لم تكن الفلسفة عندنا يوماً، نحنُ العربَ والمسلمين، جزءاً أساسياً وعضوياً وفاعلاً في بنية نسيجنا الثقافي والفكري، منذ بدايات استضافتها عندنا في القرون الهجرية الأولى مع حركة انتقال الأفكار والترجمة في العصر الإمبراطوري.
وأظنني لستُ مضطراً إلى أن أستعيدَ ذكريات مآل الفلاسفة والمفكرين النقديين المأساوي منذ لحظة نكبة ابن رشد في العصور الوسطى أو مصير لاهوت الاعتزال قبله. كما لا أراني ملزماً بالتذكير بما لحق بالعميد طه حسين أو نصر حامد أبي زيد قبل عشريات من تهجُّم أعمى وقمعٍ وانتهاكات لحقوقهم كمفكرين. أقول هذا تمثيلاً لا حصراً. إنه مؤشرٌ بالغ الدلالة على رفض البنية السوسيو- ثقافية العربية لمجمل فاعليات العقل المستقل عن المرجعيات الدينية المأذونة ماضياً وأيديولوجية الأنظمة السياسية القائمة حالياً. إذ لا يمكنُ للفلسفة أن تزدهرَ إلا بتحرير “الكوجيتو” من سلطة المنع وأنظمة العسف الثقافي، على اعتبار أنها التجسيدُ الفعليُّ لمغامرة العقل في اكتناه المعنى ومحاولة بناء وجود الإنسان على الوعي والحرية.
وربما لم يكن كبيرُ فلاسفة الحداثة الألماني إيمانويل كانط مجانباً للصواب عندما قرأ “الأنوار” في عصره بوصفها “خروجاً من القصور إلى طور النضج” الذي بلغته البشرية الأوروبية منذ حرَّرت العقل من الوصاية مع الثورات العلمية والعقلانية الفلسفية في القرن السابع عشر. ولكن ألا نستطيعُ، انطلاقاً من ذلك، أن نلاحظ أنَّ مجتمعاتنا هي مجتمعات الوصاية بامتياز؟ ألا نستطيعُ أن نتفقَ مع الراحل هشام شرابي عندما لاحظ أنَّ أبرز ما يُميز هذه المجتمعات هو “الأبوية” أو بنية المجتمع “البطريركية” القائمة على الوصاية وقمع الفرد وسيادة ثقافة الإخضاع التراتبية؟ هل يُمكننا، بمعنى ما، توقعُ ازدهار الفلسفة في مجتمع تقليدي لم يعرف الحراك التاريخي الضروري الذي يشكِّل مبدأ إمكان انبثاق قيم الحرية الفردية واستقلالية النظر؟ هذا، ربما، ما يكشفُ عن ملمح أساسي من ملامح ميلاد الفلسفة في الغرب الليبرالي الحديث.
ولنا أن نلاحظ كيف أننا لم نعرف الثورة الليبرالية بمفهومها العميق في تاريخنا السياسي والاجتماعي. أو قل إنَّ بعض البلدان العربية عرفتها، نسبياً، في صورةٍ هشة وعابرة سرعان ما أجهضتها قوة الأشياء بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، والعالمُ العربيُّ يقعُ تحت سحر الأيديولوجيات الثورية والقومية في شكلها الأكثر فظاظة ومعاداة لحريات الفرد الأساسية وحقوقه. إنَّ الفلسفة في عالمنا العربي ورثت سوءَ السمعة والذكر منذ العصور الوسطى كما لاحظنا. أما في العصر الحديث فقد دخلت حياتنا بنوع من الاحتشام، وظلت مرتبطة سوسيولوجياً بالنخب قليلة العدد – أعني تلك التي درست في الغرب؛ ومؤسَّسياً بالجامعة التي زرعت زرعاً في قلب المجتمع التقليدي. ونستطيعُ، على العموم، أن نلاحظ أنَّ حضور الفلسفة عندنا لم يتجاوز الترجمة والبرامج المدرسية المنقولة عن الآخر الأوروبي. لم تكن الحاجة إلى الفلسفة أصيلة في مجتمعاتنا، والدليل على ذلك أنَّ الكثيرَ من البلدان العربية لا يزال يمنعُ تدريسها أو على الأقل يرتاب منها.
وإنه لأمرٌ فادحٌ فعلاً ألا نشعرَ بالحاجة إلى الفلسفة التي تمثل، جوهرياً، وجهَ إنسان جديد يرومُ فهمَ العالم والسيطرة عليه وتأسيس وجوده في أفق الحرية والإبداع لحظة انبلاج فجر الوعي على خرائب التقاليد المؤسِّسة لثقافة الإخضاع والقمع. لا يمكنُ للفلسفة أن تزدهرَ في مجتمع لا عقلاني وأبويٍّ كالمجتمع العربي. فالعوائقُ كثيرة، وأهمها العائقُ الثقافيُّ والعائقُ السياسي. علينا أن نعترفَ بأنَّ الشيخ المُعمَّمَ والسياسي العسكري هما واجهة مجتمعاتنا ثقافياً وسياسياً. ثقافة الأجوبة النهائية والمُسبَّقات المطلقة تستلزمُ نظاماً حارساً وأجهزة وصاية على العقل. وربما أُتيح لنا، هنا، أن نتساءل نقدياً عن ثقل حضور البنيات السوسيو- ثقافية العميقة التي لم تتزحزح إلى اليوم مؤبدة، بذلك، زمننا الثقافيَّ الراكد. ولكن رغم هذا نجحنا، إلى حد ما، في تقديم شهداء صعدوا إلى جلجلة العقل، مواجهين مؤسَّسات التكفير وتحالفَ الرجعية الدينية مع استبداد الأنظمة القائمة.
والأمثلة على ذلك كثيرة. كان على المشتغلين بالفلسفة أن يظلوا أسرى دائرة الترف الفكري بعيداً عن الإزعاج وعن التدخل في مجالات التابو الديني والاجتماعي والسياسي أو المساءلات الجذرية التي تطول أسسَ حياتنا بكل أوجهها. لقد كان المطلوب من الفيلسوف العربيِّ أن يبقى كائناً غرائبياً لا يطرحُ سؤالاً واحداً حول قيمة التراث أو شرعية المؤسسات القائمة والكوابح التي تحول دون احتضان الحداثة باعتبارها زمناً حضارياً جديداً دشن عهدَ سيادة الإنسان واحتلاله مركز دائرة القيم مكان المُقدَّس القديم. ورغم تحالف الإعلام الرسمي مع ثقافة الارتداد عن العقل؛ فإن الفلسفة العربية نجحت، نسبياً، في أن تُفلتَ من أداء دور الجارية في السراي، واستطاعت أن تُنتجَ مشروعات نقدية كبيرة أيقظتنا، بمعنى ما، من “السُّبات الأيديولوجي” الذي ميَّز مراحل طويلة من نضالنا على درب بناء الدولة الوطنية والانعتاق من رواسب الماضي والهيمنة الغربية الموروثة عن الاستعمار في آن واحد. إن الفلسفة، بطبيعة الحال، تخضعُ لإيقاع عصرها وتنبعُ من حاجاته الروحية والأيديولوجية.
وربما هذا ما يعيشه الغربُ اليوم وهو يشهدُ “عودة الفلسفة” والاهتمام بها على المستويات الشعبية والإعلامية. لقد لاحظ الكثيرون أن صورَ الفلاسفة أصبحت تتصدَّرُ أغلفة المجلات الكبرى في فرنسا مثلاً. لقد أصبح الفيلسوفُ نجماً؛ وأصبح حكيماً يُقدمُ للناس فناً للعيش، أو يحاول أن يُجيبهم عن السؤال الكبير: “ما الحياة الطيبة للبشر الفانين؟”، كما يحب أن يُعبِّرَ الفيلسوف الفرنسيُّ لوك فيري. فربما ثمة حاجة إلى الفلسفة في عالم فقد مرتكزات الثقة في المستقبل؛ أو ثمة حاجة إلى حكمةِ عيش جديدةٍ بعد نهاية العصر الأيديولوجي وتحطم بوصلة الاتجاه والآمال الخلاصية الكبرى. أصبح الناسُ بحاجة إلى أن يتعرَّفوا، من جديدٍ، على العالم من حولهم وأن يعتصموا بهويتهم باعتبارها طوق النجاة في محيط التاريخ غير الواثق. من هنا تجدُّد الحديث عن “تدهور الغرب” مع ما يرافقُ ذلك، بالطبع، من شيوع حسِّ النهايات التراجيدي وطلب الحكمة الرواقية القديمة. كأنَّ هناك شعوراً مضمراً في الغرب، اليوم، بأنَّ نهاية حضارته الوشيكة هي نهاية العالم. إنَّ تحول الفلسفة إلى حكمةٍ أو فن للعيش قام على أنقاض الأيديولوجيات الخلاصية المنهارة وتنامي الوعي بأنَّ الحلمَ الثوريَّ نفسه أصبح “غير مرغوب فيه” كما صرَّح بذلك ميشال فوكو في نهاية السبعينيات. لقد انتصبت، مؤخراً، في طرق اللحظة السديمية الوعرة مناراتٌ جديدة كالرواقيين وأبيقور ومونتيني وكامو، مكان ديكارت وماركس أو ماركوز.
كأنما أصبح يُطلبُ من الفلسفة أن توفر مفاتيح لفهم مغاليق عالم مُنهَكٍ تتثاقل خطاه اللاهثة على أعتاب المعنى المضمحل في زمن حداثة الأزمات. يبقى هذا الملمح الأبرز اليوم، بطبيعة الحال، فرنسياً وأوروبياً؛ ولكنه يُشير إلى مصائر الفلسفة في مهادها الأولى دون أن ينفيَ، بكل تأكيد، ملامح أخرى مهمة يمثلها العقل الفلسفيُّ وهو يتوسل السُّبل إلى مبدأ جديد للمعنى ينهض على أنقاض المتعاليات والمقدَّسات المنهارة، أو يتأمل مصيرَ الإنسان ومستقبله في ظل ثورة التكنولوجيا البيولوجية وما تطرحه المخاطرُ البيئية من تحديات مثلاً. متى يتمُّ عندنا، من جديدٍ، عقدُ مصالحة تاريخية مع الفلسفة؟ متى يتمُّ استئنافُ القول الفلسفي العربي في حياتنا الثقافية بعد الانقطاع التاريخي الكبير والقطيعة مع بدايات كانت واعدة بأن تقذفَ بنا في أفق الكونية؟ أعتقدُ أنه تقعُ على كاهل نخبنا جميعاً مسؤولية النضال من أجل أن تكتسبَ الفلسفة حقَّ المواطنة في المدينة العربية التي لا تزال، في عمومها، تحمل صفات “مدينة الله” لا “مدينة الإنسان”.
على المفكر العربي أن يُشرعنَ لحق السؤال في نثر الشوك على سرير الآلهة وأن يُمهِّدَ لميلاد الفرد العربيِّ المُستقل فكراً وسلوكاً في صورة انتفاضةٍ تاريخية ضدَّ صورة غاليلي العربي – المسلم الذي يبدو أنه أصبح أطول البشر عمراً بعد أن ارتدَّ إلى مجرَّد ذكرى تحت سماوات أخر. فلا تزال حياتنا آهلة بالأشجار المُحرَّمة في ميادين المعرفة والنقد وما يؤسِّسُ لألق الحياة وجدارتها. ولا تزال الأيدي مشلولة أمام رغبة قطف ثمار المعرفة المُحرِّرة. أو إن شئنا ردَّدنا مع الأستاذ الجابري قوله “إن الدولة اللا ديمقراطية لا تتحمل (وقاحة) الفلسفة والفلاسفة”. ولكننا نستطيعُ أن نضيفَ اعتقادنا أنَّ المشكلة، في عمقها، ليست سياسية فحسب وإنما هي ثقافية واجتماعية أيضاً. إذ لا يمكنُ أبداً أن تزدهرَ الفلسفة إلا من خلال انبثاق “الكوجيتو” العربي الذي ظل صوته مبحوحاً في دهاليز التاريخ وهو يُعيدُ إنتاج بنيات القمع ويتناسل استبداداً وطمساً للحرية من خلال سيادة “الرؤية الواحدية” التي اجتمع فيها الحلفُ المُقدَّسُ للسماء وظلها كما يحب أن يُعبِّرَ أدونيس: ويعني بذلك الرؤية الدينية المغلقة من جهةٍ، والحاكم بأمرها من جهةٍ ثانية.
فمن دون عِتق الكوجيتو العربي كما ذكرنا لن يتحرَّرَ، في اعتقادنا، النظرُ خارج أسيجة العقائديات المتصلبة التي أسرت العقل وعزلته عن التحولات الكبرى التي يعرفها العالم. أقول هذا وأنا أستحضرُ، بنوع من الأسى على حالنا اليوم، انفتاحَ العقل العربي ماضياً على الكونية من خلال إسهام الكثيرين من أسلافنا نظير “فيلسوف العرب” الكندي في رسالته المشهورة “في الفلسفة الأولى” إلى الخليفة المعتصم. وهو الشيء الذي دفع بالمتفلسف التونسيِّ فتحي المسكيني، إلى اعتبار ما جاء به هذا الفيلسوف الرائد، اكتشافاً عربياً لـ”كونية الحقيقة” كسر حواجز الانتماءات الدينية والأسيجة الطائفية وذهنية احتكار الحق التي ميزت كل الثقافات السابقة.
لقد مدَّ العقل العربيُّ في أوج عنفوانه الحضاريِّ جسوراً واثقة نحو الآخر مؤمناً بتقدم المعرفة وازدهارها من خلال تراكم الجهود. ولعل فيلسوفَ قرطبة ابن رشد أن يكون أبرز من مثل ذلك في رسالته الصغيرة -ذات الأهمية العظيمة- “فصل المقال” والتي علق عليها البروفيسور الراحل محمد أركون، بقوله “إنَّ ابن رشد إذ يقول بأنَّ العقل البشريَّ قادرٌ على إنتاج الحقيقة باستقلالية كاملة، وأنَّ هذه الحقيقة هي التي تستطيعُ وحدها أن تفسِّرَ الحقيقة المُوحى بها، وإذ يُشدِّدُ على ضرورة التضامن التاريخي ما بين مفكرين ينتمون إلى عصور وديانات مختلفة -حتى الوثنية منها- وعلى إمكانية هؤلاء المفكرين في إنجاز حقيقةٍ عقلانية، فإنه بذلك كله يُغلب التاريخ المحسوس على التاريخ المتعالي، ويعاكسُ الحقيقة العمودية التدشينية والمطلقة بحقيقةٍ أفقية تقدمية قابلةٍ للتعديل والتصحيح باستمرار.. إنه بذلك (ابن رشد) قد افتتح للفكر الإسلامي ساحة الحداثة العقلية التي ستشقُ طريقها (لاحقاً) في الغرب …”. ربما لن نجانبَ الصواب -انطلاقاً من ذلك- إن تناولنا إخفاقنا التاريخيَّ من زاوية “سوسيولوجيا الفشل” التي اقترحها محمد أركون نفسه؛ من أجل الكشف عن الأسباب العميقة -غير العرقية- لانتكاسة العقل الفلسفيِّ والعلمي والنقدي في تاريخنا؛ وهو الشيءُ الذي زحزح، كما هو معروف، مصائرنا خارج مدارات الفعل الحيِّ الخلاق.