تمكَّن المخيال البشري عبر التاريخ من تكوين علاقاتٍ متنوعة مع كل تفاصيل وكائنات الطبيعة، الجامدة والحية، منذ بدء وجوده على الأرض، هذه العلاقات تأثَّرت بانطباع الإنسان الفطري أولاً وبأفكاره وهواجسه ثانياً، حول الظواهر التي لم يستطع تقديم تفسير لها؛ إذ كان هذا الجهل المصبوغ بالخوف سبباً في اتّخاذ عناصر دون غيرها رمزيةً أو معنًى، ضمن سياقٍ تفرضه البيئة والظروف التاريخية؛ بمعنى أنّ الإنسان تمكَّن مِن انتخاب بعض العناصر المشكِّلة للمكان المحيط به، ليضفي عليها بعض القدسية ويربطها بالقوى الغيبية التي تعني بالنسبة إليه تلك الآلهة التي تستطيع التحكُّم بمصيره، وقد تلحق به الأذى والعقاب، أو تمنّ عليه بالنعم في حال رضاها عنه. عادةً ما يتحوَّل كائنٌ أو عنصرٌ ما إلى رمزٍ عند الإنسان في الوقت الذي يعترض حادثٌ شاذٌّ سياق يومياته الروتينية المتشابهة التي تمنحه الشعور بالأمان فلا تشكل خطراً أو تهديداً.
وكما يقول كارل يونغ في كتابه “علم النفس التحليلي” فإنّ “البدائيّ كيَّف نفسه مع الطبيعة على أساس جريانها وَفق السنن العامة، لذلك فإن أخشى ما كان يخشاه هو المصادفة أو القوة الاعتباطية التي يرى فيها عاملاً تحكمياً لا يمكن التحسُّب له”. ثمة قصة وثنية تعود إلى زمن الجاهلية عن رجل يُدعى إساف بن بغاء من قبيلة جُرْهُم، زنَى داخل الكعبة بامرأة من نفس القبيلة تُدعى نائلة بنت ذئب، فمُسِخا حَجرَين على الفور، ولقد وردت في كتاب “أخبار مكة وما جاء فيها مِن الآثار” للإمام أبي الوليد محمد بن عبد الله الأزرقي/ دراسة وتحقيق عبد الملك بن دهيش، عدة مرويّات حول الحادثة تشرح كيف تمّ إخراج حَجرَي إساف ونائلة مِن الكعبة، فنُصِب أحدهما على الصفا والآخر على المروة؛ كي يعتبر الناس بهما ويمتنعوا عن ارتكاب أفعال مشينة في مكان محرّم. مع الوقت تغيّر موقف الناس مِن الصنمَين اللذين يرمزان إلى السلوك الدنس والأشخاص المنبوذين؛ إذ أصبحت علاقة الناس بهما تتسم بالتقديس، حيث جاء في كتاب أخبار مكة: “فلم يزل الأمر يُدْرس ويتقادم حتى صارا يُمسحان؛ يَمتسح بهما مَن وقف على الصفا والمروة، ثم صارا وثنَين يُعبدان” بعد ذلك نُقِل الصنمان فأصبح أحدهما لِصق الكعبة والآخر في موضع زمزم، وأصبحت تُقدّم الأضاحي ويُنحر عندهما “وكان الطائف إذا طاف بالبيت يبدأ بإساف فيستلمه، فإذا فرغ بطوافه ختم بنائلة فاستلمها، فكانا كذلك حتى كان يوم الفتح فكسرهما رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مع ما كسر من الأصنام”.
هذه الحادثة، إضافةً إلى ظواهر أخرى مشابهة متكررة، تجعلنا نقف أمام السؤال التالي: ما إشكالية هذا التفاوت في قناعات الإنسان، بما يفرض عليه تغيير تصوّراته أو معتقداته، وحتى طقوسه، فيتحول المدنَّس لديه إلى مقدس أو العكس؟
تأتي قوة الرمز، في شقَّيها المبجّل أو المحقّر، مِن خلاصة التجارب الدينية والدلالات المعرفية والثقافية للجماعات البشرية التي تمنحه هذه الأهمية؛ حيث تكتسب العناصر رمزيةً متفاوتةً في قيمتها، تبعاً لاختلاف المكان والثقافة. يبدأ تقديس مكانٍ أو حجرٍ أو شجرةٍ أو إنسانٍ، أو أيّ نوعٍ من الحيوانات، انطلاقاً مِن تجلّي إلهٍ أو قوّة غيبية فيها، أو نتيجة الشعور بالرعب حيالها بسبب ملابساتٍ خاصّة وغامضة؛ الأمر الذي يجعل أحد تلك العناصر قناةً أو جسراً لحدوث تواصل بين البشر والمعبود بِغضّ النظر عن طبيعة ذلك المعبود. وأحياناً لا حاجة لحدوث هذا التجلي من أجل أن يكتسب الشيء أو المكان قداسة؛ بل يكفي أن تظهر علامة مميزة أو غير اعتيادية تفوق قدرة الإنسان على الإحاطة بغرابتها أو وضع شروحاتٍ منطقية لها. ومِن المعروف أن الإنسان يميل إلى جعل المكان الذي يعيش فيه منسجماً مع ثقافته وعقائده، لذلك راح يبني المعابد أو يقيم الشعائر المناسبة أو يصنع رموزه المقدسة، ويزرعها في كل مكان ينتقل إليه كي يمنح البيئة المحيطة به قدسيةً تضمن له الأمن والأمان الذي يحتاج إليهما، بمعنى أنه يقوم بتكريس هذا المكان عبر ممارسة الطقوس الكفيلة بجعل الآلهة ترضى عنه، فمثلما يُقدِّم نصب الصلبان وإنشاء الكنائس والجوامع وإقامة الصلوات في المناطق والمدن فكرةً عن الهوية الدينية لسكانها، يذكر مرسيا إلياد في كتابه “المقدس والمدنس” كيف كان حمل الأعمدة الكونية والتنقُّل بها عند القبائل؛ أستراليا البدائية، مثل الآرونتا والآشيلبا يعبّر عن امتثال تلك القبائل لإلحاح الفكرة التي تفرض عليهم حمل العمود المقدس (كوا-أوا) معهم، أينما تنقّلوا في محاولةٍ للتشبُّه بالإله نومباكولا الذي دهن العمود بالدم وتسلّق إلى السماء، فإذا انكسر العمود، رمز القداسة بالنسبة إليهم، حلّ الشؤم وتحولت حياة القبيلة إلى سلسلة مآسٍ قد تنتهي بموت أفرادها. ومثلما توصَّل الإنسان إلى صيغةٍ رمزية تمكِّنه من العيش ضمن الحيِّز الذي يتواجد فيه، كذلك استطاع وضع قائمة تميّز المباح عن المحظور، أو الحلال عن الحرام، أو المقدس عن المدنس في طعامه وشرابه ولباسه، أو في الطقوس التي تشير إلى احتفاليةٍ معيّنة أو مناسبة دينية، أو في طبيعة الكائنات التي يراها في بيئته، ولقد تباينت تلك الرمزية بين ثقافة وأخرى. وفي كتاب فيليب سيرنج “الرموز في الفن والأديان والحياة” أمثلة كثيرة عن الرموز التي تعاملت بعض الحضارات معها بالتقديس، بينما اختلف التعاطي معها في حضارات أخرى، فالضفدع أو العلجوم، شعار الربة المصرية هيكات، يرمز إلى الحياة وبعثها من مستنقع بدئي، وينظر إليه على أنه حيوان قمريّ له أهميته في طقوس استدرار المطر، إنما يمكن أيضاً لهذا الضفدع أو العلجوم أن يتضمن دلالات سيئة، إذ كان يرمز للشياطين في فنِّ القرون الوسطى المسيحي. “ولقد مثّل الرسام برامنتينو 1465-1530 م في لوحته المادونا أو السيدة العذراء على عرشين مع قديسين قربهم ضفدعة ميتة، وهي تشير إلى انتصار الخير على الشر/ معرض الرسم الامبرازي في ميلان”.
كما يُعتبر العلجوم من بين الحيوانات الشرّيرة المرسلة من قبل هريمان إله الشر، ضد أعمال أهوار- مازدا إله الخير في الأساطير الفارسية. والسفينكس، أو أبو الهول الذي يملك رأساً بشرياً وجسد أسد أو قط، أو له جناحا عقاب وذيل ثعبان، هو مخلوقٌ أنتجته مخيلة البشر، وحمّلته عدة دلالات، وكان مؤثراً في عددٍ من الحضارات القديمة، فكلمة سفينكس عند الإغريق تشير إلى القوة، والمراد به التعبير عن “غول خانق”، ولقد استُخدم في المقابر كفزاعةٍ للأرواح، كما اكتسب “فضيلةً علاجية” واعتُمِد في الزينة واللباس كتميمةٍ لدرء الحظِّ السيئ عند الأتروسكيين، وحُفِر رسم السفينكس على الأسلحة والخوذ؛ مثل خوذة أشيل وتماثيل منيرفا، من أجل إبعاد الأعمال الشريرة، لكنّ هذه الرمزية سوف تفقد قيمتها لاحقاً ولا يبقى منها إلّا الشكل التزييني في الفن الهلنيستي والروماني، ومن جهةٍ ثانية فلقد حمل السفينكس لواء الشهوة أو الشبق في رمزيات الفضائل والخطايا اليونانية، وأصبح مرتبطاً بأفروديت؛ حيث جرى صك رسمٍ يمثل أفروديت بين اسفنكسين على نقود كاري وسيليسيا. في مصر اتّخذ السفينكس “أبو الهول” رمز القوة الملكية، واعتُبر أحد أشكال إله الشمس وشريك حورس في الأفق أو حارس المعابد أو المقرات الملكية، هذه الرمزية للسفينكس تشابهت لدى عدة شعوب قديمة في سوريا ورودس وقبرص، ويوجد في متحف باردو عرش إلهي قرطاجي لبعل هامون محاط باسفينكسين. لفت سيرنج في كتابه إلى أنّ جسد الإنسان ذاته، أو حتى أحد أعضائه، قد حمل، أحياناً، رمزيةً لها أبعادها السامية؛ إذ أخذ العري في بعض الثقافات قيمةً قدسيةً، تعبّر عن حُبِّ الخالق الموجود في لحم الإنسان، لذلك فإن التخلص من الثياب يعني التخلص من الحاجز المصنوع الذي يفصل الإنسان عن بقية المخلوقات. يشير العري إلى ازدراء العالم، فللجسد العاري مظهر النقاوة- نقاوة آدم وحواء قبل الخطيئة.
وتزخر المتاحف والآثار والأوابد التاريخية في كثير من البلاد، كاليونان وروما والهند، بتماثيل عارية تمثل ألوهية الأرباب الذكور وقدسية الربّات الإناث، و”في الألف الثالثة قبل الميلاد كان العري متوجباً للمثول أمام الآلهة في عيلام وفي بلاد سومر، وفي القرون المسيحية الأولى كان مُريد التنصُّر يتلقّى التعميد بالتغطيس عارياً”. غير أن العُرْي تحوَّل في فترة لاحقة ليصبح مذموماً ويرتبط بتدنيس المقدسات، وحتى بانتهاك الحرمات. وبدأت بعض الطوائف الدينية تفرض غطاءً كاملاً للجسد. كذلك، ترمز العين إلى المعرفة الجسدية في الديانات الهندية، والشمس هي عين الألوهة في عدة ديانات، مثلاً عين حورس، وعين الأودجا، نقيض عين الإنسان وعين الباز، تزيّن المسارح ومقدّمات السفن ومجذاف القيادة في قبر مينا الشهير في طيبة، وهي عين تحمي المعنيين بها، كما تؤمن للميت عبوراً للآخرة في المواكب الجنائزية، ورمزية العيون الحامية موجودة في معظم مرافئ البحر الأبيض المتوسط، ولقد رُسِمت كذلك على الأواني الإغريقية.
لكن ثمة نقيض لرمزية العين الحامية، ألا وهو رمزية العين الشريرة، القادرة على جلب الأمراض للناس والحيوانات، “وكثيرة هي طقوس التعزيم المخترعة في مختلف البلاد لمحاولة اتّقاء شرها”، وحتى اليوم ما زال الكثيرون من العرب والشرق أوسطيين يخشون العين الشريرة ويستخدمون التعاويذ لدرء بلائها. في كتاب “الطوطم والتابو” حاول فرويد تفسير التابو الذي يتشعَّب إلى مفهومَين متناقضَين: المقدّس المبارك، والمدنّس الخطير، ورأى أنّ التناقض بين المقدّس والمدنّس يتوافق مع تتابع مرحلتَين ميثيولوجيتَين، تكون إحداهما مُنطَلقاً وسبباً للثانية؛ بحيث تتكسَّر إحدى المرحلتَين وتنهزم أمام الأُخرى، فتتحول مواضع الإجلال إلى احتقار أو العكس. ومِن أجل فهم الدوافع النفسية للتقديس والتدنيس ومحاولة تفسير سبب خضوعنا، نحن أنفسنا، إلى المحظورات العُرفية والأخلاقية التي تبدو على صلة قرابةٍ جوهريةٍ بالتي كانت لدى الإنسان القديم، أو الإنسان الذي ما زال رازحاً تحت أثر تلك المحرمات. لفت فرويد الانتباه إلى أنّ علاقة الإنسان بما يُقدَّس أو يدنَّس تشبه أعراض عُصاب الإكراه، بسبب الأدلة على انحدار خصلة التقديس أو التدنيس من ميولٍ ذات طبيعةٍ مزدوجةٍ ومتناقضة، فالتصرُّفات الإكراهية تتميز بهذه الانفعالات والنزعات المتعارضة، ويعبّر فرويد عن ذلك بالقول: “الحظر حاضرٌ في الشعور، أما لذة اللمس فتستمر في اللاشعور”، والمقصود باللمس هنا، انتهاك المقدس أو نقض تحريمه. ثمّة لذة، إذن، في القيام بما هو محظور، وهذا الشعور موجودٌ في اللاوعي، إنما يردعه الشعور بالخوف الذي يفوق الرغبة بِخرق المحظور أو تدنيس المقدس. بذلك يخلص فرويد إلى أنّه بِحُكم العادات والتقاليد المرعية في سلالةٍ أو طائفةٍ أو قبيلة، يتمُّ توريث المقدّسات أو المدنّسات والحفاظ عليها، إذ يخضع الإنسان لسلطة العائلة والمجتمع الذي يحيط به، حتى أصبحت أشبه بما يسميه فرويد “الحكم النفسي الموروث”، إنما هذا الإرث أشبه ما يكون بسلاحٍ ذي حدَّين. وهكذا، مثلما يملك مسوّغات علوِّه وتقديسه، يأتي محمَّلاً بأسباب دنوِّه وتدنيسه.
كلمة «الوُكيسم Le wokisme»؛ يُعرِّفُها معجم لاروس الصادر سنة 2023 بأنها (أيديلوجية) تتخذ من قضايا المساواة والعدالة والدفاع عن الأقليات شعارًا لها. ويصفها معارضوها بأنها (ديانة بروتستانتية جديدة) متطرفة، تبتغي هدم الثقافة الغربية وتقويض الأساس اليهودي المسيحي الذي نهضت عليه، وأنها حركة سياسية تريد كتابة تاريخ مغاير لتاريخ (الرجل الأبيض) الذي تتهمه بالعنصرية والعرقية، وتنسب إليه كل شرور الغرب الحالية التي نعرفها؛ بدءًا من مشاكل التمييز العنصري والجنسي، وصولاً إلى قضايا البيئة والتلوث والاستغلال وغيرها من القضايا.
ويصفها البعض الآخر بأنها فكر هدام معادٍ لإرث الأنوار وفكرة الكونية، وأنها تريد إشاعة ثقافة الفوضى والاستياء وكره العالم، وأنها لا تحترم تعدد الآراء وترفض كل ما ينتمي إلى ماضي الغرب؛ (وبصورة خاصة ماضيه الاستعماري الذي عرف مختلف صنوف الاستغلال والتمييز العرقي التي لم تختفِ إلى اليوم). وتنظر إليها بعض الأوساط الفكرية الغربية؛ (وبصورة خاصة الأوساط المنتمية إلى تيار اليمين المحافظ) بمثابة (شبح) جديد يهيمن على الغرب، كمثل شبح الماركسية الذي هيمن فيما مضى، بل يفوقه خطرًا؛ فهي ترفض الاعتراف بالهويات البيولوجية، وتتحدث عن حق الفرد في (اختيار هويته الجنسية)، وتنظر إلى هذه الأخيرة على أنها نتاج تاريخ طويل من القمع والهيمنة (الذكورية السّامّة) التي تغذيها (ذكورية اللغة)، وفي هذا ما يفسر دعوتهم إلى إضافة ضمير محايد (iel في الفرنسية) لا يشير إلى جنس المخاطب؛ أو الضمير الثالث لـِ(هو) و (هي). لكن، ما حركة الصحوة هذه «Le wokisme»؟ وكيف تُعرِّفُ نفسها؟ وماهي طروحاتها الأساس؟
لا تمثل (عقيدة الصحوة) حركة فكرية لها جسدها المفاهيميّ الواضح بقدر ما تمثل (تحالفًا ظرفيًا) لتيارات فكرية وأيديولوجية مختلفة، تُشكِل في مجموعها جوهر حركة الوايك (الصحوة أو اليقظة):
أولاً: مناهضو العنصرية المعاصرة: وهم مقتنعون بأن الشرور الحالية التي يعاني منها المجتمع الغربي هي نتاج (عمل البِيض)، ويطالبونهم بالتخلي عن امتيازاتهم لصالح الأقليات، وتعويض أحفاد العبيد عن الانتهاكات التي حصلت بحقهم (بصورة خاصة في أمريكا).
ثانيًا: النسوية الجديدة التي تؤكد أن هناك نظامًا قمعيًا أقامه الرجال بهدف إدامة الهيمنة على النساء؛ وترى وجوب التخلي عن التصور الذكوري الرجالي واتخاذ إجراءات تتيح تمكين النساء من الاندماج بشكل كامل في المجتمع.
وأخيراً: حركات (الميم) و(المتحولين جنسيا+ LGBTQIA) التي ترفض الثنائية الجنسية، وتدعو لحق الفرد بتغيير جنسه لو أراد.
في الواقع، يتأسس فكر (حركة الصحوة أو اليقظة) (بصورة خاصة تيار مناهضة العنصرية، وهو المعني في هذه السطور) على تصور مفاده أن الحركات المتنوعة لحقوق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية قد فشلت في تأسيس نظام مساواة يُفضي إلى إلغاء التمييز العنصري والجنسي داخل المجتمع، بما يتيح تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعيّة، وأن النظام القائم هو نظام تمييزيٌّ يضمن توزيعاً غير متساوٍ للثروات والفرص استناداً إلى السمات البيولوجية الفردية، وفي قمة رؤيتهم الهرمية لهذا النظام المجتمعي يأتي “الذكور البيض”، والأثرياء الذين قاموا ببناء مؤسسات ونظام سياسي واجتماعي يهدف إلى تأبيد سيطرتهم وحسب، ويستنتجون -في ضوء ذلك- أنه إذا كانت عناصر البناء الاجتماعي قد تم تشكيلها من قبل الحاكمين ولصالحهم، فإن النتيجة المنطيقة لهذا البناء هي بالضرورة وجود مجتمع يعاني من مختلف صنوف (التلوث) التي ينبغي التخلص منها؛ (وبصورة خاصة العنصرية)، وفي رأيهم أن العنصرية في الغرب ليست مسألة فردية تتعلق بالسلوك والمواقف والقناعات بقدر ما هي نظام من المزايا والامتيازات الاجتماعية والاقتصادية الذي تعكسه السياسات والممارسات والإجراءات المؤسسيّة الراسخة التي لا تكفّ عن انتاج التمييز وتعزيز التحيزات والفروقات، وهي ليست أيديولوجيا بقدر ماهي بنية اجتماعية ونظام راسخ للهيمنة الأوروبية العالمية.
وهذا ما أشار إليه تشارلز ميلز في كتابه العقد العنصري إذ قال: “إن النظام السياسي الذي شَكَّلَ العالم منذ ما يزيد عن ألفي عام يقوم في جوهره على (عقد عنصري)، يهدف إلى تعزيز وإدامة تفوق الرجل الأبيض وسيطرته على الآخرين، أي بقية شعوب العالم، كما أن (العقد الاجتماعي) الذي طوره الفلاسفة الأوروبيون ينطوي، صراحة أو ضمنًا، على عقدٍ (عنصري) يقوم على التمييز والفصل بين (البِيض) و(غير البِيض)، ويعمل على تكريس استعباد الأشخاص (غير البِيض)، مما يجعل منه (عقد سيطرة) في نهاية المطاف.” ولم تبتعد روبن دي انجيلو (عالمة الاجتماع الامريكية) عن هذه الرؤية إذ كتبت في الهشاشة البيضاء: “إن العنصرية في الغرب هي القاعدة وليست الاستثناء، والهُويّة البيضاء هي هُوية عنصرية بطبيعتها؛ لأنها تتأسس بنيوياً على فكرة (تفوق البيض)، وهي تُمارَس مع وجود أيديولوجيا التفوق أو بدونها.”
إن ايديلوجية هيمنة الرجل الأبيض وتفوقه، والتمييز الجنسي والعرقي والديني، إضافة إلى أيديولوجيا الهيمنة الذكورية؛ (التي كرسها النظام الأبوي)، والسيطرة على الطبيعة وغيرها، ليست في الواقع مجرد لحظات أو محطة من تاريخ الغرب، بل هي حقيقة الغرب نفسه، (وفق رؤية أنصار الصحوة)، وأن روح الغرب هي روح افتراس وهيمنة منظمة؛ ومن هنا برزت فكرة الاستحقاق الذي ينبغي للغرب أن يؤديه تجاه الأقليات وتجاه كل أولئك المهمشين الذي كانوا ضحايا هذه الهيمنة.
ومهما اختلفت الآراء والمواقف حول تصورات وأفكار أنصار (الصحوة) فإن في آرائهم الكثير من الصواب الذي لا ينبغي تجاهله (وفق اندريه سبونفيل)؛ فالعنصرية لم تختفِ من المجتمع الغربي حتى في الدوائر الأكثر تقدمية، بل اتخذت اشكالاً أكثر حصافة ومكرًا، وكذلك الاستعمار؛ بعد أزيد من نصف قرن على انتهائه، لايزال حاضراً في الرؤوس، وفي علاقات الهيمنة السياسة والاقتصادية والثقافية بين البلدان المُستَعمِرة ومستعمراتها السابقة، التي مازالت تخضع إلى الآن إلى أقسى أنواع الاستغلال. ولا ينبغي أن ننسى أن الدول التي صنعت إمبراطوريات فيما مضى (فرنسا وبريطانيا تمثيلا لا حصرًا)، ظلت أغنى وأقوى من مستعمراتهم السابقة. ولا تمثل أمريكا الشمالية التي كانت مستعمرة بريطانية، سوى الاستثناء الذي يثبت القاعدة.
لكن حركة الصحوة تخطئ، في نظر نقادها الأكثر اعتدالًا عندما تقوم بتقسيم المجتمع وترسيخ هويات معينة استنادًا إلى أساس عرقي أو ديني أو جنسي، لدرجةٍ تخاطر معها في اعتبار أن كل أبيض أو ذكر أو غربيّ هو مذنب بالضرورة، الأمر الذي يفضي في النهاية إلى الوقوع في فخ تقسيم البشر بين (ضحايا) و(خاضعين) من جانب، في مقابل مُستغِلين ومُهيمِنين من جانب آخر، وعند هذا الحد تخاطر الحركة في الوقوع في الشرور ذاتها التي تدعي محاربتها، وتتحول هي نفسها إلى خطر يضاف إلى الأخطار الداخلية لمجتمع منقسم اصلًا؛ ذلك أن تقديم المجتمع الغربي على أنه مجتمع عنصري في جوهره أو مُعادٍ للمثلية أو للآخرين غير البيض، يفضي إلى القول بوجوب محاربته والإطاحة به، وليس هذا وحسب، فقد ذهب التطرف بأنصار هذه الحركة إلى حدِّ التشكيك في حيادية العلوم واستقلالها؛ (وبصورة خاصة، العلوم الإنسانية)، التي لم تفعِّل -وفق تصورهم- سوى تعزيز امتياز وتفوق الرجل الأبيض وهيمنته، وتكريس التمايز الجنسي، ونظروا إلى هذه العلوم على أنّها بمثابة أداة من أدوات السلطة؛ فهي علوم ولدت في رحم مؤسسات السلطة، وخدمةً لأغراضها، واستنادًا إلى هذه الرؤية رفضوا القول بوجود حقيقة موضوعية؛ لأن الحقيقة تتبع في تشكلها وتغيرها وتطورها علاقات السلطة ونظام الهيمنة الذي يفرضها بوصفها حقيقة؛ ولهذا فقد دعَوا إلى القطيعة مع فكرة (حقيقة موضوعية) أو (قيم كونية) يمكن تعميمها، لفائدة (حقائق نسبية)، كما نادوا بضرورة الخروج من فكر الأنوار الذي رسخ مثل هذه الادعاء الذي لم يكن في الواقع سوى أداة سيطرة وإقصاء عززها العقل الأدواتيّ المستند إلى الحجج والبراهين. وأما بخصوص من يزعمون خلاف ذلك باسم العقل أو قيم الدولة ومُثُلها؛ فهم في الواقع عنصريون يجهلون أنهم كذلك؛ إذ يعتقدون أنهم أصحاب نزعات كونية، لكنهم في الواقع ليسوا سوى أصحاب بشرة بيضاء مصابون بعمى الألوان والعنصرية، أو كره الإسلام الذي لا ينكرونه، بل يتباهون به.
في الواقع تفضي طروحات حركة (الصحوة) هذه، (وتحت ستار مناهضة العنصرية والكفاح ضد كافة أشكال التمييز)، إلى نوع من التناقض والمفارقة؛ لكونها تنتهي إلى إضفاء الطابع العرقي أو الهُوياتيّ أو المجتمعيّ الضيق على النقاشات، إلى الحدِّ الذي يفضي إلى خلق تمييز عنصري جديد، من قبيل تنظيم اجتماعات (أحادية الجنس)، أو أنشطة محظورة على البِيض، وهم بذلك يخاطرون بتحويل الصراع الطبقي، الذي تحدث عنه ماركس وانجلز في البيان إلى صراع (أجناس) أو (أنواع)؛ (جندر)، أو صراع كيانات وحركات وتوجهات.
كل هذا يرسم الكثير من الشكوك ويثير القلق بشأن هذه الحركة في الأوساط الفكرية، (وبصورة خاصة في فرنسا). وبعيدًا عن القول: إنّ هذه الحركة تمثل تعبيرًا عن التناقضات الحادة داخل المجتمع الغربي، فإنها تشير في المقابل إلى حيوية هذا المجتمع الذي لا يكفّ -بالرغم من أزماته- عن إخضاع تاريخه وتصوراته وقيمه لمُساءلة دائمة. وهذا يدفعني إلى التساؤل -بصرف النظر عن انحرافات هذه الحركة-: متى نمارس نحن العرب نقداً ذاتياً بخصوص ظواهرنا المَرضيّة المُتعلقة بالتعصب في أشكاله كافة، وكذلك في مختلف صنوف الاستغلال والهيمنة والقمع السياسي؟