Skip to content Skip to footer

فتح الأندلس بين النفي والأسطورة | د. يونس المرابط

مقدمة

عدنان: ما رأيك بأن هناك من يقول إذا ذهبنا إلى الجوهر، وهو ما امتد لمدة ثمانية قرون من تعايش، لماذا الإصرار على العودة دائماً إلى الفتح؟ هل هو فتح أم غزو؟ هل هو حقيقة أم أسطورة؟ ما رأيك في من يقول بأن كل هذا الكلام الأفضل أن نتجاوز عنه ونذهب على سُنة جارودي ونحل المشكلة؟ ما رأيك؟

المرابط: هو بالأساس لأجل أن نتعايش ونتفاهم ونطوي صفحة الماضي. ليس بالضرورة أن ننفي حدثاً تاريخياً بارزاً، يمكن أن نتجاوزه على الرغم من ذلك، ولكن لا يمكن أن ننكره. أما مسألة التعايش، فيمكن أن نتعايش بأن نطوي صفحة الماضي، بأن نتجنب ونتفادى تمركزنا على ذاتنا ونعترف بالآخر. لا ننظر للآخر من الأعلى، بمعنى أنا هو الأصل والباقي هو الهامش. مثلاً، لا يمكن أن ننكر الحروب الصليبية لكي نتعايش. هذا واقع. لا يمكن أن ننكر الحربين العالميتين لكي نوحد بين الشعوب. لا يمكن، لأن أحداثاً تاريخية واقعة يثبتها الواقع، وتثبتها الشواهد المادية كما تثبتها المصادر التاريخية التي لا يمكن أن نستهين بها. إذن، هناك آفاق كثيرة يمكن أن تجمعنا إذا صدقت النية وخلصت الإرادة.

 

أندلس ما قبل الفتح

عدنان: أعزائي، عزيزاتي، أهلاً وسهلاً ومرحباً. مثل الحضور العربي الإسلامي في الأندلس، أكبر لقاء بين الشرق والغرب، بين المسلمين والمسيحيين، بين العرب والأمازيغ من جهة والإسبان من جهة أخرى، على الضفة الجنوبية من شبه الجزيرة الإيبيرية. وقد تم ذلك على مدى ثمانية قرون بالتمام والكمال، منذ الفتح الإسلامي إلى غاية سقوط الأندلس. هكذا مثلت لحظة فتح الأندلس الحدث الذي استأثر باهتمام العالم يومها، ولا يزال يشغل الباحثين في مشارق الأرض ومغاربها، وفي طليعتهم المستشرقون الإسبان الذين توزعوا بين طائفة تنفي فتح المسلمين لبلاد الأندلس فتحاً عسكرياً مبيناً، وأخرى تثبت هذا الفتح في نهاية القرن الأول الهجري، بداية القرن الثامن الميلادي. سوى أن مناهج البحث التاريخي علمتنا أن دراسة المرحلة التاريخية تستدعي التوقف عند المراحل السابقة على الحدث التاريخي والمؤسسة له، بما هي إرهاصات ومقدمات. فماذا عن منطقة الأندلس قبل لحظة الفتح الإسلامي؟ سيكون هذا سؤال البداية مع ضيفنا الدكتور يونس المرابط، قبل أن نمر إلى محاولة تأصيل الأندلس، وذلك في البحث في جذور هذه التسمية من الناحية التاريخية والفيلولوجية. دكتور يونس المرابط، أهلاً وسهلاً ومرحباً بك بيننا.

المرابط: شكراً جزيلاً دكتور ياسين على جميل استضافتكم.

المرابط: الله يبارك فيك، سي يونس. سنبدأ من البداية، سنحاول استكشاف المنطقة قبل مرحلة أو فترة الفتح الإسلامي، ولكن دعنا أيضاً نبدأ بمساءلة التسمية. كيف تشكلت تسمية الأندلس؟

المرابط: فيما يتعلق بتسمية الأندلس، هو الاسم العربي أو الاسم الذي أطلقه الفاتحون لهذه المنطقة الجغرافية في شبه الجزيرة الإيبيرية على الأماكن التي استوطنوها. ولكن هذا الاسم هناك من يرجعه إلى أصل غير عربي، حيث يرجعون به إلى الأصل الجرماني، قبائل الوندال التي استوطنت الجنوب الغربي لبلاد الغال سنة 418. ولكن بالنظر إلى أن هناك غيابًا لدراسات ومراجع في هذا الباب، يمكن أن تقدم لنا معطيات منطقية تستند إلى مصادر تاريخية معتبرة. فجملة ما في هذا الموضوع هو مجرد اقتراحات، أجملها في اقتراحات أربعة: هناك اقتراح الهولندي بيتر أندوزي، الذي يعود إليه الفضل في إرجاع هذه التسمية إلى الأصل الجرماني، لكنه يعود بها أو ينسبها إلى الرازي. هناك كذلك الإسباني…

عدنان: الأصل الإسباني.

المرابط: الأصل الإسباني كذلك، الذي يمثله بِرميخو، الذي يعود به إلى الأصل، تسمية شبه جزيرة أطلنطس. كذلك، هناك الألماني هاينز هالم، الذي يعود بالمصطلح إلى المصطلح “لاندهلوتس”، الذي استعمل في قانون أوريسيانوس، والذي هو ترجمة عن الإغريقية لشورتس جوتيكاس، التي استعملت في هذا القانون، وكان معناها هو الأرض الكثيرة. الأرض الكثيرة، طبعاً، التي تم استقطاعها للجيرمان، القبائل الوندالية التي استوطنت الجنوب الغربي لبلاد الغال سنة 418. إذن، هذه كلها مقترحات وافتراضات، لكن أكيد أن هذا الأصل هو يعود.. الرأي الأرجح هو للإسباني، للمستعرب الإسباني فديريكو  كوريينطي كوردوبا، الذي يعود بالأصل القبطي المصري لهذه التسمية، انطلاقاً من مصطلح “إمندرليس”، الذي سوف يصبح فيما بعد “أندليس”، ومنه تولدت كلمة أو مصطلح أو لفظة الأندلس بعد تعريبها.

عدنان: عجيب، هو دائماً حينما تسافر مع الكلمات في ذاكرة كل كلمة، تجد نفسك في عالم آخر. أنا أول مرة أتصور أن للكلمة أصلاً مصرياً، صراحة.

المرابط: فيما يتعلق بالحالة التي كانت عليها هذه المنطقة قبل الفتح الإسلامي أو الفتح العربي الإسلامي لها، فقد أجمعت المصادر، سواء اللاتينية أو العربية، سواء المكتوب منها داخل شبه الجزيرة الإيبيرية أو خارجها، إلى أن السمة الأساسية التي كانت مميزة لهذه الفترة هي الضعف والوهن والانحطاط، وذلك على جميع الصعد، إن على المستوى السياسي أو على المستوى الاقتصادي الاجتماعي، وكذلك على المستوى الديني. فمثلاً، بالنسبة للمستوى السياسي، فبعد موت الملك غيطشة، كان هناك صراع من جهة ما بين أبنائه وإخوته، ومن جهة أخرى ما بينهم وبين ملك الإغريق أو رودريجو، الذي نصبه أو تم تنصيبه كملك لهذه المنطقة، طبعاً بدعم من فئة من النبلاء، أو ما يسميه إدواردو مانزانو مورينو بفصيل من الأرستقراطية. فهذه هي السمة الأساسية، وإن كان الاختلاف في الشكل الذي تم تنصيب الإغريق به، هل تم بالتراضي كما يذكر صاحب أخبار المجموعة، أو تم عن طريق استيلاء على العرش، كما يذكر كل من ابن عذاري في “البيان المغرب” وكذلك صاحب “الرّوض المِعْطار” الحميري. إذن، هذه صورة عن جانب سياسي في هذه المنطقة قبل دخول الفاتحين إليها.

فيما يتعلق بالحالة الاقتصادية الاجتماعية، فكما هو معلوم، كانت هناك فئة قليلة هي المسيطرة، إن شئنا، على مساحات شاسعة من الأراضي، التي تُسمى بالإسبانية “لا دي فونديوس”، وكان يعمل عندهم فلاحون ومزارعون في إطار نظام السخرة. كما كان هناك كذلك طبقات الرق، والتي كما يصفها دوزي، كانت الطبقة الأكثر معاناة داخل المجتمع القوطي، بالنظر للأوضاع الاجتماعية التي كانوا يعيشونها، حيث كان يتم بيعهم ومهاداتهم بين أسيادهم. بل أكثر من ذلك، كانوا لا يستطيعون حتى الزواج بدون إذن أسيادهم، وإن فعلوا كذلك بدون موافقتهم، يتم التفريق بينهم وبين أزواجهم. حتى إذا ما تم الزواج بدون هذه الموافقة، أو تم الزواج مثلاً طرف بزوجة أخرى تعمل عند سيد آخر، فإن الأطفال أو الأولاد الناتجين عن هذا الزواج يتم انتزاعهم أو تقاسمهم بالتساوي ما بين أسيادهم. فهذه وضعية، بطبيعة الحال، سمتها الأساسية هي الضعف والوهن.

كذلك على المستوى الديني، بعد تحول القوطيين إلى المسيحية الكاثوليكية، طبعاً بعد قرار الملك القوطي ريكاريدو سنة 587 في مجمع طليطلة، وتطبيق ذلك بشكل رسمي سنة 587، عملت الكنيسة على تهذيب الديانة أو تدين القوطيين، وكذلك تم اضطهاد بعض الأقليات الدينية، خاصة منها اليهودية، التي بدأت مع الملك سيسيبوت سنة 616، حيث قرر أن يتم تحولهم إلى الديانة المسيحية في ظرف عام واحد. وإذا ما انقضت هذه المدة، فإن من بقوا على ديانتهم يتم مصادرة أملاكهم، ويتم جلدهم مئة جلدة، ويتم نفيهم. أكثر من هذا، وهذا الشكل الذي دفع بهم إلى محاولة الثورة سنة 594، لكن الملك إيخيكا تفطن لهم وتشدد بعد ذلك في اضطهادهم، وصادر أموالهم ونفاهم من الأرض كذلك، وعمل على اجتثاثهم من هذه الأرض.

إذن، هذه السمة الأساسية التي طبعت هذه الفترة قبل الفتح الإسلامي لشبه الجزيرة الإيبيرية، والتي بطبيعة الحال مهدت إلى ما يستغرب له الذين ينكرون هذا الفتح من السرعة التي تم بها، إن على مستوى التعريب أو على مستوى أسلمة شبه الجزيرة الإيبيرية.

 

 

الآراء المتصارعة حول الأندلس

عدنان: في الحقيقة كان لابد من هذه الخطوة إلى الوراء، لأنه إذا لاحظت كل النقاشات العربية الإسلامية، الفضاء العربي الإسلامي حول الأندلس، تتعامل مع المنطقة كما لو أنها بدأت مع الإسلام ومع دخول الفاتحين إليها، والحال أن لها ذاكرة تاريخية. ومثلما تفضلت الآن، كان هناك وضع مشجع على أن يمر هذا الفتح بسلاسة. ما يهمنا أيضاً هو أنه بعد الفتح سيكون هناك حضور عربي إسلامي، هذا الحضور يتم التعامل معه اليوم في إسبانيا بنوع من الانتباه والاهتمام الفكري التاريخي. ولكن أنا أسائل منطلقات هذا الاهتمام، أحياناً تحس كما لو أن هناك محاولة للتصالح مع الوجود العربي الإسلامي، باعتباره جزءاً لا يتجزأ من التاريخ العام للإنسانية. ومن جهة أخرى، تحس كما لو أن هناك رؤية منغلقة تنحو نحو الرغبة في أسبنة هذا التاريخ. كيف تتلقى أنت، قبل أن ندخل في التفاصيل، بشكل عام، هذه النزعات المتباينة؟

المرابط: طبعاً، بالنسبة للوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية، يتم النظر إليه من منطلقين أساسيين. هناك المنطلق الذي يلفظه، باعتباره عنصراً مكوناً للكينونة الإسبانية والذات الإسبانية، وبين من يتبناه ويعتبره عنصراً أساسياً في هذا التشكل وفي هذا التكون وفي هذه الكينونة. فهذه المسألة شكلت سجالاً بين تيارين أساسيين. تزعم التيار الأول المؤرخ الإسباني، جلاوديوس تشيس ألبيرنوس، الذي يعتبر أن هذا الوجود هو كارثة، جعل من إسبانيا أو من هذه الرقعة الجغرافية تتوقف تاريخياً، كأنه أوقف موكب التاريخ.

عدنان: هذا الحضور كان جملة اعتراضية.

المرابط: بالضبط، كان جملة اعتراضية عملت على توقف موكب التاريخ الإسباني. وهناك تيار آخر، الذي يمثله أمريكو كاسترو، الذي بطبيعة الحال يعتبر أن هذا العنصر الإسلامي هو عنصر أساسي في تشكل الذات الإسبانية وتشكل هذه الكينونة الإسبانية. بل يعتبر أكثر من ذلك أنه لا يمكن الحديث عن إسبانيا قبل هذا التاريخ، قبل تاريخ الوجود الإسلامي في إسبانيا، لأنه الفعل التاريخي الذي حرك وشكل هذه الكينونة.

عدنان: بمعنى من المعاني، يمكن أن نقول: إن إسبانيا التي نعرفها اليوم هي هبة الأندلس.

المرابط: بالضبط، صحيح. في هذه المسألة، أكثر مما ذكرته، هناك من يلحق مجموعة من المفكرين الأندلسيين إلى الذات الإسبانية، على الرغم من أنهم مسلمون. فكلاوديو سانشيز أربنيوس نفسه، انطلاقاً طبعاً من نظرية الأجناس والعرق كما شكلها إرنست رينان، هو يوظفها توظيفاً ويؤسس عليها الثقافة، ويؤسس عليها من منطلق اختلاف الطبائع، حيث يصف هذه الذات الإسبانية بصفات العبقرية، بصفات الذكاء، وينفيها عن غيريتها المتمثلة في الثقافة الشرقية، التي يصفها بطبيعة الحال. وهذا استدعاء للأطروحات الاستشراقية القديمة التي تنظر إلى الثقافة والحضارة العربيتين الإسلاميتين.

عدنان: برؤية جوهرانية عرقية.

المرابط: جوهرانية، بالضبط، وكونها تمثل الاستبداد الشرقي، والفسق، فسق الإسلام في مقابل عذرية المسيحية وعفتها. فهناك هذا السجال الذي ما زال مستمراً إلى يومنا هذا.

 

المصادر اللاتينية لتأريخ فتح الأندلس

عدنان: نحن سنعود بهذا السجال إلى مصادره بالنهاية، وسنحاول أن نطرح سؤال المصادر. ولعل المصادر الأقرب إلينا، أو على الأقل الأولى، لو أخذنا بعين الاعتبار الظهور الكرونولوجي للمصادر، هي المصادر الإسبانية. كيف تتلقى في الواقع هذه المصادر وأهميتها وأيضاً أسبقيتها في الواقع؟

المرابط: فيما يتعلق بالمصادر التاريخية التي أرخت لهذا الحدث البارز في تاريخ إسبانيا بشكل أخص، وفي تاريخ أوروبا بشكل عام، يمكن تقسيمها إلى مصادر لاتينية وعربية، بما أن موضوع سؤالكم هو المصادر اللاتينية.

عدنان: سنعود إلى المصادر العربية.

المرابط: طبعاً، إذن هي كذلك يمكن تقسيمها إلى مصادر لاتينية مكتوبة داخل إسبانيا والمكتوبة خارجها. هي في المجمل، وسنركز على أبرز هذه المصادر. في المجمل، هي تسع مصادر، أربعة منها مكتوبة داخل شبه الجزيرة الإيبيرية وخمسة خارجها. بالنسبة للمكتوبة داخل إسبانيا، يمكن أن نذكر (كونتنواتيو بيزنتينا)، التاريخ الموسوم بـ (كونتنواتيو بيزنتينا أرابيجا)، وهو المشهور بسنة 741 ميلادية، وهو الذي يبدأ في سرد الأحداث من موت الملك ريكاريدو الأول في 601 ويتوقف عند سرد الأحداث سنة 724، السنة التي توفي فيها يزيد الثاني، الخليفة الأموي يزيد الثاني. ولكن على الرغم من توقف سرد الأحداث في هذا التاريخ، إلا أنه منسوب إلى 741.

عدنان: هو من غير النسبة للتاريخ، أصلاً منسوب إلى مؤلف مجهول.

المرابط: بالضبط، مؤلف مجهول. واختلف في نسبته، فنسبته إلى 741، رجعت إلى كونه أشار إلى حدث تاريخي بارز، وهو اعتلاء ليون الثالث، الإمبراطور ليون الثالث، والإشارة الدقيقة إلى مدة حكمه بين 717 إلى 741. هذا المصدر يشير إلى حدث فتح الأندلس في فقرة قصيرة يذكر فيها بعد تولي الوليد، أقصد هنا الوليد بن عبدالملك، حكم ما يسميه مملكة الصراصنة. يذكر كذلك بأنه غزا مملكة القوط، وسيطر عليها، وجعلهم رعايا له. إذن، هذا التاريخ مهم، ولكن هناك تاريخا آخر، وهو تاريخ (الكرونيكا موثاربي)، وهو المسمى ب(كرونيكا موثاربي)، التاريخ المنسوب لسنة 754. وهو كذلك بالمناسبة، مجهول المؤلف، لكنه يعتبر المرجع الأساس الذي يرجع إليه مختلف أو كل المستشرقين الإسبان والمؤرخين.

عدنان: كدوزيه الهولندي.

المرابط: بالضبط، يعني كل المؤرخين الذين اهتموا بهذا الحدث يرجعون إليه. لماذا؟ لأنه يتضمن معطيات تاريخية دقيقة، وكذلك تعاقب زمني للأحداث حيث يحترمها احتراماً. وهذا التاريخ كذلك هو الذي جعل القشتاليين يتعرفون على هوية الفاتحين، كونه يذكر أنهم جاءوا من شمال إفريقيا، ويتكونون من عرب وبربر. كذلك يشير إلى القائد موسى بن نصير، يشير كذلك إلى المسار الذي اتخذه الفتح في المنطقة الواقعة قرب قادش، بالضبط في شادونة أو مدينة سيدونيا بالتسمية الحالية. وكذلك يضيف معلومة أخرى لم يتطرق إليها تاريخ 741، وهي المتمثلة في خطاب الكارثة، أن هذا الحدث كان بمثابة كارثة، وخلّف دماراً بالنسبة لهذه المنطقة. هذه هي المعلومة التي يضيفها. ثم بعد هذا، بعد هذا المصدر اللاتيني، هناك كذلك نشيد يُسمى تومبورو بيلي.

عدنان: صحيح، هي أناشيد دينية عديدة في الواقع.

المرابط: بالضبط، هو في الحقيقة نشيد ديني بالفعل، وهو مرثية مليئة بالحزن، ترثي الحال التي صارت إليها هذه البقعة الجغرافية بعدما حل بها الذي حل جراء يعني فتحها أو غزوها، على حد تعبيرهم، من طرف الصراصنة. هناك كذلك تاريخ آخر، وهو ما يسمى بالإرث التاريخي الاستعرابي أو (لا تراديسيون موثارابي)، الذي يرجع كذلك، هو يشير إلى حادث فتح الأندلس في فترة قصيرة.

عدنان: دائماً في إطار المصادر الإسبانية.

المرابط: الداخلية الإسبانية. هذه هي الأربعة الأساسية. في حين هناك مصادر خارجية، أذكر على سبيل المثال تاريخ الأمة الإنجليزية، الذي يعود إلى ما بين 744 إلى 800 ميلادية، وهو يشير إلى (هذه معلومة، يعني جد مهمة، يضيفها إلى باقي المصادر الأخرى)، يشير إلى وصول الفاتحين إلى جنوب فرنسا، إلى منطقة بواتييه. فهذا مصدر. هناك كذلك شهادة القس الإيطالي بابلو دياكون، الذي بدوره يرجع إلى القرن التاسع الميلادي، وهو كذلك يشير إلى حدث فتح الأندلس. كذلك هناك رسالة القس ويلفريد، هذا الأسقف الإنجليزي المعروف بسام بونيفاسيو، وهي رسالة إلى الملك الأنجلوساكسوني إيتيل بالدو، الذي يحذره فيها، ويلومه فيها على سلوكه تجاه الكنيسة، خصوصاً، ويحذره مما حدث لجيرانه بالأمس القريب، عندما ابتعدوا عن تعاليم المسيح عيسى، وحل بهم الذي حل، وسلط الله عليهم الصراصنة. فهي رسالة وعظية بالأساس، لكنها تشير إلى هذا الحدث. ويبقى مصدر آخر متمثل في كرونولوجيا ملوك القوط. كذلك هي مصدر تاريخي يشير إلى هذا الحدث البارز، كما قلت، في تاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية. إذن، هذه بالمجمل المصادر التي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نتجاوزها أو أن نغفل ذكرها، وهي تشير إلى حدث بارز تواطأت كلها على ذكره. بل هناك من فصل القول فيه، كما رأينا.

 

تأخر المصادر العربية

عدنان: هي فعلاً مصادر مكتوبة ربما بنفس الحبر ومن محبرة واحدة، والحال أن مصادرنا العربية الإسلامية أيضاً لها روايتها. المشكلة بين المصادر الإسبانية واللاتينية عموماً، والمصادر العربية، ربما هو في الزمن. لأننا نحس بأن مصادرنا العربية تأخرت بقرن ونصف، يعني عن الواقع الأساسي لعملية الفتح. أفكر طبعاً في ابن حبيب، وابن عبد الحكم، والبلادري، وابن قتيبة، والرازيين، وابن القوطية. كلها تواريخ ذات أهمية واعتبار، إنما، إلى أي حد تأخرها الزمني ربما، نال قليلاً من مصداقيتها التأريخية؟

المرابط: طبعاً، وهذه هي الحجة التي يستند إليها. الحجة الأساس التي يستند إليها منكرو فتح الأندلس، يعني طبعاً بقوة عسكرية. هذه هي الحجة الأساس التي يوجهونها ويستندون إليها في أطروحتهم. أي أن هذه المصادر لم تُكتب إلا بعد، (في أحسن تقدير)، إلا بعد قرن من الزمن. بل هناك من يرجعها إلى أكثر من ذلك، إلى مئة وخمسين سنة، أي إلى القرن التاسع الميلادي. هذه هي الحجة التي يستندون إليها بالأساس، ولكن هذا لا يمنع، لا يمنع أنه يمكننا أن نعتمدها. لماذا؟ لأنها تواطأت واتفقت على ذكر هذا الحدث، وذكر كل ما يرتبط به. مثلاً، ذكر تواريخ، وإن اختلفت فيما بينها أحياناً، فهناك من يذكر عوض 711، يذكر 712. لكن على العموم هي تطرقت إلى الشخصيات التي كانت ممثلة لهذا الفتح، خاصة طارق بن زياد، موسى بن نصير، وغيرهم. وتطرقت كذلك إلى كل ما ارتبط بهذا الحدث. إذن، بالنظر إلى هذا الكم الهائل من المعلومات التي وردت فيها، لا يمكننا أن ننكرها بأي حال من الأحوال. لكن يمكنك بطبيعة الحال أن نميز بين مصدر وآخر من حيث بعض المعلومات التي يمكن أن ترقى إلى مستوى الأسطورة، كما يرى البعض. لكن هذا لا يمنع أن نلقيها كلها إلى سلة المهملات، ولا نعتمدها في تأريخ حدث بارز تمت الإشارة إليه، وقبل ذلك في المصادر التي هي قريبة من الفتح، وكذلك من هذه المصادر التي تلته. ولكن وإن كان أصحاب أطروحة الإنكار يرجعون بهذه المصادر إلى أصلها المشرقي، كون أن الأندلسيين كانوا يتنقلون إلى مصر لكي يتعلموا، ويعودون إلى بلادهم، أي أنها مجرد نقولات. لكن هذه المسألة التي ذكرت، أنه تردد ذكر هذا الفتح، الآن لا يمكن أن تتواطأ كل هذه المصادر على كذبة أو تذكر هذه المعلومة هكذا. من المستبعد جداً أن يكون هذا الأمر. وبالتالي، في رأينا يمكن أن نستند إليها في التأريخ لهذا الحدث.

 

الاستشراق النسائي

عدنان: ومثلما تفضلت، يعني بعد غربلتها والانتباه لمجموعة من الأساطير التي تسربت إليها. والحال أن الكل له أساطيره. أنا أفكر هنا في طرفة الماريات الثلاث التي تحدثت عنها في كتابك، لا ماريا خيسوس بييرا، ولا ماريا خيسوس روبيرو، ولا ماريا أخرى الثالثة.

المرابط: ماريا إيزابيل فييرو.

عدنان: فييرو، يعني ثلاث ماريات عادوا في كتاباتهم إلى الزمن الأندلسي، كما لو يريدون التأصيل لحرية المرأة الإسبانية انطلاقاً من ذلك التاريخ. هناك دائماً نزوع أحياناً إلى الأسطرة لدى الجميع.

المرابط: بالفعل، وأنا سقت هذا المثال لما أسميته الماريات الثلاث. بالفعل، ماريا خيسوس روبييرا ماطا، زوجة المستعرب الإسباني ميكيل دي بالسا، وماريا خيسوس بيغيرا مولينس، وكذلك ماريا إيزابيل فييرو. إضافة إلى مانويلا مارين، كأمثلة فقط على استقطاب موضوعات الأندلس لجل أعمالهم واهتماماتهم الفكرية، حيث شكلت محور اهتماماتهم الدراسية، وتطرقوا لمجموعة من المواضيع المرتبطة بالأندلس. هذا من جهة، من جهة أخرى، خاصة أن الساحة الفكرية والاستعرابية بشكل خاص، هي حبلى بالعنصر الذكوري. وأنا فضلت أن أورد مثالاً على مستعربات إسبانيات لهذا الغرض، من جهة، ولغرض آخر متمثل بالتأصيل لحرية المرأة في الأندلس، التي حظيت بها. خاصة أن إحداهن، وهي مانويلا مارين، خصصت لها، يعني استقطبت جل اهتمامها الدراسي وخصصت لها حيزاً كبيراً في أعمالها، فلها كتاب “نساء في الأندلس” (موخيراس إن أل أندلوس)، التي وقفت فيه على كل ما يرتبط بالمرأة في الأندلس، من أسمائها، من أسماء الأندلسيات وألقابهن وطبقاتهن، إن شئنا التسليم بكون هناك طبقات ما بين المجتمع الأندلسي، كذلك لوضعهن الاجتماعي، إسهامهن الثقافي والفكري. لكنها، للأسف، تتحفظ. وهذا هو الغريب في طرحها، تتحفظ على هذه الحرية التي ترى في أنها حرية مزعومة. ربما أنها تأثرت بزميلتها ماريا نيفس، التي كتبت كذلك، لها كتاب بعنوان “نساء عالمات”، والتي بدورها نفت هذا الجو وهذه الحرية التي تزعم أو تقول بأنها حرية مزعومة، تمتعت بها المرأة في الأندلس. وتري بأنها، عكس من ذلك، كانت أو كان حيز عملها وحيز وجودها محدوداً في بيتها، وكذلك مع بعض الصديقات المقربات. والواقع يثبت عكس ذلك، وإن كانت هي قد اعتمدت على بعض النصوص التاريخية، وكذلك على بعض الأحاديث النبوية. لكن، في اعتقادي أنها ربما لم تفهم المعنى من بعض الأحاديث. هناك حديث يورده صاحب أخبار مجموعة، استندت إليه في واقعة للتدليل على أن المرأة الأندلسية لم تكن تحظى بالحرية الكافية لكي يمكن أن نحكم عليها بأنها كانت تتمتع بهذا الهامش من الحرية. لكن في الواقع، الواقع يثبت غير ذلك. يمكن أن نمثلها بصبح البشكنجية مثلاً، ودورها في المجتمع الأندلسي، حيث كانت مسموعة الكلمة ومطاعة الأوامر ودورها في إدارة الدولة بعد وفاة الحَكَم المستنصر ووصايتها على ابنها هشام. كذلك كان…

عدنان: ولادة.

المرابط: ولادة بنت المستكفي كذلك. كانت هناك أمثلة عديدة على أندلسيات حظين حقيقة وبرعن في مجالات متعددة، في الحديث، في التفسير، في الشعر والأدب، في حفظ القرآن الكريم، حيث كُنَّ يتميزن بوضع فوانيس على أبواب منازلهن لكي يتميزن بذلك. فالواقع والمصادر التاريخية، وهذا يشهد به حتى بعض المستعربين أنفسهم، الذين يذكرون هذا الهامش الذي كان للمرأة الأندلسية. ويمكن أن نقول: إن المرأة في العصور الوسطى لم تشهد، يعني، حالة من الحرية كما شهدتها في الفترة التي وجد فيها المسلمون في هذه البقعة الجغرافية.

 

تحول ثقافي وليس فتحًا عسكريًا

عدنان: أنا أحس أحياناً كما لو أن الحاضر يحاول أن يتكلم باستعمال الماضي، ويحاجج باستعمال شواهد الماضي. وإلا هناك من تحاجج بحال الماريات الثلاث، يعني، بصبح، بولادة وبغيرهما للاحتجاج بأهمية حضور المرأة. وهناك من ينفي ذلك. حتى فيما يتعلق بفتح الأندلس، تحس مثلاً بأن الطرح الذي ينفي هذا الفتح هو طرح حديث بالنهاية، لأنه يعود إلى حوليات القرن العشرين. أغلب النافين لهذا الفتح كلهم ينحدرون من حوليات القرن العشرين. ما رأيك؟

المرابط: بالضبط، يعني، وإن كانت الفكرة هي سابقة للنظرية الأساس أو الأطروحة الأساس، التي يمكن أن نطلق عليها الأطروحة بالمعنى الأطروحة المؤسسة علمياً، لكن رغم ذلك سبقتها بعض الأفكار فيما يمكن أن نسميه إرهاصات أولية، لكنها غير مؤسسة بطبيعة الحال. إرهاصات كانت مجرد أفكار لامست هذا الموضوع، وأشارت إلى أن هذا الحدث هو لم يتم بـ…

عدنان: ولكن الأطروحة تبلورت مع خريجي حوليات القرن العشرين.

المرابط: بالضبط، تبلورت بشكل علمي، مؤسس يستند إلى مصادر تاريخية وإلى شواهد مادية. لكنه كان في السابق مجرد أفكار. يمكن أن نذكر على سبيل المثال بيسنطي بلاسكو إبانييث في كتابه “لاكاتدرال” (الكاتدرائية)، الذي أشار صراحة إلى أن هذا الوجود كان وجوداً، كان تحولاً ثقافياً ولم يكن فتحاً بمعنى الفتح، بقوات عسكرية، إلى آخره. يتفق معه كذلك مؤسس القومية الأندلسية.

عدنان: إنفانطي.

المرابط: بلاس إنفانطي يتفق معه كذلك. وهناك آخر، يعني هو كذلك ينتمي إلى القومية الأندلسية، يتعلق الأمر بـ رودلفو خيل بن أمية، الذي هو ينتسب إلى أسرة غرناطية عتيقة من جهة أمه، تعود إلى عبدالله شقيق محمد بن أمية، المشهور في إسبانيا بـ بفريناندو دي بلور إٍكوردوبا ، وهو الذي قاد معارك في البشارات في جبال البشارات ما بين 1568 إلى 1570، أي ثورة الموريسكية في الأندلس الشهيرة. إذن، كل هذه كانت بمثابة أفكار فقط، الذي أضفى عليها التنسيق وجعل منها أطروحة هو إغناثيو أولاغوي فيما بعد. لكنها يمكن أن نعتبرها إرهاصات لهذه الفكرة، أي الفكرة التي تنفي فتح المسلمين للأندلس.

عدنان: عموماً، أنت أشرت إلى إغناثيو أولاغوي باعتباره هو الحاضن الأساسي والمعبر الأساسي عن هذه الأطروحة، وذلك ربما في كتابه الصادر سنة 1961 بالفرنسية “لم يسبق للعرب أن غزوا الأندلس أبداً”. هذا الكتاب أصلاً لم يترجم إلى الإسبانية إلا في سنة وفاة أولاغوي، أعتقد. ما هي قيمة هذا الكتاب؟ لأن الكل يحيل عليه، والكل يعود إليه، وأنت أيضاً في كتابك، يعني، عدت إليه باستمرار. نريد الوقوف عند هذا الكتاب كمحطة فكرية حجاجية، إذا شئنا.

المرابط: الكتاب هو نشر بالأساس في فرنسا، كما تفضلتم، لكن سنة 1963. نعم، نشر سنة 1963 وبعدها ترجم إلى الإسبانية سنة 1974، ثم أعيد نشره سنة 2004، لكن هذه المرة بعنوان إسباني مغاير، وهو “الثورة الإسلامية في الغرب”. ثم تمت إعادة نشره، طبعاً، هذا نشر في دار نشر بريغابيل قرطبية، وأعيد نشره سنة 2017 في قرطبة، لكن هذه المرة في دار نشر أخرى، وهي ألموصارا، سنة 2017، كما ذكرت. لكن أضيف له كعنوان فرعي، العنوان الأصلي الأول “العرب لم يغزوا إسبانيا” بالعربية والإسبانية كعنوان فرعي. وهذا هو الكتاب الذي تضمن أطروحته الأساس، والذي يقول عنه حسن عزوزي بأنه كتاب غريب، وكذلك طارق مدني يتفق معه في الأمر، وتعرض لمجموعة من الانتقادات.

عدنان: ما هو وجه الغرابة؟

المرابط: وجه الغرابة هو أنه ينفي. لم يسبق أحد بعده أن نفى بشكل مؤسس، بطبيعة الحال، هذا الحدث البارز في تاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية بشكل خاص، وفي التاريخ الأوروبي عموماً، وتاريخ الإنسانية جمعاء. لم يسبق له، لم يسبق لأحد من قبله أن نفى هذا الحدث بهذا الشكل. طبعاً، لهذا الغرض أو لهذا السبب شكل، وجه الغرابة في هذا الطرح. وإن كان…

عدنان: ولكن ما رأيك في أن مثلاً واحد مثل روجيه جارودي مشى في نفس الاتجاه هو أيضُا، ونفى يعني، أن يكون هناك غزو وفتح أو كذا، وتكلم عن سياق ما توحيدي خاص وملتبس، جعل مرور الإسلام إلى شبه الجزيرة الإيبيرية يكون بدون حروب ولا إراقة دماء، وإنما هو استقبال طبيعي وسلس. لم يكن وحده بالنهاية.

المرابط: بطبيعة الحال، بالنسبة لروجيه جارودي، هو يمكن أن يمثل امتداد هذه الأطروحة، لأنه هو جاء فيما بعد. وأنا أعرف أن روجيه جارودي، يعني تأرجح ما بين الفكر الماركسي الشيوعي، الذي انتهى بعد ذلك، انتهى به الأمر إلى الإسلام في سنة 1982. وكتابه، له كتاب يشير إلى هذه المسألة “قرطبة عاصمة التوحيد”، يشير فيه إلى هاتين الفكرتين الأساسيتين. هو أن هذا الفتح لم يكن حدثاً عسكرياً بالأساس، بل كان حادثاً يسميه هو معقدًا. لماذا معقد؟ لأنه اعتبره نتاج تنوع ثقافي وتحول ثقافي أكثر منه فتحاً. هذه الفكرة الأولى. في حين أن الفكرة الثانية التي يضيفها، وهي التي تتعلق بامتزاج الأريوسية مع الإسلام، الذي يصفه بأنه كان أجمل فسائلها. فهذان هما الفكرتان، والتي يمكن اعتبارهما، بطبيعة الحال، امتداداً لهذه الأطروحة. وهو فهمها بهذا الشكل، وتماهى مع هذا الطرح الأولاغوي، أولاغوي، الذي تعرض، كما قلت، لمجموعة من الانتقادات. فور صدور هذا الكتاب تم انتقاده، سواء من الفرنسيين الذين أصدر من ديارهم هذا الكتاب، أو من الأنجلو ساكسونيين والأمريكيين. كذلك، فانبرى إليه مثلاً جون بول شارناي، روجير لوتيرنو، كذلك بيير دي شار في مقالته في مجلة “أنار”، التي عنونها (عنوان المقالة بالفرنسية) “العرب بالفعل غزوا أو فتحوا إسبانيا”. وهذا كان الأول الذي تنبه لمسألة مهمة، وهي التي يعتمدها كذلك أصحاب أطروحة الإثبات في ردهم على إغناثيو أولاغوي، وهو ردهم إياه بالخلفية القومية الإسبانية الوطنية، التي يستند إليها في هذا الطرح، كما سنتبين في وقت لاحق. كذلك، من إسبانيا ذاتها، تعرض لانتقاد، الراحل بيدرو مارتينيز مونتابث في مقال له في دورية “إنفورماثينوس”، وجه له نقداً، يعني، علمياً مؤسساً، انتهى به المطاف أن يصفه بأنه لا يعدو أن يكون خيالاً علمياً أو خيالاً تاريخياً، يعني، (أستوريا فيكسيون)، كما يعبر عن ذلك. كذلك من الأنجلو ساكسونيين الأمريكيين نجد جيمس توماس مونرو في مقال له في مجلة “إنترناشيونال ميدل إيست ستاديز”، “جورنال أوف إنترناشيونال ميدل إيست ستاديز”، الذي يصدر عن الجمعية الشمال أمريكية لدراسة الشرق الأدنى، ينزع عنه صفة العلمية. بل أكثر من ذلك، يتهمه بأنه اعتمد، مقاربة تختار من بين المصادر التاريخية ما يدافع به عن أطروحته، في حين يتغافل عن مصادر أخرى. بل يتهمه أكثر من ذلك بأنه كان يخفيها لكي يدافع عن هذه الأطروحة. بالتالي، فهذه الأطروحة تعرضت لنقد شديد من بيئتها، دون أن نتحدث عن باقي الانتقادات الأخرى التي وُجهت لها من خارج هذه البيئة. يتماهى مع هذا الطرح. وهذا يمكن فهمه. يتماهى معه المسلمون المتواجدون في شبه الجزيرة الإيبيرية، وإلى يومنا هذا، في الأوساط الإسبانية. هناك من المسلمين، خاصة منهم الإسبان الذين اعتنقوا الدين الإسلامي، هم كذلك يتماهون مع هذا الطرح. وهذا أمر غريب، ربما في اعتقادهم ذلك، أنهم يحاولون أن ينزعوا صفة العنف عن الإسلام، وأنه لم يأتِ إلى هذه الديار بالسيف، بل جاء بثقافة وحضارة. هذا هو الذي يمكن أن نفهمه في هذا السياق.

 

إشكالية “عندما كنا عربًا”

عدنان: في الحقيقة، أطروحة أولاغوي وأطروحة روجيه جارودي، يعني، هناك تنويعات على هذه الأطروحة. ربما هي في نفس النسق ونفس السياق، وتكثف ربما نفس المضمون، ولكن بتنويعات مختلفة. أفكر هنا، طبعاً، في إميليو غونثاليث فيرين، صاحب الكتاب الشهير “عندما كنا عرباً”، الصادر في 2017. لا أخفيك أننا حاولنا أن نستضيفه ليكون بيننا في هذا النقاش، ولكن تعذر ذلك، أو لنقل إنه تأجل إلى فرصة لاحقة. أريد أن أعرف منك، أطروحة فيرين كيف تضاعف أطروحة جارودي وأطروحة أولاغوي، وكيف تبررها أيضاً؟ لأن عنوان “عندما كنا عرباً” هو عنوان مستفز خصوصاً للإسبان المعارضين لهذه الأطروحة.

المرابط: صحيح، الكتاب الذي ذكرته، لـ إميليو غونثاليث فيرين “عندما كنا عرباً”، أنا حصلت على هذه النسخة الإسبانية واطلعت عليها. وفكرته أنه يذكر، ويذكر بهذه المرحلة الأساسية في تاريخ الأندلس، وفي تاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية، عندما كان التمازج الثقافي ما بين المسلمين والموريسكيين، فعدهم في هذه المرحلة عرباً بالنظر لعملية التي تواصلت فيما بعد دخول المسلمين إلى الأندلس، والتي كانت متمثلة في تعريب المجتمع الأندلسي وأسلمته. وهما معاً، إميليو غونثاليث فيرين وروجيه جارودي، كذلك هما امتداد لأطروحات أولاغوي. إلا أن الامتداد المتمثل في إيميليو غونثاليث فِيرِّينْ هو الامتداد الأكاديمي الذي نقل هذه الأطروحة من دفة الكتاب الذي ضمها إلى الوسط الأكاديمي، وأثار النقاش حولها. هذه الأطروحة، ما مفادها؟ الأطروحة هي نفي، فتح الأندلس بقوات عسكرية، كما تذكره المصادر التاريخية المتقدمة، والاستعاضة عن هذه الفكرة بكونه كان تمازجاً ثقافياً حصل ما بين التقاء الأريوسية، التي هي في أساسها موحِّدة، وفي هذه النقطة بالأساس تلتقي مع الإسلام في مسألة التوحيد وعدم التثليث، كما هو الحال بالنسبة للكاثوليكية. هذا من جهة. من جهة أخرى، يستعيض كذلك عن فكرة العبور العسكري والجواز العسكري بهجرات متتالية جاءت من شمال إفريقيا، بالنظر لهذا المناخ الديني الذي ذكرناه في شبه الجزيرة الإيبيرية، وكذلك بالمناخ في إفريقيا في حد ذاتها. فهذا الاستمرار لهذه الهجرات أدى إلى تمازج ثقافي، أو ما يصطلح عليه هو في إطار تصارع الأفكار، بانتصار ما يُسميه الفكرة القوة. وهذا سوف نتبين الرد عليه عندما نصل إلى الأطروحات التي تثبت هذا الفتح، لأنها ترد على هذه النقطة بالأساس.

 

إثبات الفتح الإسلامي للأندلس

عدنان: إذن، نذهب مباشرة عند أليخاندرو غارسيا سان خوان لكي نرد على هذه المقولة، لأن بالنسبة لسان خوان، الواقعة ثابتة في التاريخ، لها سنة ويحدد 92 هجرياً، 711 للميلاد. كيف يرد سان خوان على جارودي وفيرين و…؟

المرابط: بالفعل، أليخاندرو غارسيا سان خوان هو الند الذي كان سواء لإميليو غارسيا فيرين أو لأصل الأطروحة المتمثل في أولاغوي، كما ذكرنا. وكان هذا الرد مؤسساً، يعني يستند إلى المصادر التاريخية أولاً، التي لا يمكن إهمالها بأي حال من الأحوال، والتي هي المتمثلة في المصادر اللاتينية التي أشرنا إليها آنفاً، سواء المكتوبة منها داخل إسبانيا أو خارجها، وكذلك المصادر العربية التي ذكرنا كذلك، والاستناد هذه المرة إلى الشواهد المادية، يعني من مسكوكات، وكذلك من أختام، بل حتى من أبحاث أركيولوجية تثبت هذا الحدث. يمكن أن نمثل على ذلك بالمسكوكات، التي يفسرها أصحاب أطروحة الإنكار، يضفون عليها دلالة توحي أنها تشير إلى لفظ التوحيد “لا إله إلا الله”، لكنهم يفسرونه بإضفاء دلالة أريوسية عليه ولا ينسبونه إلى التوحيد الإسلامي، خاصة أنه يشير صراحة إلى سورة الإخلاص التي فيها “الله أحد، الله الصمد”، إلى آخره. كذلك ينفون، ذكر اسم نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، فينفونه بتاتاً، ويعتبرون بأن الإسلام واللغة العربية كانت في ذلك الوقت، ضعيفين وغير مشكلين بالشكل الذي يؤهلهما إلى خوض مثل هذه المعارك وفتح الأندلس. وهذا بطبيعة الحال، أليخاندرو تنبه إليه ورد عليهم في هذه المسألة. فكون أصحاب أطروحة الإنكار يجعلون من سيبويه، الذي كان مؤسس النحو العربي، كون ولادته أو تاريخ ولادته، بعد الفتح تجعلهم ينفون بذلك وجود لغة عربية مؤسسة. وهذا لا يستقيم. فإذا اعتمدنا نفس هذه الأطروحة، يمكن أن ننفي كذلك اللغة القشتالية التي وضع قواعدها “جراماتيكا كاستيانا” وضعها أنطونيو دي بريخا سنة 1492. وأول نص أدبي في هذا المجال الإسباني يعود لسنة 1207، الذي هو نشيد أرسيد أو “أليكنتو كانتو دي يوسيد”. فهذا هل يجعلنا هذا ننفي وجود اللغة القشتالية، كون أن واضعها قواعدها ولد بعدها؟ أمر لا يستقيم كذلك.

عدنان: لأن كل اللغات سابقة على قواعدها.

المرابط: بالضبط، سابق الحرف ثم بعد ذلك تأتي القواعد. كذلك مسألة ضعف الإسلام والجهل بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في الأوساط، في تلك الحقبة، في تلك الفترة، هذا أمر كذلك مردود عليه. لأنه بعد وفاة النبي سنة 632، والقضاء على ثورة المرتدين، تم توجيه الجيوش للفتوحات، والتي وصلت في ظرف قرن فقط إلى التواجد في ثلاث قارات. وبالتالي لا يمكن أن نقول إن الإسلام كان ضعيفاً آنذاك، ينكرون كذلك مسألة القرآن، لم يكن معروفاً، ولم تكن هناك نسخة مكتوبة بالعربية موجودة. وهذا بطبيعة الحال يرده أليخاندرو غارسيا سان خوان، كذلك، لأنه كما نعلم أن نسخة القرآن الأولى تمت كتابتها في 651، يعني، قبل حدث فتح الأندلس، وتم بعثها إلى مختلف الأمصار العربية الإسلامية.

عدنان: مصحف عثمان.

المرابط: مصحف عثمان، بالضبط، هو ما يسمى بمصحف الإمام، نسبة إلى الخليفة الراشد الثالث. كل هذا استطاع أليخاندرو غارسيا سان خوان، بالإضافة إلى هذه الشواهد المادية التي تثبت هذا الفتح. مثلاً، الأختام يقسمها إلى أختام الجزية، أختام العهود، وكلها كذلك، فيها ألفاظ بالعربية، مثلاً “صُلح كذا” أو مثلاً “مغنوم طيب”، إلى آخره. وهي مكتوبة بالعربية من جهة، وتشير إلى هوية الفاتحين التي هي عربية إسلامية. وتذكر أكثر من ذلك شخصيتها. فبعض القطع النقدية، خاصة الدينار المزدوج، باللغة اللاتينية والعربية، الذي عثر عليه، وهو يعود إلى سنة الفتح 711 و712، مذكور فيه موسى بن نصير بكونه قائد المسلمين في تلك الفترة. بطبيعة الحال. فإنكار مثل هذه الشواهد المادية أمر يثير الشكوك حول الدافع الأساسي لهذه الأطروحة. فإليخاندرو غارسيا سان خوان، استطاع أن يقف على هذه المصادر ويقف على هذه الشواهد المادية لكي يثبت بما لا يدع مجالاً للشك لحدث تاريخي بارز في تاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية، والذي هو مهم، وأهميته تكمن في كونه يؤسس عليه للهوية الإسبانية، والتي ما زالت مثار نقاش إلى يومنا هذا.

 

سردية الفتح الإسلامي عند المسلمين

عدنان: هذا فيما يتعلق بهم، هم يعني معنيون بأمور هوية الإسبان وامتداداتها والعناصر المكونة لها. ولكن حتى فيما يتعلق بنا وبتاريخنا، نعرف بأن سردية الفتح الإسلامي لم تحظَ بإجماع المسلمين في منطقتنا. أنت تعرف بأن هناك من يشكك، مثلاً، بيننا ومن مؤرخينا في قصة طارق بن زياد وخطبته المثيرة للجدل. كيف يمكن مثلاً لقائد أمازيغي أن يرتجل خطبة بتلك البلاغة؟ أيضاً، كيف جاءت هذه الخطبة مخالفة لأساليب الخطب النثرية في القرن الأول الهجري؟ كيف خلت من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؟ بل كيف لجنود، أغلبهم أمازيغ مغاربة، أن يفهموا مضمون خطبة بالعربية الفصحى؟

المرابط: بالفعل، هذا هو، من بين النقاط كذلك الأساسية التي استند إليها أصحاب أطروحة الإنكار، وهي بعض الوقائع التي، كما قلت، يمكن أن ترقى إلى مستوى ما يسميه البعض بالأسطورة، يعني، أسطورة فتح الأندلس أو الأساطير المؤسسة لفتح الأندلس، إن شئنا. من بينها أمر الخطبة، وكذلك مسألة العبور في أربعة سفن التي يذكرها صاحب تلك المجموعة. هذه الأمور ينبغي التنبه إليها، لأنا نعلم أن الأسطورة تُشاع لغرض معين. طبعاً، لخدمة مصالح معينة وأهداف معينة. في هذه الجزئية بالأخص مسألة السفن وكذلك الخطبة، يمكن أن نعزو إيرادها إلى مصالح كل الأطراف، سواء العربية أو البربرية أو حتى الإسبانية. فمثلاً، مسألة الخطبة باللغة العربية في ذلك الزمان، وطارق بن زياد في نسبته إلى البربر، أمر لا يستقيم. لكن من هو المستفيد من هذه الأسطورة، إن شئنا، أو هذه الواقعة بهذا الشكل؟ يمكن أن يستفيد منها البربر، على اعتبار أنها تظهر أنهم مؤهلون كذلك للحديث باللغة العربية ولهم مستوى فيها. يمكن أن نقارنه أو يتفوقوا على العرب، لأنها تضمنت مجموعة من المعاني الجميلة والتي لا يمكن صياغتها من بربري.

عدنان: أو لنقل من أمازيغي.

المرابط: من أمازيغي، أفضل، لأن الأمازيغي لم يكن سائداً هذا المصطلح آنذاك، وكان مصطلح البربر. هذا من جهة. مسألة السفن، حرق السفن بالأساس، هي تفيد كذلك الجانب الإسباني، لأن مسألة حرق السفن تفيد بأن طارق بن زياد حوّل جيشه إلى كتلة أو وحدة استشهادية يصعب مقاومتها من أي جيش. فهم يبررون هزيمتهم بهذه المسألة. كذلك بالنسبة للعرب بالأساس، لكي يظهروا جهل طارق العسكري، فهم يمكن أن يستفيدوا كذلك من هذه الأسطورة بإيرادهم لها. فهذا بطبيعة الحال فعل ينم عن جهل عسكري، وهذا لا يمكن أن ننسبه إلى طارق بن زياد، بطبيعة الحال، لأنها سذاجة من جهة، كما أن قادة الفتح، ممثلين في موسى بن نصير، وكذلك الوليد بن عبد الملك، الذي كان قد ركز وأكد على عدم التغرير بالمسلمين وبحياتهم، الجيوش الفاتحة. وبالتالي، لهذا أمر بالسرايا وبالحملة الاستطلاعية التي قام بها أبو زرعة طريف بن مالك. فلا يمكن أن ننسى هذه المصالح والأهداف لكل طرف على حدة في تأسيس هذه الأساطير.

عدنان: إذن، تأسس لقراءة الواقعة التاريخية وللأساطير المرتبطة بها بتعدد المصالح.

المرابط: بالضبط.

عدنان: والخلفيات.

المرابط: بالضبط، لكي تخدم مصلحة طرف على حساب طرف آخر. فكان هذا الإيراد. ولكن هذه المسألة هي في حد ذاتها مردود عليها، من الناحية التاريخية ومن ناحية المصادر التاريخية، لأن أليخاندرو غارسيا سان خوان بدوره، عندما رد على هذه الحجج التي استدل بها أصحاب أطروحة الإنكار، يورد مسألة، لأنهم يشككون في هذه المسألة. أمر السفن، الواقع التاريخي ربما يفنده، لأن الذين أدرجوا أطروحة الإنكار استندوا إلى جزء بسيط منه، لكنهم تغاضوا عن جزء آخر. فالمسلمون، كما يذكر ابن خلدون، هم استشهدوا، بالمناسبة، بابن خلدون، ولكن بمقطع فقرة، ولكن تغاضوا عن فقرة أخرى تليها، التي تؤكد بأن العرب البدو ليست لهم دراية بالملاحة البحرية. والواقع أنهم بعد أن علا شأنهم، أصبحت لهم دراية بالملاحة البحرية. بل أكثر من ذلك، هم أسسوا داراً لصناعة الأسطول سنة 89 هجرياً. وهي، يرجح البعض، كالسيد عبد العزيز سالم أحمد المختار عبادي، يرجحون أن هذه السفن، وهذا الأسطول، هو الذي مدّ هذه الحملة على شبه الجزيرة الإيبيرية. إذن، المسلمون والعرب كانت لهم دراية، وكان لهم احتكاك منذ أن احتكوا بإمبراطوريات عظيمة كالبيزنطية والساسانية، البيزنطية التي كانوا هم سادة البحر الأبيض المتوسط. فاستفادوا من كل ما له علاقة بالملاحة البحرية، بالرياح، وأنواعها، الأزمنة الخاصة بالسفر البحري، إلى آخره. فهذا أمر يرد أداة الزعم هذه، الذي يستند إلى هذه الحجة كي يدفع هذا الحدث البارز في تاريخ إسبانيا. كما ذكرنا.

كذلك مسألة الخطبة، وإن كانت بالفعل هي غير صحيحة بهذا المفهوم الذي ذكرناه، لكن يمكن أن نستند إليها في كونها تؤسس إلى ما ذكرناه من الجانب المصلحي لكل طرف على حدة، إذن، هذا فيما يتعلق بهذا الأمر.

 

ثمانية قرون من التعايش السلمي

عدنان: ولكن هذا الفتح، بالنهاية، كان له ما بعده، وما بعده هي ثمانية قرون من التعايش بين المسلمين والمسيحيين. بغض النظر عن كيف كان الدخول والأساطير المصاحبة للفتح وما إليه. لا، هناك تعايش تم لمدة ثمانية قرون. ألا ترى بأن هذا التعايش ربما يصب لمصلحة من لم يعطوا قوة وقيمة لمسألة السيف وأولويته في حسم الأمور؟ ربما جارودي ومن معه لهم نصيبهم أيضاً من الصحة. كان هناك سياق مستقبِل أتاح لهذا التعايش أن يتحقق.

المرابط: بالفعل، وكما ذكرنا، الحالة التي سبقت الوجود الإسلامي بالأندلس..

عدنان: بالضبط

المرابط: هي تؤكد هذا الأمر. لأنه مثلاً، الاضطهاد الديني الذي ذكرته في بداية حديثنا، كان اليهود…

عدنان: ربما، بالضبط، سيد يونس، الاضطهاد الديني ضد اليهود هو الذي جعلهم ربما يتمازجون..

المرابط: بالفعل، لأن اليهود كانوا يتطلعون، بل هم أكثر من ذلك، رأوا في الوجود الإسلامي عناية إلهية قَيَّضها الله لهم من أجل الخروج من الحالة التي كانوا عليها إبان الحكم القوطي. بل أكثر من ذلك، يعتبرهم كلاوديوس سانشيز أربينيوس بأنهم سبب في جواز المسلمين إلى الأندلس، حيث يتهمهم بالتواطؤ مع بعض النبلاء الذين سهلوا هذا الجواز. من هنا نستشف بأن الوجود الإسلامي كان خيراً بالنسبة لسكان شبه الجزيرة الإيبيرية، وخاصة الأقليات الدينية. لماذا؟ لأنه في نهاية المطاف فرض عليهم جزية، يعني، تافهة بالنسبة إليهم. وهذا ساهم…

عدنان: ماذا تعني بجزية تافهة؟

المرابط: الجزية، في إطار نظام الذمة، لحفظ حقوقهم وتمتعهم بممارسة شعائرهم بكل حرية. كانوا يدفعون، وهم محافظون على دينهم، يدفعون مبلغًا بسيطًا،  أنا وصفته بتافه، وهو بالفعل كان كذلك مقارنة بالحالة التي كانوا يعيشونها إبان الحكم القوطي.

عدنان: غير أنني أريد أن أشير أنه إذا كانوا يدفعون الجزية، فالمسلمون يدفعون الزكاة.

المرابط: بالضبط.

عدنان: يعني بالنهاية هم سواسية.

المرابط: لكن المسلم، مقارنة، طبعاً، ليس المسلم فقط، ولكن كل الأقليات الدينية، بالنظر للجبايات التي كانت مسلطة عليهم في العهد القوطي، سواء منها الدينية والدنيوية، تخلصوا منها. وهذا كان عنصراً يذكره بعض المستعربين. كان عنصراً أساسياً في التحول وفي سرعة أسلمة المجتمع الأندلسي. لأن المسلم، يعني، يكاد لا يدفع أي مبلغ للدولة. فهذا ساهم في أسلمة المجتمع. فعندما تتخفف رقابهم من دفع أي مبالغ.. كذلك لا ننسى أمراً مهماً، وهذا يغفله جل المستعربين، لست أدري، ربما لغاية في نفوسهم، وهو أمر العقيدة الإسلامية السمحة، التي هي في الأساس، عندما تخوض حرباً، الحرب، كما يصفها البعض، الحرب الإسلامية هي حرب حضارية. بمعنى، هو لا يأتي بالسيف لأجل السيف. إذن، نضيف إلى ذلك أخلاق الإسلام، بطبيعة الحال، التي لم تنتشر، بحد السيف، ولكن بقوة حضارية ساهمت في هذا التعايش الذي شهدته شبه الجزيرة الإيبيرية. وهذا التعايش الذي يمكن اعتباره نموذجاً حضارياً للاجتماع البشري، الذي يحترم الخصوصيات ويعيش على المشترك الإنساني الذي يجمع ولا يفرق. لهذا كان هذا المجتمع الإسلامي يشهد هذه الحالة الفريدة من نوعها في تاريخ التجمعات البشرية.

 

هل يمكن تجاوز الماضي؟

عدنان: ما رأيك بأن هناك من يقول: إذا ذهبنا إلى الجوهر، وهو ما امتد لمدة ثمانية قرون من تعايش، لماذا الإصرار على العودة دائماً إلى الفتح؟ هل هو فتح أم غزو؟ هل هو حقيقة أم أسطورة؟ ما رأيك في من يقول بأن كل هذا الكلام الذي يعتبر الفتح غزواً بالسيف، هو كله نقاش الأفضل أن نتجاوز عنه وأن نقول بأنه كان سلساً، ونذهب على سُنة جارودي ونحل المشكلة؟ ما رأيك؟

المرابط: هو بالأساس لأجل أن نتعايش ونتفاهم ونطوي صفحة الماضي، ليس بالضرورة أن ننفي حدثاً تاريخياً بارزاً. فالوقائع التاريخية هي ثابتة بقوة الواقع.

عدنان: لكن يقول لك: هذا الحدث التاريخي يخلق سوء فهم بين ضفتي المتوسط. إذا تجاوزناه، ومالأناهم، حتى ونحن لا نؤمن بأطروحتهم، قد يكون هذا سبيلنا إلى بناء مستقبل مشترك يستعيد روحاً دامت ثمانية قرون. هذا هو القصد.

المرابط: صحيح، يمكن أن نتجاوزه على الرغم من ذلك، ولكن لا يمكن أن ننكره، لأنه حدث تاريخي لا يرتفع بالواقع. هذا من جهة. أما مسألة التعايش، فيمكن أن نتعايش بالنظر لما ذكرنا، بأن نطوي صفحة الماضي، بأن نتجنب ونتفادى تمركزنا على ذاتنا. يعني، نتخلص من أيديولوجيتنا وخصوصيتنا، ونعترف بالآخر. لا ننظر للآخر من الأعلى، بمعنى أنا هو الأصل والباقي هو الهامش. هذا من جهة. من جهة أخرى، للأسف، والحديث عن هذا الموضوع، دائماً وإلى يومنا هذا، مرده، كما سبق وذكرت، إلى الغاية من إنكار هذا الفتح. وهذا الأمر الذي ينبغي الكشف عليه، لأن الخطاب الوطني القومي الكاثوليكي إلى يومنا هذا ما زال يستعمل هذه الورقة في حربه ضد الإسلام وضد المسلمين. وهذا ما يطفو بين الفينة والأخرى في الساحة الإسبانية، فيما نراه مما يعانيه أحياناً بعض المهاجرين، وتعالي الخطاب القومي الذي دائماً يرجع إلى هذه المسألة.

فهذا الحادث في حد ذاته، إسبانيا تؤسس عليه ذاتها في مواجهة غيرها، كما فعلت في الماضي مع حروب الاسترداد، ما زالت تفعله اليوم مع الأقليات المتواجدة في ديارها. طبعاً نتحدث هنا عن اليمين المتطرف الذي طفا إلى الساحة في السنوات الأخيرة. أما مسألة التعايش فهي ممكنة وسهلة جداً، ولكن لها ضوابط ومحددات. أهمها، كما ذكرت، طي صفحة الماضي بشكل نهائي، دون أن ننكر حدثاً تاريخياً. فمثلاً، لا يمكن أن ننكر الحروب الصليبية لكي نتعايش. هذا واقع. لا يمكن أن ننكر الحربين العالميتين لكي نوحد بين الشعوب. لا يمكن، لأنها أحداثًا تاريخية واقعة، يثبتها الواقع، وتثبتها الشواهد المادية، كما تثبتها المصادر التاريخية التي لا يمكن أن نستهين بها. إذن، هناك آفاق كثيرة يمكن أن تجمعنا إذا صدقت النية وخلصت الإرادة.

 

إمكانية الحوار بين العرب والإسبان

عدنان: وإذن، هذه النية لكي تصدق تحتاج إلى حوار. وأنت، ربما، سيد يونس، أنت والعديد من الباحثين المغاربة والعرب، ولكن في طليعتهم المغاربة، صراحة، عندكم مجموعة من المنتديات مع المستعربين الإسبان، وتشتغلون وتتحاورون في ندوات وما إليه، وحتى عندكم تآليف مشتركة أحياناً. إلى أي حد يمكن الحديث اليوم عن حوار مغربي إسباني، عربي إسباني مشترك حول تاريخ الأندلس من شأنه أن يزيح أولاً مكامن الغموض ومواقع سوء الفهم حول هذا التاريخ المشترك؟ هل تحس بأن هناك إمكانية لهكذا حوار؟

المرابط: أكيد أن هناك إمكانية، وطبعاً، هذا هو المؤمل، وهذا هو الذي نطمح إليه حقيقة.

عدنان: هل هناك من مبادرات تتجاوز الطموح لتضعكم في السكة؟

المرابط: هناك مبادرات تتم في محافل علمية كثيرة، سواء على المستوى الأكاديمي أو على مستوى المراكز الثقافية ومراكز الأبحاث. أعطيك مثالاً، أكاديمية المملكة المغربية التي اشتغلت في هذا الجانب، وهناك أعمال كثيرة مشتركة ما بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، شارك فيها مجموعة من الباحثين الأكاديميين المغاربة وكذلك إسبان حول هذا الموضوع بالذات. وما زال العمل إلى يومنا هذا في العديد من المناسبات العلمية، سواء المؤتمرات، ندوات، ومراكز أبحاث. لكن على مستوى واقعنا الأكاديمي يحتاج إلى عمل أكثر مما هو عليه الوضع حالياً. كيف ذلك؟ في إسبانيا، هناك في الجامعات الإسبانية، بالخصوص، هناك أقسام بحث وشعب علمية تخصص مواضيع للبحث في هذا الموضوع، سواء في الموروث الأندلسي أو في الماضي الإسباني أو كذلك في الدراسات العربية أو الإسلامية عموماً. الشيء الذي نفتقر نحن إليه في جامعاتنا، للأسف، ولهذا نقترح في هذا المجال أن يتم اعتماد وحدات بحث، أقسام، فرق بحث، أولاً: تطّلع على ما تم تسطيره في هذا المجال، تعمل على ترجمته لأجل التعريف به في الأوساط الأكاديمية وفتح نقاش حوله. هذا من شأنه أن يغني النقاش، ويمكن كذلك أن يسهّل التواصل والتبادل الثقافي العلمي ما بين الضفتين. هذا ما نطمح إليه حقيقة، وهذا ما يمكن أن نقترحه في هذا المجال.

عدنان: تماماً. وأنا أيضاً عندي مطمح آخر، وهو أن هذا التعاون، التبادل الثقافي الجامعي والأكاديمي، كيف يمكنه أن يبني مادة علمية معرفية قادرة على المرور والنفاذ إلى الجمهور العام في الضفتين، لكي لا تبقى هذه الخلاصات المعرفية حبيسة الاستغلال السياسوي. تحدثت الآن عن الرؤية القومية الكاثوليكية التي ينطلق منها اليمين المتطرف ويبني بها خطاباً ويستعدي بها، مثلاً، على الجاليات والأقليات وما إليه. إذن، كيف يمكن الرقي بهذه الخطابات وتعميمها في مجتمع وليس عبر المعابر السياسوية الضيقة؟

المرابط: الجانب الأكاديمي يمكن أن يلعب دوراً أساسياً في هذه المسألة. إذا فتحنا، أولاً، في الجانب الأساس الذي يضطلع بهذه المهمة، هو الجانب الأكاديمي بالأساس، الذي يفتح النقاش في مثل هذه المواضيع. وعندما يفتح النقاش ويتم التواصل، ويتم العبور ما بين القارتين في مختلف هذه المواضيع التي تشغل أولاً الإسبان وكذلك المغاربة، لأنه في نهاية المطاف هو تاريخ مشترك. خاصة نحن المغاربة الذين نعيش حول ضفتي هذا البحر الأبيض المتوسط. لأن هناك أمورًا مشتركة كثيرة، فقط ينبغي أن نجلس إلى طاولة حوار ونفتح النقاش حولها. النقاش الأكاديمي من شأنه، عندما يتوسع هذا النقاش الأكاديمي، فإنه أكيد سيلمس باقي الأوساط، بما فيها المهتمة فقط أو التي تحب الاطلاع. وهذا من شأنه، بطبيعة الحال، أن يؤثر على التمثلات والتصورات التي يبنيها كل طرف على حدة، ويسهل التواصل ما بين مختلف الذهنيات، إن شئنا القول.

عدنان: تماماً، وشكراً، سيد يونس، لأنك جعلت هذا الحوار ممكناً عبر هذا المجلس.

المرابط: شكراً لكم، دكتور على دعوتكم. أجدد لكم شكري مجدداً، وأتمنى أن نلقاكم في مناسبة أخرى.

عدنان: إن شاء الله، وأنتم أعزائي، عزيزاتي، إلى اللقاء.