اتّجه الفلاسفةُ المسلمون في العصر الوسيط، بَدْءاً من الكنديّ (805-873 م)، وصولاً إلى ابن رشد (1126-1198 م)، نحو فهم تكوين العالمِ، وفقاً لمناهج علوم محدّدة هي: الطبيعيّات (=الفيزيقا) والتعاليميّات (=الرياضيات) والإلهيّات (=الميتافيزيقا)، والآلة الحاكمة على صحّة هذا الفهم هي علم المنطق؛ ذلك أنَّ العالَم الماديّ المُرَكَّب من العناصر الأربعة (=التراب والماء والهواء والنّار) والممتدّ إلى أقصى ما تراه العين من نجوم بعيدة، يمثِّل التصوّر الأشمل عن الطبيعة بما تكتنفه من موجودات، ويُعنى بالبحث في موجودات هذا العالم الماديّ علم الفيزيقا؛ غير أنَّ هذه الموجودات المُلابِسة للمادّة -باستثناء الكائنات الحيّة منها- يمكن تجريدها من موادّها فتتحوَّل إلى أعداد وأشكال هندسية، فيصبحُ علمُ الرياضيات ممكناً، وبإرجاع هذه الموجودات أنفسها إلى عِلّة أولى ينفتح مجال التأمُّل الميتافيزيقيّ في عظمة الأُلوهيّة.
هذا، وبما أنَّ الإنسان -كما نَظَرَ إليه هؤلاء الفلاسفةُ أنفسُهُم- مكوَّن من جسدٍ شهواني لا ينفكُّ عن النُّزوعِ، نُزُلاً، إلى جِبِلَّتهِ الأرضيّة، ونفْسٍ عاقلةٍ لا تفتأُ عن التسامي، صُعُداً، إلى جوهرها الإلهيّ، فلن يكونَ المِعراجُ الفلسفيّ ممكناً إلا بوساطة التّفكيرِ في إبداع الخالق للأفلاك السماوية بما تحتويه من نجوم وكواكب، فانبثق علم الفلك، وأصبحَ من جملة العلوم الفلسفية.
ولقد بدأ الفلاسفةُ المسلمون بوضع مبادئ علم الفلك أو علم الهيئة المتقدم على علم الفلك اليوناني الذي بلغ ذروته مع بطليموس (100-180 م) حين فسَّرَ الكنديّ، بصفته أوَّل فيلسوف مُسلم، الآيةَ الكريمة: “وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ” (الرحمن:6) في مؤلَّفٍ جعلَ عنوانه “رسالة في الإبانة عن سجود الجِرْم الأقصى وطاعته لله عزَّ وجلَّ”. وأوضح الكندي في هذه الرسالة أنَّ التزام النُّجوم بالقوانين التي حدّدها الخالق لها يدلُّ على سجودها وطاعتها. ويمكنُ أن يُعدّ هذا الجواب بَدْءاً جديداً لانعطافٍ رئيس في تأريخ تطوّر علم الفلك في أُفق روح الحضارة الإسلاميّة، إذ معرفة قوانين الكون هي الطريق الأمثل لمعرفة خالقه. وأسّس الكنديّ لهذا الانعطاف ببراهينه التي قدَّمها عن تناهي جِرْم العالَم ليُثبت حدوثه في الزمان، مُقوِّضاً رأي أرسطو عن قِدَمِ العالَمِ أو لا نهائيته الزَّمانيّة، سواء أكان ذلك من جهة الماضي أم من جهة المستقبل.
استطاعَ الفارابي (870-950 م) بعد الكنديّ أن يؤصِّل في مؤلَّفه المبتكر “إحصاء العلوم” لوضع تحديداتٍ اصطلاحيّة لعلم هيئة الفلك، أو لعلم النجوم، وفقاً لتسميته، فميّزَ بين علم أحكام النجوم وهو علم دلالات الكواكب على حوادث تقع في المستقبل وبين علم النجوم التعليميّ، مُستبعداً علم أحكام النجوم من دائرة العلم الحقيقيّ، ومبيِّناً في الوقت نفسه أنَّ علم النجوم التّعليميّ هو وحدَه الذي يُعَوَّل عليه معرفيّاً، ومنهجه هو الفحص في الأجرام السماوية من جهة أشكالها ومقاديرها وعلاقاتها وحركاتها، وفي الأرض من جهة أقاليمها بأزمنتها ومواقعها.
وقدَّم الفارابي تصوّراً عن الكون المؤلَّف في رأيه من عدد من العوالم الفلكيّة تكون مُتَّحِدة في مركز مشترك؛ ويحيط بهذه العوالم كلّها الفلك الأطلس أو المحيط أو “السَّماء الأولى”؛ وهذه الأسماء كلّها مترادفات، ثُمَّ دُوْنَ الفلك الأقصى تُحيط هذه العوالمُ ببعضها بعضاً كأنَّ كُلاً منها غِلَافٌ يغَلِّفُ غِلَافاً، وفق الترتيب الآتي: كُرة الكواكب الثابتة، ثُمَّ كُرة زُحل، ثم كُرة المشتري، ثم كُرة المِرِّيخ، ثم كُرة الشَّمس، ثُمَّ كُرة الزُّهرة، ثُمَّ كُرة عُطارد، ثُمَّ كُرة القمر-التي ينتهي عندها وجودُ الأجرامِ السَّماويّة- وصولاً إلى عالَم ما تحت فلك القمر أو العالم الماديّ أو عالم الكون والفساد (=الصيرورة). يتحرّك كلُّ عالَم من هذه العوالم السماويّة بالقدرة الإلهيّة، وتنتقل تدريجيّاً تأثيرات هذه القدرة إلى العالم الماديّ بما يشمله من كائنات؛ ومن بينها الأَناسيّ عِبْرَ السماوات بوساطة ذكاء كوني مخصوص. ويظهر هنا كيف جعل الفارابي علم الفلك علماً عابراً مناهجيّاً بين الفيزيقا والميتافيزيقا. وهذا ما لا نجده في التراث الفلسفيّ اليونانيّ.
اقتنع ابن سينا (980-1037 م) بنّظام الترتيب الفلكيّ الذي وضعه الفارابيّ، إلا أنّه توغّل إلى أبعد في ملاحظة الظّواهر السماويّة، ففي مؤلَّفه “خلاصةُ المِجَسْطي” -والمِجَسْطي كتاب شهير لبطليموس في علم الفلك- قال ابن سينا إنّه رأى كوكب الزُّهرة كبقعة على سطح الشَّمس، وكان قد أشار نصير الدِّين الطوسيّ (1201-1274 م) لاحقاً إلى هذه المعلومة التي أوردها ابن سينا؛ فانبرى المستشرق برنارد غولدشتاين Bernard Goldstein (ولد عام 1938)، ليُنكر على ابن سينا إمكانية رؤيته هذه الظَّاهرة السماوية وتحديدها على هذا النحو الدقيق؛ غير أنَّ الباحث الهندي في الفيزياء الفلكية راميش كابور Ramesh Kapoor وضعَ دراسةً خاصّةً عن هذا الموضوع بعنوان “هل لاحظ ابن سينا عبور الزهرة عام 1032 م؟”؛ أثبت فيها صحة رؤية ابن سينا للزُّهرة استناداً إلى بيانات عبور تبيّن منها إمكانيّة حدوث عبور للزُّهرة في 24 أيار عام 1032 م، علماً أنَّ هذا العبور لا يحدث إلا في أزمنة متباعدة، ويرجع ذلك إلى اختلاف مَدَاري كوكبي الزُّهرة والأرض مع مدار الشمس، وكان بطليموس قد وقع في خطأ كبير حينما وضع مدار وفلك الزُّهرة على نحو تامّ مع مدار الشَّمس (بين الشَّمس وعُطارد)؛ أما حدوثُ هذا العبور عينه فسببه هو وقوع كوكبي الزُّهرة والأرض على خط مداري واحد مع الشَّمس، علماً أنَّ مدار كوكب الزُّهرة دائريّ تقريباً مثل الأرض.
ويَظهر أنَّ علم الفلك المنبثق عن الفلسفة الإسلاميّة بدأ في تجاوز علم الفلك اليونانيّ، وبلغ هذا التجاوز أوجَهُ مع ابن رشد (1126-1198 م) الذي استأنف مشروع كلّ من ابن باجَّة (1085-1138 م) وابن طُفيل (توفي عام 1185 م)، فوضع مؤلفات خاصّة في علم الفلك مثل كتاب “جوهر الأجرام السماويّة” ضاع أصله العربيّ وبقيت ترجمة عبريّة وترجمة لاتينيّة له. وكان ابن رشد قد وجَّهَ نقداً عميقاً لنظام بطليموس الفلكيّ مفاده أنَّ الأجرام السماويّة لا يمكن أن تتحرّك وفقاً لنماذج رياضيّة، ولذلك يكمنُ الخلل في منهج بطليموس في غياب التوفيق بين المجال الرياضيّ والمجال الفيزيائيّ لعلم الفلك، إذ تبيّن لابن رشد بالملاحظة أنَّ حركات الكواكب لا تتوافق مع النماذج الرياضيّة البطلميّة.
وأوضحَ ابن رشد رؤيته الخاصّة لرصد حركات الكواكب، فميّز بين حركات يمكن رؤيتها عِياناً بحاسّة الإبصار -لكن هذه الرؤية الحسيّة غير كافية للحصول على معرفة موضوعيّة؛ وحركات لا بد من استخدام آلات الرّصد لاكتشافها ويمكن أن تستغرق مدّة طويلة لا تكفيها حياة إنسان؛ لذلك قد تتعاون عليها أجيال من العلماء؛ وحركات لا يمكن ملاحظتها ألبتة بحاسة الإبصار ولا بآلات الرصد، وتحتاج من أجل معرفتها إلى تدبُّر عقليّ-رياضيّ، وتبقى معرفتها حتى لو حصلت في حيِّز الفرضيات.
وأبدع ابن رشد في تأكيده أنه لا توجد أية إمكانية لوقوع خلل في حركات الكواكب على نحو يُفضي إلى تقويض نظام العالم؛ لأنَّه لا يوجد في السماء أيّ حشوٍ كوكبيّ؛ لذلك لن يتوافر أي مجال لوقوع شذوذ مُهدِّد في حركات الكواكب. وقام -كما ذكر هو نفسه-في شرحه لكتاب “السَّماء” لأرسطو برصد الظواهر السماوية، وفي تلخيصه لكتاب “المِجْسطي” تحدّث عن أنّه قام بحساب موقع كوكبي الزُّهرة وعُطارد من أجل التأكّد من حقيقة اقتران هذين الكوكبين بالشَّمس.
هذا، واستطاع ابن رشد أن يُقدِّم نقداً مناقضاً لتفسير الفلاسفة اليونانيين؛ مثل أنكساغوراس (500-428 ق.م) وديموقريطس (460-370 ق.م)، وغيرهما لما سماه الكوكبَ ذا الذؤابة، إذ كانَ هناك تفسيرٌ سائد في علم الفلك اليونانيّ عن أنَّ رؤيةَ كوكبٍ ذي ذؤابة في الفضاء سبُبها اجتماع الكواكب المتحيِّرة -التي ترجع وتستقيم- (=زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد). لكن ابن رشد رفض هذا التفسير؛ لأنّه رصد هذه الظَّاهرة السماويّة، وتبيّن له أنَّ الكوكبَ ذا الذؤابة يمكن ملاحظته بعيداً عن منطقة فلك البروج، ولو كان حدوثه بسبب اجتماع الكواكب المتحيّرة لمَّا تجاوز سَمْتُهُ فلك البروج، لأنَّ فلك البروج هو حيّز الكواكب المتحيِّرة. ولقد أصاب ابن رشد في رفضه تفسير الفلاسفة اليونانيين؛ فذؤابة المُذَنَّب هي غلاف ضبابيّ يحيط بنواة المُذَنَّب تظهر حينما يمرّ بمدار إهليلجيّ قرب الشَّمس فترتفع حرارته على نحو يكوِّن هذه الذؤابة.
أسَّسَ الفلاسفةُ المسلمون لمنهج جديد لعلم الفلك مغايرٍ لمنهج علم الفلك اليوناني؛ ولكنَّ تأسيسهم جاء نابعاً من مواقفهم الفلسفيّة؛ لذلك بقي تأسيس آخر موازٍ جاء من علماء فلك متخصِّصين أبدعوا في مجال نقد المرجعيّة اليونانيّة، وبلغ هذا الإبداع أوجَهُ في مؤَّلفات ابن الهيثم (965-1040 م) النقديّة، وفي مقدّمتها كتابه “الشكوك على بطليموس” الذي مثّل قدرة العقل العلميّ في الحضارة الإسلاميّة على تفسير حقيقة الوجود، بمواجهةٍ شُجاعة نحتاجُ الآن حاجةً كيانيّة إلى استئنافها.