Skip to content Skip to footer

قراءة نقدية في كتاب “السلطة في الإسلام” لعبد الإله بلقزيز | د. لويس صليبا

“السلطة في الإسلام: نظرة مقارِنة باليهودية والمسيحية”، تأليف عبد الإله بلقزيز، سلسلة “نحو إسلاميات نقدية2″، صدر عن منتدى المعارف في بيروت، 2023، في 447ص. كتابٌ موسوعي ضخمٌ وجيِّد التوثيق ومن قسمَين، وتصعب مراجعته في مقالة واحدة؛ لذا سنقتصر في هذه المقالة على القسم الأول: السياسي والديني في الأديان التوحيدية: التعاليم والتاريخ.


 

يبدأ المؤلف بحثه بالتركيز على أهمية المقارنة في البحوث في الآداب وعلوم الأديان وسائر العلوم الإنسانية؛ فيقول (ص14): “لمّا كانت معرفة الظاهرة، أي ظاهرة، تتعزَّز وترحب إمكاناً كلما سلكت لنفسها طريق مقارنتها بغيرها؛ كان لا بد من مقارنات جزئية نعقدها بين تجربة السلطة في الإسلام وتجربتها في اليهودية والمسيحية قبل ذلك، من أجل أن تمدنا هذه المقارنة بالإضاءة الضرورية للوضع الخاص للسلطة ولعلاقتها بالدين في الإسلام وما يشترك فيه أو يختلف فيه مع غيره من الأديان التوحيدية على هذا الصعيد”. ونحن لا يسعنا إلا أن نوافقه تماماً على هذا الطرح؛ لا بل إننا لنذهب إلى أبعد من ذلك، فالعقل البشري بطبيعته، ومن حيث الموروث المتناقل منذ القدم، يتعلَّم بالحري بالمقارنة، فإذا شاء المرء مثلاً أن يدرس لغة جديدة فهو يتعلمها غالباً بالمقارنة بلغته، وكذا القول في دراسته لأي دين آخر. بيد أن المشكلة الكبرى في علوم الأديان بالعربية، أن الباحثين لم يألفوا المقارنة المحايدة، ودراساتهم في هذا المجال هي بالحري مفاضلة وليست مقارنة؛ فهم يقارنون دينهم بأي دين آخر ليبيِّنوا تفوُّق الأول على الثاني، وأفضلية ذاك على هذا. وليست هذه المقاربة من العلم في شيء. والسؤال البديهي الذي يطرحه كل قارئ رصين عندما يرى مصنَّفاً عربيّاً في مقارنة الأديان: إلى أي مدى نجا من وباء المفاضلة التي تنتقل عدواها بأسرع من الكورونا، ولم نجد بَعدُ لها لقاحاً واقياً أو حامياً في دنيا العرب وأرض الإسلام. فإلى أي مدى كان باحثنا العزيز محصّناً ضدّ هذا الوباء؟! هذا ما سنسعى إلى أن نتبيَّنه. والقاعدة المهمة الثانية التي يطرحها بلقزيز في مقدمته هي وجوب التمييز بين الدين كنصّ، وهذا الدين عينه كتاريخ ونظامٍ مَعيش. فإسلام النصّ شيء، وإسلام التاريخ شيء آخر؛ وهذا الأمر ينسحب أيضاً على المسيحية وسائر الأديان، يقول (ص14): “الدين ليس محض نصوص وتعاليم فحسب؛ بل تمثلات المؤمنين بها واصطحابهم إياها في معيشهم، وبالتالي ما يقع في تلك التمثلات من تبدلات يفرضها تغيُّر شروط المكان والزمان” هل هي مسألة تكيُّف يفرضها تغيُّر الزمان والمكان؟ إنه بلا ريب عامل من العوامل؛ ولكن ثمّة أخرى (ص18): “الفجوة كبيرة بين النصّ الديني والتجربة التاريخية للجماعة الدينية. وبيان ذلك أن تاريخ المسلمين ينطوي على كثافة سياسية عالية فيما لا حامل عليها من آمر ديني، بل لا وجود لِمَعْلم من معالم التسويغ الديني لذلك”. والفكر السياسي الإسلامي، كان بالحري عملانيّاً يرتبط بالواقع أكثر مما كان ملتصقاً بالنصّ (ص16): “والحقّ أننا لو استثنينا نسبيّاً علمَي الكلام والفقه اللذين ظلا شديدَي الاتصال بالنصّ الديني، ألفينا أن أكثر الفكر الإسلامي انصرافاً إلى السياسة لم يكن مشدوداً إلى ذلك النصّ الديني؛ بل أكثر انصرافه كان إلى الواقع التاريخي وما يفرضه من أحكام، وما يرتِّبه على الجماعة الإسلامية من وجوه التدافع لحماية المصالح وتعظيمها”.

ويبدأ الكاتب بدراسة السلطة في اليهودية، فيرى أنه وفي نظرة مقارِنة بسائر الديانات (ص27): “ليس من ديانةٍ في التاريخ، كتابية أو غير كتابية، احتلت فيها السياسة (والدولة) محلَّ القلب من تعاليمها ومن تاريخ الجماعة المؤمنة بها مثل اليهودية. ولقد بلغ من كثافة حضور السياسي فيها حدّاً تبدَّت فيه المماهاة كاملة بين الدين والسياسة”. وهي ملحوظة في محلِّها، فقارئ العهد القديم (الكتاب المقدَّس) يطالعه هذا الاختلاط الدائم بين السياسة والدين وبين الديني والدنيوي. والباحث يتوقَّف عند ظاهرة مسح الأنبياء للملوك، فيرى فيها مؤشراً واضحاً على هذا التداخل (ص32): “لقد كان تقليد مسح الملوك من قبل الأنبياء تعبيراً عن تدخُّل الدين في السياسة وفي يوميات بني إسرائيل، وهو استمر إلى زمن السبي البابلي، قبل أن يتخذ شكلاً جديداً”. وهذا الحضور الدائم والمتواصل يراه بلقزيز ظاهرةً ميَّزت اليهودية عن الديانتَين الإبراهيميَّتَين الأُخريَين (ص29-30): “وحين يقف قارئ أسفار الشريعة والأسفار التاريخية على الكم الهائل من الأنبياء الذين قاموا بأدوار في تاريخ بني إسرائيل، سيقف على أول فارق بين اليهودية من جهة والمسيحية والإسلام من جهةٍ ثانية؛ هو غياب ظاهرة الأنبياء في الدينَين الأخيرَين، وارتباطهما بالنبي/ الرسول الواحد عيسى ومحمد”. 

ولا نرى أن الباحث قد جانب الصواب في ملاحظته هذه، بيد أننا نضيف إلى قوله هذا أن شخصية المسيح حضوراً ورسالة كانت الحد الفاصل وخاتمة لظاهرة النبوة والأنبياء وتواليهم في اليهودية، فبعد يسوع الناصري لم نعد نسمع بظهور أنبياء في بني إسرائيل، وكأنه أنهى عهدهم، وهو الذي علَّم وكرَّر: {احترزوا الأنبياء الكذبة، يأتونكم بثياب الحملان، وهم في داخلهم ذئاب خاطفة} (متى7/15-16). وبلقزيز يتوقَّف عند هذه الظاهرة ويستقرأها ويحسن استخلاص العِبَر منها (ص33-34): “يبدو من قراءة العهد القديم أن ظاهرة النبوة والأنبياء في بني إسرائيل كانت شديدة الانتشار في تاريخهم كله، وأن كثيرين انتحلوها لأنفسهم لما يتأتّى من حملها من جزيل العائدات المادية والرمزية. لقد كانت بمعنى من المعاني رأسمالاً (…) لذلك كثرت نصوص التشنيع الديني على الأنبياء الكذبة في بني إسرائيل، وتولَّى الرد عليهم أنبياء آخرون، ولكن باسم الرب يهوه”. 

وتاريخ اليهود الوسيط والحديث يبيِّن أن ظاهرة هؤلاء “الأنبياء” استمرت ولحقبة طويلة بعد نهاية زمن أنبياء إسرائيل “المعتبَرين”. واستمرار هذه الظاهرة وامتدادها وحذر اليهود وتحسُّسهم منها من شأنه أن يسلِّط أضواء كاشفة على موقفهم من رسول الإسلام، وبالتالي دخولهم في صراعٍ شرسٍ معه. ومما يُحسن الباحث لحظه في عرضه ودراسته للسلطة في اليهودية قوله (ص50): “يهوه مفارقٌ للعالم في تعاليم موسى، ومن هنا فكرة التوحيد. ولكنه محايثٌ له في الوقت عينه، متدخِّلٌ في كل تفاصيل حياة شعبه، حتى إن له مسكناً في وسطه يحمله الكهنة أينما شدّت جماعة بني إسرائيل رحالها”. ولا نملك سوى أن نوافقه في ما ذهب إليه هنا، بيد أننا نضيف: ألم يرث الإسلام هذه المحايثة لله، والقرآن يُدخله في كل كبيرة وصغيرة؛ لا بل وحتى في ما يخطر له في سريرته وفي خلجات قلبه؟ {وما رميتَ إذ رميت ولكن الله رمى} (الأنفال 8/17). ويبقى عرض بلقزيز لليهودية وتحليله للسلطة فيها يتَّسم بموضوعية واضحة وبحياد رزين لم نألفهما في سائر المؤلفات العربية الحافلة بمؤثِّرات معاداة السامية. ولنا على عرضه ملاحظتان: الأولى؛ أنه يرجع غالباً إلى كمال الصليبي (ص40، 41، وغيرهما) وهو ليس بمرجع معتمد في دراسات الكتاب المقدَّس كما سنرى. والثانية؛ طريقته في تخريج الآيات: مثلاً (ص34): “سفر إرميا الإصحاح 23، آ [آية]: 16”. فلا ضرورة لكل هذه التفاصيل، وطريقته هذه ليست هي المألوفة ولا المتداولة؛ لا في دراسات الكتاب المقدس العربية ولا الأجنبية، وكان من الأبسط والأولى أن يخرّج هذه الآية كما يلي: (إرميا23/16). فضلاً عن أن لفظة إصحاح (أو إصحاح) سريانية، وقد استخدمت في الترجمات العربية القديمة، واستعيض عنها اليوم بكلمة “فصل”. ويبقى السؤال الأبرز، عن أية ترجمة ينقل الباحث هذا الكم الكبير من الآيات من العهدَين القديم والجديد؛ فهو لا يذكر ذلك لا في المتن ولا الهوامش ولا البيبلوغرافيا. وننتقل إلى عرض الباحث للسلطة والسياسة في المسيحية. وهو يشير بداية إلى منهجيته في ذلك، قائلاً (ص60): “سنسلِّم بالرواية الرسمية التي اعتمدتها الكنائس الكبرى، وبالمصادر الأساس التي صادقت على مرجعيتها من غير جدلٍ في الأمر. ولكن لا لصحة هذه من وجهة نظر البحث التاريخي؛ بل لأنها هي التي كوَّنت الوعي المسيحي عبر التاريخ”.

وهو موقف سليم 100%. بيد أننا بالمقابل، وكما أشرنا، نجده كثيراً ما يرجع في عرضه ويستند إلى طروحات كمال الصليبي في البحث عن يسوع وغيره (ص64، 73، إلخ). وطروحات الصليبي تنسف رواية الكنائس الكبرى الرسمية، وترفضها هذه الكنائس رفضاً باتّاً. ومن يعرض للمسيحية استناداً إلى الصليبي كمن يعرض للإسلام استناداً إلى ابن الراوندي. وهو يركِّز على التحوُّل الكبير في المسيحية من حيث علاقتها بالسلطة وموقفها منها مع تنصُّر الإمبراطور الروماني قسطنطين، ويطرح التساؤل التالي (ص85): “هل الإمبراطورية هي التي تنصَّرت، أم المسيحية التي ترومنت Romanisée؟ والفارق كبير بين الحالتَين، وتنجم من حدَّيه حقائق وأوضاع متباينة”. والباحث يرجِّح بالأحرى الاحتمال الثاني، ويظهر ذلك في قوله معقّباً (ص86): “مع صيرورة المسيحية ديانة رسمية للدولة الرومانية في العقد الثاني من ق4م سينشأ النمط الأول من أنماط الصلة بين السياسي والديني في التجربة المسيحية؛ هو نمط تبعية الديني (الكنيسة) للسياسي (الدولة)”. ويتابع بلقزيز قائلاً (ص87): “وقد دشَّنت هذه الصلة نمطاً من الحكم المهجَّن عُرف في دراسات التاريخ الديني باسم البابوية القيصرية Césaropapisme؛ حيث القيصر الإمبراطور رأس الدولة ورأس الكنيسة في الوقت عينه”. وقد يجد الباحثُ أن هذه المقولة تنطبق بالأحرى على كنيسة القسطنطينية البيزنطية أكثر مما تنطبق على كنيسة روما ورأسها البابا؛ لا سيما أن هذا الأخير أخذ عن الإمبراطور لقب “الحبر الأعظم”. بيد أنها تبقى مقولة مقبولة. ويستوقفنا في هذا الصدد مقارنة المؤلّف (ص18): “المسيحية والإسلام يتشابهان إلى حدٍّ بعيد في هذه المسافة الكبيرة الفاصلة بين النصّ الديني والتجربة التاريخية السياسية، ولا نكاد نعثر على اختلاف بينهما سوى في أنه كان لنبي الإسلام ما لم يكن لنبي المسيحية من دور في القيادة السياسية لأتباعه”. ويشرح بلقزيز لاحقاً ما عناه بهذا الاختلاف، فيقول (ص113): “الجديد أن الإسلام لم ينتظر قسطنطيناً [قسطنطين] يخرج من صُلبه فيحمله إلى الآفاق. فلقد كان الرسول هو قسطنطين نفسه بعبارة برنارد لويس؛ فأقام سلطةً أمسك فيها بكل شيء”. ونرى أن الباحث قد أجاد المقارنة والحديث عن تشابه الديانتَين وتمايزهما في آن. قسطنطين كان بداية التحوُّل الكبير في المسيحية؛ ولا سيما في تعاطيها مع السلطة وموقفها من السياسي. أما الرسول محمد فكان نبيّ الإسلام وقسطنطينه في آن.