من الفتح الإسلامي إلى الغزو: أين تبدأ الحكاية؟
عدنان: أعزائي عزيزاتي أهلًا وسهلًا ومرحبًا. ما زالت مفاهيم تاريخية إشكالية، مثل الفتح الإسلامي وهو التعبير المستخدم عربيًا للإشارة إلى فتح الأندلس، وما يقابله إسبانيًّا من غزوٍ إسلاميٍ وحروب استرداد، ما زالت هذه المفاهيم تثير الجدل حتى اليوم في أوساط المستشرقين والمستعربين الإسبان. وإذا كان التاريخ الإسباني الرسمي يعتبر عبور جيش طارق بن زياد للمضيق في إطار غزو عسكري امتدادًا للحرب المقدسة التي انطلقت من شبه الجزيرة العربية مع بداية القرن السابع عشر بهدف نشر الدين الإسلامي في الممالك المسيحية لشبه الجزيرة الإيبيرية، فثمّة وجهة نظر أخرى ترى أن العرب لم يغزوا الأندلس بالسيف بل ولجوا منطقة كانت في حالة صراع وتحولات، فاستقروا في شبه الجزيرة الإيبيرية وتمكنوا على مدى ثمانية قرون من نشر حضارتهم في الأندلس.
فالأندلس حسب هذا الرأي ليست ثمرة غزو ديني أو حرب مقدسة بل هي نتيجة عملية بطيئة من التغيرات الشائعة آنذاك في محيط المتوسط تعززت في شبه الجزيرة الإيبيرية بسبب انهيار المملكة القوطية. فما حدث في شبه الجزيرة الإيبيرية لم يكن غزوًا ناجمًا عن حرب مقدسة بل سلسلة من موجات الهجرات المتلاحقة ولدت عملية تعريب للمنطقة.
ومن أهم الأسماء التي انتصرت لهذا الطرح المستعرب الإسباني الدكتور إيميلو غونزاليث فيرين أستاذ الفكر العربي والإسلامي في جامعة إشبيلية ورئيس قسم اللغات الحديثة فيها، رئيس مرصد البحر الأبيض المتوسط، صاحب العديد من الإصدارات بالغة الأهمية: الكلمة المنزلة مدخل في القرآن، قصة الأندلس: الأندلس الشرق في الغرب، إضافة إلى كتابه الأشهر “عندما كنا عربًا”. دكتور إيميلو أهلًا وسهلًا ومرحبًا بك.
فيرين: أهلًا بك شكرًا جزيلًا وأشكركم جميعًا على الضيافة.
هل انتشر الإسلام في إسبانيا بحدّ السيف؟
عدنان: أهلًا وسهلًا، سننخرط معك في سياق الحرية الفكرية التي تعيشونها وتتمتعون بها في الجامعة الإسبانية، وربما هي التي صالحتك دكتور فيرين أنت وعدد من الباحثين الإسبان مع أصولكم العربية ومع الثقافة العربية الإسلامية التي كان لها الدور الأكبر في بناء الشخصية الإسبانية الحديثة. أريد أن أعرف منك بداية الأسس التاريخية والمنهجية لهذه المصالحة.
فيرين: بالنسبة لي أنا لست بطلًا ولست رائدًا ولكن استمر في تقليد أكاديمي يسمى” المنهج التاريخي النقدي”، يعني نحن نقرأ المخطوطات الكتب المقدسة ككتب، ولسنا ملفوفين بالغموض ولكن نحن نبتعد عن الكتاب، ونجد الأسرار الأدبية في الكتاب. يعني بالنسبة لي هناك اتجاه كلاسيكي في إسبانيا واتجاه تاريخي نقدي، وبالنسبة لي كباحث هذا التقدم بالنسبة للجامعة، نحن في الجامعة لسنا لنصلي لسنا لنتابع ولكن لنسأل ولنتساءل.
عدنان: هذا الفضاء الذي يحتضن الأسئلة وقلق الأسئلة ربما هو مثل ما تفضلت فضاء تنخرطون في إطار تقليد أسسه السابقون وأنتم تستمرون في هذا العمل. لهذا ربما ما أقرأه لك من كتابات يذكرني مباشرة بمؤرخ كبير وهو إغناسيو أولاغوي صاحب كتاب شهير صاحب كتاب “العرب لم يغزوا الأندلس” وهو الكتاب الذي غير الكثير من المفاهيم التاريخية. أنا أريد أن أعرف كيف ساهم أولاغوي في تشكيل أفقك الفكري؟
فيرين: أولاغوي هو مشهور جدًا وهو مثير للاهتمام ليس فقط بهذا الكتاب ولكن بكتاب آخر من قبله..
عدنان: انحدار إسبانيا تقصد؟
فيرين: لا، هو كان “علم الحفريات”، وهو كان له المنهج العلمي الحقيقي، وهو ألف كتاب كان اسمه “الانحدار الإسباني”، بالمقارنة بكتاب آخر بعنوان “الانحطاط في الغرب” للمؤلف بأوسفالد شبينغلر الكاتب الألماني. ما قال أولاغوي في “الانحدار الإسباني”؟ .نحن ابتعدنا عن العلم، نحن ابتعدنا عن التنوير الأوروبي، لأننا ككاثوليكيين لم نقبل التقدم، وهناك الجريمة بالنسبة لنا كإسبان. في هذا الكتاب العظيم، كتاب بأربعة مجلدات، هو اكتشف أنوارًا جديدة بالنسبة لتاريخنا. وبعد ذلك، وهذا كان مكتوبًا بالخمسينيات في القرن العشرين، وبعد ذلك هو ألّف كتاب “الثورة الإسلامية في الغرب”، هذا كان العنوان الأصلي “الثورة الإسلامية في الغرب”، وفيه لم أرَ الاحتلال، لم أرَ الغزو، لم أرَ أي حكومة غربية، والذي أمر والذين دخلوا إلى إسبانيا، لأنه ليس عندنا المخطوطات، ليس عندنا أي دليل من دلائل الفتح، وهو في آخر الكتاب اقترح أنه ممكن كان الإسلام نتيجة لأطراف الحضارات في البحر الأبيض المتوسط، وليس دينًا امتدادُه كان بالسيف، ولكن بالتجارة وبالمسودات الحالية في البحر الأبيض المتوسط. هذا مهم جدًا بالنسبة لي وأنا تابعت الاتجاه.
عدنان: تابعته وأكدته، وأنت تنفي فكرة الغزو الإسلامي للأندلس وتقول بأن تاريخ إسبانيا يقوم على كذبة كبيرة هي الغزو العربي الإسلامي. كيف ذلك؟
فيرين: نحن لسنا المخطوطات، نحن دلائل للاحتلال، يعني بالنسبة لي هناك فكر أصلي مهم جدًا، الإسلام ليس فقط دينًا، ليس فقط حضارة، ليس فقط المجتمعات المعاصرة، ولكن كل الثلاث معًا، ولابد أن نبين هذه الأطراف، يعني ما كان الدين الأصل، وبعد ذلك النتيجة الحضارة، ولكن بالعكس، يعني في كل البحر الأبيض المتوسط بالمد المتصاعد، يعني الموجات الثقافية بكل الاتصالات التجارية بكل الاتفاقيات، كروما الجديدة في كل البحر الأبيض المتوسط، نشأت ثقافة جديدة، وليس بالسيف من الشرق إلى الغرب، وليس حكومة سوريا التي احتلت إسبانيا، كل هذا يعني رواية، رواية مبنية بعد 200 سنة بعد السنة 711 م.
عدنان: 711 م، الذي هو تاريخ دخول طارق بن زياد..
فيرين: هذا ما يقال.
عدنان: طبعًا، هذا ما يقال، ولكن مثلما تفضلت مر قرنان على كتابة هذا التاريخ.
فيرين: صح.
هل شوّهت الكاثوليكية تاريخ إسبانيا؟
عدنان: وربما أنت تتحدث عن التباس هذه المنطقة أو هذه الفترة الزمنية، إنما تقول بأنه تم استغلال ربما هذه الفراغات من أجل إعادة إحياء الإيديولوجيا الوطنية الكاثوليكية القديمة، سؤالي هو: كيف ساهمت إعادة إحياء هذه الإيديولوجيا في استغلال الحاضر لتشويه الماضي الأندلسي.
فيرين: الإيديولوجيا الكاثوليكية الإسبانية كانت ككي الملابس ضد كل التضاريس التاريخية، ليس فقط في إسبانيا ولكن في إسبانيا، في إيطاليا، في كل البحر الأبيض المتوسط، يعني الإيديولوجيا الكاثوليكية بُنيت في القرن التاسع عشر مع استقرار الملكة إيزابيل الثانية التي كانت في حاجة إلى أي أصل من قبل احتلال المغرب للقوات الإسبانية في حروب المغرب، وألّفت في أول مرة، كان مكتوب في أول مرة، كتاب (مصطلح أسباني) كان يُسمى “تاريخ إسبانيا العام”، وفي “تاريخ إسبانيا العام” ظهرت لأول مرة الاستعادة الكاثوليكية في شبه جزيرة الإيبيرية.
عدنان: هذه سردية تُبنى في الواقع..
فيرين: طبعًا. وخرافة خرافة.
لماذا يخلط الأوروبيون بين المسلمين والإسلاميين؟
عدنان: بالنهاية السرديات فيها نصيبها من الخرافة ومن الأسطورة مثلما تفضلت، ولكن أنت تحاول بالنهاية أن تقترح قراءة جديدة، بعيدًا عن هذه السرديات القومية والإيديولوجية التي بالنهاية خارج مضامينها الخرافية، تفضل القول نحن رومان ولسنا موريين، كما تتبرم من المقاربة التي تخلط عمدًا ما بين المسلمين والإسلاميين، يعني هذا ردك على هذه السرديات، سؤالي هو: ما هو منهجك لتصحيح هذه المفاهيم التاريخية الخاطئة التي تحاول أن تقارب موضوع الإسلام وهذا التاريخ دون تقديم فهم أعمق للعلاقة بين الإسلام والثقافة الإسبانية؟
فيرين: لهذا لازم نبدأ بالبداية، يعني هناك إسلام كدين، إسلام كحضارة، إسلام كمجتمعات حديثة، وهناك أيضًا طرق مختلفة في خرافتنا لامتداد الديانة [اليهوديين] بالدين، عفوًا بالدم، وبالتشويش بين [اليهوديين] و[اليهوديات] المسيحيين، بـالكتب، السلامة، والنصيحة للناس في أطراف العالم، والإسلام. بالسيف بالحرب والحروب والاحتلال، هذا بالنسبة لي أصل المشكلة لكي نفهم التطورات، الثقافات في البحر الأبيض المتوسط.
عدنان: والخلط ما بين المسلمين والإسلاميين..
فيرين: الخلط؟
عدنان: أنت أيضًا تسجّل على الخطاب وعلى السرديات، ليس فقط إسبانيا وكل أوروبا عمومًا أنها تخلط ما بين المسلمين والإسلاميين.
فيرين: تمام. الإسلام بالنسبة لي صفة الإسلام بالنسبة لي الإسلام كحضارة، وصفة المسلم بالنسبة للإسلام كدين، يعني لو أنا وأنا رجل ديني، لو أنا أتكلم حول القرآن والأحاديث وإلى آخره، أنا يعني أكتب بأشياء مسلمة، ولكن لو أنا أتكلم عن العمارة، عن الكتب، عن العلم، أنا أتكلم بأشياء إسلامية. هكذا يعني بالنسبة لي هذا الفرق. لما نتكلم عن غزو إسلامي أو غزو مسلم أو غزو عرب، ليس عندنا مخطوطات في القرن الثامن يُسمي أي شيء عرب أو مسلم أو إسلامي، يسمى أحيانًا أبناء غار، أحيانًا شرقيين إلى آخره.
هل شهدت الأندلس تعايشًا حقيقيًا بين الديانات الثلاث؟
عدنان: هذا مهم عندك، لأني أحب لديك هذه الدقة في تحديد المفاهيم، يعني الفرق ما بين المسلم والإسلامي، ولكن أيضًا أنت تنتبه إلى هذا الخلط ما بين ما هو عربي وما هو إسلامي، وتُصّر على تبديد هذا الخلط. في كتابك “عندما كنا عربًا”، توقفت عند شيء من هذا.
فيرين: لما أنا ألفت الكتاب “عندما كنا عربًا”، هذا بمعنى أننا كلنا تكلمنا باللغة العربية، يعني العروبة كثقافة. هناك كتاب مشهور جدًا في هذه الأوقات الأندلسية يُسمى “تثليث الوحدانية”، وفيه مسيحي في نقاش مع يهودي ومع مسلم، هو يدافع (عن) أهمية التثليث المسيحي بالنسبة للوحدانية الدينية، الوحدانية الإلهية بالإسلام، يعني هو يقترح أن المسيحية هي الحل لكي ندافع (عن) الوحدانية. تمام، هذا النقاش بين رجل مسيحي ويهودي ومسلم، كلهم (يتحدثون) باللغة العربية، هذا يعني بالنسبة لي أهمية الأندلس كثقافة، وأهمية في الكتاب “عندما كنا عربًا”. تخيل هذا النقاش مثلًا في ألمانيا في القرن العشرين، في 1930، تخيل أي يهودي ضد أي نازي حول الدين أو حول السياسة. لا ليس هناك نقاش، ليس هناك تبادل الأفكار. في إسبانيا في الأندلس، الأندلس كشبه الجزيرة الإيبيرية، كان التعايش، والتعايش محيد، التعايش في اللغة الإسبانية (Confidencia) هذه الكلمة بمعنى “نحن الآن معًا في نفس الأرض”. وبالنسبة لي الإسباني هو من كان في إسبانيا في أي من أوقات تاريخ إسبانيا، وبالنسبة لي أهمية تاريخ إسبانيا هي أهمية لا الإيديولوجية الإسبانية أو القومية، بل إسبانيا كمنطقة كشبه الجزيرة الإيبيرية.
ما الذي يربط نصوص القرآن بالتوراة والإنجيل؟
عدنان: تمامًا، ومثلما تفضلت بالنهاية الإسبان هم كل الذين مروا من هناك وصنعوا الحضارة هناك، ومن حقكم أن تفخروا بهم ومن حقنا أيضًا أن نفخر بهم لأن المشترك لدينا هو الثقافي، وهذا الثقافي يستطيع أن يسافر ويتجاوز الجغرافيا. ومعروف عنك أنك وأنت تشتغل على الإسلام تركز دائمًا على الإسلام الثقافي، وبهذه الروح عدت إلى القرآن لتدرسه أولًا في الإطار الزمني والتاريخي الذي نزل فيه، ثم بعد ذلك درست طريقة تفسيره في العصور الوسطى في الأندلس. لماذا كانت هذه العودة إلى القرآن ضرورية لمؤرخ مثلك؟
فيرين: في الحقيقة ما كانت عودة ولكن بداية، يعني أنا لما حصلت على الليسانس في غرناطة، سافرت إلى مصر في القاهرة ودرست في كلية (دار) العلوم، درست العقيدة الإسلامية، درست الديانة المقارنة، ووجدت في قراءتي الأولى من القرآن الكريم أنه كان من الممكن أن نفهم أشياء من ديني في دين الآخرين، في كتب الآخرين، ووجدت كل الأقباط في القاهرة، ووجدت كل المعابد اليهودية في الشرق الأوسط.
فيرين: فهمت أن الدين والثقافة والتاريخ نفسه تغلغل كل الأطراف من أي دين من أي ثقافة من أي بلد من كل أطراف البحر الأبيض المتوسط.
في كلية الدين، في كلية علوم الدين في القاهرة، بدأت أطروحتي للدكتوراة حول الشيخ الإمام محمد عبده، وعزمت على ترجمة بعض الرسائل منه خصوصًا رسالة التوحيد، وهو اقترح مفهومًا عولميًّا بالنسبة للإسلام كدين، يعني الإسلام ليس جنسية ليس هوية، ولكن وجهة نظره الموروث من كل شعوب البحر الأبيض المتوسط.
أنا قرأت القرآن الكريم وألّفت كتابًا حول تنزيل القرآن، وقمت بقراءة لا تقليدية ولا دينية، ولكن ثقافية من القرآن، وأعجبت مما فهمت وقرأت بالقرآن بالنسبة للأبطال بالنسبة للرائدين، بالنسبة لكل الروايات المكتوبة بالقرآن التي موجودة أيضًا في التوراة في الإنجيل إلى آخره. وفهمت القرآن كنتيجة، وبالنسبة لي هذا كان نقطة البداية للفصل الأول كمؤرخ، لابد أن نفهم التاريخ كإضافة وليس كقومية أو هوية اجتماعية.
هل كلمة “الجهاد” تعني الحرب أم جهاد النفس؟
عدنان: تمامًا، يعني ماذا سأضيف ولا يكفي أن أردد ما تردده قوميتي وأن أبقى دائمًا محافظًا على هذا الإجماع وعلى تماسكه.
يثيرني أيضًا ما تفضلت بقوله الآن من أنك حاولت أن تقرأ القرآن قراءة ثقافية، والحال أن القراءة الثقافية التي نحتاجها اليوم ردًا على القراءة الإعلامية البسيطة والمتهافتة، وأنت توقفت مثلًا عند كلمتي جهاد وسجلت الفرق الكبير بين كلمة جهاد في النص القرآني ككلمة تعني “جهاد النفس ضد شرورها” وبين كلمة جهاد الإعلامية التي تعني ببساطة “الاعتداء الإرهابي على مواطني الغرب”، هكذا ترددها التلفزيونات عبر العالم.
فيرين: نعم. يعني اليوم لو أنت تقول إنك متخصص في الدراسات الإسلامية، هم يسألونك وما رأيك بالجهاد والجهاديين؟ يعني بالنسبة للجهاد، للكلمة هناك معنى ديني موجود في القرآن، يعني أنا قرأت وترجمت 33 مرة كلمة جهاد في القرآن، وبعد ذلك في الحروب الصليبية، جهاد كالعدو على العكس من الحروب الصليبية، يعني من الصليب..
عدنان: الصليبية.
فيرين: الصليبية، اسمح لي. ليس من الممكن أن نترجمه كحرب بالقرآن، الجهاد في القرآن والمجاهد في القرآن مثل: اجتهاد اليوم، كقوة للمؤمن لكي نقدم العالم، وهناك يعني… أنا قلت قبل التصوير، إننا نحن نحاول أن نترجم القرآن مرة أخرى إلى اللغة الإسبانية واللغة البرتغالية معًا، نحن نحاول أن نترجم كل هذا من وجهة نظر ثقافية من المنهج التاريخي النقدي، أي خارجًا مما يبحث عن أن يفهم القرآن والإسلام كعدو، ومما من داخل ملفوف بالإيمان تمامًا.
عدنان: وأنا حقيقة يعني أريد أن أنوه بهذه المبادرة، أنك تشتغل ضمن فريق الآن على ترجمة جديدة للقرآن الكريم، أهم شيء فيها هو أنها لا تصدر عن تبنٍ إيماني من موقع الإسلام، ولا رفض من موقع المسيحية أو محاولة لـ.. وإنما محاولة محايدة لترجمة النص باعتبارات التاريخ واللغة والفيلولوجيا وما إليه، كل توفيق في هذا المشروع.
فيرين: شكرًا جزيلًا.
كيف صُنعت سردية “فتح الأندلس”؟
عدنان: نستأنف حوارنا.. تقول بأن الدولة الإسبانية تستمد جذورها الأيديولوجية مما يسمى بالاسترداد. وطبعًا من دون غزو لا توجد حروب استرداد، إذن كيف ساهمت هذه الإيديولوجية في تأسيس الكينونة الإسبانية، ثم كيف وجهت السردية الإسبانية الرسمية الخاصة بفتح الأندلس؟
فيرين: ليس من الممكن أن نفهم إسبانيا، بدون أي وقت من أوقاتنا كمنطقة، يجب أن نرفض الإيديولوجية المعاصرة ضد الإسلام، عندما قلت إن بدء استعمال واستخدام كإيديولوجية كلمة “استرداد” أو “استعادة” لبناء إسبانيا. ليس من الممكن أن نفهم بناء إسبانيا كثقافة أو كدولة بدون أن نرى البحر الأبيض المتوسط، يعني تم بناء إسبانيا من الجنوب ولكن الرواية، الخرافة، بدأت من الشمال من “أستوريا”، من الحروب ضد الغزو الإسلامي. يعني لو أردنا أن نحذف الحرب في البداية ونحذف الحرب في النهاية لا بد أن نقرأ ثمانية قرون كثقافة إسبانية لأن إسبانيا هي كل ما حدث في إسبانيا الحالية. بالنسبة لي مهم جدًا التاريخ الذي أدخل كلمة “الاسترداد” والاستعادة في المعجم الأكاديمي في إسبانيا 1936، 1936 قبل الحرب الأهلية، قبل الجنرال فرانكو، قبل أوقات الحكومة الاستبدادية، يعني ليس إيديولوجيا فرانكية (نسبة إلى فرانكو) ولكن من قبله ولابد أن نقبل أنه بصفة تبعية الإسبان هم فكروا أننا بدأنا في الاسترداد.
هل الإسلام حضارة تجارة أم غزو السيف؟
عدنان: أنت تقول بأنه مثلًا الغزو وحرب الاسترداد، هي ساهمت كأيديولوجيا في تأسيس الكينونة الإسبانية، ولكنها ما تزال ضاغطة حتى اليوم، بل أنت ترى بأن كل ما له علاقة بالغزو والاسترداد وما إليه هو الأساس الأيديولوجي للإسلاموفوبيا اليوم.
فيرين: تمام أنا موافق، كما تزايدت الإسلاموفوبيا تقدم اعتبار الغزو واعتبار الاسترداد، واعتبار بناء الآخر.. كعدو، وليس الآخر متبدل كشخص أمامي، بالنسبة لي في هذا بناية الآخر هناك اعتبارات مجهولة، يعني.. لماذا عندنا مغاربة في إسبانيا؟ ومغاربة في فرنسا؟ لماذا عندنا هنود أو باكستانيون في إنجلترا؟ لأن عندنا أتراك في ألمانيا؟ ليس بنسبة المهاجرين الحاليين ولكن بسبب الاستعمار. يعني استعمرنا المغرب، وبعد ذلك اعتبرنا المغرب كقسم من أقسام بلدي، ولهذا السبب اتصلنا بشيء.
الاستعمار. كان هناك ما يسمى الاعتبار المستبد للعالم. الاستعمار، كان كقطار هرس كل التقاليد، أي نوع من الثقافات المختلفة في العالم.
لهذا السبب أنا حافظ جنسيتي وهويتي، وأنت جنسيتك وهويتك. وفي هذه الحرب الباردة، ليس مكان للتعايش. ونحن في أوروبا الآن عندما أي عاطل عن العمل، يقول: أنا ليس عندي عمل لأنك في بلادي، هو لا يفهم أنك، كأنني نحن في بلادنا، وكان الاستعمار الذي ارتفع والذي بنى (أسس) هذه المشكلة.
عدنان: هذا هو، أنت تعيد الأمور إلى أصولها كمؤرخ، يعني الظاهرة الاستعمارية ليست ظاهرة سننساها اليوم. هي تتحمل مسؤوليتها عن واقع الهجرة في أوروبا الآن ولا يمكن استبعادها، ونحن..
فيرين: شكرًا للمساعدة.
كيف تحوّل الدين إلى تاريخ وظلّ التاريخ أسيرًا له؟
عدنان: لكي تتضح الفكرة أكثر لأنه أنا قرأت الفكرة عندك، وأعرف أنك تحاول أن تختصر الآن ولا تستفيض. إنما في محاضراتك كثيرًا ما تستشهد بمقولة في الحقيقة رائعة لراشيل آرييه، تقول إن رواية غزو الشمال الغربي لإفريقيا ولإسبانيا تنتمي أكثر إلى التقليد الديني منها إلى التاريخ. هل تقصد -وأنت تستعيد هذه المقولة- هل تقصد أن رواية هذا الحدث، هي رواية دينية بالأساس؟ إذن السؤال هو كيف يتحكم ما هو ديني في ما هو تاريخي؟ وهل هناك عناصر دينية عملت على تزييف تاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية مطلع القرن الثامن الميلادي وفيما تلاه من قرون؟
فيرين: بالنسبة لي هذا ليس مشكلة إسبانية وحدها، ولكن في تاريخ الإسلام بصفة عامة، يعني لما تقرأ مخطوطات وكتب مثلًا “الطبري”، المؤرخ المشهور أنت تفهم أنه بنى.. هو فعل شخصية، كنحن فعلنا هذا في البداية، ولكن في المخطوطات غير العربية من قبل “الطبري”، نفهم أن هناك الأغاريين، اليهود، الكنعانيين، الآشوريين، شعوب متعددة فعلوا شيئًا فشيئًا كل ما نحن الآن نفهمه كالإسلام بالنسبة لدار الإسلام.
في رأيي المهم أن نفهم أن بداية الإسلام ليس الدين ولكن التجارة، حتى في القرآن هناك جملة “يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ” (البقرة: 254)، ما معنى هذا؟ الصداقة والتجارة المهم بالنسبة للتربية وبالنسبة للاتصال والامتداد بكل ما يمكننا أن نعتبره كمسلم وكإسلامي، من خلال كل طرق التجارة سافر الدين واللغة وسافرت المنتجات والرجال والنقود. عندنا لدينا نقود منقوشة باللغة العربية حتى في إنجلترا، لأن النقود كانت (تأتي) من البحر الابيض المتوسط، النقود العربية، كانت الفلوس المهمة بالنسبة للتجارة. أين المشكلة؟ المشكلة ليست في الإسلاموفوبيا الحالية، ليست في اعتبار الإسلام اليوم، ولكن في تاريخ الإسلام. لابد أن نفهم أن الإسلام كان وريث روما، ليس كإمبراطورية ولكن كتجارة. تجارة ممتدة في كل البحر الأبيض المتوسط.
بين ابن خلدون وابن تيمية.. أي مستقبل اختاره العرب؟
عدنان: دائمًا أنت تعود..
فيرين: إلى التجارة دائمًا.
عدنان: تعتبرها أصلًا. ولكن بالنهاية السرديات المتصارعة تحتاج إلى ما تُغلِّف به حتى أهدافها البراجماتية الملموسة. لهذا مثلًا، نجد أن القوميات مثلًا والديانات والأصوليات القومية والدينية اشتغلت من الجانبين، مما خلق لدينا بالنهاية نوعًا من التوافق في الرؤية ما بين الأصولية الإسلامية وكتب التاريخ الإسباني التي تنطلق من مقولة الغزو، حتى أن السردية الأصولية الإسلامية والتي تمثل الأندلس بالنسبة لها ذروة الخلافة الإسلامية، ما زالت حتى اليوم تحلم باستعادة الأندلس باعتباره فردوسًا مفقودًا.
فيرين: نعم.. هناك مشكلة مرة أخرى متعلقة باعتبارات تاريخ الإسلام. عندما بدأت أطروحتي للدكتوراه في القاهرة حول محمد عبده فهمت أن هناك اتجاهين مختلفين بالنسبة لتاريخ الإسلام، يعني دار الإسلام يعني الحضارة الإسلامية. هناك ما يمكننا أن نسمع تراث ابن خلدون، وهناك ما يمكننا أن نسمع سلف ابن تيمية، أي نعود إلى العروبة أو نعود إلى الإسلام كدين..
عدنان: أصولي.
فيرين: أصولي، يمكن أن نبني أصولية قومية باسمه. بالنسبة لابن خلدون هناك أيضًا دين، ولكن الدين شيء للشخص، شيء للقوة الضميرية لأي شخص، الدين كعصبية الناس لا كالسيف للناس، يعني بين النهضة الممكنة المتعلقة بابن خلدون والصحوة الممكنة المتعلقة بابن تيمية، هناك الاتجاهان في العالم العربي المعاصر، بالنسبة لي يعني في الرأي.
بعد احتلال نابليون لمصر في أواخر الثامن عشر، لما بدأ كل ما يسمى النهضة العربية، نحن لابد أن نختار بين هذين الاتجاهين، عرب، يعني متعلق بابن خلدون يعني متعلق بالأندلس، يعني متعلق بالبحر الأبيض المتوسط، لأنه متعلق بالتجارة والثقافة، أو الأصولية باسم الدين. الحق ليس على الدين، الحق مع الدين، ولكن الدين في مكانه، في الضمير الإنسان.
هل الدين وحده يصنع السرديات أم المصالح الجيوسياسية؟
عدنان: هذا صحيح وبالنهاية لا يمكن للدين أن ينظر إليه على أنه الفاعل الوحيد أبدًا، هذا غير ممكن ولا يجب أن يعمينا عن سياقات، ثقافية وحضارية فيها حتى التجارة كما تفضلت، ولا أن يعمينا اليوم عن التجاذبات والمصالح الجيوسياسية التي نرى أنها أهم من الدين في تصميم السردية الإسبانية.
أنا حقيقة أحببت، كيف وضعتنا بين أفق ابن خلدون الحضاري وأفق ابن تيمية بصحوته المنغلقة على الدين، والحال أن الدين ليس الفاعل الوحيد لا في الماضي ولا في الحاضر وحتى اليوم لا يجب أن تعمينا التجاذبات الدينية عن المصالح الجيوسياسية، فهي ربما الأكثر تأثيرًا ليس بشكل عام ولكن حتى في تصميم هذه السردية الإسبانية على مقاسها. أنا أريد أن أسائل هذه المصالح ودورها في تصميم السردية الإسبانية؟
فيرين: السردية الإسبانية بالنسبة للأيديولوجية الكاثوليكية القومية بُنيت في القرن -كما قلت لك- في القرن التاسع عشر، ولكن ارتفعت في أوقات الجنرال فرانكو. كل إسباني اعتبر نفسه كاثوليكيا، ورجل متزوج بالعمل، ويميني بالنسبة للسياسة، كان الكاثوليك، كانت الكنيسة، كانت الرواية القديمة الأصل الفردوس المفقود. كان يمكننا في الماضي أن نفهم أنّ كنا شيئًا في الماضي، يعني لما أنا أقول “عندما كنا عربًا” في الكتاب بمعنى أن ليس فقط كنا أقباطًا، ليس فقط كنا قوطيين ليس فقط كنا روميين، يعني كان هناك ماضٍ ملوَّن، كان ماضٍ يعني من نوع..
عدنان: متعدد.
فيرين: متعدد.
عدنان: لا يمكن اختزاله في..
فيرين: الأطراف الأيديولوجية. يعني الجيوسياسية الإسبانية لا بد أن نؤسسها في التاريخ ليس في الكنيسة ولكن في التاريخ. نحن كنا (كلّ). يعني يمكننا أن نكون في المستقبل أي شيء.
كيف دحض المنهج التاريخي النقدي أطروحات القومية الكاثوليكية؟
عدنان: وأيضًا لأن هوية الإنسان هي في حالة سيرورة، يعني مفتوحة على الدوام ومتجددة على الدوام لا يمكن حصرها هكذا، ولكن نحن نحتاج إلى مؤرخين ليس فقط لكي يقرأوا الماضي، ولكن لكي نستشرف معهم المستقبل، وخيارك المنهجي في مجال التاريخ يميل إلى نوع من حرية السرد التاريخي التي تتيحها ما بعد الحداثة. إنما عند معالجتك للجوانب المرتبطة بالهيرمينوطيقا والفيلولوجيا تميل، إميليو، إلى المنهج التاريخي النقدي الذي يبتعد عن الدوغمائية. إلى أي حد أسعفك هذا المنهج في دحض أطروحات تيار الوطن القومي الكاثوليكي؟
فيرين: المنهج التاريخي النقدي ليس باعتبار النقد كنقد الحدث ولكن النقد الأدبي، وبالنسبة لما بعد الحداثة أنا أفضل أن استعمل الكلمة أو التعبير أواخر الحداثة، لأن منهج نسبية الاعتبار (من نحن) في أوروبا بدأ داخل الحداثة لا بعد الحداثة، لهذا السبب أفضل أواخر الحداثة. ما معنى الحداثة؟ ولماذا لا بد أن ننتهي بهذا الاعتبار؟ الحداثة كانت قطارًا دهس كل الشعوب في أفريقيا، دهس كل الشعوب في أفريقيا، في الشرق الأوسط، لما احتلت البلدان الأوروبية العالم العربي والإسلامي بصفة عامة، دخلوا في المحاكم، دخلوا في الأسواق، دخلوا في الشوارع، دخلوا في أي نوع من أنواع الحياة العادية، ولكن لم يدخلوا في المسجد. ما معنى هذا؟ أنه بعد الاستعمار في الحداثة كامتداد أوروبا بالصفة الاستعمارية، المكان الوحيد لأي شخص في المغرب في مصر أو في لبنان أو في أي مكان من أماكن الاستعمار، المكان الوحيد الذي يمكنني أن أكون أنا لي هوية غير استعمارية هو المعبد أي المسجد، لم يكن في القرون الوسطى إسلاميًّا، فقه إسلامي، فقه مسلم، كان هناك قانون، قانون يأتي من كلمة (Canon) من اللغة اللاتينية، يعني لم تكن صفة الإسلامي. ولكن بسبب الاستعمار أصبح الفقه الإسلامي، لأن المجال الوحيد هو المسجد.
كان الاستعمار الذي خلق الإسلاموفوبيا في أسبانيا، والاوكستونتو فوبيا (كلمة أسبانية) في العالم العربي، الأصولية، لماذا؟ لأنه ليس لي كمسلم في المغرب المحتلة، في تونس المحتلة إلى آخره، ليس لدي إمكانية الازدهار كإنسان إلا في المعبد.
المشكلة الدولية الحالية بالنسبة للأصوليين المسلمين خلقها الأوروبيون لما استعمروا العالم العربي والإسلامي.
لماذا كتبت روايات “غزو الأندلس” بعد قرنين من وقوعها؟
عدنان: ظواهر كثيرة خلقها الغرب ويتلاعب بنا من خلالها، حتى ونحن نرى داعش ونحن نرى مجموعة من الأصوليات تتمظهر بطرق..
فيرين: نتائج.
عدنان: كلها نتائج بالنهاية وليست أسبابًا. وحكاية النتيجة والسبب تذكرني بما تقترحه في كتاباتك حيث تأتي بمنظور فكري يعتبر الإسلام في شبه الجزيرة الإيبيرية نتيجة لا سببًا، وأنت ترى بأن المجتمع الإيبيري كان متنوعًا مثلما تفضلت قبل قليل وليس موحدًا، وترى أن تعريب هذا المجتمع تم بشكل موازٍ لأسلمته، كما تؤكد دكتور فيرين أنه ينبغي النظر في النصوص التاريخية المعاصرة لهذه الأحداث بدلًا من الاعتماد على مصادر ثانوية كُتبت بعد قرنين من الزمن كما وضحت قبل قليل.
مرة أخرى هذا “البراديغم”، يتعارض بطبيعة الحال مع مفهوم الغزو الإسلامي. أنت ترى، تقول، تكرر بأن الإسلام لم ينتشر في شبه الجزيرة الإيبيرية عن طريق غزو. هذه الفكرة أريد أن نعود إليها لأنها أساسية في مشروعك الفكري.
فيرين: كل المخطوطات التي نحتفظ بها في الأرشيف في إسبانيا، كل المخطوطات العربية المتعلقة بالغزو، بامتداد الإسلام كجنود في البحر الأبيض المتوسط، كان مكتوبًا بعد عبد الرحمن الثالث، عبد الرحمن الناصر، أي في عام 929. تمام؟ أي قرنين بعد بداية الغزو، لماذا؟ لأنه لم يكن هناك نوع آخر لاستقرار عبد الرحمن الناصر كخليفة في الأندلس إلا برواية المصادر، رواية المصادر كما فعلت إيزابيل الثانية في القرن التاسع عشر بالنسبة للاستعادة. رواية الاستقرار بالنسبة لعبد الرحمن الناصر كانت مكتوبة بمؤرخين معروفين جدًا، كأبو بكر الرازي أو ابن حيان، ولكن عندما درست في الكلية (أنواع) الفتوحات الإسلامية، الفتوحات بالنسبة للدين أو بالنسبة للتاريخ، كل ما قرأته كان مكتوبًا عند المقري. المقري هو مؤرخ.
عدنان: مؤلف “نفح الطيب”.
فيرين: نعم، و”نفح الطيب” كان مكتوبًا في القرن السابع عشر.
عدنان: صحيح.
فيرين: تخيل، تخيل ما معنى كل هذه الروايات كل هذه الأساطير كل هذه الخرافات، لا بد أن نبدأ من البداية في تاريخ الإسلام، لكي أفهم “من أنا” في كل أطراف البحر الأبيض المتوسط.
طارق وموسى.. شخصيات تاريخية أم رموز أسطورية؟
عدنان: إذن هذا يحتاج إلى عمل مؤسسات كبرى تعمل من أجل ضبط هذا التاريخ وإعادة قراءته وفحصه وتمحيصه، وأعتقد أنك استنرت بإغناسيو أولاغوي واعتمدته لِنقل مُعلمًا ومُرشدًا وهاديًا خصوصًا وأنت تشتغل على الفكرة التي طرحها، فكرة الفكرة القوة، هذه فكرة إغناسيو أولاغوي، ولكنها فكرتك أيضًا تكررت في كتبك، أريد أن تشرحها لنا أكثر.
فيرين: الفكرة القوية بالنسبة لإغناسيو أولاغوي، وأنا سمعتها منه وقرأتها في كتابه “الثورة الإسلامية في الغرب”: هي الاستمرارية، الثقافة كإضافة، كالمدى المتصاعد، كتاريخ الأقاليم، والطقس جيد بالنسبة لكل البحر الأبيض المتوسط، بالتبادل بين الشعوب، يعني نحن في إسبانيا عدنا.. كيف يسمى؟ الحمض.. النووي..
عدنان: الحمض النووي.
فيرين: اسمح لي، شكرًا.. الحمض النووي لنا متعلق بشمال إفريقيا لماذا؟ لأن عندنا مخطوطات باللغة اللاتينية، وباللغة أي لغة من البحر الأبيض المتوسط، نرى فيها أن الشعوب سافروا، أن هناك إنسانية في الحركة دائمًا، والفكرة القوة بالنسبة لأولاغوي وبالنسبة لي أيضًا: هي الإنسانية بالحركة، والإنسانية الدين، التجارة، يعني الحرب أحيانًا.
عدنان: تمامًا. ولكن حتى الحرب تدرجونها كجزء من السيرورة، لأنه أنت تقول قبل (سنة) 711، الذي هو تاريخ دخول طارق بن زياد إلى الأندلس، كان هناك تغيير اجتماعي تدريجي انطلق قبل 711 بوقت طويل، ولم يكن للدين فيه أي دور، وإنما كانت حركة طبيعية بين ضفتي المتوسط، القصد فيها التجارة والتبادل والتفاعل وربما حتى بعض البدو كانوا يمارسون السطو الذي كان سائدًا في تلك الفترة. إذن كان هناك سياق سابق على فتح الأندلس الذي نؤرخ به نحن.
فيرين: بالنسبة لطارق بن زياد وموسى بن نصير، موسى بن نصير هو موسى، النبي موسى الذي قطع البحر الأبيض المتوسط، طارق بن زياد، طارق بمعنى طَرَق، مَن طَرَق على الباب، يعني، هو الذي فتح الطرق، يعني كل هذه أبطال الرواية، ليست هناك شخصيات تاريخية متعلقة بهذه الأزمة، ولما نقرأ في ابن حيان أو في الرازي أو أخيرًا في المقري، كل الخرافة بالنسبة للغزو نفهم أن كل هذا كان مكتوبًا من قبل في المخطوطات اللاتينية في نشاط روما، مثلًا في الأمير الأخير من طروادة الذي سافر من طروادة ووقف في قرطاج وبعد ذلك دخل إلى أوروبا وأسس روما، هذا هو عبد الرحمن الداخل أيضًا، يعني نحن نعود مرة أخرى إلى نفس الخرافات.
لا بد أن نختلف بشكل واضح بين -كما يقال عند الفلاسفة- بين المشكلة والغموض أي الألغاز..
عدنان: اللغز.
فيرين: يعني أنا أمام المشكلة وأبحث عن نتيجة، ولكن أنا ملفوف بالغموض، بالألغاز، وأنا ليس من الممكن أن أفهم أي شيء لأنني ملفوف بكل الغموض.
طيب.. نحن بالنسبة لتاريخ الإسلام بصفة عامة، وبالنسبة لتاريخ إسبانيا كقطعة من قطع دار الإسلام. لا بد أن نفهم أننا فلاسفة، لا بد أن نحذف كل الخرافات.
ما حقيقة “الغزو المصري” لشبه الجزيرة الإيبيرية؟
عدنان: اسمح لي، أن أعود بك الأن إلى أواخر القرن السادس الميلادي، حين أسس إيسيدورو دي سيفيا، إيسيدورو الإشبيلي لمفهوم الغيرية، من خلال اعتبار شعب الهون آفة في يد الله، ودون وجود أي دليل على غزو مصري لشبه الجزيرة الإيبيرية، وجد إيسيدورو ، نفسه مضطرًا للإشارة إلى أبناء هاجر الذين أطلق عليهم لاحقًا اسم “الهاجريون”، الذين هم السراسنة فيما بعد. ألا يمكن اعتبار هذا بداية لتبلور مفهوم الآخر الذي سيتجسد بالأساس فيما بعد في العنصر العربي، الأمازيغي، المسلم عمومًا أو المورو بالتعبير العصري؟
فيرين: الهاجاريون أو أبناء هاجر موجودون في التوراة، أي في الكتاب المقدس لليهود والمسيحيين بالإضافة للإنجيل، بمعنى ناس من الصحراء، الناس غير المتوطنة، الذين لا يتعلقون بأي مدينة..
عدنان: بدو رحل.
فيرين: سياق إيسيدورو، وسياق المخطوطات اللاتينية قبل إيسيدورو مهمة جدًا لأن عندنا دلائل غزوات متعددة من شمال إفريقيا إلى إسبانيا ومن إسبانيا إلى شمال إفريقيا.
تخيل أوقات الملك يوبا الثاني، يوبا الثاني هو تزوج ابنة كليوباترا في مصر، وهو أسس عاصمة في “تيمقاد” هي حاليًا في الجزائر، وفي “وليلي” في المغرب. كيف يمكننا أن نفرق يوبا الثاني عن أي ملك من إسبانيا في هذه الأوقات؟ يعني عودة مرة أخرى لهذه الفكرة، القوة الإنسانية في الحركة، ليس هناك أي فرق بين مواطني شمال إفريقيا ومواطني شبه الجزيرة الإيبيرية قبل 711، لماذا نوافق التاريخ في هذا المفترق؟ لماذا لا بد أن نبدأ مرة أخرى؟ لأننا ألّفنا الخرافة لكي نبني عليها استقرار الملوك في إسبانيا في القرن التاسع عشر.
عدنان: هذا هو، وبالتالي نضيق واسعًا والحال أن مدار التاريخ واسع، حتى أن هناك من يقول بأن العرب عندما استوطنوا الأندلس إنما كانوا في الواقع يستعيدون أرض أجدادهم الكنعانيين، الفينيقيين يعني، من الاحتلال الرومي، على أساس أن الكنعانيين العرب، هم أول من عمّر شبه الجزيرة الإيبيرية وذلك في حدود القرن الثاني عشر قبل الميلاد. ما قولك؟
فيرين: نحن كنا عربًا، كنا رومانًا، كنا كنعانيين، فينيقيين، يعني من قرطاج أو من لبنان. أرجع مرة أخرى إلى القوة.. يعني الفكرة القوة. الإنسانية في الحركة. يعني لما أوغسطينوس، القديس أوغسطينوس في الجزائر، وهو تكلّم باللغة اللاتينية، وأحيانًا سأل شيئًا، أجابه طلابه باللغة البونيقية، شلوش شلوش شلوش، وتعني ثلاثة ثلاثة ثلاثة، يعني التثليث بالنسبة للمسيحيين.
لغة الكنعانيين موجودة، كانت موجودة في كل أطراف البحر الأبيض المتوسط كاللغة الإغريقية، كاللغة العبرية، يعني ما كان صعبًا بالنسبة للعرب أن امتدادها في كل الأطراف.
عندنا شخصية مهمة جدًا في القرن التاسع في قرطبة، كان يسمى أولوخيو، أولوخيو هو رفض أن يتكلم في الكنيسة باللغة العربية. هو لم يرفض الإسلام هو رفض اللغة العربية. هو لم يعرف إن كانوا شعوبًا من أي نوع من أنواع، من أي جزء (من أجزاء) البحر الأبيض المتوسط الذين احتلوا إسبانيا. هو يريد فقط أن يستمر بالتقليد، التقليد هو اللغة اللاتينية، أي أن اللغة العربية هي طريقة جديدة، ليست احتلالًا، هي فرصة جديدة للتعبير.
قوة دار الإسلام هي في التجارة وفي اللغة العربية. ونعرف هذا لأن في القرن الخامس عشر البرتغاليون وصلوا إلى الهند وقطعوا التجارة. ورفض المسلمين الطباعة، التابعة لغوتنبرغ، وبدون الثقافة الجديدة وبدون التجارة سقط، انحدر الإسلام كحضارة. يعني ليست المشكلة في الدين، المشكلة في التجارة.
هل الإسلام شبكة اتصال حضاري أم سلطة سياسية؟
عدنان: المشكلة في التجارة. ولكن كما قلت الآن قوة الإسلام ربما حينها كانت التجارة واللغة العربية، ولكن يعني كيف مثلًا هذا الحضور للغة العربية، مثلًا، والتجارة معها وحتى الأسلمة. يعني إذا حاولنا أن نقارن كيف تحقق كل ذلك في الأندلس مقارنة مع بلدان أخرى أيضًا سيطر عليها العرب المسلمون، فكر في بلاد المغرب، بلاد فارس من حيث طبيعة التعريب والأسلمة.. ما الذي ميّز الأندلس عن هاتين المنطقتين؟
فيرين: هذا ممتع يعني، هذا مثير للاهتمام، ولم أفكر بهذا حتى الآن وهذا مثير للاهتمام كما قلت، لأنه في وجهة نظري “الإسلاموفوبيا”، وبالعكس في وجهة نظري الأصولية المسلمة كلها كانت نفس الشيء. يعني الأزمنة من الأندلس إلى الآن نفس الشيء، كلنا من إسبانيا إلى روسيا، نفس الشيء، ولكن لما كنا نتحدث باللغة العربية في إسبانيا هم في بلاد فارس كانوا يسمون الله “خُدا”، لأنهم يستعملون كلمة أخرى، وهناك اختلاف عميق بين أي أطراف من دار الإسلام، هناك مدارس مختلفة للفقه، هناك طرق مختلفة لكي حتى لنصلي من المغرب إلى باكستان، أي لا بد أن نعترف باختلاف أقطار دار الإسلام لكي نفهم أن الإسلام كان اتصالًا لا مكان سيطرة.
لماذا مُنع ابن رشد في أوروبا وتم تجاهله في دار الإسلام؟
عدنان: تمامًا. إذن كان اتصالًا وكان يتيح لكل أن ينتج إسلامه الخاص حسب ثقافته طبعًا المحلية. أريد أن أعود بك إلى الأندلس مرة أخرى وإلى محورية دور “ابن رشد”، وتأثير فلسفة ابن رشد على الفكر الأوروبي وعصر النهضة كما هو الحال مع العديد من المفكرين الأندلسيين، لكن أوروبا عندما واجهت في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين مسألة مصادرها الثقافية التي برزت مع المشروع الفاشل لوضع دستور أوروبي مشترك، اتفق السياسيون والقادة الدينيون والمشتغلون بالذاكرة التاريخية على تعريف إسبانيا من خلال التناقض والاستبعاد، حيث قبلوا الجذور اليهودية المسيحية الأولية وتنكروا تمامًا للجذور الإسلامية. كيف تفسر هذه المفارقة؟
فيرين: هذا مهم جدًا أيضًا. ابن رشد هو، كان ممنوعًا قراءة ابن رشد في فرنسا في القرن الثالث عشر، لأن ابن رشد كان يساوي التفكير الحر. ابن رشد في كتبه كـ”فصل المقال” أو “تهافت التهافت” للعودة إلى الفلسفة، هو يدافع عن شيء مهم جدًا، طريقان لنصل إلى الحق، لو أنا مؤمن فأنا باتجاه الحق، لو أنا عالم فأنا باتجاه الحق، ولكن ليس من الممكن أن نخلط. اختر، تصلي أو تقرأ..
عدنان: الشريعة أو الحكمة.
فيرين: تمامًا، هو لا يختار، ليس من الممكن أن نختار في كل حياته، ولكن لو كنت الآن في الدراسة أنا أستعمل العقل، لو كنت الآن في المسجد أصلي، طيب. هذا كان ممنوعًا في أوروبا عندنا تاريخ 1250 في باريس، في جامعة باريس “كلمة فرنسية”، بمعنى “التفكير الحر بأوروبا”، يعني بداية التفكير الحر بالعالم كان بيد الإسلام تمامًا، الإسلام طبعًا دار الإسلام، الثقافة.
طيب لما لما كلّفوا بكتابة “الدستور الأوروبي الموحد”، ولما بدأوا المقدمة، بدأوا بأن أوروبا لها أصل يهودي مسيحي، ولما كلنا بدأنا ندافع عن ابن رشد لكي نضيفه وإسلامي أيضًا، فضلّوا أن يتم رفض كل هذا تمامًا، لن نتكلم عن الدين. وأنا بالنسبة لي، أنا قلت: لا لم يكن دينًا، كان ثقافة. ابن رشد كان التفكير الحر.
محمد عابد الجابري، المثقف الراحل هو معروف ومشهور جدًا في إسبانيا، وطبعًا هنا في المغرب، هو كتب حول ابن رشد، وهو قال إنه كان الفرصة الضائعة بالنسبة للفكر الإسلامي والفكر العربي.
عدنان: صحيح.
فيرين: كان ابن رشد مترجمًا إلى كل اللغات في أوروبا ،ولكن لا أحد قرأ ابن رشد في دار الإسلام. يعني الفرق بين أوروبا والإسلام، بين أوروبا الحديثة والإسلام الحديث، كان متعلقًا بمن نقرأ له.
عدنان: تمامًا. وعندنا مشهد لا ينسى حينما حُمل جثمان ابن رشد، سُحب من قبره في مراكش، وأيضًا كتبه فوق دابة ورحل إلى الضفة الأخرى للبحر الأبيض المتوسط، اعتبرناها مغادرة العقل إلى تلك المناطق لكي نفقد هذه الفرصة الضائعة، مثلما قال محمد عابد الجابري.
فيرين: صحيح.
عدنان: وليس ابن رشده وحده.
كيف وضع ابن طفيل الإنسان في مركز الفلسفة؟
عدنان: أنا أعرف أنك عاشق لابن طفيل أيضًا، وابن رشد وابن طفيل، هما من أبناء اللحظة الأندلسية الفريدة بمزيجها الحضاري. أنا أريدك أن تحدثني عن “ابن طفيل”، خصوصًا وأنك تعتبر عمله الأشهر “حي بن يقظان”، أعظم وأجمل قصة فلسفية صوفية رمزية في كل العصور الوسطى.
فيرين: “حي بن يقظان”، هو الكتاب الأهم بالعربية الحديثة، كان مترجمًا باللغة الهولندية، كان مترجمًا إلى اللغة الإنجليزية، واللغة اللاتينية، ولكن لم يكن مترجمًا إلى اللغة الإسبانية حتى القرن التاسع عشر، من خلال الترجمة الفرنسية.
ابن طفيل كتب رواية، في رأيي “حي بن يقظان”، هو أول رواية في العالم، لأن المهم في الرواية بالاختلاف عن أي..
عدنان: جنس أدبي آخر.
فيرين: أي كتاب في التاريخ أو الفلسفة أو كذا، هو العقد بين القارئ والكاتب هذا ليس حقيقيًّا مئة بالمئة.
عدنان: خيال.
فيرين: ولكن بصفة خيالية، وهذا مكتوب في بداية “حي بن يقظان”، هذا ليس صحيحًا ولكن تابعني، ونرى هذا الطفل الذي هو وحيد في الجزيرة، وهو يتكلم مع الحيوان، وهو يكتشف وجود الروح، وهو يكتشف أسماء النجوم، ماذا يقول ابن طفيل: “إن الإنسان وحيد، الإنسان بلا معلم، بلا مدرس، يمكن يأتي إلى الحق أيضًا.”
عدنان: تمامًا.
فيرين: هذا هو بداية المركزية، مركزية الإنسان في الفلسفة الأوروبية، ولامركزية اللاهوت كما كان من قبل. يعني ابن رشد مع طريقين إلى الحق، وابن طفيل مع مركزية الإنسان، هما في جذور الفكر الحديث في أوروبا.
هل ابن طفيل وابن رشد وكولومبوس أبناء اللحظة الأندلسية؟
عدنان: تمامًا. الفكر التنويري والفكر العقلاني والفكر الذي يعيد الاعتبار للإنسان حقيقةً، هما في المركز من هذا الفكر. على فكرة الأندلس كانت فريدة بما يكفي لكي تعطينا رموزًا عديدين، وأنت حتى كريستوفر كولومبوس نفسه مكتشف أمريكا، تقول عنه بأنه هو نتاج اللحظة الأندلسية، بل لا تتردد في وصفه بالابن البار للمعرفة الجغرافية العربية الإسبانية. كيف ذلك؟
فيرين: بجانب ابن طفيل وابن رشد هناك الازدهار العلمي في الأندلس، لم يكن من الممكن لكريستوفر كولومبوس أن يسافر إلى نهاية المحيط الأطلسي بلا الأجهزة المخترعة في الأندلس.
عدنان: البوصلة مثلًا.
فيرين: تمامًا، مثلًا. ولكن هناك أيضًا شيء مهم جدًا وممتع بالنسبة للعقد الذي نحفظه في الأرشيف في مدريد، العقد بين الملكة إيزابيل الكاثوليكية وكريستوفر كولومبوس، يذكر العقد أن إيزابيل قالت لكريستوفر كولومبوس: هذه الأراضي التي اكتشفتها قبل السفر، لماذا؟ لأن كريستوفر كولومبوس بجانب الأجهزة، كان عنده الخريطة المحفوظة بالكنيسة في البرتغال، وفي الكنيسة في إيطاليا، وفي الكنيسة في إسبانيا، موجودة فيه طرق لنصل إلى آسيا من الناحية الأخرى، يعني هو عرف أنه كان ممكنًا السفر بسبب الخريطة العربية التي كانت معه.
عدنان: وإذن خرائط كثيرة نحتاجها ونحن نتجول في أنحاء الفكر الإنساني المفتوح على بعضه. حقيقةً دكتور فيرين أنا سعيد بهذا اللقاء معك، وسعيد بكل ما فتحناه من فضاءات للحوار أعتقد بأننا نحتاج أن نقرأك مباشرة. “عندما كنا عربًا” تُرجم إلى اللغة العربية ومتوفر في انتظار ترجمة باقي كتبك.
فيرين: شكرًا جزيلًا. يجب أن أعتذر لك بلغتي الفقيرة، يعني أنا نسيت لغتي العربية، أنا لا أتقنها، أنا متلعثم الآن بالنسبة للغة العربية، ولكن أردت أن أحاول التصوير باللغة العربية. وأود أن أذكر شيئًا، الاستشراق، التاريخ، خصوصًا التاريخ، التاريخ هو لما نقرأه بصفة طبيعية، كتب التاريخ، لما نجد الأصل، لما نجد الهوية في كتب التاريخ، هو سلاح محمل بالمستقبل، كما يقال بالنسبة للشعر، سلاح محمل للمستقبل، والاستشراق ترسانة بالنسبة لهذه الأسلحة، ولابد من إزالة هذه الأسلحة لكي نفهم التاريخ بصفة طبيعية بلا أيديولوجيا، يعني نرى المستقبل بالنسبة للهوية.
أنا يجب أن أعود إلى أولاغوي وإلى هذه الفكرة القوة، نحن إنسانيون في الحركة، لدينا ديانة، لدينا طرق التجارة، لدينا طرق الاتصال، ليس من الممكن أن نبني عالمًا محدودًا بالهويات الجمعية.
عدنان: صحيح.
فيرين: الهوية يجب أن تكون شخصية، أنا شخص أنا عندي هوية، وأنا سأصبح كل ما أنا أريد.
عدنان: ونحن سعداء بحضورك بيننا في تفردك وفي تعددك، وتأكد بأننا “عندما كنا عربًا” كتاب يعكس عمقًا، وعنصرًا أساسيًا في هويتك. أنا أيضًا كمغربي أعتبر نفسي أندلسيًا وأعتبر حتى دستور المغرب يعتبر البعد الأندلسي من الأبعاد الأساسية للهوية المغربية، ونحن أبناء هذا التعدد. شكرًا جزيلاً إميليو غونزاليث فيرين على حضورك.
فيرين: شكرًا لك الشرف لي. وشكرًا. ومرة أخرى، أعتذر عن اللغة المتلعثمة.
عدنان: لا لا أبدًا أبدًا.. بالمناسبة حينما فكرت في استضافتك قيل لي يجب أن تحاوره بالإسبانية، وإلا فإن عربيته ضعيفة. الآن أؤكد لك أن الأفكار الأساسية التي أريد أن تصلني وتصل المتابع لهذا البرنامج منك قد وصلت، وعربيتك أجدها جيدة، الأهم هو وضوح الفكرة. شكرًا جزيلاً على حضورك. شكرًا جزيلاً لكم أعزائي عزيزاتي، إلى اللقاء.