الكتاب: تاريخ الجنسانية.. إرادة المعرفة المؤلف: ميشيل فوكو ترجمة: سلمان حرفوش الناشر: دار التنوير للطباعة والنشر/ مصر الطبعة الأولى: 2017
لم يحدث تطور معرفي مهم بعد سيجموند فرويد في موضوع الجنسانية حتى ظهور ميشيل فوكو. وهذا ليس تلميحاً إلى أن فوكو جاء لاستكمال ما بدأه فرويد، فليس طموح فوكو على أية حال أن يكون صدى لفرويد؛ بل إن فوكو سيبدأ من حيث انتهى فرويد، أو بالأحرى من حيث عجز فرويد. سيكون الاهتمام بالجنس عند فوكو ليس من منظور بيولوجي خالص كما فعل فرويد؛ بل من خلال ظهوره في التاريخ. تناول الكتاب الموسوم “تاريخ الجنسانية”، تاريخَ الثقافة الغربية في هذا الحقل؛ حيث سلَّط الضوء على مواضيع السجن والجنس والعقاب.
وقد ارتبط اسم فوكو بالحركات البنيوية متجاوزاً بذلك الفلسفة؛ ليشمل تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية، حيث بتحليل الخطاب باستخدام المنهج الأركيولوجي والجينيالوجيا، مشيراً إلى التحولات المسؤولة عن التاريخ الحقيقي للثقافة الغربية. يعتبر كتاب “تاريخ الجنسانية، إرادة المعرفة” من أهم الكتب التي بحثت في تحليل العلاقات في مجال الجنسانية. وتنطلق أفكار فوكو من تصوره ونظرته العميقة للإنسان والفن والجسد، والسجن والحرية الفردية والجينالوجيا، والنشاط الجنسي والزواج والعلاقات العاطفية والحب والأخلاق، وقد راقت له أفكار هيجل وهيدغر، وفريدريك نيتشه، ونادى بضرورة إزالة كل العوائق التي تقف في وجه الإنسان وتحد من حريته، كالسجن مثلاً أو أية مؤسسة من مؤسسات الترويض التي تتخذ من مسمى إنسانية ذريعة لتحقيق أهدافها في الحراسة والعقاب.
أشار فوكو إلى مجموعة من هذه المؤسسات الاجتماعية، وخص منها: المصحات النفسية، المشافي، السجون، وسلط الضوء على العقوبات والممارسات الاجتماعية التي تمارس في السجون، مبتكراً مصطلح “أركيولوجية المعرفة”. وقد لاقت آراؤه ودراساته في مجال السلطة والعلاقة بينها وبين المعرفة قبولاً واسعاً، كما تم مناقشة أفكاره عن “الخطاب” وعلاقته بتاريخ الفكر الغربي، ولقي ترحيباً كبيراً وأصداء واسعة. وكان استعرض في كتابه “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي”، “حب الغلمان عند اليونان”، إضافة إلى معالجته موضوع الجدلية المعاصرة في “تاريخ الجنسانية”، وقد تأثر بالبنيوية بصورة كبيرة.
يحتل كتاب “تاريخ الجنسانية، إرادة المعرفة”، مكانة كبيرة عند الباحثين في مجالات متعددة؛ خصوصاً في مجال العلوم الإنسانية، وتشمل علم الاجتماع وعلم النفس، كذلك الفروع الأكاديمية. وقد تم تضمينه ضمن نطاق تخصص العلوم الإنسانية والتي تتفرع عنها تخصصات علم النفس وعلم الاجتماع، وتخصصات أخرى. حاول “فوكو” في الجزء الأول من كتابه “تاريخ الجنسانية” إبعاد وعزل ما يسمِّيه “الفرضية القَمعية”، وقد اعتبرت الجنس في العصر الفيكتوري وما بعده بفترة عالم سفلي خفي، تقمعه سلطات فورية وتمارس عليه جبروتها، وتقوم بمنعه وتحاصره، وحارب فوكو هذا التصوُّر الذي شاع بين المؤرِّخين، مشيراً بدوره إلى الواقع المجتمعي الذي تطور ونما في مطلع القرن التاسع عشر، والذي لم يقف عائقاً في وجه الجنس أو معارضاً، وتم الاعتراف به. وقد حاول فوكو إيجاد شبكة تبحث في النشاط الجنسي، سماها ﺑ”الجنسانية”، ويقصد بها “إرادة المعرفة”؛ وبمعنى أدق معرفة النشاط الجنسي وضَبْطه.
هذا وقد قسم فوكو الجنس بين ثلاث مراحل والتي تنطلق من مرحلة الأفعال الجنسية أو (الأفروديسية) ومرحلة الجسد أو الرغبة. ومرحلة الجنسانية. كما ركز فوكو على موضوع تحليل القوة بأشكالها التاريخية والحديثة كافة، محاولاً البحث في أسباب نشأتها وكيفية تطورها باعتبارها شكلاً من أشكال السلطة السابقة. وفي نطاق نظريته عن السلطة، وصف فوكو ثلاثة أنواع من السلطة في تحليلاته التجريبية: منها السلطة التأديبية، والسلطة السيادية، والسلطة الحيوية. ويعتبر ميشيل فوكو فيلسوفاً وناقداً اجتماعياً وعلماً يحسب له حساب في فكر القرن العشرين، وقد اعتنى بدراسة التطور التاريخي لمفاهيم عدة؛ منها: السلطة والمعرفة والجنسانية. وهو ينتمي إلى مدرسة ما بعد الحداثة، وهو من مؤسسي دراسات الجندر، كما يعتبر مؤرخاً ومُنَظّراً اجتماعياً. وقد رفض كل الألقاب، معتبراً أفكاره نقداً تاريخياً للحداثة.
ويعد فوكو أحد أهم المفكرين الذين تناولوا قضية الجنسانية في حين تم اعتبار كتاب “تاريخ الجنسانية” من أهم المشاركات في تاريخ الأخلاق الغربية، كذلك اعتبر واحداً من أهم المحاولات اللافتة في تحليل العلاقات الواقعة بين إنتاج المفاهيم وتاريخ المجتمع في مجال الجنسانية. استعرض ميشيل فوكو من خلال تسلسل التطور التاريخي للخطاب الجنسي مواقف وخلفيات السلطة والاقتصاد والمعرفة الجنسية في المجتمع الأوروبي، ابتداء العصر الفيكتوري البارد وانتهاء بالعصر الحديث، الصاخب. حاول فوكو من خلال الكتاب التركيز على فكرة تعميق وتطوير فلسفة التحليل النفسي بالاستناد إلى البحث التاريخي الدقيق، مشيراً إلى اعتباره عملية تطوير وتعميق لآفاق الحرية والمعرفة وتحقيق آفاق مستقبلية، وقد أشار إلى ذلك ضمن مقولته الشهيرة: “إذا كان الجنس مقموعاً بكل ذلك التشدّد، فما ذاك إلا لأنه لا يمكن التوفيق بينه وبين التشغيل العام والمكثّف؛ إذْ في تلك الحقبة التي بدأ فيها الاستغلال المنهجي لقوّة العمل، هل كان بالإمكان السماح لقوة العمل كي تمضي منصرفة إلى الملذّات؟”. كما يضيف: “هكذا تمت مصادرة الحياة الجنسية، وإغراقها بالكامل تحت وقار الوظيفة التناسلية. وفي النطاق الاجتماعي، كما في قلب كلّ منزل، ثمّة مكان وحيد للحياة الجنسية المعترف بها. مكانٌ ذو منفعة وإخصاب: حجرة نوم الوالدين. وأمّا ما سوى ذلك فلم يعد له إلّا أن يتوارى ويختفي.
وها هي المواقف المؤدّبة تتحاشى الإشارة إلى الجسد، كما أن الكلمات المحتشمة تعمل على تبييض الأحاديث”. ويعرف فوكو “الجنسانية ” على أنها مجموعة من الممارسات والاعتقادات توثق الفروق الجنسانية وتثبتها في المجتمع، كما يعرفها على أنها تقوم على تحديد الأدوار الجنسية المتوقعة والمفروضة على الأفراد. مشيراً على أنها نتاج للثقافة والسلطة والعلاقات الاجتماعية، ولا تتمتع بخصوصية بيولوجية ثابتة لا تتجاوز المفهوم الاجتماعي. وبناء عليه، يتوجب علينا تحليل الجنسانية بشكل نقدي ومحاولة معرفة القوى والمصالح التي تقف خلفها، والمحاولة على تغييرها من أجل تحقيق المساواة بين الجنسَين.
لم يكن هدف فوكو من نشر كتاب “تاريخ الجنسانية، إرادة المعرفة” إعادة بناء تاريخ السلوكيات والممارسات الجنسية، أو تحليل مجموعة الأفكار (العلمية، الدينية، أو الفلسفية) بقدر ما كان الهدف محاولة لفهم كيف تشكل في المجتمعات الغربية الحديثة، شيء مثل “تجربة ” الجنسانية”، بينما اعتبر الحديث عن الجنسانية، بما يشبه خوض تجربة فريدة تاريخياً، يتوجب كتابتها حيث إنها تمثل جينيالوجيا للذات الراغبة، وهذا يحتم العودة إلى الفلسفة اليونانية القديمة وإلى بدايات التقليد المسيحي أيضاً. وكانت هذه الانطلاقة لدى فوكو تعود للحديث إلى ما وراء المسيحية، ثم إلى العهد القديم، مما يولد سؤالاً لدى فوكو مفاده “لماذا السلوك الجنسي، والأنشطة والمتع المتعلقة به، تشكل موضوع انشغال أخلاقي؟ ولماذا ظهر هذا الهم الأخلاقي؟ ولماذا انصب على الجنسانية ولم يتم التركيز على ميادين أخرى من الحياة الفردية أو الجماعية؛ مثل السلوكيات الغذائية أو القيام بالواجبات المدنية؟ وقد طبقت هذه الإشكالية للوجود، على الثقافة اليونانية- اللاتينية، وارتبطت بمجموعة من الممارسات والتي أطلق عليها بـ“فنون الوجود” أو “تقنيات الذات”.
تطرق فوكو في معظم كتبه إلى مصطلح الخطاب، وقد أشار إلى أنه “ميدان رحب” يتكوَّن من مجموعة من المنطوقات (سواءً أكانت مكتوبة أم ملفوظة) في تبعثرها كأحداث وفي اختلاف مستوياتها. تشير رؤى ميشيل فوكو في كتابه “الجنسانية، إرادة المعرفة” إلى التطور البشري الذي يشمل التطور البيولوجي، والثقافي للجنس البشري، ويقصد به التغييرات التي تطرأ على البشر، وعلى بيئتهم بمرور الزمن، والتي تأتي من خلال عوامل عدة؛ منها الانتقاء الطبيعي والجنسي، والانحراف الوراثي، وتدفق الجينات، والطفرات، وعوامل أخرى. وتركز دراسة التطور البشري على فهم أصولنا، والتغيرات الجسدية والسلوكية والاجتماعية التي قامت على تشكيل جنسنا البشري عبر التاريخ. بدأ فوكو بالاشتغال على كتابه تاريخ الجنسانية منذ 1976، والذي صدر منه ثلاثة مجلدات، وتوفي قبل أن ينهي مشروعه، وكان في ستة مجلدات. ولم يتعرض الكتاب للحديث عن مرض الإيدز الذي عانى منه فوكو بصفته مرضاً متنقلاً جنسياً، وقد توفي في مراحله الأولى من انتشار الوباء. ارتبطت أعمال فوكو بالحركة البنيوية، والتي تنتمي إلى تيار “ما بعد الحداثة”. ولكنه رفض تصنيفه الذي أطلق عليه “ما بعد البنيويين” و”ما بعد الحداثيين”.
ونظراً لجهوده المنظورة، تمكن فوكو من الحصول على كرسي في الكوليج دو فرانس، وقد أُطلق عليه اسم “تاريخ نظام الفكر”. استطاعت كتاباته أن تحدث أثراً في المجال الثقافي، كذلك في ميادين العلوم الإنسانية والاجتماعية ومجالات مختلفة للبحث العلمي. ويعتبر “تاريخ الجنسانية” بمثابة فلسفة فوكو في الأخلاق، وقد طرح سؤالاً مهماً: “كيف يمكن للذات أن تسلك بمعزل عن المعرفة والسلطة”؟، وفي هذا الإطار دعا فوكو إلى الانصراف، إلى الانهمام بالذات؛ من أجل التتويج الفلسفي لكل كشوف الأركيولوجيا السابقة في مجال تاريخ التكوين المعرفي.