ما هو معنى الإسلام التقدمي؟ وكيف تكون العلاقة بينه وبين الرأسمالية الغربية؟ وكيف نبني مجتمعًا عالميًا غير إقصائي؟ وما أوجه الشبه بين بدايات الإسلام وبدايات أمريكا؟ ولماذا اليهود أقرب إلى العرب من الأوروبيين؟ موضوعات شائكة يتحدث عنها د. أنوار مجيد، الكاتب والروائي والمفكر المغربي الأمريكي، في لقائه مع الكاتب ياسين عدنان، في بودكاست #في_الاستشراق، عبر منصة #مجتمع
مقدمة
عدنان: أنت ترى أن إسبانيا ليست دولة أوروبية نموذجية، كيف ذلك؟ خصوصًا وأنك تضيف بأن إسبانيا هي شبيهةٌ للمغرب.
مجيد: خصوصًا جنوب إسبانيا (الأندلس) – ما يُسمَّى الآن بالأندلس – ثقافيًّا وحضاريًّا أقربُ منها إلى… حضاريًا. لأننا لا ننسى بأن وجود الإسلام داخل إسبانيا دام تقريبًا ثمانية قرون، وفي خلال هذه القرون كانَتِ التعاملاتُ، كانَ تبادُلُ الحضارات، تبادُلُ اللغات، كما يقولون: “تبادُلُ الحضارات”. حتى أمريكا (الولايات المتحدة الأمريكية) أُسِّسَتْ عام 1776، ما كَمُلَتْ 250 سنة.
عدنان: تمامًا، لكن ليس عندنا ثلاثة قرون، والحالُ أننا نتكلم عن ثمانية قرون من التعايش.
مجيد: ثمانية قرون من التعايش والحروب وإلى آخِرِه. الحضارة – أُفهم بذلك – هي حضارةُ المسلمين، الحضارة العربية الإسلامية.
كيف تفاعل الإسلام مع الغرب ما بعد الأندلس؟
عدنان: أعزائي، عزيزاتي، أهلًا وسهلًا ومرحبًا. كيف تفاعل الإسلام مع الغرب في سياق ما بعد الأندلس؟ (In the post Andalusian condition). بعبارة ضيف هذا اللقاء: لماذا تعثرت علاقة الإسلام بأمريكا تحديدًا؟ هل المشكل في الدين أم في النظام الرأسمالي السائد؟ أليست الرأسمالية هي المسؤولة عن تكثيف سوء الفهم الثقافي عبر العالم؟ أليست الرأسمالية مَن خلق بؤر توتر متعددة في مختلف أنحاء الكرة الأرضية، وليس الدين كما يظن العديدون؟ هذا غيضٌ فقط من فيض الأسئلة المتشعبة التي سنطرحها اليوم على أكاديمي مغربي رفيع يدرّس بجامعة نيو إنجلند (بماين) بالولايات المتحدة الأمريكية. صدرت لضيفنا باللغة الإنجليزية العديد من الأعمال الفكرية، أهمها: (Unveiling Traditions) (إماطة اللثام عن التقاليد)، (إسلام ما بعد الاستعمار في عالم متعدد المراكز) (الحرية والأرثوذكسية)، (A Call to Heresy) (دعوة إلى الهرطقة: لماذا الاختلاف أمر حيوي للإسلام وأمريكا) (We Are All Moors) (كلنا موريون)، ثم (الإسلام وأمريكا) الدكتور أنوار مجيد، أهلًا وسهلًا ومرحبًا بك بيننا.
مجيد: شكرًا جزيلًا، سيد ياسين. هذا يوم استثنائي بالنسبة لي بالظهور معكم في هذا البرنامج.
لماذا دراسة الثقافة الأمريكية؟
عدنان: وأنا أسعد.. أردت أن نبدأ معك من ذهابك إلى أمريكا لدراسة السينما، كانت السينما في البداية ثم تخصصت بعد ذلك في الأدب والثقافة الأمريكيين لماذا مغربي يُحسَب على الشرق يدرس الغرب والثقافة الغربية؟ هل هذا نوع من “الاستغراب” باستعمال عبارة الدكتور حسن حنفي؟ أقول “الاستغراب” لأنني قرأتُ لك مقالةً تدعو فيها إلى إنشاء معهد عربي للدراسات الأمريكية.
مجيد: هذا سؤالٌ كبير، سؤالٌ كبير. ولكن بصفة عامة، أنا لاحظتُ عبر مساري الثقافي والأكاديمي أن هناك إهمالًا من ناحية الدول العربية أو المفكرين العرب للثقافة والحضارة والأدب الأمريكيين. فمثلًا: ليس عندنا معاهد في المغرب، لا أعرف معهدًا يختص في دراسة الحضارة والثقافة والسياسة الأمريكية. نعتمد على الأخبار، ونعتمد على المقولات، وما عندنا من مفكرين – مثلكم مثلًا – تقرؤون الكتب وإلى آخِرِه. ولكن ليس عندنا نظامٌ ثقافيٌ أكاديميٌ يهتم بفهم الثقافة والحضارة الأمريكية كما يجب، خصوصًا وأن أمريكا هي القوة العظمى في العالم الذي نعيش فيه. وهذه مسألةٌ لا تُتناول بصفة عامة هذه نفس المشكلة التي عندنا مع باقي دول العالم، ليس عندنا اختصاصات في الثقافة الإفريقية أو الأوروبية أو الصينية أو اليابانية وإلى آخره. ولكن أمريكا حالةٌ خاصةٌ بالنسبة إليَّ، لأنها هي القوة التي تسيِّر العالم الآن.
ما الفرق بين الاستعمارين الإسباني والإنجليزي لأمريكا؟
عدنان: وأيضًا لأنك تعيش هناك، وتعرف مدى اهتمامهم الثقافي بنا، ترى بأنهم يستحقون منا اهتمامًا مماثلًا؟ ونحن في موقف ضعفٍ في الواقع. إقامتُك في أمريكا – سيد أنور – جعلتك تهتم بطريقة تسرُّب أوروبا إليها، والاختلاف القائم بين الطريقتين اللتين تم بهما استيطان ذلك العالم الجديد. الإسبان بدؤوا كمستكشفين قبل أن يتحولوا إلى غزاة وحشيين، فيما الإنجليز، الذين عابوا على الإسبان وحشيتهم، كانوا مهاجرين بالأساس وجاؤوا بغرض الاستقرار. أنا أريد أن تشرح لنا الفرق بين الاستعمارين الإسباني والإنجليزي لأمريكا؟
مجيد: سؤالٌ كبيرٌ ومهمٌّ جدًّا، لأنا لا ننسى أن القارة الأمريكية، (اكتُشِفَتْ) عن طريق الإسبان أو سكان شبه الجزيرة الإيبيرية قبل هجرة الإنجليز وأوروبيين آخرين إلى القارة الأمريكية. إذن الإسبان جاؤوا إلى القارة الأمريكية، أحضروا معهم مخيالا كان ترعرع شيئًا ما في حروب الأندلس، في حروب الإسبان أو الكاثوليكيين ضد العرب والمسلمين في الأندلس، وهذا هو المخيال الإسباني الذي جاؤوا به إلى القارة الأمريكية، وعاملوا سكان القارة الأمريكية الأصليين بنفس منطق الحروب الصليبية إلى آخره. إذن كان جاؤوا بدون نساء، هؤلاء المستعمرون.
عدنان: الإسبان.
مجيد: الإسبان، الكونكيستادورز الإسبان جاؤوا بدون أزواج، ولكن في نهاية المطاف تزوجوا وأنجبوا مع السكان الأصليين الأمريكيين وما يُسمى بالهنود الحمر. أما المهاجرون مثلًا الإنجليزيون، جاؤوا بقصد الإقامة في عالم جديد، هروبًا من المضايقات التي كانوا يعيشونها في إنجلترا. أولًا جاؤوا إلى هولندا، ومن هولندا جاؤوا إلى قارة شمال أمريكا ليعيشوا حريتهم الدينية. إذن كان فرق، العوامل التي دفعت الهجرة أو الاستعمارات الإسبانية في القارة الأمريكية تختلف كثيرًا عن الدوافع التي دفعت الإنجليز إلى الاستيطان في القارة الأمريكية. كانوا يبحثون عن الحرية الدينية، ومع الوقت أصبحوا يعني…
عدنان: لاجئين دينيين.
مجيد: لاجئين دينيين. وهناك كتابات في هذا الموضوع، كان الناس الذين يخرجون من هولندا عابرين البحر الأبيض، عابرين المحيط الأطلسي إلى أمريكا، ويكتبون أول وثيقة سياسية، كيف سيعيشون وكيف سيتعاملون مع بعضهم إلى آخره عندما يصلون إلى القارة الأمريكية.
إذن كانت الدوافع والطريقة، حتى نوعية الأشخاص الذين هاجروا، تختلف من الهجرة الإنجليزية إلى الطريقة التي هاجروا بها، والتي غامر بها المستعمرون الإسبان وما يُسمى بالكونكيستادورز.
عدنان: بالضبط. أنا بالمناسبة مطمئن لأن هناك من قال لي: “ستسضيف أنوار مجيد في حوار باللغة العربية؟ هذا غير ممكن، يجب أن يكون الحوار بالإنجليزية”. ولكن أنا أحس بأن عربيتك معقولة جدًا.
مجيد: شكرًا جزيلًا سيد ياسين، يفرحني هذا.
أهمية دور أسبانيا في التاريخ الحديث
عدنان: عمومًا دكتور مجيد، أنت تحدثت كثيرًا عن دور إسبانيا وتقول بأن الدور الكبير الذي لعبته إسبانيا في العصر الحديث لم نهتم به ولم نعطه الأهمية التي يستحقها. أنا أفكر هنا في كتابك (We Are All Moors)، (كلنا موريون). بالنسبة لما لا يعرف الكلمة، الموريون هم مسلمو الأندلس، هذا وصف شائع لوصفهم. أنا أريد انطلاقًا من أهمية هذا الدور أن أستعيد معك إسبانيا، ودور إسبانيا في التاريخ، ربما في العصر الحديث.
مجيد: إسبانيا لعبت دورًا كبيرًا في العصر الحديث، وما يمكننا أن نسميه بالعصر الحديث بدأ بظهور دولة موحدة إسبانية، أو محاولة ظهور دولة إسبانية في 1400 ملوك الأندلس، الكاثوليك في الأندلس حاولوا أن يوحدوا شبه الجزيرة الإيبيرية، تحت ديانة واحدة هي الديانة الكاثوليكية، ولغة واحدة هي الإسبانية إلى آخره. ومن ثم بدأ الاستعمار والاكتشافات في القارة الأمريكية. وفي نفس الوقت إسبانيا كانت أسست المفهوم شبه القانوني للأقليات، لأنه عند توحيد الدولة الإسبانية، وكان -وهو مشروع مستحيل إلى يومنا هذا-، كان على حساب اليهود والمسلمين. يعني اليهود طُردوا من إسبانيا في أواخر القرن الخامس عشر، ولكن المسلمين مع 1492، يعني ملوك إسبانيا أعطوا بعض الوعود إلى المسلمين ليبقوا في الأندلس، ولكن تراجعوا عن هذه الوعود وأصبح قرنًا من الاضطهاد ضد المسلمين حتى 1609 ميلادية حيث طُرد ما يُسمى “الموريسكيون” من شبه الجزيرة الإسبانية. وكان إذن مفهوم توحيد أو وحدة الدولة الإسبانية الكاثوليكية كان على حساب الأقليات، الأقلية اليهودية والأقلية المسلمة.
عدنان: مع العلم أن إشعاع الأندلس كان بإتاحة الفرصة أمام هذه الأقليات لتتحقق دون إقصاء لأي طرف منها.
مجيد: تمامًا، ولهذا فمفهوم تكوين الدولة أو ما يُسمى nation-state بالإنجليزية، أو “مصطلح فرنسي”.
عدنان: الدولة الوطنية.
مجيد: الدولة الوطنية، كانت دائمًا لا تتحقق بدون إقصاء أقليات داخل الوطن، لأن المفهوم عمل يُسمى بالـ”Negation”…
عدنان: بالنفي.
مجيد: بالنفي، نفي الآخر. في نفس الوقت هو تحديد الهوية للأغلبيات في دول معينة.
عدنان: تمام، هذا تحقق عبر نفي الآخرين، وليس عبر احتضانهم. وأنت تقول في كتابك “كلنا موريون” بأن كل أقليات العالم الحديث هم موريون بمعنى من المعاني، كيف ذلك؟
مجيد: لأن كل الأقليات في العالم، ما بعد إقصاء المسلمين واليهود في إسبانيا، بمفهوم الدولة كما أسسه الإسبان أصبح هو المفهوم السائد في العالم انطلاقًا من 1492 ميلاديًا، وسواء كانت في الدول… خصوصًا في القارة الأمريكية، إذن الأقليات التي كوَّنها مثلًا الإنجليز بدؤوا يكونون دولًا داخل قارة شمال أمريكا أقصوا السكان الأصليين وما يُسمى بالهنود الحمر، واستعبدوا الناس من أصول إفريقية. إذن كانت دائمًا الأقليات هي التي تركز الهوية الرسمية للشعب الذي ينتمي إلى وطن معين. وهذه المبادرة بمفهومها الحديث، أنا أقول بدأت انطلاقًا من إسبانيا عندما حاول حكام إسبانيا أن يوحدوا شبه الجزيرة الإيبيرية بلغة واحدة ودين واحد وعقيدة واحدة، وحتى تطهير العرق الإسباني. هذه المبادرة انطلقت من إسبانيا في أواخر القرن الخامس عشر.
مشكلة استحضار الأندلس الإسلامية
عدنان: وتركتنا نعيش قطيعة مع ما قبلها، وهو زمن الاحتفاء بالأقليات وبالثقافات في هذه اللحظة الأندلسية التي مازلنا نحن نستعيدها بالكثير من الحنين. وأنت على خلافنا توافق صامويل هنتنجتون إلى ما أشار إليه في “صدام الحضارات” حينما قال إن استحضار الذكريات الثقافية هو أصل المشاكل التي تقض مضجع العالم اليوم. أنت تبدي تبرمك من استحضار الأندلس الإسلامية من طرفنا اليوم بفخر وحنين. ما الذي يزعجك سيد أنوار في أن نستحضر اليوم هذه الذاكرة؟
مجيد: طيب مثلًا شخص يقول لك “مصطلح إنجليزي” كثيرًا ما تكون…
عدنان: كثير من الأوهام. فيها الأوهام…
مجيد: فيها الأوهام.
عدنان: واهمة، مليئة بالأوهام، مليئة بالأشياء التي ليست حقيقية في التاريخ.
مجيد: ذاكرتنا للأندلس ذاكرة تُستخدم لمصلحتنا الثقافية والحضارية، ولكن لا تتماشى بالضرورة مع التاريخ، مع الأحداث التاريخية التي وقعت في شبه الجزيرة الإسبانية.
عدنان: إذن فيها أوهام، يعني فيها أكاذيب، فيها مغالطات؟
مجيد: منها مثلًا نتناسى، أن المسلمين يتناسون.. المسلمون هم الذين استعمروا أولًا، جاؤوا إلى شبه الجزيرة الإسبانية كمستعمرين مثلًا.
عدنان: هذا يطرح سؤالًا: هل هو فتح أم غزو؟
مجيد: وهذا سؤال يُطرح للنقاش. لمدة طويلة كنت في تركيا في إسطنبول، كنت أطرح محاضرة في إسطنبول ودرس عن الإمبراطورية العثمانية وقلت لهم بناءً على الاستعمار العثماني. قالوا لي: “حاشا! العثمانيون لم يستعمروا.. فتوحات” إذن عندما نتكلم عن الحضارة الأندلسية نتعامى عن بعض التفاصيل التي كانت مهمة جدًا، هو أنه أولًا المسلمون هم الأوائل الذين استعمروا شبه الجزيرة الإيبيرية ودخلوا…
عدنان: شبه الجزيرة الإيبيرية.
مجيد:. ودخلوا بقوة، وجاؤوا كمستعمرين. ثانيًا حتى مثلًا الحروب الصليبية التي اندلعت في أوروبا تجاه القدس كانت من جملة أسبابها هو احتكار دولة “الموحدون”… استعمار “الموحدون” لبعض المناطق الإسبانية، فاضطرت الكنيسة أن ترد الفعل. كان هناك ردود فعل المسيحيين ضد الإسلام، كان هناك الاستعمار الإسلامي لشبه الجزيرة الإيبيرية إلى آخره.
عدنان: إذن أنت تتبنى مقولة الاستعمار الإسلامي لشبه الجزيرة الإيبيرية.
مجيد: لا نريد المصطلحات، إذا أردنا بدون المصطلحات نسميها “الفتوحات”. أنا أسميها هنا بمصطلحات أخرى.
عدنان: أنت تعتبر أن الفتوحات هو مصطلح لتسويغ الحضور العربي الإسلامي هناك وإلا…
مجيد: هو الفتوحات، في حال نقارن الفتوحات بالمفهوم الأوروبي الفرنسي “مصطلح فرنسي”، أو عبء الرجل الأبيض في الحضارة “مصطلح إنجليزي” ما يُسمى…
عدنان: إذن، تشير طبعًا إلى تلك عملية تحضير المجتمعات المتخلفة التي قام بها الاستعمار الفرنسي والبريطاني.
مجيد: نعم. كانت عندهم برامج حضارية في إفريقيا وفي آسيا، لم يكونوا يسمونها استعمارًا، كانوا يسمونها “مصطلح فرنسي”. إذن ونحن نسوي المشكلة…
عدنان: يعني مهام تحضيرية.
مجيد: وحتى الحروب الصليبية فهي من أجل نصرة المسيحية، أو الفتوحات فهي من أجل نصرة الإسلام. إذن هذه كلها حروب أو أعمال عنف ضد مستوطنين، ضد السكان الأصليين لهذه المناطق، ولكن تمارس عليهم الفتوحات.
عدنان: بمسوغات.
مجيد: بمسوغات.
ما الشبه بين إسبانيا والمغرب؟
عدنان: بمسوغات قد تكون دينية أو تحضيرية كما تفضلت. عمومًا أنت ترى مع ذلك، وأنت اشتغلت على إسبانيا واهتممت بإسبانيا كثيرًا، أنت ترى بأن إسبانيا ليست دولة أوروبية نموذجية. كيف ذلك؟ خصوصًا وأنك تضيف بأن إسبانيا هي شبيهة للمغرب، بل تعتبر جبل طارق بابًا فتحته الطبيعة ليسمح بتواصل غرفتين من نفس المنزل. مرة أخرى كيف ذلك؟ وهل هذا يعني أن إسبانيا أقرب منها إلى المغرب منها إلى الدول الأوروبية؟
مجيد: خصوصًا جنوب إسبانيا، الأندلس، ما يُسمى الآن بالأندلس، من مدينة مدريد إلى باقي جنوب إسبانيا ثقافيًا وحضاريًا أقرب منها إلى… حضاريًا، لا ننسى بأن وجود الإسلام داخل إسبانيا دام تقريبًا ثمانية قرون، وفي خلال هذه القرون كانت تعاملات، كان تبادل الحضارات، تبادل اللغات، كما يقولون تبادل الحضارات. حتى أمريكا، الولايات المتحدة الأمريكية أُسست 1776، ما كملت 250 سنة.
عدنان: تمامًا، ليس لديها ثلاثة قرون، والحال أنا نحن نتكلم عن ثمانية قرون من التعايش.
مجيد: ثمانية قرون من التعايش والحروب وإلى آخره. ولكن إلى يومنا هذا، مثلًا أنا أعطيك مثالا: كل سنة تُنظم في إسبانيا حفلات ما يُسمى “فيستاس” (مصطلح إسباني)، يعني كل عام، فهو عمل شبه مسرحي تُكرر فيه الصراعات أو الحروب بين المسيحيين والمسلمين، وتتم بانتصار المسيحيين على المسلمين، ثم تتم المحبة والمودة إلى آخره بين الطرفين. أنا حضرت واحدة منها، ولي كتابي “نحن كلنا موريون”، في نهاية واحدة نطاق ما يُسمى بفينا، في جهة أليكاند في إسبانيا، عندما انتهت الحفلة، أسبوع.. وتدوم أسبوعًا كاملًا، وأنت ترى المسيحيين وانهزم المسلمون. هؤلاء المسيحيون قالوا: “نحن غلبنا في هذه الحرب”، ولكن في نهاية المطاف “نحن كلنا موريِّون”. وأشار إلى جلدته وقال لي: “أنا، انظر الدم العربي والمسلم”.
عدنان: عندي في الدم، على فكرة تقول أيضًا في “كلنا موريِّون”، تريد إشارة إلى أوريانا فالاتشي التي تقول بأن الكثير من الإسبان مازالوا يحتفظون بالقرآن في الدم. يعني كيف ذلك؟
مجيد: الحضارة، أنا أفهم بذلك هي حضارة المسلمين، الحضارة العربية الإسلامية والمغربية.
عدنان: والقرآن كنص؟
مجيد: ليس القرآن كنص.
عدنان: القرآن هنا مجرد استعارة.
مجيد: هي ليست فكرة كبيرة، أوريان فالاتشي، ولكن هذه طريقة تعبيرها. ولكن ميتفوريكلي مع ما يُسمى بالميادين، تحاول أن ترد الانتباه إلى أن إسبانيا دائمًا تأثرت بطريقة عميقة جدًا بالثقافة والدِّيانة الإسلامية.
عدنان: تمامًا، على كل أنا لا أعرفها، عرفتها من خلالك، وأنا أقرأ كتابك.
الدعوة إلى إسلام تقدمي
عدنان: سيد أنوار في كتابك “إماطة اللثام عن التقاليد” (Unveiling Traditions): “إسلام ما بعد الاستعمار في عالم متعدد المراكز”، اشتغلت على ثلاثة مفاهيم: الإسلام، الرأسمالية، والغرب، ودعوت إلى إسلام تقدمي لا يتلكأ في التجاوُب مع العصر، وانتقدت بشكل حاد الرأسمالية أو ما تسميه “الثقافة الرأسمالية”، وما تسميها أيضًا “أيديولوجيا السوق الحرة”. أنا أردت أن تقربنا من رهانات هذا الكتاب بالغ الأهمية.
مجيد: الحضارات بدأت عبر التجارة، الإمبراطوريات والحضارات الكلاسيكية توسعت عبر التجارة والتبادل التجاري، وكان نوعًا، وكانت هذه التجارة وهذا التبادل التجاري كان يختلف اختلافًا جذريًا عن الإنتاج، الإنتاج الصناعي داخل النظام الرأسمالي. فمثلًا الثورة الأمريكية كانت عندها مفاهيم ومبادئ، مثلًا لإنشاء دولة ديمقراطية. وعامة، إذا اعتمدنا على مفاهيم توماس جيفرسون، الكاتب الرسمي لـ(مصطلح إنجليزي).
عدنان: إعلان الاستقلال.
مجيد: إعلان الاستقلال، إلى آخره، فهو كان يتصور مجتمعًا أقرب إلى مجتمع فلاحي يعتمد على الإنتاج المحلي وممارسة السياسة والديمقراطية أكثر من هذا. ولكن النظام الرأسمالي، وخصوصًا نظام الثورة الصناعية التي ارتبطت بنهوض النظام الرأسمالي، غيرت مسار هذا الفكر الديمقراطي الجمهوري الذي كان أساسه نشأة الولايات المتحدة، فأصبح.. والآن حتى وصلنا إلى يومنا هذا أن كل المفاهيم لدى مؤسسي الجمهورية الأمريكية أصبحت لا تُطبق في يومنا هذا، لأن النظام الاقتصادي الرأسمالي هو أصبح طاغيا على جميع الممارسات الاجتماعية والسياسية داخل الولايات المتحدة.
إذن هذا هو مفهوم الدين والرأسمالية، والرأسمالية تنادي عبر التاريخ إلى الاستعمار. الدول أوروبية أو الدول الأمريكية استعمرت دولا أخرى، مثلًا دول عربية وإسلامية، وهذه الدول العربية والإسلامية لتدافع عن نفسها رجعت إلى مفاهيم تاريخية أسطورية لا علاقة لها بالتاريخ، ولكن لتدافع عن هويتها الثقافية والحضارية ضد الاستعمارات الأوروبية والأمريكية.
إذن كانت ردود فعل ضد النظام الرأسمالي، سواء كان داخل دول أمريكا أو في الدول المستعمرة، كانت سلبية. في كلتا الحالتين كانت سلبية.
الإسلام التقدمي والرأسمالية غير المتوحشة
عدنان: تمامًا، وأنت كنت معنيًا بإيجاد أرضية إيجابية للعيش والتعايش، أو طالبت الرأسمالية بأن تتخلص من وحشيتها وتوحشها، وطالبت الإسلام بأن يتخلص من انغلاقه، وهكذا قلت بأن الإسلام التقدمي والرأسمالية غير المتوحشة ضروريان إذا أردنا بلوغ عولمة حضارية جديدة إنسانية هذه المرة. أنا أريد أن تبلور معنا هذه الفكرة.
مجيد: بطبيعة الحال، لأنا نحن وصلنا إلى وقت نحن مهددون كلنا، سواء من الناحية البيئية أو من الناحية الجسدية، الفوارق الاجتماعية رجعت خطيرة جدًا، وتأثير التكنولوجيات حتى على الفكر وعلى البشرية بصفة عامة، أصبح يشكل خطرًا ملموساً. ولكن ما الحلول؟ الحلول سواء في الغرب، بما أن أمريكا إلهها، -وأنا أقولها في الكتاب- هو النظام الرأسمالي الآن يقتضي مراجعة هذا النظام حتى…
عدنان: يتأنسن.
مجيد: حتى يتأنسن الأمريكيون وتكون لهم حريات كما وعدت لهم عبر…
عدنان: إعلان الاستقلال.
مجيد: الاستقلال. أما فيما يخص الدول العربية الإسلامية…
عدنان: لأنه بيني وبينك، وأنا أقرأ الكتاب، أنتبه بأنه كما لو أن الأمريكيين هم شعب مغرر به. إعلان الاستقلال وتأسيس الدولة والفكر الأمريكي السياسي وعدهم بالحرية والكرامة والديمقراطية، ولكن واقع الحال أثبت أنه لا ديمقراطية ولا حرية، مستلبين إلى حد كبير.
مجيد: نعم، وشعب مريض من الناحية الاجتماعية، يعني مشاكل اجتماعية حادة جدًا، تراها تتمثل في جميع الأحداث التي نراها في أمريكا.
عدنان: وهذا ينال في الكرامة، إذن لا حرية، لا كرامة، لا ديمقراطية لسوء الحظ.
مجيد: إذن مع العلم أن مفاهيم ومبادئ الثورة الأمريكية كانت مبادئ عالمية، لا تنسى نداء إلى العالم ليساهم. مؤسسو الثورة الأمريكية كانوا ينادون إلى الرأي العالمي ليساندهم في هذه الثورة.
عدنان: في هذه الثورة الإنسانية الكبرى.
مجيد: في هذه الثورة الإنسانية. إذن هؤلاء في هذه المبادئ فشلوا في صراعهم مع آليات أو مع آلة الرأسمالية الشرسة التي هلكت هذه المفاهيم، وأصبحت هذه المفاهيم شبه خرافية، دائمًا الآن قطعا عندها صلاحية داخل الحياة الأمريكية.
عدنان: أفرغت من محتواها.
أنوار: من محتواها، أفرغت من محتواها.
عدنان: كذلك لأنه أنت عندك هذا النقد، تنتقد هنا وهناك.
أنور: نقد مزدوج.
كيف يتحقق الإسلام التقدمي؟
عدنان: النقد مزدوج. نستحضر عبد الكبير الخطيبي. نفس الشيء نفس الانتقاد توجهه إلى الإسلام، تقول بأنه حتى الإسلام مع الأسف مجموعة من القراءات المتكلسة له أفرغته من مضمونه التقدمي. ولكن وأنت تطالب باعتماد إسلام تقدمي، تركز على مفهوم أساسي تطالب بتجديده والاشتغال عليه، ولكن ترى مفهوم الاجتهاد، كيف يمكن لهذا المفهوم القديم أن يتجدد اليوم ويساهم في خلق الإسلام التقدمي الذي تبشر به؟
مجيد: ذكرتني وأنت تطرح هذا السؤال، ذكرتني في رالف والدو إيمرسون، الفيلسوف الأمريكي من القرن التاسع عشر، عندما أُعطى كلمة داخل هارفارد، وأُبعد من هارفارد لعقود، لأنه قال ووضح. لا تنسى الذي ساوى بين أول ظهور نشأة الولايات المتحدة، وأول ظهور الديانة الإسلامية، في كلتا الحالتين كانت عملية ثورية ضد النظام السابق، ضد المفاهيم التي جاءت قبلها. ولكن عندما يتجمد الفكر الثوري، ينغلق الفكر على ذاته، ومع الوقت يمر الوقت، يصبح هذا الفكر لا يتابع العصر الذي نعيش فيه.
عدنان: هو يخون مبادئه أولًا.
مجيد: يخون مبادئهم.
عدنان: ثم يخون العصر الجديد الذي ينتمي إليه، لأنه يبقى مشدودًا إلى الماضي.
مجيد: فإيمرسون كان قال لطلبة هارفارد المسيحيين، قال لهم: “إن كنتم تعبدون عيسى عليه السلام، ولكن من الأفضل أن تتمثلوا بأخلاقه وبفكره الذي كان فكرًا ثوريًا”.
عدنان: تمامًا.
مجيد: مع الوقت، الشعوب يستعبدون الفكر الذي كان في بدايته ثوريًا.
عدنان: يحنطونه.
مجيد: يحنطونه.
كيف صادرت اليهودية من الإنسانية تعددها؟
عدنان: والإسلام التقدمي الذي تتحدث عنه دائمًا، هو في رأيك إسلام متفتح، قادر على إتاحة المجال أمام التعددية الفكرية، وهي تعددية تقول، وأنا أقتبس من كلامك، “إن الإنسانية عاشتها في المجتمع اليوناني قبل أن تصادرها منهم اليهودية.” أنا أريد أن أفهم، كيف صادرت اليهودية من الإنسانية تعددها؟
مجيد: مفهوم الديمقراطية ظهر في اليونان العتيقة. لماذا ظهر في اليونان عزيزي؟ لأن هناك المجتمع اليوناني كان عنده آلهة متعددة، إذن لم يكن هناك ما يُسمى بالفرنسية أو بالإنجليزية (مصطلح إنجليزي) تعددية.
عدنان: تعدد الديانات.. الآلهة.
مجيد: لا الآلهة ولا الديانة ولا العقائد، إذن كان المفروض عليهم أن يخلقوا نظامًا ديمقراطيًا، وكل واحد يحترم إله الآخر. عندما جاءت اليهودية الرسمية، قضى يهوه، إله اليهود قضى على سحق الآلهة الأخرى، وأصبح الإله الواحد الذي يُعبد، وفُرض على اليهود كإله واحد.
إذن الفكر التوحيدي بهذا المفهوم، إن كان يمكن نقدر نجبر نماذج من الفكر التوحيدي في حضارة ما قبل ظهور الديانة اليهودية، سواء مثلًا في مصر الفرعونية إلى آخره، ولكن هذا الفكر التوحيدي بالطريقة التي ظهر في بداية الأمر مع الديانة اليهودية، أقصيت الآلهة الأخرى، وأصبح إله واحد يُعبد.
عدنان: ولكن كيف استعاد حتى الإسلام، ديانة توحيدية، ولكن كيف استعاد الإسلام هذه الروح التعددية؟
مجيد: هذا سؤال جديد في عمري ما جاوبت عليه، وليس متضمنا في كتابتي، لكن سأنظّر معك، لأنه مع الأسف الشديد، اليهودية منذ سنة 70 ميلادية إلى 1948، اليهود عبر العالم لم تكن لهم دولة. أما المسلمون فعبر التاريخ أسسوا إمبراطوريات كبيرة، سواء العباسيون…
عدنان: أو الأمويون قبلهم.
مجيد: الأمويون، ولكن…
عدنان: العثمانيون.
مجيد: خصوصا العثمانيون، إذن عندما تكون عندك قدرة الحكم عند السلطة على بقعة أرضية واسعة، وتضم جميع أنواع الشعوب، يُفرض عليك أن تتعامل مثلًا الحريات التي كانت موجودة لأقليات داخل الإمبراطورية العثمانية، يُضرب بها المثل إلى يومنا هذا، كانت أفضل من.. كالنسك في الضلوع، كما يمكن.. إن كانت (Quality of life) كما يسمونها في…
عدنان: العيش والحياة.
مجيد: جودة العيش داخل الإمبراطورية العثمانية كانت أفضل من جودة الحياة اليوم داخل الولايات المتحدة أو فرنسا. إذن كان القليل.. إذن هذا بما أنه كان عندهم السلطة والحكم عبر بقع أرضية واسعة، ويتعاملون مع جميع الشعوب…
عدنان: الأعراق.
مجيد: أعراق متعددة.
عدنان: وأجناس.
مجيد: وأجناس وديانات، أعني المسلمون مارسوا هذه التعددية. أما اليهود تم إقصاؤهم من الشرق الأوسط، وعاشوا في الغربة إلى 1948 حتى تأسست دولة إسرائيل.
التعددية في الحضارة العربية الإسلامية
عدنان: الآن نتوقف فقط عند نموذج العثماني الذي أشرت إليه الآن، لأنك أنت بنفسك في كتابك تكلمت عن نماذج أخرى فيما يتعلق بالتعدد داخل الحضارة العربية الإسلامية، وقلت بأنه كلما كان المجتمع العربي الإسلامي غير متجانس، كان الوضع فيه أفضل، وأعطيت النموذج الأول هو بغداد القرن التاسع، وأعطيت النموذج الثاني وهو الأندلس، كيف أن صور التعددية الثقافية والمذهبية واللغوية في بغداد مع المأمون وبيت الحكمة أعطانا لحظة توهج، واللحظة الأندلسية باعتبارها لحظة توهج. أنا أريد أن أعطي غير النموذجين من كتابك قبل اللحظة العثمانية.
مجيد: سؤال جيد جدًا، لأن هذا مفهوم التعددية التي عشناها دائمًا يفترض الاختلاط، أولًا الفكر المتقدم والمتنور لابد أن يثق بأنه حتى إذا مثلًا قلت الحضارة العباسية، هؤلاء الناس والمفكرون والكتاب الذين ترجموا الحضارة اليونانية أو الحضارة الفارسية أو حتى إلى العربية كانوا معظمهم مسيحيين، معظمهم مسيحيين، وأقليتهم عرب، يمكن أن نقول: واحد في المئة أو عشرة في المئة من هؤلاء المترجمين كانوا عربًا. إذن كانت الدولة العباسية لم يكن لهم مشكلة في اللجوء إلى مترجمين مسيحيين لكي يترجموا التراث اليوناني إلى اللغة العربية، وحتى الحضارة الفارسية. في الأندلس كانت قليلًا تتشابه مع الحضارة العباسية، كان المسيحيون، كان اليهود، كان المسلمون، كانوا يتعاملون ويناقشون بعضهم البعض. لنرجع إلى المفهوم الثوري للإسلام، للديانة الإسلامية، عندما يتجمد الفكر ويسبح ويعبد في أساسه، هذه التعددية وهذه التسامحات التي تنتج هذه الثقافة وهذه الحضارة تتجمد، تتجمد ويصبح إذن الفكر ينقبض على نفسه.
عدنان: ينكمش.
مجيد: ينكمش على نفسه.
عدنان: وينقلب على مبادئه.
مجيد: وينقلب على مبادئه.
عدنان: ولهذا يحتاج إلى تجديد. بالنسبة لك مفهوم الاجتهاد أساسي، مفهوم الاجتهاد نحتاج اليوم إلى أن نستعيد لهذا المفهوم طاقته.
مجيد: الاجتهاد والفكر ما يسميه الأمريكيون (Outside the Box) “خارج الصندوق”، الآن، أو ما يسميه الفرنسيون من وقت إلى آخر، كل نموذج فكري يخص واحدًا نوع من (كلمة فرنسية).
عدنان: قطيعة.
مجيد: قطيعة، لكن هذه القطيعة تحيي الفكر مرة أخرى.
عدنان: القطائع الأبستمولوجية التي تتكلم عنها.
مجيد: القطائع الأبستمولوجية، إذن لابد ليستمر الفكر منتجًا أو خصبًا شيئًا ما، لابد من قطيعات أو من اجتهادات أو من حريات فكرية.
كيف يمكن للإسلام أن يستفيد من تجربة لاهوت التحرير؟
عدنان: تمامًا، ولابد أيضًا من الانفتاح على الثقافات الأخرى. وأنا دائمًا وأنا أقرأك في الحقيقة في الآونة الأخيرة قرأت لك أكثر من كتاب، أثارني استدعاؤك للاهوت التحرير لأمريكا اللاتينية، ودائمًا كنت تستحضر تجربة لاهوت التحرير بإعجاب، وأنا أريد أن أسألك الآن، كيف يمكن للإسلام اليوم أن يستفيد من لاهوت التحرير؟
مجيد: لاهوت التحرير كان ابتكارًا، هذا النموذج هذا مثلًا، الفكر المبتكر الذي يتعامل مع الوقت، يساير العصر حتى يفكر في مشاكل التي يعيشها المسيحيون في هذه المجتمعات.
عدنان: في أمريكا اللاتينية طبعًا.
مجيد: أمريكا اللاتينية، داخل عمل، فهو اختلاط ما بين الفكر الكاثوليكي المسيحي والفكر الماركسي، أي أن فكر الماركسي، لماذا فكر ماركسي؟ لأن العالم يسيره الآن النظام الرأسمالي، وكيف أن الفكر الماركسي يساعد العقيدة المسيحية لكي نتحرر وندافع عن أنفسنا ضد…
عدنان: توحش الرأسمالية.
مجيد: توحش النظام الرأسمالي، إذن لابد أن نستعين بأفكار أخرى ولا نحرّمها، نقول بالفكر الماركسي فكر مثلًا ..
عدنان: لا ديني.
مجيد: لا ديني إلى آخره، بل بالعكس، لأن هذا الفكر الماركسي هو الذي يوضح توحش النظام الرأسمالي في العالم.
هل الدين اليوم هو ضحية الرأسمالية؟
عدنان: تمامًا، في الحقيقة أنت اشتغلت بدقة على هذا الموضوع، لأن الرأسمالية بالنهاية خلق هذا الوضع في اللحظة أن الماركسية هي ضد الدين، وبالتالي على الدين وعلى الديانات أن تحارب الماركسية. وكانت الرأسمالية وراء التحريض، تحريض المتدينين والديانات على الماركسية، وتخلق الصراع الذي هو واهم، المستفيد الحقيقي منه هو الرأسمالية. وأنت تقول “إن الرأسمالية هي المسؤولة عن تكثيف سوء الفهم الثقافي وخلق بؤر توتر متعددة في العالم، وليس الدين كما يظن العديدون.” سؤالي لك هو: هل هذا الدين اليوم هو ضحية الرأسمالية التي تتستر من وراءه لإخفاء أدوارها المشبوهة؟
مجيد: هو الدين رد فعل، رد فعل، رد لفعل الرأسمالية المدمر للحضارات، ومدمر للهويات ومدمر للثقافات عبر العالم، إذن هو رد فعل في المجتمع العربي الإسلامي، ورد فعل للاستعمار وللهيمنة…
عدنان: الرأسمالية.
مجيد: الرأسمالية، والتي ترتبط بالحضارة الغربية، أما في داخل أوروبا مثلًا، فالديانة مثلًا المسيحية في تدهور مستمر، لم يعد لديها ذلك المفعول للديانة المسيحية داخل أوروبا، والمجتمعات الأوروبية لتواجه النظام الرأسمالي. يعتمد الأوروبيون الآن على أحزاب سياسية لكي يدافعوا عن مصالحهم الإنسانية، ولكن الأحزاب السياسية ما عندها حتى أنظمة، حتى الأحزاب الشيوعية والاشتراكية التي كانت في العقود الماضية لم تعد موجودة داخل المجتمع. إذن في العالم العربي الإسلامي يعني الأيديولوجية أو الفكر الوحيد الذي يتبناه العرب والمسلمون ليدافعوا عن الحضارة بأنفسهم هو الدين الإسلامي.
عدنان: هو التلاعب لكي نوضح الفكرة، لأنه أوضح لك فكرتك. أنا بالمناسبة كنت أترجم وأنا أعد هذه الحلقة كنت أترجم وأحس بأن كتبك تستحق أن تترجم إلى العربية، ويجب أن تترجم في الواقع، لأن الفكرة التي أعجبتني لديك هو أنك نبهت إلى أن مجموعة من الحروب الدينية والصراعات الدينية مثلًا تقول: عندي مشكل مع الإسلام هنا ومع الإرهاب المحسوب على الإسلام هنا، أنت تقول بأن هذه ليست صراعات دينية، لا هو الظاهر يظهرها كما لو كانت صراعات دينية، ولكنها الرأسمالية هي التي خلقت بؤر توتر، ولكي لا تواجه حقيقة أنها هي التي خلقت هذه البؤر تضع الدين في الواجهة وتعطي انطباعًا كما لو أن الصراعات هي الصراعات الدينية. فأنت لا تؤمن بأن هناك صراعات دينية في الواقع؟
مجيد: تمامًا يعني اختلافات دينية وليس صراعات.
عدنان: أما الصراعات فسببها شيء آخر وليس الدين.
مجيد: الاختلاف يصبح صراعًا عندما تجتمع دوافع اجتماعية واقتصادية معينة.
عدنان: وعندما تتلاعب به إدارة أو إرادة فوقية التي هي إرادة الرأسمالية.
مجيد: وهو الاختلاف طبيعي، نحن نريد الاختلاف في الحياة لأنه بدون الاختلاف ليس هناك حياة، لأنه حتى في العالم البيولوجي الاختلاف هو أساس هو أساس الحياة. إذن الاختلافات في فكر الديانة في العقائد حتى في الديانة الإسلامية الاختلاف شيء يعني محمود.
عدنان: طبعًا “اختلاف أمتي رحمة”، حديث نبوي.
مجيد: “وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ”.
عدنان: ” لِتَعَارَفُوٓاْ”.
مجيد: نعم، إذن الاختلاف من طبيعة الحياة، ولكن يصبح صراعًا عندما تجتمع ظروف معينة اجتماعية وتاريخية واقتصادية.
عدنان: واقتصادية، وأنا أرجع وأتكلم من أجل أن أزيد وآخذها من كلامك، “تكون هناك إرادة تتلاعب بمصائر الشعوب ومصائر المجتمعات”.
كيف نبني مجتمعًا عالميًا غير إقصائي؟
عدنان: أعود دائمًا إلى كتابك “إماطة اللثام عن التقاليد”، حيث تواجه الإسلاموفوبيا وتواجه خطاب الإسلاموفوبيا الاستشراقي بخطاب نقيض، تقول فيه بأن الغرب مطالبون بإيجاد طريقة يحتضن بها الإسلام والمسلمين باعتبارهم شركاء لا يمكن الاستغناء عنهم إذا أردنا بناء مجتمع عالمي شامل غير إقصائي ومتنوع ثقافيًا، كيف ذلك؟
مجيد: يكشف لك الكتاب.. المشكلة ذاك الكتاب في عام 2000، نحن الآن في عام 2024، في ظلال 24 سنة بدأنا نرى تغيرات جيوسياسية في العالم، مثلًا ظهور دول الخليج التي أصبح لها وزن ثقيل في الاقتصاد العالمي وحتى في الثقافة العالمية، وخصوصًا منها الرمزية مثلًا في فرق كرة القدم، إلى آخره، وعندها مثلًا قنوات تليفزيون وإنتاج سينمائي إلى آخره.. كي نوحد الوزن ذاك النهار في داخل المجتمعات العربية الإسلامية. إذن المسلمون لم يقصوا، ولكن تبنوا الفكر الرأسمالي لكي يحافظوا على تراثهم وعلى اقتصادهم وعلى هويتهم.
هذا هو السؤال المطروح منذ بداية الاستعمار الأوروبي في القرن التاسع عشر، في الدول الإفريقية والآسيوية، أي أن الحل الوحيد للمستعمرين هو اقتباس الفكر الغربي لكي نحافظ على هويتتنا، هو فعلًا فعل باردوكسي، يعني لنقول..
عدنان: مفارق، فيه مفارقة.
مجيد: فيه مفارقة، لأنك تقتبس حضارة وفكر المستعمر لكي تدافع عن هويتك، وهذا هو (dilemma)…
عدنان: الحيرة الكبرى.
مجيد: الحيرة الكبرى، هذه ثقافة المستعمر منذ القرن التاسع عشر.
عدنان: عجيب وهو الحيرة منذ بداية التاريخ ومنذ تفاعل الثقافات، ونحن نعيش إزاء (دليمات) (يقصد dilemmas) متعددة، وأنا سأقودك إلى واحدة منها ودائمًا طرحتها في كتابك “إماطة اللثام”، وهي المتعلقة باختطاف اليونان، اختطاف اليونان من طرف أمريكا وأوروبا الأطلسية، ليس اليونان كبلد وإنما كثقافة. فالإغريق ثقافيًا عاشوا دائمًا في اتصال وتفاعل مع الحضارات الفارسية والمصرية القديمة كجزء لا يتجزأ من الشرق ومن ثقافة الشرق. ما دلالة هذا السطو على اليونان وإلحاقها بالجغرافيا الجديدة للغرب؟
مجيد: وبين اليونان والحضارة الغربية كانت الحضارة الرومانية، ولأن الحضارة الرومانية هم الذين اقتبسوا عسكريًا، سيطروا على البحر الأبيض المتوسط، وأصبحت اليونان دولة لا مقام لها داخل في هذا الإطار الروماني. ولكن الرومان من حسن الحظ اقتبسوا الحضارة اليونانية وأصبحت ثقافتهم، تبعت ثقافتهم لهم، ومن ثم الحضارة الرومانية شيئًا فشيئًا عبر التاريخ أصبح الفكر اليوناني يتسرب إلى باقي الدول الأوروبية والفكر الأوروبي، وأصبحت مثلًا حتى من الناحية الهندسية لبناء مدن كواشنطن أو بناية الكونجرس أو إلى آخره، اعتمدوا على الهندسة الرومانية التي هي تقتبس من الحضارة اليونانية. إذن الفكر اليوناني كان فكرًا… كان فكرًا عجيبًا جدًا، لأنه دولة صغيرة تتكون من دويلات أو من مدن.
عدنان: هي لم تكن دولة، عمرَ اليونان ما كانت دولة، كانت “لا-سيتيه” المدينة، حضارة أثينا، حضارة أسبرطة.
مجيد: مدن أو دويلات تتنافس مع بعضها، وعندها آلهة، كل له إله له، وكانت مخلوقة ولها مقوم فكري وتاريخي وفلسفي عجيب. من الغريب أن عندنا مثلًا المترجمين الذين في بغداد الذين ترجموا التراث اليوناني لم يترجموا في ذلك الوقت الشعر اليوناني، الملحمات.
عدنان: الملاحم.
مجيد: الملاحم، لأنه غريب، ولكن هذه من العجائب في تاريخ البشرية هي تلك الحضارة اليونانية.
عدنان: تمامًا، تعرف هم لماذا لم يترجموا الشعر؟ لأنهم كانوا يعتبرون العرب هم أشعر الناس، لا يحتاجون شعر الآخرين، لأنه حتى تحديد الذي كان يعمله الجاحظ كان يقول بأن الفرس هي أمة كذا والإغريق أمة كذا، وأما العرب فأمة الشعر، فاعتبر بأن الشعر هو خاصية للعرب، ليس هناك من هو أفضل منهم في الشعر. لهذا كانوا يستغنون عن ترجمة أشعار الآخرين.
اختطاف اليونان من قبل أوروبا وأمريكا
عدنان: أنا أعود دائمًا إلى اختطاف اليونان وأركز على ذلك المفهوم، لأنه مفهوم أنت الذي نحته، ما يهمني فيه هو أنه حينما اختطفت أوروبا وأمريكا اليونان كان القصد أيضًا هو تعزيز المركزية الأوروبية، لأن اليونان التي كانت تنتمي لثقافة الشرق هي الأصل لثقافتنا، وبالتالي نحن لا نحتاج العالم. فالفكر الغربي المهيمن القوي منذ اليونان إلى اليوم هو مستمر، وهو الذي يستحق قيادة العالم ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا. ألم يكن ذلك الاختطاف من أجل تعزيز المركزية الأوروبية؟ وأنت تناقش هذه المركزية وتنتقدها.
مجيد: الفكر الأوروبي هو الفكر المهيمن من بداية عصر التنوير، ومرورًا بالثورة الصناعية وظهور النظام الرأسمالي أصبح فكرًا مهيمناً في العالم كله بخصوصيته، وبكل ما يحتويه هذا الفكر الأوروبي. فمثلًا حتى الفكر اليوناني أو الخرافات اليونانية تجدها في جميع.
عدنان: الأساطير اليونانية.
مجيد: الأساطير، تجدها في جميع الميادين الفكرية، سواء علم النفس أو الهندسة أو الفكر الفلسفي أو الأدب، أدب أوروبا الغربية. إذن تسرب في جميع التيارات الفكرية الغربية الأوروبية، ومن ثم إلى الحضارة الغربية. فنحن نعيش إذن عندما نقتبس من الحضارة الغربية نقتبس كعرب وكمسلمين التيارات الفكرية الخاصة بالغربيين، ونقتبس مثلًا علم النفس أو الأنثروبولوجيا أو تلك المسائل، هذه علوم غربية بامتياز، ولكن أصبحت عادية بالنسبة لنا.
عدنان: والعلوم كانت دائمًا هكذا عابرة للثقافات، لا تُحتكر ولا يمكن أن تحتكر ولا أن تنسب لثقافة دون أخرى.
نعيش في زمن الغرب
مجيد: أنا أقول دائمًا: نحن نعيش في زمن الغرب.
عدنان: نعيش في زمن الغرب.
مجيد: تمامًا، سواء في هذه الآليات التي نستعملها الآن، في ذلك الحوار بيننا على الشاشة إلى آخره، تكنولوجيات الحوار، تكنولوجيات التواصل، تكنولوجيات الإضاءات، تكنولوجيات مثلًا في الشوارع، الطائرات، سيارات، نظارات، إلى آخره، كل شيء ما نعيشه يوميًا فهو من إنتاج أو من ابتكار غربي.
النازية وأصول العنف الأوروبية
عدنان: هذا مفهوم، يمكن أن نعيش زمن الغرب والصناعات الغربية التي تهيمن، هذه أمور التي هي كانت دائمًا هكذا، دائمًا هناك حضارة تقود. إنما دون أن تقتل الحضارات الأخرى، ودون أن يكون ذلك على حساب الشعوب والحضارات الأخرى. لأن المركزية الأوروبية التي أعطتنا الحضارة اليوم الغربية، كيف يمكنها أن تستمر دون أن تتحول إلى نقيض للكونية؟ ودون أن تصير المحرك لعملية تدمير واسعة لشعوب وحضارات عبر العالم؟ وأنت تذهب أبعد حين تقول في كتابك بأن “النازية هي البنت الشرعية للمركزية الأوروبية”. لهذه المركزية التي تقوم على معاداة الآخر في تعدده الثقافي واختلافه العرقي، كيف ذلك؟
مجيد: طيب، إذن النازية هي نظام في نهاية المطاف، ونهاية المطاف الذي بدأ في القارة الإفريقية استعباد الشعوب وقهرهم وحرقهم وقتلهم بأعداد هائلة، عندما كانت هذه العملية الاستعمارية مستمرة. الضمير الأوروبي لم يكن منزعجًا بالطريقة التي انزعج بها عندما أصبح نفس ممارساته تُطبَّق على أوروبيين آخرين، وهم داخل ألمانيا أو لأجناسهم. إذن العنف.. ذلك العنف الأوروبي، العنف وهو جزء من الحضارة الرومانية الأوروبية، عنف خطير جدًا. إذا هذا اكتُشف مؤخرًا، ونعرف الحلقة التالية من “Gladiator” ذلك الفيلم، ترى حتى المعالم السياحية داخل مدينة روما كان هدفها الرئيسي هو العنف، ممارسة العنف ومشاهدة العنف. إذن كان ذلك العنف هو داخل في تلك التيارات التي أثرت على الفكر الأوروبي، يمتزج بالمسيحية أحياناً أو بالنظام، بأنظمة اقتصادية أخرى، ولكن دائمًا دائمًا حاضر في الثقافة الغربية بطريقة يمكننا نقول لا مثيل لها مثلًا في الحضارات الإفريقية أو في العربية الإسلامية مثلًا.
إذن عندما رجع العنف وأصبح يُطبَّق على الأوروبيين في القرن العشرين، انزعج الضمير الأوروبي، وبالتالي انزعج الضمير العالمي، مرة أخرى بدون تفكير عميق في هذا التاريخ المؤلم.
عدنان: تمامًا، وتتكلم هنا عن العنف طبعًا كما قلت ينزعج الضمير الأوروبي وبالتالي بالطبيعة الضمير العالمي، كما لو أن الأوروبي هو مرادف للعالم. ولكن ليس فقط العنف هو الذي يرتبط بالغرب كما تتفضل الآن، حتى التطرف، والتطرف الديني تحديدًا أنت تعتبره بضاعة غربية، كيف ذلك؟
مجيد: هو نتيجة لهيمنة غربية للدول العربية الإسلامية، حتى مثلًا التطرف الديني هو رجوع إلى الهوية أنا عندي كتاب كتبته كتاب آخر (Freedom and Orthodoxy)… قارنت ردود الفعل الهنود ما يسمى بالهنود الحمر أو السكان الأصليين للقارة الأمريكية، قارنت ردود فعلهم مع ردود فعل المسلمين للاستعمار والهيمنة الغربية، والغريب في الأمر هي نفس ردود الفعل عندنا: الرجوع إلى أساطير الأولين في الحضارات سواء كانت إسلامية، أو للأصلية الخاصة بالهنود الحمر أو ما يُسمى بالهنود الحمر.
عدنان: لأنه سيد أنوار، الثقافات المحلية هي ملاذ. حينما يرفضك العالم أو العالم الخارجي يقسو عليك فتعود إلى ذاتك، سواء ذاتك الشخصية أو ذاتك الثقافية التي هي النصوص الخاصة بك الأولى، دينك وما إليه، ذلك طبيعي.
مجيد: تمامًا، ينغلق الفكر ليدافع عن هويته.
عدنان: تمامًا.
مجيد: وهذا هو هذا هو الإشكال في هذه العملية، هذا التعامل بين الغرب والدول الأخرى سواء كانت عربية إسلامية إفريقية وآسيوية، دائمًا تنغلق على نفسك لكي تدافع عن نفسك في ذلك الوقت.
التطرف الديني بضاعة غربية
عدنان: تمامًا، انغلاق دفاعي، وغريب ونحن نقول مثلًا دائمًا مقولاتك: “التطرف الديني بضاعة غربية”، هذه المقولة أنا قرأتها عندك في سياق كنت تشرح فيه كيف أن هذا التطرف بدأ مع المسيحية التي دمرت التراث اليوناني الذي استعاده المسلمون وأحيوه في العصر العباسي لحسن الحظ، يعني أيضًا هناك سياق تاريخي للتطرف الديني ولاعتبار هذا التطرف بضاعة غربية.
مجيد: وهذه الكارثة التي أضفتها إلى المسيحية مع التراث اليوناني، في ذلك الفكر كان الفكر التوحيدي يعني الذي حارب هذا الفكر التعددي اليوناني، وفي نفسه كما قلنا كما تكلمنا عن الفكر اليهودي التوحيدي كان نفس الفكرة طُبِّقت عن المسيحيين ضد اليونانيين، الفكر التوحيدي المتطرف، لأنه كانوا يعتبرون هذه الحضارة، هذه الحضارة وثنية. إذن وهذه المفاهيم هي تسربت مع الأسف الشديد إلى الفكر الإسلامي، وأصبحت تسربت إلى الفكر الإسلامي، الفكر التوحيدي المتطرف ليحارب كل ما هو يخالف مع المفهوم العقائدي.
عدنان: هذا هو التطرف، الانغلاق الذي يجعلك لا ترى الآخر ولا تصافحه بروح فكرية منفتحة.
مجيد: وفي نفس الوقت هذا التطرف وهذا الانغلاق يزيد في متاعب المسلمين، لأنهم يرون أنفسهم ليس في نفس الدرجة التي هي فيها الأوروبيون والغربيون، لأنهم عندهم حضارة كبيرة، عندهم صناعة، عندهم اقتصاد، ونرى أنفسنا شيئًا فشيئًا ونتزايد، نتزيد مع العصر، نحن مستهلكون للثقافة الغربية، نستهلك بضائع سواء كانت بضائع مادية أو رمزية للثقافة الغربية، وفي نفس الوقت نهاجمهم ونتنكر منهم لأنهم غير مسلمين.
لماذا اليهود أقرب إلى العرب من الأوروبيين؟
عدنان: إيه تمامًا يعني أنت تعيش مفارقة حقيقية متعبة ومرهقة، ولكن الفكر ربما دوره هو أنه يعطينا فكرة أوسع. وأعود إلى كتابك “كلنا موريون” الذي عدتَ فيه للحديث عن العرب وعن المسلمين واليهود، وتقول فيه بأن اليهود هم أقرب إلى العرب منهم إلى الأوروبيين. ولك في هذا الكتاب فصل تحت عنوان “مسلمون يهود” تحدثت فيه مثلًا عن البيعات اليهودية وهندستها المورية. أريد أن أفهم منك أولًا: لماذا بنى اليهود بيعاتهم في أوروبا وأمريكا على هيئة مساجد؟ وما سر هذا الارتباط الكبير لليهود بالثقافة العربية؟ حتى أن بنيامين ديزرائيلي لم يتردد في وصف اليهودي بأنه “فرس عربي أصيل”؟ كيف ذلك؟
مجيد: لأن اليهود عندما في أول مرة في تاريخهم داخل الفضاء الأوروبي، عندما أتيحت لهم حريات شخصية، وجدوا أنفسهم بدؤوا من الصفر. وجدوا أنفسهم بدون تراث، بدون تاريخ يعني تاريخ مادي. الذي نجده عند الدول التي كانت موجودة.
عدنان: فالعبرية لم تكن موجودة في تلك الساعة، كانت لغة منقرضة كانت مشت…
مجيد: إيه، إذن…
عدنان: أعادوا بنية العبرية في الأندلس.
مجيد: لكي يؤسسوا مساجدهم وما يسمى بالسيناجوج (دور…
عدنان: البيعات.
مجيد: البيعات، لم يجدوا نموذجًا وهو النموذج الأصلي هو “بيت سليمان” (تعبير فرنسي) في القدس، يعني لم يجدوا نموذجًا هندسيًا معماريًا؛ ولذلك التجؤوا إلى المساجد.
عدنان: هيكل سليمان.
مجيد: هيكل سليمان، التجؤوا إلى الهندسة الخاصة بالمساجد الإسلامية التي تقترب إلى النموذج الأصلي لهيكل سليمان.
إذن هذا هو السبب الذي التجؤوا إلى الهندسة والمعمارية الخاصة بالمساجد، لأنها تقترب من الثقافة اليهودية أكثر مما تقترب إلى الثقافة المسيحية.
عدنان: وكيف تفسر مقولة ديزرائيلي الذي يصف فيها اليهودي بأنه “فرس عربي أصيل”؟
مجيد: لأ ديزرائيلي أصوله من الأندلس، وكانت عنده الذاكرة الأندلسية، وهو من أصل يهودي أندلسي. فإذن دائمًا المخيال، والأندلس لعب دورًا كبيرًا جدًا في دور العبادة عند اليهود، السيناجوج أو الزخرفة أو الهندسة المعمارية اللي تقارب المساجد. إذن بنجامين ديزرائيلي هذا هو كيف كان ينظر، ينظر إلى الحضارة العربية الإسلامية بأنها تقترب جدًا إلى الحضارة اليهودية، إلى الثقافة والديانة اليهودية مما تقترب اليهودية إلى الحضارة المسيحية. وإن فعلًا في بعض الحالات كان يحتقر الحضارة الأوروبية المسيحية.
بريطانيا وإعادة تشكيل التاريخ والدول
عدنان: مع العلم لو كان وزيرًا لبريطانيا حينها، وكان منه. في الحديث دائمًا عن اليهود توقفت عند بعض المفاصل التاريخية التي ترى بأنها أثرت بقوة على المستقبل. مثلًا تحدثت عن حائط المبكى، وكيف أن ذلك الحائط لم يكن له لا أهمية ولا وجود قبل القرن السابع عشر، لكن في القرن السابع عشر تم اختلاقه أو تحيينه. بل إن دولة إسرائيل نفسها لم يكن لها وجود، فهي بنت جيوبوليتيك القرن التاسع عشر، وهانحن محكومون حتى اللحظة بالحسابات جيو-سياسية لذلك القرن الاستعماري.
مجيد: هو ذلك التاريخ، مسار التاريخ عجيب جدًا. ترى شعب بدون دولة، مثلًا الآن الأكراد عندهم شعب بدون دولة. يعني كان اليهود في العالم متشردين بدون دولة. الآن مع الوقت شيئًا فشيئًا بدؤوا بفضل ذكرياتهم أو بفضل تعلقهم بالأساطير بأساطيرهم، أصبحوا شيئًا فشيئًا أسسوا دولة في…
عدنان: ليس فقط التعلق بالأساطير هو الذي يصنع الدول. فكانت إمبريالية عالمية أيضًا كانت مصالحها تقتضي أن يوضع هناك في قلب العالم العربي كيان يخدم مصالحها ويستمر في خدمة تلك المصالح الآن. يعني الأساطير وحدها لا تكفي.
مجيد: التاريخ لا يمر بهذا التفكير بهذه الطريقة في التفكير التي نتحدث بها، لأنها عشوائية. التاريخ عادة…
عدنان: اعتباطي (مصطلح إنجليزي).
مجيد: نعم (مصطلح إنجليزي). التاريخ اعتباطي أحياناً. نتعلق بالتفسيرات التي ليس لدينا يعني. التاريخ مثلًا، الكيانات معظم الكيانات الموجودة لدينا في الشرق الأوسط جديدة، مبتكرات جديدة، سواء من ناحية الدولة العثمانية وتخطيط بريطانيا لشعوب المنطقة.
عدنان: أكيد هناك دول من صناعة سايكس-بيكو، يعني اتفاقيات هي التي صنعت دولًا بالنهاية.
مجيد: وحتى.. مفهوم، أنا عندي في الكتاب (مصطلح إنجليزي)، نضع مفهومًا للعروبة، العرب، القومية العربية، فهي مفهوم جديد في التاريخ، لم يكن موجودًا. هنا أسسوا من وراء تأسيسه وبلورته هي بريطانيا، بريطانيا التي حرضت الشعب، الشعوب في السعودية، في الجزيرة العربية إلى آخره، لكي يهاجموا أو لكي يثوروا على الإمبراطورية العثمانية.
عدنان: العثمانية، دور لورانس العرب في هذا الباب.
مجيد: وقلت في الفقرة التي عندي في الكتاب، كان العرب كما يقول الإنجليز يقولون عن سكان المنطقة: “أنتم عرب”.
عدنان: كانوا ينبهونهم إلى…
مجيد: إذا رأيت مثلًا كتابات العصور، القرن الثامن عشر أو القرن السابع عشر، لم تكن توجد كتابات بالعربية شخص يصف نفسه بعربي. كان الأعرابي كان هو الإنسان الذي يعيش في البادية إلى آخره، ولكن لا، لم تكن هوية في نفسها ذاتية.
عدنان: لم تكن هوية.
مجيد: قومية، إذن القومية العربية مفهوم جديد في التاريخ.
عدنان: تمامًا، يعني وهو ابن سياق معين، ابن سياق. عجيب.
التشابه بين بدايات الإسلام وأمريكا
عدنان: ذكرتني بهذه النقطة وأنا أقرأ الكتاب توقفت عندها ولكن لم ألتقطها لنتحاور بشأنها. على كل حال، أسمح لي أن أنتقل بك إلى كتاب آخر، لأنه أنا أعرف كل كتاب لك يحتاج إلى جلسة، وكل كتاب لك يحتاج حوارًا بالإنجليزية في الحقيقة، لأنه لو كان الحوار بالإنجليزية كنا سنستفيد أكثر. ومع ذلك، ما لا يُدرك كله لا يترك جله، كما يقول الفقهاء. في كتابك (A Call for heresy) “دعوة إلى الهرطقة: لماذا الاختلاف أمر حيوي للإسلام وأمريكا؟؟ أوضحت أنه بالرغم من أن الإسلام.. دين، وأمريكا دولة، فكل منهما يشكل ثقافة قائمة الذات، الإسلام كدين، وأمريكا كدولة. وكل منهما أمة، الأمة الأمريكية وأمة الإسلام. ولكل منهم كتاب، كتاب المسلمين القرآن، ولأمريكا كتابها وهو إعلان الاستقلال. كما أن الإسلام وأمريكا معًا – والكلام لك – “عالقان متخبطان في كوابيس تاريخيهما الخاصين”. كيف ذلك؟
مجيد: هو التاريخ عندهم، بدايات الحضارة الأمريكية أو الدولة الأمريكية، أو بدايات الديانة الإسلامية كان من ورائها وحي وكتاب، أو وحي وكتاب. وحتى في كلتا الحالتين، ولكن المسار الخاص بهم عبر التاريخ مسار طويل، الإسلام، مسار أمريكا مع من بقي لم يكمل 250 سنة، ولكن وصلوا إلى مرحلة الآن في تاريخهما أنهما يتخبطان في مشاكل وأزمات: أزمات ثقافية، أزمات حضارية. لابد أن حلولًا لهذه الأزمات، لابد أن نقتبس أو نعتمد على نوع من “الهرطقة”.
عدنان: وفي الحقيقة، هذه العودة إلى “الهرطقة” تقتضي الدعوة إليها. وهو ما فعلته في كتابك وهو عنوانه “دعوة إلى الهرطقة”، وفيه تحيل على كتابين أساسيين كمرجعين (God is not Great) بعنوان فرعي “كيف سمم الدين كل شيء” لكريستوفر هيتشينز، و(مصطلح فرنسي) لأندريه كونت سبونفيل. وهما معًا، ما يهمني في الكتابين هو كيف أنهما معًا يقترحان الأدب – والأدب الغربي تحديدًا – بديلًا عن الدين. كيف تتفاعل مع هذا التصور؟ كيف يمكن للأدب والأدب الغربي أن يقترح نفسه بديلًا عن الدين؟
مجيد: في نهاية المطاف، كل الحضارات، كل الديانات، حتى كل الدول، أساسها هو الأدب: عمل أدبي، إنتاج أدبي، نصوص، يعني…
عدنان: حتى النصوص المقدسة يمكن إدراجها في هذه المجموعة؟
مجيد: بطبيعة الحال، لأن النصوص تُكتب، النصوص تكتب بأيادي إنسانية وتُجمع.
عدنان: حتى الوحي جمع وكتب.
مجيد: صحيح، وكتب تكتب. الحضارات كلها، الحضارات التي ليس لها أساطير مكتوبة تكون حضارات اندثرت، والتي دائمًا عندها في حالة هذه الكتابات الأساطير المكتوبة تبقي هي أساسًا للوجود لهذه الحضارات عبر التاريخ.
إذن الأدب، ولكن الأدب يهدد بنفس الوقت، الأدب يهدد (مصطلح فرنسي) هذه الشعوب. ومثلًا إذا جاء في الحضارة، والكتابات تساعد على الفكر المبدع أو على الخلاق، حتى تزدهر الحضارة، حتى الحضارات التي تمارس تتمتع بغنى أكثر.
هل يمكن للأدب أن يصير بديلًا عن الدين؟
عدنان: هذا كله مفهوم ومقبول وليس لدينا فيه مشكلة، ولكن هل يمكن فعلًا للأدب أن يصير بديلًا عن الدين؟ هل هو دين جديد؟
مجيد: لا، لا يكون أظن يكون دينًا، الدين عنده أبستيمولوجية خاصة به. الدين مثلًا أنا…
عدنان: نظام معرفي خاص.
مجيد: أنا مؤخرًا عملت مراجعة، كتبت كتب على تاريخ الإسلام، هي في المجلة الخاصة بي، أعدت مراجعة بأن هذا الكاتب المؤرخ الأمريكي المعروف يناقش المفاهيم التاريخية التي توجد في العقائد الإسلامية، سواء كانت مكة أو أين كتب القرآن؟ أين جمع القرآن؟ من جمعه؟ إلى آخره. ولكن في نهاية المطاف ترى بأن الشعب، الحياة اليومية للمسلمين سواء في ما يخصنا في المغرب مثلًا تعيش على رتم.
عدنان: إيقاع.
مجيد: إيقاع يومي شبه شعري، يعني ديانات، مؤذن، صلاة، تسمع أصوات المؤذن، وكانت طريقة خطاب الناس وكيف يتكلمون مع بعضهم، وكيف يفهمون حالتهم الشخصية النفسية إلى آخره، كلها تمر عبر العقيدة الدينية الإسلامية.
عدنان: إذن هنا نمر من الدين إلى التدين.
مجيد: إلى التدين، بدأت أفكر بأن هذا النوع من التدين هو في نفسه عمل خلاق، أي أن المسلم ينتج نفسه بتكرار، ليس فقط لا يستعبد المفاهيم القديمة، وفي نفس الوقت يعيد هو يربي نفسه.
عدنان: يجددها.
مجيد: هي العقيدة نفسها في الحياة الإسلامية.
عدنان: يجددها في حياته اليومية.
مجيد: إذن وكأنه يعيش الشعر، ويعيش الإحساس الشعري يوميًا.
عدنان: تمامًا، إذن أنا بالنسبة لي آخذ منك هذا المضمون الشعري للتدين يعني كخلاصة. وما تفضلت به.
انتقاد المركزية العربية
أنا آخر نقطة أريد أن أطرحها معك دكتور أنوار مجيد، هي وأنت قد انتقدت المركزية الأوروبية، لم تتورع أيضًا عن انتقاد المركزية العربية بدورها، وترى أننا بسبب أعطاب هذه المركزية قاصرون عن استيعاب الإسلام اليوم في تعدده الحقيقي، لافتقارنا إلى لغاته: اللغة التركية، اللغة الفارسية، الأوردية، السواحيلية. كيف ذلك؟
مجيد: هو الإسلام، الإسلام مفهوم مجرد (مصطلح إنجليزي)، مفهوم مجرد يعني يطبقه الشعوب على طريقتهم. مثلًا أنا شخصيًا أفضل ممارسة الإسلام بالطريقة المغربية، مثلًا تلاوة القرآن باللهجة المغربية، بالرنة، عبد الرحمن بن موسى الذي هو دائمًا كان…
عدنان: التلاوة المغربية للقرآن، وهي بديعة فعلًا.
مجيد: التلاوة المغربية والتصوف المغربي بطبيعة الحال، التصوف عن الزوايا إلى آخره، ما يُسمى عند بعض دول إسلامية أخرى ما يعتبرونه شعوذة.
عدنان: بدعًا، يسمونه بدعًا.
مجيد: بدعًا، بالنسبة لي أنا هذه داخلة في التاريخ الإسلامي المغربي، الزوايا كل مدينة عندها…
عدنان: حتى القراءة الجماعية مثلًا للقرآن، من غير التلاوة المغربية الخاصة، هناك القراءة الجماعية المغربية للقرآن، والتي الكثيرون يستهجنونها خارج المغرب، والحال أنها مرتبطة بترديد الأمازيغ لمجموعة من المرددات بشكل جماعي حتى قبل الإسلام، وبالتالي هكذا يصير الإسلام المغربي فعلًا عنده خواص، خاصيات ترتبط بالأمازيغية، وترتبط بأشياء خاصة بثقافة هذا البلد.
مجيد: وهؤلاء الناس الذين يبغون الإسلام نقيًا تمامًا تمامًا، نفس الطريقة التي أرادوا بها المسيحية الإسبانية أن تكون المسيحية خالصة، عرق خالص، والذي يسبب كوارث إنسانية أو الفكر النازي، عندما يتبع.. عندما يريد الإنسان أن يتشبث بفكر خالص أو بعقيدة خالصة أو بتصرف أو بممارسة خالصة.
عدنان: لا تشوبه شائبة.
مجيد: هذا عملوه في نفس الوقت، يكفر أو يهمش أو.. أعداد من البشر، ويرى نفسه أنه له الحق أن يقصيهم جميعًا لأنهم ليسوا في عقيدته إذن.
عدنان: إذن أنت برأيك أن الإسلام متعدد، ولعله يتعدد بتعدد لغاته، يعني هذه اللغات وهذه الثقافات تعطيه نوعًا من التنوع المقبول. الطبيعي يمكن الإنساني.
مجيد: لأن الثقافات محلية، ومثل الجغرافيا فالثقافات محلية، عندها لغاتها، عندها عندها نظام…
عدنان: معماري.
مجيد: معماري وجوهري، فكل هذا يجعلها ديانة والتي هي يمكن أن نسميها (اقتراح (مصطلح فرنسي).
عدنان: مجرد).
مجيد: مجرد، كل الشعوب لها اختيار كيف تتعامل معه.
عدنان: وتطبعه بطابعها، وتسمه بمسامها الخاص.
مجيد: طابع لها، فلذلك نحن مثلًا نحتل لغة، أنا مثلًا كمغربي صعب علي أن أفهم اللغة السورية، اللهجة السورية أو اللهجة العراقية، نفهم اللهجة المصرية أكثر لأن أفلام المصريين، عندها أفلام وبرامج تليفزيون كنا نشاهدها، أما مثلًا اللهجات الأخرى في الشرق الأوسط صعبة علي أن أفهمها.
عدنان: تمامًا، وأنا أيضًا أتمنى أن متابعي هذا اللقاء لا يجدوا صعوبة في فهم لهجتك المحلية. ولكن مع ذلك أنا سعيد بأننا عبر هذا اللقاء اقتربنا لمجموعة من كتبك التي مازلت أقول وأكرر أننا في حاجة إلى ترجمتها إلى اللغة العربية. دكتور أنوار مجيد، شكرًا على حضورك بيننا.
مجيد: شكرًا جدًا أستاذ ياسين، شكرًا جدًا على الضيافة.
عدنان: الله يبارك فيك، وأنتم أعزائي عزيزاتي، إلى اللقاء.