Skip to content Skip to footer

عقائد خرافية حول القضاء والقدر في الإسلام! | أحمد الرمح

تتناول هذه الدراسة عقيدة القضاء والقدر، وتثبت أنها بدعة سياسية لا أصل لها في القرآن، بل هي نتاج تأويلات فرضتها مصالح سلطوية. تهدف الورقة إلى تفكيك هذه الخرافة بتتبع نشأتها الأموية، وكشف آثارها السلبية على المسلمين، مع إبراز مفهوم “سنة الله” القائم على السببية وحرية الاختيار الإنساني.

الملخص التنفيذي:

يتفق علماء الأصول في الإسلام على أنّ العقيدة لا تثبت إلا بدليل قطعي الدلالة والثبوت، ومع هذا فقد سكتوا عن مسألة القضاء والقدر لما جُعِلت من عقائد الإسلام، رغم أن تاريخ ابتداع هذه العقيدة سياسي صرف.

نحاول في هذه الورقة أن نثبت بأنّ عقيدة القضاء والقدر خرافة لا أصل لها قرآنياً، سوى تأويلات لنصوص قرآنية، أُخذت على ظاهرها، وتم لوي أعناق النصوص، لتوافق أهواء ومصالح من فرض هذه الخرافة قهراً لأسباب سلطوية!

لتعالج هذه الورقة تلك المسألة المحسوبة على الاعتقاد الإسلامي، وكانت، وما تزال ذات نتائج سلبية في سلوك المسلمين أمام المهام المنوطة بهم حضارياً واجتماعياً وإيمانياً من خلال المحاور التالية:

المحاور:

  • المدخل
  • خرافة القضاء والقدر في الإسلام! 
  • مناقشة القضية عقلياً ومنطقياً
  • من أين جاءت بدعة القضاء والقدر؟
  • من العلماء الذين رفضوا خرافة القضاء والقدر!

o    عمرو المقصوص داعية الحرية الإنسانية

o    راهب المعتزلة غيلان الدمشقي

o    علماء آخرون

  • مثال قرآني على مشيئة الإنسان الحرة
  • فلاسفة الغرب وخلافهم حول عقيدة القضاء والقدر!

o             الرافضون لعقيدة القضاء والقدر

o             الفلاسفة المبررون لعقيدة القضاء والقدر

  • سنة الله وقانون السببية
  • خلاصة القول

 

المدخل

كثيرةٌ هي البدع والخرافات التي تسللت إلى ديننا، لتغدو مسلمات إسلامية عند المسلمين، منها ما كان في العبادات، وأخرى في الأدعية والعادات، وأخطرها ما كان في الاعتقاد، وساهم كهنة الدين الموازي في ترويج تلك البدع في العبادات والعقائد إنْ بتحميل الآيات القرآنية ما لا تحتمل، أو بتفسيرها على ظاهرها، أو بالاعتماد على أحاديث منسوبة لرسولنا ﷺ، وتبقى مسألة ما يسمى بعقيدة القضاء والقدر أخطر تلك الخرافات والبدع، لما لها من دور كبير بتخلفنا وهزائمنا، وتبرير تلك الهزائم والتخلف.

خرافة القضاء والقدر في الإسلام! 

يقول المفكر جودت سعيد: القرآن هو كتاب الله المسطور، والكون هو كتاب الله المنشور. إن كلمات الله التي تحكم الكون، ليست فقط التي نجدها في الكتب المقدسة، فالقرآن والتوراة والإنجيل ممكن أن نكتبهم بمحبرة أو محبرتين، ولكن ما هي كلمات التي لا تكفي لها البحار مداداً ولا الأشجار أقلاماً (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا). إن كلمات الله الباقية هي السنن التي يتعرف إليها الإنسان كل يوم عبر البحث العلمي والحقائق الفيزيائية المكتشفة، وهي سنن كونية تملك قوة الوحي، وهي كلمات الله المستمرة في كونه. ([1])

لكنّ بعض المسلمين يعتقدون بأنّ كل شيء يجري على الأفراد والمجتمعات، أمرٌ قد كتبه الله ﷻ مسبقاً، فيبررون كثيراً مما يحدث لهم تبريراً قدرياً، ويسلمون به كنوع من أنواع الجبرية الإلهية، حتى جعلوا عقيدة القضاء والقدر أحد أركان الإسلام، وهذا غير صحيح، وخدعة سياسية حتى يرضى المسلمون بالظلم والظَلمَة، فيستسلموا لواقعهم، وتخلفهم، ليبقى الاستبداد معششاً عليهم. والإسلام براء من هذه العقيدة! ويستدلون على كذبة القضاء والقدر بالآية: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا) ﴿التوبة:51﴾، علماً بأنّ كتب هنا لا تعني الجبرية، إنما سياقها يؤكد بأنها سنة الله ﷻ، وهي القوانين الناظمة للكون والمجتمع والإنسان، وهي قوانين لا تتبدل، ولا تتغير، وتسري على المؤمن وغير المؤمن، لذلك قال الله ﷻ:

  • (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) ﴿الأحزاب: 62﴾
  • (فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) ﴿فاطر: 43﴾

وسنة الله هي قانون السببية الحاكم للكون كله، لا يتبدل، ولا يتغير، فلا كرامات ولا معجزات. حتى إنّ أهل اللغة قالوا: كل “لام” في القرآن هي للتعليل. مثال:

  • (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ﴿الذاريات: 56﴾ و(لِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) ﴿إبراهيم: 52﴾ أي: أنزلنا هذا القرآن لكي يتذكر أولو العقول.
  • وكل “باء” بالقرآن هي للسببية كقوله تعالى (فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ) ﴿الأنفال: 52﴾ أي عاقبهم بسبب ذنوبهم.

لكن الأشاعرة نفوا السببية، وقالوا بالمشيئة المجردة. ولا نوافقهم على ذلك. حيث إنّ القرآن أكد على قانون السببية في آيات كثيرة، منها في قصة ذي القرنيين، وكررها للتوكيد (وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا). ﴿الكهف: 84﴾.

مناقشة القضية عقلياً ومنطقياً:

عندما يرتكب شخص ما جريمةً، فهل القاضي يحاكمه بهواه، أم وفق قانون العقوبات المكتوب والموجود قبل العقوبة؟  قطعاً سيحاكمه وفق القانون الموضوع سلفاً. وعندما تكرم الدولة عالِماً ما، فإنها تكرمه بحسب القوانين المرعية عندها. فلا القاضي يحاسب المخطئ على هواه! ولا الدولة تكافئ المجتهد على هواها، فكلٌ له قانون. ولله المثل الأعلى. وبالتالي ما كتبه الله ﷻ علينا، أي ما جعله قوانين تشمل كل البشر والمجتمعات المؤمنة وغير المؤمنة على حد سواء! فلو أنّ الله قد كتب عليك أن تسرق، أو ترتكب جرماً ما، وحاسبك عليه، هذه جبرية، ومسرحية، الله أجلُّ وأعدل من ذلك. كيف يحاسبني الله على جُرْمٍ، هو قهرني عليه؟ هذا عبث على الله، والعبث على الله محال. حيث قال تعالى: وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ ۞ لَوۡ أَرَدۡنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهۡوٗا لَّٱتَّخَذۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَٰعِلِينَ ﴿الأنبياء: 16-17﴾. إنما جعل الله ﷻ للإنسان والمجتمع والكون قانوناً، من خالفه، أو خرقه، يعاقب. أطلق عليه قرآنياً مسمى “سنة الله” فعندما تهمل صحتك، تمرض، بغض النظر مؤمناً كنت، أم كافراً. وعندما لا يعمل مجتمع متدين بسنن النهضة والتقدم والعلم، سيتخلف، ويفشل، ويصبح لعبة للأمم الأخرى، والعكس صحيح. هذا يعني أنّ ما هو موجود في أذهاننا حول عقيدة القضاء والقدر خرافة وكذبة اخترعها كهنة الدين الموازي لأسباب سياسية.

 

والسؤال: من أين جاءت بدعة القضاء والقدر؟

دائماً كانت عقيدة القضاء والقدر لعبة وكذبة، يضحك بها الظالمون والفاسدون على المتدينين، ليستسلموا لهم. فما نفعله من خلل، أو انحراف في المجتمع، حاشا أن يجبرنا الله عليه، ثم يعاقبنا من أجله!                          

لم يكن المسلمون يعرفون مسألة القضاء والقدر، حتى نهاية عهد معاوية بن أبي سفيان، عندما أراد تولية ولده يزيد الخلافة! كما يؤكد ذلك القاضي عبد الجبار في كتابه (شرح الأصول الخمسة) عن أبي علي الجبائي: “إن أول من قال بالجبر وأظهره معاوية، وإنه أظهر بأن ما يأتيه بقضاء الله، ومن خلقه، ليجعله عذراً فيما يأتيه، ويوهم أنه مصيب فيه، وأن الله جعله حاكماً وولاه، وفشا ذلك في ملوك بني أمية. ([2])

ويؤكد على تاريخية ولادة تلك العقيدة المُتَوَهّمَة ابن قتيبة في كتابه (الإمامة والسياسة) بقوله: معاوية لما نصب ولده يزيد خليفة على رقاب المسلمين سألته أم المؤمنين عائشة في ذلك فأجابها: إن أمر يزيد قضاء من القضاء، وليس للعباد الخيرة من أمرهم. ([3])

كما نسب يزيد بن معاوية أيضاً قتل الإمام الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه في كربلاء إلى القضاء والقدر المحتوم.

وهكذا قهر بنو أمية المسلمين على الإيمان بمسألة القضاء والقدر، وقد أدلجها بعض المفسرين، وهكذا باتت عقيدة، من يرفضها يكفَّر! حتى عندما قتل “عبد الملك بن مروان” منافسه “عمرو بن سعيد” وهو من رافضي الجبرية، أمر برأسه أن يطُرح الى أنصاره من أعلى القصر، ثم هتف عليه الهاتف ينادي: إنّ أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم، بما كان من القضاء السابق، والأمر النافذ. ولقد ذكر الحادثة أيضاً ابن قتيبة في المرجع السابق.

وفي كتاب (نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام) للأستاذ “علي سامي النشار” يؤكد على أنّ بدعة القضاء والقدر أموية، حيث يقول: “وقد ذهب بعضهم إلى القول بأن قرّاء الشام أعلنوا فكرة الجبر المطلق، وأنها التفسير الوحيد للنصوص القرآنية، فعلوا ذلك إرضاءً للخليفة المغتصب (يقصد الخليفة الأموي)، وأمر الخليفة عُماله في مختلف بقاع العالم الإسلامي بنشر الفكرة، وأخْذ الناس بها، فليؤمن بها الكبير قَسْرًا، وليَرْضَعْها الصغير! ويَحْبُ بها ومعها، لتذلّ أعناق الناس لهم بالجبر الإلهي، ويخضعوا لحكمهم على أنه قدَرٌ عليهم أَزَلاً. فلما أنكر القدرية ذلك، ودعوا إلى مذهب الإرادة الحرة في الاختيار، حاربهم الأمويون! ([4])

من العلماء الذين رفضوا خرافة القضاء والقدر!

عمرو المقصوص داعية الحرية الإنسانية

عندما أعلن معاوية بن يزيد في نهاية خطبته الشهيرة استقالته من منصب الخلافة، وجعل الأمر شورى بين المسلمين يختارون من يرونه خليفةً، كانت تلك الاستقالة انقلاباً على شرعية الحكم الأموي، حتى أنه عرَّض في الخطبة بجده معاوية بن أبي سفيان لمنازعته عليّ بن أبي طالب الخلافة، وبما شهدته خلافة أبيه يزيد من أحداث مروعة، فإنه لا يرى نفسَه أهلًا لهذا المنصب الذي جاءه بوصيةٍ وراثية من أبيه.

وتؤكد المصادر التاريخية أن أفكار معاوية الثاني، قد تعلمها من أستاذه “عمرو المقصوص” الرافض لعقيدة القضاء والقدر بشدة! والمعلن أنّ البشر مسؤولين عن أفعالهم بشكل مطلق!

وتؤكد بعض المصادر التاريخية أن معاوية الثاني، تأثر بعمرو المقصوص كثيراً، حتى أصبح قدريًا، فقد ذكر هذا “المطهر بن طاهر المقدسي” (المتوفى 355هـ) في كتابه (البدء والتاريخ)، وأكَّد المقدسي أن عمْرًا المقصوص كان هو أستاذ معاوية في نهج القدرية، وأنه من شجعه على اعتزال منصب الخلافة ما دام غير قادر على الإصلاح، من خلال كلمته الشهيرة: (إما أن تعتدلْ، وإما أن تعتزلْ!)

كان المقصوص مهتماً بقضية العدل في الحكم، ومواجهة الظلم، وأنّ وجود السلطة كقدر إلهي، كذبة سياسية شرعنها فقهاء السوء! وأكد على حرية الإنسان الكاملة بفعل الخير أو الشر، وبالتالي مسؤوليته كاملة عن عواقب أفعاله في الدنيا وفي الآخرة، وهذا يعني نزع أي قداسة أو شرعية عن ظلم السلطات الحاكمة.

ويؤكد الأستاذ “أحمد حسن الزيات” بأنّ القدرية كانت أول مدرسة فلسفية في الإسلام، وقد اقترنت بفلسفة سياسة ذلك العصر، تهدف إلى تحرير الفكر، لمقاومة السلطات المستبدة آنذاك. مما دفع الأمويين للتنكيل بدعاتها، والفتك بهم، فذهب عدد غير يسير من نوابغ ذلك العصر ضحايا هذا الاضطهاد السياسي. وبذا تحدثنا بعض المراجع التاريخية عن الطريقةٍ المُفجعة لقتلِ عمرو المقصوص، تنمُّ عن مدى حنق الأمويين عليه لدوره المركزي في نظرهم في أزمة معاوية بن يزيد، فقد دفنوه حيًا حتى الموت. ([5])

راهب المعتزلة غيلان الدمشقي

هناك من علماء الإسلام ممن رفض تلك الخرافة، ولكن أشهر من رفض عقيدة القضاء والقدر شهيد الحرية الإنسانية، وراهب المعتزلة، “غيلان الدمشقي”. حيث كان غيلان أهمَّ فلاسفة الحرية في الإسلام، وُلِدَ من عائلة قبطية، هاجرت إلى دمشق، وأسلم أبوه أيّام عثمان بن عفان. رفض غيلان الاستبداد الذي روجه الوعاظ على أنه قضاء الله وقدره، وصرخ بأن الإنسان هو مَنْ يصنع قدره، وليس من حق أحد أن يمارس المظالم، ثم يسند شرّه وظلمه إلى الله تعالى، فأبْطل عقيدة القضاء والقدر. قائلاً: الله ليس هو خالق أفعال المعصية، بل الإنسان هو صانعها، ومسؤول عنها. وهذا هو جوهر الحرية الإنسانية.

ويضع المستشرقون غيلان بحديثهم عن رواد الحرية بمصاف “نيتشه” و”أوجست كونت” و”جان بول سارتر”، فقد كان إمامَ دعاةِ الحرية بالشرق، ورافضاً للجبر والقهرية، ويستوي عنده قهر الحاكم وقهر الدين، فهو يرى أنَّ تعليم الدين بالطريقة التقليدية، فيه سلبٌ لإرادة الإنسان وحريته بالاختيار.

أعلن غيلان ثورته على فساد أمراء بني أمية! وكان معارضاً عنيداً لهم، فناصبه الفقهاء العداء، ومن أبرز خصومه ربيعة الرأي والإمام الأوزاعي. ولما وصل عمر بن عبد العزيز للخلافة، وجد غيلان فيه ضالته، فأرسل لعمر رسالة شهيرة تعدّ من وثائق الحرية تاريخياً! قال فيها: أبصرتَ يا عمر وما كدت، ونظرت وما كدت، اعلم يا عمر أنك أدركت من الإسلام خلقًا باليًا، ورسمًا عافيًا، (يعني الإسلام تم تزويره) فلا تكن ميتًا بين الأموات! لا ترى أثرًا فتتبع، ولا تسمع صوتًا فتنتفع. وربما نجت الأمة بالإمام، وربما هلكت بالإمام، فانظر أيّ الإمامين أنت، فإنه تعالى يقول: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)، فهذا إمام هدى، ومن اتبعه شاركه هداه، وأما الآخر فقال فيه تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ). ([6])

تأثر عمر بن عبد العزيز بأفكار غيلان، واستجاب لدعوته، وعيّنه وزيراً للمظالم، وخصصه بمحاسبة بني أمية الذين كانوا يجمعون ثروات طائلة من الفساد. فصادر أموال أمراء بني أمية الفاسدين، وباعها بدمشق في مزاد علني، وهو يقول: هلمّوا إلى متاع الظلمة، هلمّوا إلى أموالهم وتراثهم، يزعمون أنهم أئمة هدى، ويكنزون المال، والناس تموت من الجوع! ([7])

ويحدثنا الإمام الذهبي عن مأساة غيلان الدمشقي قائلاً: بعد اغتيال عمر بن عبد العزيز، تولى الحكم يزيد الثاني، المتأثر بأفكار غيلان، والمتبع لسياسة عمر الإصلاحية! فطلب مجلساً للفقهاء، ليفتوا له بأفعال ومظالم بني أمية، فجاءه أربعون شيخاً، شهدوا له ما على الخلفاء حساب ولا عذاب من الله! ([8]) وبقي أربعين يوماً، ثم تم اغتياله بالسم. بحسب ما روى الذهبي في سير أعلام النبلاء. وخير الدين الزركلي في “قاموس الأعلام”. ودافع السيوطي عن نزاهته في كتابه “تاريخ الخلفاء”.

“ولما تولى الحكم بعده هشام بن عبد الملك، هرب غيلان إلى أرمينا. فأقسم هشام على الثأر منه، فجاء به من أرمينيا. وعُقِدَت له محاكمة كان على رأس قضاتها الإمام الأوزاعي! الذي حكم بعد مناظرته لغيلان بأنه كافر، فحكموا بصلب غيلان! وتقطيع أطرافه الأربعة وتوزيعها بالشام، حتى يتعظ أهلُها من مصير غيلان! وأرسل له هشام من يشمت به وهو مصلوب! قائلاً: أرأيت كيف كتب الله عليك قدره، فهل ما زلت تنكر قدره؟  فصرخ غيلان وهو على الصليب: ويلك وهل أتهم ربي؟ إنما أتهم هشاماً وأعوانه من الظلمة، عليهم لعنة الله”. ([9])

ومات صليب الإسلام والحرية، مات غيلان بعد أن قطعوا أطرافه، وأطلق عليه المعتزلة الذين جاؤوا بعده بنحو قرنين (راهب المعتزلة الاعظم)!

غيلان رفض الجبرية، وشدد على مفهوم السببية الذي يقوم عليه الكون كله والمجتمعات، وبالتالي ما يحدث للمجتمعات من فشل وهزائم وتخلف، لا علاقة لله به، إنما سببها الناس أنفسهم، لأنهم لم يفهموها، حتى يتجنبوها، وليست قدراً من الله.

علماء آخرون:

ومن الذين رفضوا عقيدة القضاء والقدر أيضاً “الحسن البصري” و”أبو الأسود الدؤلي” و”الفراهيدي” و”مكحول الشامي” و”حسين النجار” وإليه تنسب النجارية من المعتزلة، وعموم المعتزلة، وغيرهم. إضافة إلى “معبد الجُهني” الذي يعتبره العديد من علماء الفِرق والمذاهب الإسلامية مؤسس مذهب القدرية الأوائل، ولقد أعدمه “الحجاج بن يوسف الثقفي” و”معبد الجهني” هو صاحب الجملة المأثورة “لا قدر والأمر أنف”. لا قدر: تعني “لا تقدير”، أي أن الله لم يقدّر كل ما سيحدث في الكون، والأمر أنف: تعني أن الأمر مستحدث، أي حادث وجديد لم يسبق أن قُدّر أو كُتب من قبل الله. وسمّى “الخليل الفراهيدي” أهل القدر العجزة فقال شعراً:

وَعاجِزُ الرَأيِ مِضياعٌ لِفُرصَتِهِ….. حَتّى إِذا فاتَ أَمرٌ عاتَبَ القَدَرا.

أما محمد متولي الشعراوي فيقول في تفسيره الشهير: إن القضاء هو ما قضاه الله، ولا خيار لك فيه كالشمس والقمر، وصورتك وأمك وأبيك وغيرها. والقدر ما تفعله أنت وتقدره، ولك كل الخيار فيه.

ومن المعاصرين المفكر مالك بن نبي والمفكر جودت سعيد، قالا بالسببية، لا الجبر. وكذلك المفكر د. محمد شحرور الذي قال: القدر هو الوجود الموضوعي للأشياء وظواهرها وقوانينها خارج الوعي الإنساني. هذا الوجود بظواهره وقوانينه مذكور في كتاب النبوّة (القرآن) لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (يونس 5)، وهو كلمات الله. والقضاء هو ظاهرة تتعلق بالسلوك الإنساني الواعي (إرادة إنسانية)، وهو قائم على الحركة الواعية بين النفي أو الإثبات في أيّ قرار إرادي واعٍ. لهذا فإن القضاء يتعلق بما جاء من أحكام في كتاب الرسالة (أمّ الكتاب وتفصيلها) كما في قوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا…) (الإسراء 23). ([10])

فمثلاً جسم الإنسان وعمل أعضائه قدر من الله. فإذا أصاب أحد هذه الأعضاء مرضٌ ما، يتخذ الطبيب قراراً (يقضي) بحسب معرفته بهذا العضو، وهذا هو القضاء.

ونضرب مثالاً قرآنياً على مشيئة الإنسان الحرة:

بالحديث عن موسى وهارون مع فرعون يقول تعالى: (اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ). ﴿طه: 43+44﴾

فكيف يكون الله قد كتب أزلاً قبل الخليقة أن فرعون في النار، بحسب فهم عامة المسلمين. ثم بعدها يضع الله احتمالية إيمان فرعون؟ فيقول (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ) فهل يصح عقلاً أو منطقاً أن يضع الله ﷻ احتمالية لحدوث شيء، وهو يعلم أنه مستحيل الحدوث؟ لولا أن مشيئة الإنسان حرة، يكفر أو يؤمن!

فلاسفة الغرب وخلافهم حول عقيدة القضاء والقدر!

الرافضون لعقيدة القضاء والقدر:

من أوائل الفلاسفة التجريبيين الذين هاجموا عقيدة القضاء والقدر، وأطلقوا عليها مسمى “القدر المسبق” الفيلسوف (ديفيد هيوم: 1711–1776) الذي رأى أن الحديث عن إرادة إلهية تحكم كل شيء، لا يمكن إثباتها بالتجربة، وبهذا تكون لا معنى لها من الناحية الفلسفية بالنسبة له، فالإنسان يتصرف بناءً على العادات النفسية والسببية الطبيعية، وليس على قدرٍ غيبيّ. فنقده لذلك الاعتقاد كان موجهاً لاعتقاد ديني بأن كل الأفعال مكتوبة ومحددة سلفاً.

وأما الفيلسوف (إيمانويل كانط: 1724–1804) فقد انتقد عقيدة القضاء والقدر لكونها تنفي المسؤولية الأخلاقية، حيث قال: إن الأخلاق لا يمكن أن تقوم إلا على افتراض أن الإنسان حرّ الإرادة، فنحن لا نستطيع أن نحاسب شخصاً على فعل كان مجبراً عليه. كما فرّق بين عالم الظواهر التي تحكمه القوانين السببية (Phenomena)، وعالم “النومينون” (Noumena) حيث توجد الحرية والإرادة الأخلاقية. وبالتالي، حتى لو بدا العالم محكوماً بالسببية، تبقى الإرادة الأخلاقية حرة. ([11])

أما الفيلسوف (جان بول سارتر:1905–1980) فهو من أبرز الوجوديين الملحدين الذين رفضوا عقيدة القدر تماماً. حتى قال: الإنسان محكوم عليه بالحرية. ولا يوجد قدر يوجّهه، بل هو من يصنع بأفعاله واختياراته. كما عدَّ عقيدة القدر هروبًا من المسؤولية، وأنها وسيلة لتبرير الفشل والأخطاء. فالحرية عنده هي جوهر الإنسان، ولا وجود لقدر يحدد مصيره سلفاً.

أما الفيلسوف (فريدريك نيتشه: 1844–1900) فقد رفض عقيدة القضاء والقدر الإلهي، لأنه رفض فكرة الإله نفسه. لكنه طرح فكرة “العود الأبدي” كتجربة فكرية، لا كعقيدة دينية: بمعنى أن كل ما يحدث سيحدث مرة أخرى إلى الأبد. لذا نقْدُ “نيتشه” كان موجّهاً ضد القدر الديني السلبي الذي يجعل الإنسان مستسلِماً.

وذهب الفيلسوف (ألبير كامو: 1913–1960) إلى أنّ الإيمان بالقضاء والقدر نوع من العبث، ومبرر للاستسلام. حتى قال في كتاب “أسطورة سيزيف” إن الإنسان يجب أن يتمرّد على القدر، لا أنْ يخضع له. وأطلق عليها فكرة “التمرد الوجودي” أي أنْ نعيش رغم عبث العالم دون انتظار قدر أو خلاص خارجي.

وعارض عقيدةَ القدر الفيلسوفُ النمساوي (كارل بوبر: 1902–1994) وأطلق عليها “الحتمية التاريخية” أي الاعتقاد بأن مسار التاريخ ومصير الإنسان محدد سلفاً. وذهب إلى أنّ هذه العقيدة خطيرة! حيث ستؤدي إلى الدكتاتورية السياسية، إذ تزعم أنها تعرف “قدر التاريخ”. لذا دعا إلى الإيمان بالإرادة الحرة كشرط للتقدم الإنساني.

الفلاسفة المبررون لعقيدة القضاء والقدر:

من أشهر المبررين لعقيدة القضاء والقدر “الجهم بن صفوان” (ت. 128هـ) فهو من أشهر دعاة الجبرية الذين قالوا بـ “الجبر المطلق”، والإنسان مجبَر بالكامل، ولا يملك أي حرية اختيار. حتى قال: العبد لا فعل له أصلاً، وإنما الله يخلق الأفعال فيه كما يخلق الألوان في الأجسام. ولقد كانت هذه الفكرة غريبة حتى في عصره، فكانت خروجاً عن مفهوم المسؤولية الأخلاقية.

وأما الأشاعرة، فقد نفوا السببية، وقالوا بالمشيئة المجردة، فكل “لام” في القرآن تُستعمل عادة للتعليل، لكنها عندهم هي “لام” العاقبة، وكل “باء” للسببية، قالوا هي باء المصاحبة، بمعنى أن الله تعالى لا يحيي الأرض مثلاً بالماء، وإنما عند وجود الماء، وأنه لا يفعل شيئاً لحكمة وإلا لكان مفتقرًا إليها! وبذلك أنكروا السببية.

لكنّ الفيلسوف ابن رشد (ت. 595هـ) قام بمحاولة التوفيق بين القدر والاختيار، فذهب إلى أنّ أفعال الإنسان واقعة بالقدرة الإلهية، ولكن من خلال إرادة الإنسان، فالله خلق الأسباب، والإنسان يتحرك ضمنها بحرية نسبية.

كذلك هناك نقاشات عميقة حول “القدر”، خصوصًا بين البروتستانت بخاصة “الكالفينيين” والكاثوليك، لكن لا يعتبر الإيمان بالقدر في المسيحية من أركان الإيمان كما في الإسلام.

أما الفلاسفة المشاؤون كابن سينا والفارابي، فقد رأوا بأن الكون يسير وفق نظام ضروري ناشئ عن “فيض الوجود” من الله، مما يجعل أفعال البشر جزءاً من هذا النظام الضروري، ولا تخضع لتغيّر أو صدفة. فابن سينا مثلاً رأى أن العلم الإلهي لا يتغير، وبالتالي لا يحدث في العالم إلا ما هو معلوم مسبقًا، وهذا يعني الإقرار “القدر الحتمي”.

أما الفيلسوف (سبينوزا) فقال: إن كل شيء يحدث بالضرورة، إذ إنّ الله والطبيعة شيء واحد. والإنسان لا يملك حرية حقيقية، إنما “شعور بالحرية”، لأن كل أفعاله محددة مسبقاً بقوانين الطبيعة الإلهية.

وذهب الفيلسوف “ليبنتز” إلى أننا نعيش في “أفضل العوالم الممكنة”، وأن كل ما يحدث جزء من خطة كاملة ومترابطة وضعها الله، فلا يمكن أن يحدث شيء إلا كما وضعه الله. ولكنه حافظ على مفهوم مسؤولية الإنسان، فجمع بين القدر الشامل والاختيار النسبي.

سنة الله وقانون السببية

إننا نرى بأن القدر هو مجموعة القوانين الكونية والاجتماعية الثابتة علمياً ومشاهدةً، والقضاء ترتيب النتائج على تلك القوانين، وفق السلوك الإنساني الواعي. فالإنسان مسؤول عن أفعاله، وكذلك المجتمع، ولا علاقة لله ﷻ بأخطائنا وهزائمنا، ولو كان الله قد كتبها علينا، ستكون الحياة تمثيلية سمجة. وإذا كان الله خالق أفعالنا، فلِمَ يحاسبنا عليها؟ والقرآن ينفي الجبرية بآيات عدة منها قوله تعالى:

  • (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى) ﴿النجم: 39﴾
  • (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) ﴿الزلزلة: 7+8﴾
  • (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) ﴿البقرة: 286﴾
  • (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) ﴿المدثر: 38﴾
  • (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ) ﴿الأنفال: 51﴾
  • وحسم القرآن تلك المسألة باستفهام استنكاري قائلاً: (هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ) ﴿يونس:52﴾
  • ثم كررها ثانية للتوكيد قائلاً: (هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) ﴿النمل:90﴾

وهذا يعني أنّ قانون السببية هو الحاكم في الناموس الإلهي، وأنّ الحاكم الفاسد والظالم ليس قدرَ الله، كما يروج كهنة الدين الموازي! إنما يجب تقويم الظالم والفاسد، حتى لا يأخذنا الله بجريرته! ونذكر في هذا السياق (الشيخ “أحمد بدر الدين حسون”) مفتي سوريا في عهد “بشار الأسد”، لما ثار الشعب السوري على الأسد، قال: لا أحد منا وضع بشار الأسد حاكماً، إنما الله هو من عيَّنَه! وهذه هي الجبرية والقضاء والقدر.

وينقلنا القرآن الكريم لقضية يتعامل معها الفرد والمجتمع المسلم بطريقة خاطئة، فيطرح السننية/ السببية الإلهية للتقويم الفردي والمجتمعي، فعند الخطأ الفردي أو الجماعي، نحن مطالبون بالاستغفار منه، لقوله تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا. ﴿نوح: 10+11﴾، فنهرع إلى التسبيح لساناً دون وعي بشروطه القرآنية، ونداعب بأصابعنا عدد مرات التسبيح! ولا نجد تغييراً في واقعنا! ولو أننا رتلنا القرآن في موضوع التسبيح، أي جمعنا آيات التسبيح، سنجد أن للاستغفار شروطاً حتى يكون مقبولاً، حددها القرآن بأربعة شروط سببية: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى. ﴿طه: 82﴾

إذن سنة الله، هي قوانينه الحاكمة للكون والمجتمعات والإنسان مؤمناً كان، أم كافراً. فالمؤمن وغير المؤمن، لو أخطأ وخالف سنة الله وقوانينه، سيُعاقب، والمؤمن وغير المؤمن، لو أصاب سيكافأ، ولكوننا لا ندرك سنن الله، نحن متخلفون، وجهلة، والاستبداد فاعل فينا.

إنّ الكون والموجودات والبشر والمجتمعات، كلهم يسيرون على سنة الله، أي قوانينه، ومن يخالفها يعاقب بمرض أو فشل أو سجن إلخ..

وكلما فهمنا قوانين الكون والمجتمعات والصحة والمرض والنجاح والفشل (القدر)، كلما صارت فاعليتنا (القضاء) فيها أقوى. ولقد جعل الله ﷻ تعالى تلك القوانين قدراً مُبْرماً لا يُرد ولا يُبدل، ويأتي قضاء الإنسانِ فيها بحسب معرفته بها وكيفيته، والمقدمات تُحتم طبيعة النتائج.

يقول عالم الفيزياء “ستيفن هوكينغ” ساخراً من المؤمنين بالقضاء والقدر: “الكثير من الناس قد أخبروني بأن كل شيء مقدر مسبقاً! حيث لا يمكنني فعل شيء اتجاه الواقع لأغيره! والغريب حقاً أنّ نفس هؤلاء الناس ينظرون يميناً ويساراً قبل عبورهم الشارع!”.

خلاصة القول:

إننا نرى بعد مُدَارسة مفهوم القضاء والقدر من جوانبه المختلفة، يتضح لنا أنَّ هذه العقيدة بِدعة سلطانية، أُقحمت في الاعتقاد الإسلامي، حتى باتت مُسلمة إسلامياً، رغم كونها مخالفة لسنن الله بالكون والمجتمع والإنسان كما أوضحنا باستشهادات قرآنية وعقلية وفلسفية، وعليه فإننا نرى بأنّ مسألة القضاء والقدر خرافة! وهي عقيدة لم تصح قرآنياً، ولا يصح أن يذهب بعض أهل العلم إلى تكفير من يرفضها، للأسباب التالية:

  • الواقع الحياتي الملاحظ لتجارب الأفراد والمجتمعات، ينفي الرأي الجبري من أجل إثبات الاعتقاد بعقيدة القضاء والقدر.
  • الثابت ــ كما افتتحنا به الدراسة؛ــ أنّ العقيدة إسلامياً، لا تثبت إلا بدليل قطعي الدلالة والورود.
  • إصرار الأشاعرة على مقولة (عندها لا بها) لنفي السببية، والذهاب إلى تأويل لام التعليل بأنها لام العاقبة! وأنّ باء السببية هي باء المصاحبة يُضعف الرأي الأشعري لغوياً من جهة، ويذهب بآيات السببية تأويلاً بعيداً عن مقاصدها وسياقها.
  • هذه العقيدة بِدعة تم استخدامها زمن معاوية لأسباب سياسية بحتة، كما أكدنا بالدراسة أعلاه.
  • التسليم بهذه “العقيدة” فيه إساءة للذات الإلهية، إذ كيف يُعاقب البشر والمجتمعات على أفعال كانوا مقهورين عليها! فالله ﷻ أعظم عدلاً من أنْ يعاقب على ذلك!
  • لا شك أنّ هناك من يعترض على نتائج ما ذهبنا إليه بعدم التسليم بهذه العقيدة المبتدعة بأنّ هناك أحاديث منسوبة للنبي ﷺ تقول بتلك العقيدة، نرد على هذه الحجة، بأنّ الأحاديث المنسوبة للنبي حتى ما صححه منها علماءُ الحديث، تبقى أحاديث آحاد/ ظنّية، لا تقوم بها عقيدة.  

إنّ العقلانية الدينية تدعونا لإعادة اكتشاف قانون السببية المؤكد عليه قرآنياً وعلمياً، لفهم الإخفاقات والهزائم التي لحقت بنا، واكتشافه هو الخطوة الأولى لبناء مجتمع عاقل باتجاهاته الأربعة الإيمانية والإنسانية والإبداعية والتنموية، الغيب فيها ليس لاهوتًا جبريًا كما نعتقد اليوم، والطبيعة محكومة بقوانين صارمة لا تخرقها الأوهام، والإنسان سيًد فيها لا سيد عليها، ونعمة التسخير الكوني الممنوحة من الله سبحانه لنا لا يمكن إدراكها إلا بفهم قانون السببية. أما إن بقينا مخاصمين العقلانية، فسنستحق أن يُكبر علينا أربعاً.

وبالتالي فإنّ عدالة قضيتك ليست شرطاً لانتصارك على خصمك، فقانون السببية هو الحاسم.

 

[1] ـ أحمد الرمح: جودت سعيد؛ مُجَدِّدًا. مجلة رواق ميسلون.

https://rowaq.maysaloon.fr/archives/9356

 

[2] ـ القاضي أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد (359 – 415هـ، 969 – 1025م): شرح الأصول الخمسة ص: 332.

[3] ـ أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (213- 276 هـ / 828 – 889 م) الإمامة والسياسة: ج1 ص167.

[4] ـ “علي سامي النشار”، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام: ج:1. ص: 231-232.

[5] ـ الأستاذ “أحمد حسن الزيات”: مجلة الرسالة. العدد: 972.

[6] ـ جعفر السبحاني: بحوث في الملل والنحل: ج: ۳. ص: ۱۱۹ ـ ۱۲۳.

[7] ـ د. محمد حبش: غيلان الدمشقي… شهيد الحرية في دمشق. المركز العربي:

https://www.harmoon.org/researches/%D8%BA%D9%8A%D9%84%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%85%D8%B4%D9%82%D9%8A-%D8%B4%D9%87%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%AF%D9%85%D8%B4%D9%82/

[8] ـ شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ): كتاب سير أعلام النبلاء. ط الرسالة. ج: 5. ص:151.

[9] ـ المرجع السابق: ج:5. ص: 151.

 [10]ـ محمد شحرور، دليل القراءة المعاصرة للتنزيل الحكيم-المنهج والمصطلحات، دار الساقي، بيروت 2016، ص: 90.

[11] ـ عالم النومينون” (Noumena) في الفلسفة، وخاصة عند كانط، يشير إلى الواقع الموضوعي أو “الشيء في ذاته” كما هو مستقلًا عن إدراكنا الحسي البشري. في المقابل، تُعرف الظواهر (Phenomena) بأنها الطريقة التي يظهر بها العالم لنا من خلال حواسنا وفهمنا. والنومينون هو ما هو موجود جوهريًا، لكننا لا نستطيع معرفته أو اختباره بشكل مباشر، بل يمكننا فقط الاستدلال عليه من خلال عالم الظواهر الذي ندركه.