج ضمن نطاق الدراسات الثقافية والأدبية. تمحورت أهم أفكاره حول السرد، على اعتبار أن الشكل السردي ليس بالحاضن المحايد أو الوعاء الطبيعي في التعبير عن المعلومة التاريخية؛ فالتقنيات السردية ليست مجرد أدوات جمالية محايدة ليس لها أي تأثير في الحقيقة التاريخية. فالتاريخ مشبع بأحكام القيمة في نقل وقائع الماضي، وإن كان تصويرياً، ومسألة التفكير في الزمن الماضي تتمركز في الواقع المعيش وتأخذ شكلاً جديداً، وتتزايد في الارتفاع. فالإحساس بالماضي لدى الإنسان العادي يختلف عن إحساس المؤرخ التاريخي الذي يعتمد النقد الأخلاقي بالمعنى الكانطي للنقد، وهذا الاختلاف يتمركز حول اللحظة الذاتية التي لها صلة بوقتنا الحاضر؛ التي تجعل الماضي آتياً إلى الحاضر.

من هنا نستدل على أن وايت سَنَّ نهجاً تربولوجياً في تفحص سردية التاريخ، ومنها انطلق ليشكِّل نظرياته حول مفاهيم الحبكة والتمثيل والتخييل والمحاكاة والشعرية. وبناء عليه تم اعتبار كتاب “ما بعد التاريخ: الخيال التاريخي في أوروبا القرن التاسع عشر” عملاً مهماً في دراسة الخيال التاريخي لمعرفة مدى تأثيره على المجتمع والفكر في غضون القرن التاسع عشر في أوروبا، وقد شكَّلَ ثورةً لدى الباحثين في الدراسات التاريخية. وتضمن الكتاب نقداً فلسفياً ورؤًى شاملة للتاريخ، وبيَّنَ كيفية تأثير الخيال التاريخي على صياغة الهوية الثقافية والوطنية.

يرى هايدن وايت أن الخيال التاريخي عبارة عن تصورات وروايات مبنية على الحقائق التاريخية؛ ولكنها تتجاوز الواقعَ لتقدم مشاهد ورؤى معينة تدل على آراء ومعتقدات المؤلف. والمؤلف بدوره مطالب بتقديم تحليل عميق لأعمال بعض الكتاب والفلاسفة الذين استخدموا الخيال التاريخي في كتاباتهم؛ من أمثال نيتشه وماركس وفرويد، وقد سلَّط الضوء على كيفية تأثير هذه الأفكار على التفكير والسياسة في ذلك العصر، مستبعداً فكرة أن الكتابة التاريخية بإمكانها تقديم الماضي بشكل موضوعي؛ حيث تم إدراج الكتابات التاريخية في باب الأدب وليس في باب العلم. وهو بهذه الرؤى يتحدى كتاب التاريخ، مشيراً إلى أن المؤرخ يصنع من الماضي سرديات ذات معنى لها بنيتها اللغوية والبلاغية.

يطرح د.شريف يونس، مترجم الكتاب، سؤالاً مهماً حول الكتابات التاريخية؛ مفاده: “إن كانت حساسيات المؤرخ الحاضرة هي التي تصوغ النص التاريخي، فما فائدة معرفة الماضي إذن؟”، منوهاً بأن الكتابات الحديثة للتاريخ، وتاريخ العصور الوسطى، لم تكتب حسب طريقة الحوليات، إنما كُتبت حسب طريقة البحث التاريخي. فعلى سبيل المثال، لو أخذنا موضوع انهيار الإمبراطورية الرومانية أو تطور الزراعة في العصور الوسطى، أو نشأة فكرة التقدم في العصر الحديث، سنصل إلى نتيجة مفادها أن المؤرخ حين يختار موضوعاً، فإنه ينتقي موضوعاً له بداية ونهاية، وهو بالأحرى يختار الأحداث التي يعتبرها دالة، ويضع هذا كله في صيرورة سرد متسلسل، وبالتالي يقدمها بطريقة سردية متسلسلة حسب تصوره المسبق للحقل التاريخي، وهذا التصور يعتبر تصوراً غير واعٍ يُطلق عليه “شعرية التاريخ”. إلا أن رؤية وايت لهذا الموضوع جاءت مختلفةً، فعلى المؤرخ أن يختارَ بين أنماط محدودة للسرد تفرضها طبيعة عملية السرد نفسها، وتم تقسيم أنماط الدراما البسيطة الكلاسيكية إلى: الرومانسية والتراجيديا والكوميديا والسخرية. 

ضمن الفهم السابق، فإن وايت لم يقدم شيئاً جديداً بقوله إن الكتابة التاريخية فن؛ لكن تحديده بنيةَ هذه الكتابة وتقسيمه لها لتشمل أربعة أقسام، كذلك تصنيفه هذه الأيديولوجيات إلى أربعة أصناف بغض النظر عن نوعية الحجج التي يستعملها المؤرخ، أو نوع الدراما، أو نوع المجاز الشعري، أو نوع الأيديولوجي؛ فكل نوع يتناسب مع نوع أو نوعَين من جماليات الكتابة التاريخية، وهذا هو الجديد الذي يطرحه وايت، وهذه الأيديولوجيات هي أربع؛ وتشمل: الفوضوية (وقد تكون متفائلة يوتوبية أو تشاؤمية ديستوبية)، والجذرية، والمحافِظة، والليبرالية.

وحسب وايت، فإن كل صنف يتمتع بنفس الكفاءة في التعامل مع مادة التاريخ الأصلية، وليس بالإمكان اعتبار أي جزء يحمل حقائق أكثر من الآخر؛ لكننا قد نستحسن نوعاً على آخر، وقد نختار أكثر من واحد حسب الاعتبارات للشكل الجمالي؛ فقد نختار (نمط المجاز أو الحبكة الدرامية)، أو المضمون الأيديولوجي. وحسب وايت؛ فإن هذه الأفكار ‎لا تحمل المؤلف إلى إلغاء كتابة التاريخ، وعدها كتابة غير موضوعية، إنما يدعو إلى توسيع آفاقها، ولا يمكن استبعاد بعض أنواع جماليات الكتابة لما لها من تبعات سلبية تنعكس على الكتابة التاريخية الأكاديمية؛ خصوصاً إذا تم استبعاد أهم تقسيمَين، هما الرومانسية والتراجيديا، فهي بهذا تتبع أسلوب الموضوعية المحايدة واللا مبالية، مما يبعدها عن المجال الثقافي العام ويقضي على إمكاناتها الأيديولوجية أو الأخلاقية.

كل ما سبق سوف يقود إلى تحرير التخييل السردي من مبدأ المطابقة مع المرجعيات التاريخية؛ لكي ينفتح على شكل كتابي لا تتطابق مع الوقائع التاريخية. 

 أثنت جوديث بتلر على كتاب وايت، وأعربت عن إعجابها بأفكاره من خلال المقدمة النقدية المسهبة التي كتبتها حول الكتاب، والتي حملت عنوان «الحداثة والمعرفة العملية». وقد استطاعت بتلر أن تتعمق في فكر هايدن وفي أبعاد دراسته التاريخية عملياً ونظرياً، وأشارت إلى مساهمات هايدن وايت في العلوم الإنسانية والاجتماعية، إضافةً إلى كتاباته التي لها أثرها الواضح وصفاتها الخاصة، وتلك الأسئلة الوجودية المتعلقة بالتاريخ الحديث التي يطرحها، وفي مقدمتها سؤال ذهني يبدو للوهلة الأولى بسيطاً ولا يحتاج إلى المزيد من التفكير للإجابة عنه، إلا أنه سؤال معقد ليس بتلك السهولة التي يعتقدها القارئ. أما بالنسبة إلى المؤرخ فهو سؤال يدخل في باب التأمل الأخلاقي في التاريخ وبراغماتية وايت ورؤاه المتعلقة بالحداثة ونقد الفلسفات العقلية بشكل خاص، وخصَّت حديث وايت حول الخطاب التاريخي والنظرية. 

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يمكن لي أن أعيش؟ وما الطريقة الصحيحة التي عليَّ أن أتصرف بها؟ ولم يكن الهدف من طرح الأسئلة هو تحصيل إجابة؛ إنما الحث على التفكير في الظروف التاريخية التي أنتجتها. ومن هنا انبثقت رؤاها حول كتاب “ما بعد التاريخ” الذي جاء مغايراً لما قدمه المؤرخون الكلاسيكيون الذين اعتبروا أن فلسفة التاريخ نوع من الكتابة التاريخية.

 وقد عمد وايت إلى إثبات صحة نظريته؛ فقام على دراسة وتمحيص أعمال فلاسفة التاريخ؛ من أمثال هيجل وماركس ونيتشه وكروشيه، ومن خلال دراسته المستفيضة والتي طبقها عملياً على أربعة من كبار المؤرخين في القرن التاسع عشر؛ هم: ميشليه وتوكفيل الفرنسيان، وروانكه الألماني، وبوركهارت السويسري. وقد تتبع مجموع ملاحظاته، ومن خلالها قدم تفسيراً واضحاً لتعدد تفسيرات التاريخ عند المؤرخين، وقد نسبها إلى طبيعة بنية التأريخ الحديث، وذلك بوصفه سرداً له أنماط معينة يقوم عبر اللا وعي بتكبيل عمل المؤرخ، ويفسر هذا الوضع على أن التاريخ عبارة عن معرفة؛ لكن هذه المعرفة تشبه أية معرفة أخرى؛ لكنها لا ترتقي إلى مرحلة العلم science، بمعناه الواسع والحديث. من هنا نجد أننا نطلع على الكتابة التاريخية بتتبع أيديولوجيات معينة تخضع لحساسيتنا الأخلاقية والجمالية وليس لما هي عليه في الأصل؛ فنحن نصنعها حسب مرجعياتنا، وحسب إحساسنا وليس حسب أصولها كما هي في طبيعة واقع الحال، وبناء عليه يصبح المظهر الواقعي الموضوعي للكتابة التاريخية ليس إلا التباساً؛ إذ لا توجد مرجعية واقعية موضوعية للتاريخ المكتوب يستند إليها، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا نهتم بالتاريخ، ونسعى كي نعرفه، وما الجدوى من معرفة الماضى ما دام المؤرخ يصوغه بحساسيته الحاضرة؟ 

والسؤال الأجدى: هل ما يطرحه وايت يأتي بالجديد؟ الإجابة الوافرة هي أن وايت لم يقم بتقديم ما هو جديد حول الكتابة التاريخية باعتبارها فناً بحد ذاته، إنما الجديد الذي قدمه وايت في تحديده بنية هذه الكتابة وتصنيفه الكتابات التاريخية تبعاً للأصناف الأربعة التي صنَّفها؛ سواء أكانت تتكئ على مستوى نوعية الحجج التي يلجأ إليها المؤرخ، أم نوع المجاز الشعري، أم نوع الأيديولوجيا، أم نوع الدراما.

والمؤرخ تحتم عليه في هذا الوضع، حسب وايت، الاختيار بين أنماط محدودة للسرد تفرضها طبيعة عملية السرد نفسها حسب الاختيارات الجمالية، والتي تنقسم إلى أنماط الدراما البسيطة الكلاسيكية: الرومانسية والتراجيديا والكوميديا والسخرية، والليبرالية. ويرى وايت أن كل نوع منها له نفس الكفاءة في التعامل مع مادة التاريخ الأصلية، ولا نستطيع أن نعتبر أيَّ نوع منها أكثر “حقيقية” من غيره؛ لكننا من الممكن أن نفضل نوعاً أو أكثر على آخر في بناء شكله الجمالي، فقد نختار نمطَ المجاز أو الحبكة الدرامية، أو مضمونه الأيديولوجي.

يقول الدكتور شريف يونس، مترجم الكتاب: “هذا الكتاب شكَّل ثورةً في رؤيتنا للدراسات التاريخية، وقد قدَّم رؤيةً عن الكتابة التاريخية التي تستبعد إمكانية تقديم الماضي بشكل موضوعي؛ حيث أدرجت الكتابات التاريخية في باب الأدب وليس في باب العلم، وهو بهذه الرؤية يتحدى، وما زال، مهنة التاريخ؛ مما جعل الكتاب يشكل ثورةً في رؤيتنا للدراسات التاريخية.

من هنا ندرك أن وايت قد سَنَّ نهجاً تربولوجياً في تفحُّص سردية التاريخ، والتي جاءت بتنظيراته لمفاهيم الحبكة والتمثيل والتخييل والمحاكاة والشعرية.. وغيرها؛ مما أعطى كتابه «ما وراء التاريخ: أوروبا في القرن التاسع عشر» شهرةً واسعةً. وقد اعتبره الدارسون والباحثون عملاً ذا أهمية كبرى في صيرورة فهم العلاقة بين التاريخ والخيال، والكيفية التي يمكن أن يؤثر من خلالها على فهم الماضي وصياغة المستقبل. والكتاب يعد مرجعاً للكتاب العرب والغربيين؛ حيث تمت ترجمته إلى العربية، وكتب عنه عزيز عظمة في كتابه “الكتابة التاريخية”، وكذلك المؤرخ اللبناني قيس فرو في كتابه “المعرفة التاريخية في الغرب”. ويعتبر هايدن أحد أهم المؤثرين في الفكر التاريخي الغربي؛ حيث جمع بين الفن والعلم والفلسفة.

انتشر في الآونة الأخيرة، مصطلح رواية الواقعية الرقمية والشعر الرقمي الذي لا يخلو من جاذبية محفوفة بمختلف الوجهات الجديدة، وسرعان ما اتضحت المواقف؛ فهناك مَن قال: إن الأدب الرقمي بدعة، فلا هو موجود ولا معدوم، ولا هو معلوم ولا مجهول، ولا منفيّ ولا مثبت، وهناك مَن قال إنه مغامرة في ظل العصر الرقمي الآخذ بالتشُّكل، بينما تبناه البعض كونه جديداً في موضوعه وفي طرحه وأفكاره وأدواته، بتأكيدهم أنه لبنة جديدة في صرح الثقافة العربية بعامة وفي صرح الأدب العربي بخاصة. لقد اشتد الجدل واتخذ صيغاً متعددة، ويبدو من المخالف للصواب، محاولة تقرير نجاح ومستقبل الأدب الرقمي قبل معرفته، والتعرف عليه بعلامات واضحة ومحددة.


في نفس الوقت؛ لا بد من توصيفه، وهذا أمر ضروري؛ فهو يعبر عن مرحلة تجعل منه موضوع تجارب دائمة على الرغم من أن هناك الكثير من التعقيد الذي يحيط به باستخدامه تقنيات رقمية، فالتجربة الأدبية هنا من صميم المعرفة التقنية والعلمية، وهذا ما يستعصى إدراكه، فهو لا يركز على أحداث وإنما على حداثة، ليشكل منها كاتبه وقارئه وناقده؛ الذين يتشاركون لتحقيق التفاعل النصي وإنتاج المعنى، وبذلك هم صنَّاع. والكتابة هنا صناعة؛ لأن المسألة ذات طبيعة تقنية، تتوقف على احتراف التكنولوجيا بما يجعل الواقع المرئي ملموساً ينطوي على رؤياه الخاصة، فتطور الوسائط التقنية، يشجع على اختزال اللغة وتحويلها إلى صوت وصورة للتعبير عن الوجود الافتراضي الجديد. وعلى غرار ذلك، نرى أن الصانع هو الذي يضع الشكل السردي للحكاية بما يكفل لها الاستمرار. وهذا يتطلب وجوداً فنياً؛ له بعد تقني، وتنظيمي وقيمي، إلى جانب التكنولوجيا، وعقلية متفتحة لتدخل بقوة إلى عالم تحقيق الأحلام، حسب توصيف أتباع الأدب الرقمي. 

بذلك يؤسِّس الأدب الرقمي تركيباً فنياً جديداً، ولغة مصوغة من كلمات، إضافة إلى المؤثرات سمع البصرية وفن المحاكاة.. وغيرها من التقنيات الرقمية، الموظفة من أجل أن تمثلَ عتباتٍ نصيِّة تخفي وراءها نصوصاً، أو مشهداً سينمائياً، أو لقطة فيديو تجسِّد محتوى الجملة، موزعاً أعرافه وقوانينه ومقاديره، محلقاً بالخيال، مزاوجاً بين الأدب والتكنولوجيا، مجنداً من تقنيات شبكة الإنترنت في إنتاج أدبي عربي جديد، مستفيداً من ثورة الوسائط المتعددة ومن تقنيات النص المرجعي الفائق “هيبر تكست” (Hyper text). غير أن إضاءة هذا المفهوم الجديد تبقى ناقصة إذا لم نتحدث عن اللغة المستخدمة في الأدب الرقمي؛ فهي لغة مشهدية، يتداخل الشعري فيها بالسردي، وتكتب الكلمة بالصورة والصوت والمشهد السينمائي. فهنا صانع النص يتحرَّر من اللغة الطقوسية التي تملك صيغها المجربة، ويعطينا الكلمات بإبعادها، وتتلاشى هي نفسها في هذا الاستعمال التقني الخفيّ، فتعود من جديد خلفية المشهد اللا متناهي، لتصبح اللغة وسطاً أكثر مما هي وسيط محايد. نحن هنا لا نتحدث عن تجربة عابرة؛ بل عن عملية يتوالد منها العمل الأدبي، وتتجسد فيها ضرورات ثابتة لصناعة محتوى أدبي غير مألوف.

لكنَّ التجديد الفعلي يتعين بآفاقه اللاحقة، فنقض الأصل ليس كافياً للتحول، وتفتُّت الكليِّ لا يكثِّف روحَ العصر؛ فالتركيز هنا على فكرة الحداثة وآثارها، والعصر الرقمي التصفوي، لا يلبث أن يتخلى عن أسماء موروثة، ويخلق أسماء أخرى تغاير ما سبقها ولا تقبل بها، ومن ثمَّ تصبح العناصر المتعددة أدباً بما يضاف إليها في زمن رقمي لا يسائل الأصول، متطلعة إلى مستقبل تعبِّر فيه عن ذاتها في سياق مغاير، معلنةً عن جدل الحضور والغياب والتداعي والتجدد في آن، لا بمعنى صراع الأجيال؛ بل بمعنى الخروج من المعقول إلى اللا معقول. هكذا اتفقت الرواية الرقمية والشعر الرقمي مع التكنولوجيا؛ لتخلق فضاءاتها المتعاقبة، محددة ببدايات يستهلها السديم، ونهايات مجهولة قيد الاكتشاف. قد شبه فلوبير الأشكالَ الأدبية بالدورق الممتلئ بالماء أو النبيذ، فكسر تلك الأشكال لا يحرِّر الماء المنسكب من الدورق فحسب، وإنما قد ينتج عنه أيضاً شظايا لا بد أن تجرح أصابعنا بواسطتها.

هذا لا يعني أن علينا أن نخشى الانتقال من قالب إلى آخر، رغم أن طبيعة الأدب تستند إلى التقاليد، بينما تفصح طبيعة الأدب الرقمي عن نص يختفي فيه مفهوم الكاتب، ليحلّ بدلاً منه صانع النص، كما يختفي فيه مفهوم القارئ، ليحل محله مفهوم المستعمل، وتستدعي حضوراً لخبير في البرمجة المعلوماتية، ومبدعاً خاصاً بالموسيقى والصورة؛ فثمة خطابٌ ثلاثي الأبعاد، لذا لا يمكننا أن نتحدث عن المتخيّل في الرواية الرقمية أو الشعر الرقمي، ولا عن الأسلوب والأفكار، فتطور الأدب الرقمي ما زال منحصراً في الأدوات لا في المفاهيم والنظريات، بما يندرج تحت ظاهرة العولمة، عولمة المعلومات والمعرفة؛ فهو (ديزاين) تكنولوجي نابض بالصوت والصورة، وكل هذا يندرج في بلاغة مضادة للبلاغة التقليدية؛ قوامها حوار الخطابات، وعقد نصية، ومقاطع فيديو وأغان. فهي المتخيل الخالص، المبرأ من خارجه، بتعددية العناصر في فضاء مفتوح لا يكف عن التغيُّر بتركيبات لا متناهية. صحيح أن تلك المزايا التي يتحلى بها الأدب الرقمي، ليست إلا مزايا تقنية لا يمكنها أن تصل إلى الجميع، أعني المبحر أو المستعمل، حسب توصيف الأدب الرقمي للقارئ، إذا ما كان جاهلاً باستخدام روابط تصويرية مشهدية وروابط ناقلة إلى نصوص حركية، وروابط تجاور نص المتن. وهناك مركز يشدّ هذه الروابط جميعاً. 

وهنا ندخل مستوى آخر من الاعتبارات في جعل الأدب الرقمي متاحاً لمن يملك المعرفة التقنية، أما مَن يصنف جاهلاً في التكنولوجيا فلا حاجة له لأن يقرأ أو لأن يبحر، وهذا التخصص سيشكل عقبةً وحاجزاً في انتشار هذا النوع من الأدب. لكنها التكنولوجيا التي تخلق الزمن وتطويه، وتلغي التكرار، لتفصح عن مقولات معينة ترتبط بالفعل المتزامن، الذي يحيل تلك التركيبة الذهنية لزوماً إلى قالب، وفكرة، دون أن يتعين فيها المجاز الأدبي بلغة معينة، أو التجريد الفني الدال بلغة أخرى. إذن ليس هو القبول وليس هو الرفض الذي يجعلنا نطرح الكثير من الأسئلة حول ماهية الأدب الرقمي ومستقبله باعتباره ناشئاً، وخاضعاً لمنطق الخطأ والتجريب، عدا أن الأعمال الرقمية ما زالت قليلة في العالم العربي؛ لكن ما قيمة هذه الأسئلة؟ وماذا تعني؟ هذه أيضاً أسئلة أخرى تحتاج إلى دورة من الزمن، حتى يتقصى الزمان نفسه ويختبرها. إذ إن الأدب الرقمي لن يتوقف عند شكل معين؛ لأن ما يميزه قدرته الدائمة على اتخاذ أشكال مختلفة باستخدام الصيغ المختلفة للتقنيات الرقمية التي لم تستخدم بعد، وهي في تطور مستمر، مشكلة هوية فكرية يتماهى فيها العلم والأدب في عصر جديد، هو العصر الرقمي، وفي مجتمع جديد هو المجتمع الرقمي.