حاول المبشرون والمستشرقون والمؤرخون الأوروبيون تقديم روايات ملفقة عن العلويين، تُظهرهم كعرق غير عربي ولا ينتمون إلى الملة الإسلامية، بل زعموا أنهم شعب كنعاني حافظ على ديانته الوثنية التي تلوّنت باليهودية والمسيحية والإسلام. هذه الروايات كانت تهدف إلى فصل العلويين عن محيطهم العربي والإسلامي، وربطهم بفرق منقرضة مثل النميرية أو النصيرية. كما حاولوا تأليف كتب باطنية مزورة ونشرها بين العلويين لتضليلهم وترويج أفكار مضللة تهدف إلى تمزيق سوريا إلى دويلات، من بينها دويلة للعلويين.
حاول المبشِّرون والمُستشرقون والمؤرِّخون الأوروبيون تقديم روايات مُلفَّقة عن العلويين تُظهر أنَّهم يتحدّرون من عرق غير عربيّ ولا ينتمون إلى المِلَّة الإسلاميّة، بل المفاجِئ أنَّهم حاولوا افتراء تصوّر عنهم يتناسب مع السَّرديّة التوراتيّة المحرَّفة فجعلوهم شعبًا كنعانيًّا استطاع المحافظة على ديانته الوثنيَّة التي-وفق مزاعمهم-تلوَّنت باليهوديّة والمسيحيّة والإسلام، لكن جوهرها بقي ثابتًا، لذلك لا بدّ-في رأيهم-من أن تحافظ السياسة الاستعماريَّة/ الأوروبيَّة عليهم بصفتهم “طائفة عِرْقيَّة” من أجل انتزاعهم من محيطهم العربيّ/الإسلاميّ، وتلاقت للأسف هذه النظرة الاستشراقيّة –التبشيريّة مع إسقاطات غير دقيقة لكتب المذاهب والفِرَق والمِلل والنِّحل الإسلاميّة على نحو رُبِط فيه العلويون بفِرقة منقرضة أو موهومة لا وجود لها في التَّاريخ هي الفرقة النُّميريّة أو النُّصيريّة، ولذلك جاءت الأدبيات المكتوبة عن العلويين تابعة لتلفيق استشراقيّ وإسقاط تراثيّ، ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ بل ظهرت حركة قويّة بين المُبشِّرين والمستشرقين هدفت إلى تأليف كتب باطنيّة مزوَّرة ونحلها إلى العلويين بل زرعها وتوزيعها بين عوامِّهم بمحاولة ماكرة جدًا من أجل تضليلهم وتأليب أبناء جلدتهم عليهم وترويج أفكار مُضلِّلة عنهم تنأى بهم عن الانتماء إلى الأمة العربيّة/ الإسلاميّة ولم يكن غرضهم من ذلك سوى الوصول إلى تمزيق سوريا إلى ست دويلات من بينها دويلة العلويين.
- I. إشكاليّة تسمية العلويين بالنُّصيريّة: أصل العلويين في الرِّواية الأوروبيّة/الصهيونيّة
يمكن، من وجهة نظر شعبيَّة/تأريخيَّة شائعة تسمية العلويين بالنُّصيريّة؛ لكن من وجهة نظر موضوعيَّة تعتمد على المناهج والمعايير الدقيقة في علم التَّأريخ تحتاج هذه القضيّة إلى تأمُّل أبعد مما هو مطروح في النظريّات المتداولة عن أصول العلويين شرقًا وغربًا.
تُسمَّى سلسلة جبال السَّاحل السوريّ في الرِّوايات الاستشراقيّة بأسماء متنوِّعة -ويَفهم القارئ عادةً هذه الأسماء بمعنى مترادف-من قبيل جبال الأنصاريَّة أو جبال النُّصيريَّة أو جبال العلويين وهي سلسلة جبال تقع في شمال غرب سوريا وتمتد من الشَّمال إلى الجنوب بشكل موازٍ للسَّاحل؛ لكن يُعَدّ مهمًا جدًا معرفة أنَّ الأدبيات الجغرافيّة /الاستشراقيّة لا تقف عند هذا الحدّ، بل تذهب إلى أبعد من ذلك لتجد اسمًا لهذه الجبال يرجع إلى عصور غابرة، إذ إنَّ جبال السَّاحل السُّوري كانت تُسَمَّى بارجيلوس Bargylus.
ذكر الفيلسوف والجغرافيّ الرُّومانيّ بليني الأكبر (23-79 م) جبال بارجيلوس في معرض كلامه على لبنان ونفضِّل أن نورِد كلامه بصيغة تفصيليَّة، قال: “تبدأ سلسلة جبال لبنان التي تمتد إلى مسافة 1500 ستاديا (= stadia=وحدة قياس قديمة) وصولًا إلى سيميرا ( Simmyra= مدينة قديمة)؛ وتُعرف هذه المنطقة باسم سوريا الجوفاء Coele Syria. مقابل هذه السِّلسلة الجبليَّة، وعلى الجانب الآخر من الوادي، تمتدّ سلسلة جبال لبنان الشرقيّة التي كانت متصلة بلبنان بواسطة جدار صخريّ. تقع خلفها في الدَّاخل منطقة ديكابوليس= Decapolis (=عشر مدن: دمشق، وفيلادلفيا، ورافانا، وسكيثوبوليس، وجدارة، وهيبوس، وديون، وبيلا، وجراسا، وكاناتا.)، بالإضافة إلى المناطق التي ذكرتها سابقًا، مثل التِتراخيات (= Tetrachies=مناطق تحت أنظمة الحكم الرباعيّ الروماني) وفلسطين بأكملها. هذا، وعلى السَّاحل، وتحت جبال لبنان يمرّ نهر ماغوراس Magoras=نهر الدامور، وتقع مستعمرة بيريتوس (= Berytus= بيروت) التي تحمل اسم جوليا فيليكس Felix Julia، ومدينة ليونطوس Leontos (=مدينة مجهولة)، ونهر ليكوس Lycos =نهر الكلب، وباليبيبوس (= Palabyblos= مدينة مجهولة)، ونهر أدونيس، ومدن بيبلوس (= Byblos=جبيل)، بوتريس (= Botrys=باترون)، جيغارتا (=مستوطنة تقع في شمال لبنان =زغرتا)، ترييريس ( Trieris=مدينة قديمة تبعد 12 ميلًا عن طرابلس)، كالاموس (=Calamos=قلمون)، طرابلس، ويسكنها الصُّوريون والصَّيدونيون والأرواديون؛ أورتوسيا (=Orthosia=طرطوس)، نهر إيلوتيرس (=Eleutherros=نهر الكبير)، بالإضافة إلى مدينتي سيميرا وماراثوس Simyta and Marathos؛ وفي الجهة المقابلة، أرادوس، وهي مدينة بطول سبعة ستاديا (وحدة قياس قديمة) تقع على جزيرة تبعد 200 خطوة (تعادل الخطوة 15 مترًا) عن البر الرئيس. وبعد المرور عبر المنطقة التي تنتهي عندها الجبال المذكورة سابقًا والسُّهول التي تقع بينها، يظهر جبل بارجيلوس Bargylus. (1)
يدلُّ هذا المقطع على أنَّ بليني حدَّد بصورة دقيقة موضع جبال العلويين باسم بارجيلوس، ويؤكد المستشرق والرَّحالة والجغرافيّ توماس شو (1694-1751 م) بناءً على تتبُّعه لتحديد بليني لموضع برجيلوس صحة انطباق هذه التَّسمية على جبال السَّاحل السوريّ أو جبال العلويين. (2)
ترجع تسمية بارجيلوس إلى مملكة قديمة في جبال السَّاحل السوريّ أو جبال العلويين اسمها مملكة بارجا The Kingdom of Barga كانت مملكة تابعة لإمبراطورية إيبلا (3) ثم خصعت لحكم الحثيين (4) واستمرت طوال العصر البرونزي والعصر الحديدي. كانت بارجا مدينة-دولة ورد ذكرها في رسائل العمارنة في رسالة واحدة تالفة تحت رقم (EA 57).
نتابع ما قاله بليني: ” يجب علينا الآن التحدُّث عن الدَّاخل السُّوريّ. تحتوي سوريا الجوفاء على مدينة أفاميا التي يفصلها نهر مارسياس (=العاصي) من الحكم الرباعي للنَّاصريين Tetrarchy of the Nazerini؛ وبمبكس Bambyx ، التي تسمى أيضًا هيرابوليس (= Hierapolis=مدينة سورية قديمة)، ولكن يطلق عليها السوريون اسم مابوغ Mabog.” (5)
يجب هنا التأمُّل بعمق في عبارة ” الحكم الرباعي للنَّاصريين Tetrarchy of the Nazerini”، لأنَّ الباحثين الغربيين اختلفوا حول لفظة النَّاصريين Nazerini الواردة في هذه العبارة، على أساس أنَّها المرة الأولى التي يُذكر فيها النَّاصريون بصفتهم أتباع السيد المسيح على أساس أنَّ المنطقة التي يقيمون هي منطقة برجيلوس نفسها، وتشير إلى المنطقة الغربية، بين نهر العاصي والبحر، وتتكون من سلسلة جبلية صغيرة تسمى الآن جبال العلويين يحدها وادٍ يمتد من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي يعرف باسم سهل الغاب؛ لكن ما أثار دهشة الباحثين في إشارة بليني إلى النَّاصريين هو أنَّها تُعَدّ أقدم إشارة معروفة إليهم، فهل من المعقول أن يكون النَّاصريون (نسبةً إلى النَّاصرة) قد سكنوا جبال السَّاحل السوريّ في بدايات القرن الأول الميلادي؟!
ذكرَ لوقا الإنجيلي المتوفَّى عام 84 م -وهو على الأرجح المدوِّن الأوَّل لسِفْر أعمال الرسل-النَّاصِرِيِّينَ كأتباع للسيد المسيح في معرض الحديث عن كلام اليهود على بولس الرسول: “فَإِنَّنَا إِذْ وَجَدْنَا هذَا الرَّجُلَ مُفْسِدًا وَمُهَيِّجَ فِتْنَةٍ بَيْنَ جَمِيعِ الْيَهُودِ الَّذِينَ فِي الْمَسْكُونَةِ، وَمِقْدَامَ شِيعَةِ النَّاصِرِيِّينَ (…) (سِفْر أعمال الرُّسل 24: 5) ويمكن أن تكون هذه هي الإشارة الأولى المعروفة للنَّاصريين، لكن ظهر حجم المفاجأة عندما تبيّن أنَّ الروماني بليني الأكبر ذكرَ الناصريين قبل لوقا، لكن في سياق مختلف تمامًا وفي مسرح أحداث مغاير جوهريًّا لمسرح أحداث سِفْر أعمال الرُّسل.
نُظِرَ وفق راي. أ. بريتز (=المدير السَّابق لجمعيَّة الكتاب المقدَّس في دولة الكيان الصهيونيّ) إلى إشارة بليني للنَّاصريين-علمًا أنَّ بليني حسب التَّوصيف الكنسيّ “وثني” لم يعتنق المسيحيّة-على أنَّها أقدم شهادة عن وجود النَّاصريين المبكر في سوريا إذ ترجع إلى ما قبل العام 70 م، والمنطقة التي وصفها بليني محدَّدة على نحو دقيق. لكن رفض المستشرق الفرنسيّ رينيه دوسو أن يكون قصد بلينيّ من ” Nazerini” هو النَّاصريين أنفسهم الذين ورد اسمهم في سِفْر أعمال الرُّسل، ورجَّح أن يكون هؤلاء “النَّاصريون Nazerini” هم أسلاف النُّصيريين أو العلويين الحاليين أنفسهم، وبنى دوسو ترجيحه على أساس فقرة وردت في كتاب التاريخ الكنسي لسوزومين (VII 15) –وهو مؤرخ كنسي مسيحيّ عاش في القرن الخامس الميلادي-تحدث فيها عن بعض “الجليليين” -الذين ينتمون إلى المنطقة التي حدَّدها بليني-ساعدوا الوثنيين في أفاميا ضد الأسقف المحلي والمسيحيين. وقد كانت مدينة أفاميا أُسقفيَّة في زمن سوزومين ومقرًا لأساقفة في العصور الوسطى. وقد أُقيمت قلعة هناك أثناء الحملة الصليبية الأولى (=حملة الفرنجة الأولى). وما يزال يسكن المنطقة طائفة النُّصيريين الإسلامية. شكك دوسو مرَّة أخرى في احتمالية انحياز الجليليين -أي المسيحيين اليهود-إلى الوثنيين في نزاع حول عبادة الأصنام، واقترح أنَّ الأشخاص المشار إليهم (=Nazerini) كانوا “بالتأكيد أسلاف النُّصيريين، الذين خلطهم سوزومين بالنَّاصريين. ومن المعترف به عمومًا أنَّ بليني استعان بشكل كبير بالسِّجلات الرَّسمية وعلى الأرجح تلك التي وضعها ماركوس أغريبا (قائد عسكري روماني مات عام 12 قبل الميلاد) للإمبراطور الروماني أوغسطوس قيصر. أظهر جونز Jones أنَّ هذا المسح تمَّ بين عامي 30 و20 قبل الميلاد وبالتالي يجب استبعاد أي صلة بين النَّاصريين المذكورين في سفر أعمال الرسل و”النَّاصريين Nazerini” في كتاب التَّاريخ الطبيعي لبليني، ومع ذلك،-كما يرجِّح راي. أ. بريتز- قد يُسمح للمرء برؤية “الناصريني” بصفتهم أسلاف النُّصيريين اليوم سكان المنطقة العِرْقية التي فتحها المسلمون بعد نحو سبعة قرون. (6)
إذن، تمَّ وفق هذه السَّرديّة التأريخيَّة الأوروبيَّة تحديد أصول العلويين على أنَّهم من نسل “النَّاصرينيّ” الذين سكنوا جبال الساحل السوريّ (=برجليوس) التي كانت واقعة تحت الحكم الرباعي الرومانيّ، ذلك وفق وثائق الجيش الرومانيّ التي يرجع تاريخها إلى القرن الأول قبل الميلاد. ولقد أراد الصَّهاينة استغلال هذا التوجُّه في دراسة العلويين من أجل نزعهم من أصولهم العربيَّة الأصيَّلة بغية تمزيق المنطقة وتحقيق مآربهم، فنجد عالم اللغويات الصَّهيوني جون مايهيل يقول عنهم: “هم جماعة دينية أصيلة بحتة، ومثلهم كمثل الجماعات الأخرى من هذا النَّوع مثل اليهود (…) يجد العلويون، الذين يتركزون بشكل كبير في سوريا، من الملائم بطبيعة الحال، بل ومن الضروري في واقع الأمر، أن يزعموا علناً أنهم عرب، ولكن هذا لا يعكس ولاءاتهم الحقيقية.” (7)
ويظهر في كلام مايهيل بذور الفتنة التي أرادَ زرعها بكلامه التَّضليليّ عن العلويين الذين هم في حقيقة الأمر عرب أصيلون يرجعون إلى قبائل يمنيّة هاجرت إلى السَّاحل السوريّ.
II.البناء على مقتضى نظريّة كمال الصليبي عن جبل بهراء: سكان جبال العلويين من أصول عربيَّة يمنيّة
لا يمكن فهم نظريّة كمال الصليبيّ عن أصل العلويين إلا بعد فهم العلويين وفقًا للرِّواية الـتأريخيّة الإسلاميَّة التي تُعَد المحدِّد لأيّ رؤية عربيَّة راهنة عنهم، لأنَّ الرواية الاستشراقيَّة التي بُنيت على كتاب التَّاريخ الطبيعيّ لـ”بليني” لم تكن معروفة ولا مُكرَّسة عند مؤرِّخي الفِرَق الإسلاميَّة المعاصرين.
يُنسب العلويون بصفتهم “نُصيريين” إلى أبي شعيب محمد بن نصير النُّميريّ (توفي 883 م)، ويُسَمّون حتى الآن في كتب خصومهم بالنُّصيريّة على سبيل القدح في عقيدتهم، لأنَّ ابن نصير صُوِّر في كتب الفِرق الإسلاميّة بصفته مذموم العقيدة. ويمكن ترجيح أنَّ هذه الصورة عن ابن نُصير خرجت أصلًا من أوساط شيعيّة قديمة، إذ قال النوبختي -المتوفَّى في القرن الرابع الهجريّ-في كتابه الشَّهير “فِرَق الشِّيعة”: “وقد شذَّت فرقة من القائلين بإمامة “علي بن محمد” في حياته فقالت بنبوَّة رجل يقال له مُحمَّد بن نصير النُّميريّ وكان يقول: إنَّه نبيّ بعثه أبو الحسن العسكريّ عليه السلام وكان يقول بالتناسخ والغلو في أبي الحسن (=عليّ بن أبي طالب) ويقول فيه بالربوبيَّة (…) وكان يقوِّي أسباب هذا النُّميريّ مُحمَّد بن موسى بن الحسن بن الفرات.” (8)
وكرَّر مؤلفون شيعة ما قاله النوبختي عن محمد بن نُصير وأتباعه ووسموهم بالنُّميريّة من قبيل الشيخ الطوسي المتوفَّى 460 هـ (9) وابن البطريق الحلِّي المتوفى 600 هـ (10)
ونجد الأمر نفسه يتكرَّر عند مؤلِّفي السُّنَّة، قال أبو الحسن الأشعري المتوفَّى 324 هـ: “وحُكيَ أنَّ فرقة من الرافضة يُقال لهم النُّميريّة أصحاب النُّميري يقولون: إنَّ البارئ كان حالًّا في النُّميريّ.” (11)
لكن يمكن أن نُلاحظ هنا أنَّ أبا الحسن الأشعريّ استخدم كلمة “حُكِيَ”، ولم يقطع بيقين في الكلام علاوة على أنَّه أثار فكرة مهمة جدًا وهي أنَّ فرقة النُّميريّة -وفقًا لما قرأه أو سمعه- كانت تغلو بالنُّميريّ نفسه، وليس بعليّ بن أبي طالب، وهذا وجه للخلاف كبير بين رواية الأشعريّ والرِّواية التي نقلها المؤلِّفون الشِّيعة، علمًا أننا نرجِّح ترجيحًا كبيرًا أنَّ هذه الرِّواية عن النُّميريّة كانت قد وصلت إلى الأشعريّ من أوساط شيعيّة أو على الأقل كان هناك تداخل بين الرواية الشِّيعيَّة والرواية السُّنيَّة عن محمد بن نصير النميريّ. ولا يصعب إثبات ذلك، إذ إنَّ عبد القاهر البغدادي الأشعريّ المذهب المتوفَّى 429 هـ ذهب إلى أنَّ النميري من أتباع الشريعيّ، فقال: “الشريعيَّة أتباع رجل كان يُعرف بالشريعيّ، وهو زعم أنَّ الله تعالى حلَّ في خمسة أشخاص، (…) وكان بعده من أتباعه رجل يعرف بالنُّميريّ، حُكي عنه أنَّه ادَّعى في نفسه أنَّ الله تعالى حلَّ فيه.” (12)
الحقيقة أنَّ هذه الرواية التي أوردها عبد القاهر البغدادي نجدها مكرَّسة عند أهم علماء الشيعة، فقد قال الشيخ الطوسي المتوفَّى عام 460 ه: “كان محمد بن نصير النُّميريّ من أصحاب أبي محمد الحسن بن عليّ عليهما السلام فلمَّا توفي أبو محمد ادَّعى مقام أبي جعفر محمد بن عثمان أنَّه صاحب إمام الزَّمان وادَّعى له البابيَّة، وفضحه الله تعالى بما ظهر منه من الإلحاد والجهل، ولعن أبي جعفر محمد بن عثمان له، وتبرّيه منه، واحتجابه عنه، وادَّعى ذلك الأمر بعد الشريعيّ.” (13)
يمكن أن نستنبط مباشرة أنَّ هناك أوجهَ اختلافٍ ووجه اتِّفاقٍ بين الرِّواية الشيعيّة والرِّواية الأشعريّة عن محمد بن نصير، فالرِّواية الشيعيّة تقول كان محمد بن نصير النُّميريّ يدَّعي القرب من الأئمة ويعتقد ويغلو بأبي الحسن، بينما الرِّواية الأشعريّة تقول بأنَّه كان يعتقد بألوهيّة نفسه من دون ذكر لعلاقته مع الأئمة، وتتفق الرِّوايتان على أنَّه كان من أتباع الشريعيّ.
يكشف هذا التَّعارض في الروايات -الذي يمكن سياقة أمثلة كثيرة عنه- أنَّ شخصيَّة محمد بن نصير النُّميريّ تلوَّنت تبعًا لمرجعيَّة ناقديه، ولا يمكن بناء تصوّر موضوعيّ عن موقفه، لكن بما أنَّ النُّميريّ كان قد توفي عام 270 هـ = 883 م؛ بينما الحسين بن حمدان الخصيبيّ -المؤسِّس الحقيقيّ للمذهب العلويّ- كان قد ولد عام 260 هـ =بين عامي 873 و 874 م، فهذا يعني أنَّ عمر الخصيبي كان وقت وفاة محمد بن نصير عشرة أعوام، أي كان طفلًا غير مؤهَّل لتأسيس مذهب، وهذا يدلّ على أنَّه في حال صحة وجود فرقة نميريّة على سبيل الافتراض، يُعَدُّ ممتنعًا تمامًا أن تكون هذه الفرقة هي الفرقة التي قام الخصيبيّ نفسه بتأسيسها، لذلك هذا الاستنتاج يلغي من دون أدنى شك أي علاقة بين النُّميرية وبين فرقة العلويين التي أسسها الخصيبيّ. لأنَّه من غير المعقول أن يكون الخصيبيّ زعيمًا للفرقة النُّميريّة التي تحدّث عنها الأشعري المتوفَّى 324 هـ والخصيبي نفسه كان قد عمره وقت ـوفاة الأشعري 64 عامًا، وتوفي عن عمر ناهز 98 عامًا، فكيف عرف الأشعري النُّميريّة ولم يعرف الخصيبيّ؟!
هذا، إلى أنَّ الخصيبيّ لم يعرف النُّميريّ ولم يلتق معه ولا توجد أيّ وثيقة تاريخيّة تثبت اتّصاله معه؛ وهذه الثغرة بين الخصيبيّ ومحمد بن نصير النُّميريّ حاول سليمان الأذني المزعوم (سنقف عند هذه الشخصيّة لاحقًا) في كتابه “الباكورة السليمانيّة في كشف أسرار الديانة النُّصيريّة” سدَّها في معرض كلامه على سلسلة المشائخ الذين أخذ الخصيبيّ عنهم العلم الباطن، فقال: “(…) وسمع السيد أبي عبد الله (=الحسين بن حمدان الخصيبيّ) من شيخه وسيده أبو محمد عبد الله بن محمد الجنَّان الجنبلان العابد الزاهد الذي هو من بلد فارس وسمع عبد الله الجنَّان الجنبلان من محمد بن جندب وسمع محمد بن جندب من السيد أبي شعيب محمد بن نصير العبدي البكريّ النُّميريّ الذي هو باب الحسن الآخر العسكريّ.” (14).
والحقيقة أنَّ هذين الاسمين الواردين بين الخصيبيّ والنُّميريّ وهما أبو محمد عبد الله بن محمد الجنَّان الجنبلان ومحمد بن جندب لا وجود لهما في كتب الفِرَق والسِّير والتواريخ المُعَوَّل عليها! ولا بدَّ هنا من تأكيد أنَّ الاسم الكامل للخصيبيّ هو أبو عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبيّ الجنبلاني (انظرْ: الطوسي، رجال الطوسي، تحقيق جواد القيومي الأصفهاني، مؤسسة النشر الإسلامي،1430 هـ.ق، تحت رقم 6098، ص: 423.). وعليه يتبيّن أنَّ “الجنبلانيّ” ليس اسمًا لشخص أخذ عنه الخصيبيّ العلم، بل نِسبة للخصيبيّ ترجع إلى بلده جُنْبُلاء. إذ إنَّ “جُنبلاء منزل بين واسط والكوفة منه إلى قناطر بني دارا إلى واسط.” (انظر: ياقوت الحموي، معجم البلدان، باب الجيم والنون وما يليهما، مادة: جنبلاء). وهذا الاستدلال ينفي وجود علاقة امتدَّت من الخصيبي بوساطة شخص اسمه الجنبلاني …إلى محمد بن نصير النُّميريّ.
دعْ أنَّ النُّوبختي والأشعريّ وعبد القاهر البغداديّ والطوسيّ وابن البطريق الحلِّي لم يستخدموا مصطلح “النُّصيريّة”، وإنّما استخدموا مصطلح النُّميريّة، وهذا دليل قاطع على أنَّ مصطلح النُّصيرية مصطلح متأخِّر تمَّ وضعه في عصور لاحقة، وتمّ توظيفه للدلالة على فرقة تابعة لمحمد بن نصير النُّميريّ نسبةً إلى نُصير أبيه وليس إلى قبيلته نُمير على نحو لا يتسق مع أدبيات كتب الفِرق الإسلاميّة!
هذا، ولا شك عند أيِّ باحثٍ في تاريخ الأديان، بل عند العلويين أنفسهم أنَّ الخصيبيّ هو المؤسِّس الحقيقيّ للمذهب العلويّ والرَّبط بينه وبين الفرقة النُّميريّة (=النُّصيريّة) بناء على ما سبق من معلومات مخالف لمعايير علم التأريخ. ذلك أنَّ الفرقة التي سُمِّيت النُّميريّة كانت موجودة قبل ولادة الخصيبيّ الذي يُعَدّ فقط المؤسِّس الأوَّل والوحيد للمذهب العلويّ، ولا يُعَدّ مستأنِفًا لزعامة فرقة النُّميريّة. وعليه، لا يمكن ترجيح تسمية العلويين بالنُّصيريّة.
وهنا قد يتساءل القارئ-وهذا سؤال مشروع-إذا لم تكن هناك أيّ صلة بين الخصيبيّ ومحمد بن نصير النُّميريّ، فلماذا يُتهم الخصيبيّ نفسه على نحو يقدح في مذهبه؟
لقد كشف محسن الأمين هذا السِّرّ فأوضح أنَّ الخصيبيّ تعرَّض لهجوم كبير واتهام له بأنَّه فاسد المذهب من قِبَلِ علماء رجال مثل ابن الغضائريّ (القرن الخامس الهجريّ) والنجاشي (372-450 هـ)، لكن انتبه محسن الأمين إلى أمر مهم جدًا وهو أنَّ الشيخ الطوسي قال في كتابه الفهرست عن الحسين بن حمدان الخصيبي ” له كتاب أسماء النبيّ والأئمة” (انظرْ: الطوسي، الفهرست، تحقيق: جواد القيومي، مؤسسة نشر الفقاهة، ط2، ربيع الأول 1422، ص:110.). كما ذكره الطوسي في رجاله فقال “روى عنه التلعكبري” (انظرْ: الطوسي، رجال الطوسي، تحقيق جواد القيومي الأصفهاني، مؤسسة النشر الإسلامي،1430 هـ.ق، تحت رقم 6098، ص: 423.)
وحسم محسن الأمين هذه القضيّة فوقف عند أنَّ الشيخ الطوسي قد أكد أنَّ -التلعكبري (توفي 385 هـ) وهو من رجال الحديث عند الشيعة-كان قد روى عن الخصيبيّ، قال الأمين نقلًا عن الشيخ الطوسي: “(…) روى عنه التلعكبري وسمع منه في داره بالكوفة سنة 344 هـ وله منه إجازة. (انظرْ: الأمين، أعيان الشيعة، ج5، ص: 490). ثم استأنف الأمين كلامه ليكشف سبب تشويه صورة الخصيبي: “أقول: لا يبعد أن يكون أصل ذَمه مِن ابن الغضائريّ الذي لم يسلم منه أحد، فلذلك لم يعتن العلماء بذمومه، وتبعه النجاشي فوصفه بفساد المذهب والتخليط (…) ولذلك لم يقدح الشيخ (=الطوسي) فيه بل اقتصر على رواية التلعكبري عنه (…) وروى عنه أبو العباس بن عقدة وأثنى عليه وقيل: إنَّه كان يؤم سيف الدولة (…) وذكر ابن النجاشي أنَّه خلط وصنَّف في مذهب النصيريّة واحتج لهم. قال وكان يقول بالتناسخ والحلول (…) مع أنَّه كَذِبٌ في نفسه سواء أَنُسِب إلى النجاشي أم لا وما كان سيف الدولة ليأتم به وهو يقول بذلك ولا غرابة في افتراء هؤلاء النِّسب الباطلة إلى العلماء (…).” (انظرْ: الأمين، أعيان الشيعة، ج5، ص: 490). وعليه، انتهى محسن الأمين إلى أنَّ ابن الغضائري والنجاشي افتريا على الخصيبيّ.
ويكشف محسن الأمين تدليسًا كبيرًا كان يُمارس تاريخيًّا، فأيّ شخص مسلم كان معرَّضًا للاتهام بأنَّه “نُصيريّ” لأسباب مختلفة، ويسوق مثلًا على ذلك الشيخ محمد بن مكي العاملي الذي اتُّهِمَ باعتقاد مذهب النُّصيريّة واستحلال الخمر الصِرْف وغير ذلك من القبائح فقُتِل… (انظرْ: الأمين، أعيان الشيعة، ج5، ص: 491).
بقي في ما يتعلَّق بالخصيبيّ أن نشير إلى قضيّة جوهريّة حاسمة وهي كيف يُعقل أنَّ الشيخ الطوسي-كما مرَّ سابقًا-يقدح في مذهب محمد بن نصير النُّميريّ فيقول عنه: ” وفضحه الله تعالى بما ظهر منه من الإلحاد والجهل”، ويقول في الوقت نفسه عن الخصيبيّ” روى عنه التلعكبري وسمع منه في داره بالكوفة سنة 344 هـ وله منه إجازة.” لذلك يظهر بما لا يدع مجالًا للشك أنَّه ليس للخصيبي أي علاقة بمحمد بن نصير النُّميريّ، ولذلك تبعيّة العلويين للخصيبيّ تأتي من هذا الباب، ولا علاقة لهم بالنُّميريّة أو النُّصيريّة.
لكن ما يثير الريبة إلى أقصى حدّ هو رغم عدم قدح الشيخ الطوسي في الخصيبيّ نجد أنَّ باراك بارفي (زميل بارز في مؤسسة أمريكا الجديدة) يقول: “اتهم فقهاء مثل عالم القرن الحادي عشر محمد بن الحسن الطوسي العلويين بالزندقة (…).” (See: Barak Barfi, The Real Reason Why Iran Backs Syria,2016, The National Interest, https://nationalinterest.org/feature/the-real-reason-why-iran-backs-syria-14999)
نكتشف هنا التدليس الكبير الذي يمارسه الكتَّاب الغربيون حتى الآن بحقّ العلويين عن طريق تزوير مكشوف واضح للتاريخ، وعرضهم بصورة فرقة متزندقة من أجل إثارة الفتنة بين أبناء الأمة الواحدة.
ويحسم الباحث المستقل في جامعة أوتو فريدريش-بامبرغ نجاتي ألكان Necati Alkan إشكالية أنَّ اسم العلويين لم يستخدمه أبناء هذه الطائفة إلا في بدايات القرن العشرين، فيقول: “إنني أتحدَّى الرأي المقبول على نطاق واسع بأن اسم “علويّ” لم يستخدم إلا بعد عام 1920. تكشف دراسة الوثائق الأرشيفية العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر العكس تمامًا. (…) أمَّا عن تغيير مصطلح “نُصَيْرِي” إلى مصطلح “علويّ”: فإن غالبيَّة الدراسات تُجْمِع على أنَّ مصطلح “علوي” لم يستخدم إلا بعد الحرب العالمية الأولى، وربما صاغه وتداوله محمد أمين غالب الطويل (=شخصيّة غير موثوقة)، وهو مسؤول عثماني وكاتب كتاب تاريخ العلويين الشهير (1924). ومع ذلك، يظهر اسم “علوي” في رسالة نُصيرية من القرن الحادي عشر كأحد أسماء المؤمنين (…). وعلاوة على ذلك، كان مصطلح “علوي” مستخدمًا فعلًا في بداية القرن العشرين. في عام 1903، زار اليسوعي والمستشرق البلجيكي المولد هنري لامنس (توفي 1937) شيخًا حيدريًا نصيريًا اسمه عبد الله في قرية بالقرب من أنطاكيا وذكر أنَّ هذا الشيخ قد فضَّل أن يُسَمَّى شعبه الشَّعب الـ”علوي”. وأخيرًا، من المثير للاهتمام أن نلاحظ أنه في الالتماسات (…) لعامي 1892 و1909، أطلق النُّصيريون على أنفسهم اسم “الشعب العلوي العربي” أو “الموقعون من الشعب العلوي”. هذه التسمية الذاتية المبكرة، في رأيي، لها أهمية ثلاثية. أولاً، تُظهر أن كلمة “علوي” كانت تُستخدم دائمًا من قبل هؤلاء الناس، كما يؤكد المؤلفون العلويون؛ “ثانياً، يشير هذا إلى الإصلاح النصيري الذي بدأه بعض شيوخهم في القرن التاسع عشر ومحاولتهم القبول كجزء من الإسلام؛ وثالثاً، يتحدى هذا الادعاءات القائلة بأن تغيير الهوية والاسم من “نصيري” إلى “علوي” حدث نحو عام 1920، في بداية الانتداب الفرنسي في سوريا (1919-1938).” (15)
صار في وسعنا الآن أن نستند هنا إلى معلومات مهمة جدًا أوردها كمال الصليبيّ يمكن أن تدحض فكرة أنَّ العلويين نُميريون (=نصيرية) هاجروا من العراق إلى جبال السَّاحل السوريّ. قال الصليبيّ: “مع حلول القرن السادس، كان عدد القبائل العربية في سوريا التي تم الاعتراف بها عمومًا بأنَّها من أصل جنوبيّ/ عربيّ أو يمنيّ لا يمكن حصره، وشملت مجموعات مثل لخم وجذام وقضاعة في فلسطين وشرق الأردن؛ والغساسنة في منطقة دمشق؛ وقبيلة الأوزاع في جبال لبنان الشرقية، بالقرب من بعلبك؛ وبني عاملة في شمال الجليل، الذين سَموا جبل عاملة الذي يسمى الآن جبل عامل؛ وبني ثعلبة في وادي البقاع، ومنهم تيم، الذين سموا وادي التيم؛ وبني سليح وقبيلة بهراء في شمال سوريا وقد أخذت الأخيرة اسمها من جبل بهرا الذي يُسمَّى اليوم جبال العلويين. ويُرجَّح أن تكون بعض هذه القبائل قد وصلت إلى سوريا معتنقةً المسيحيَّة. وبالتأكيد، بحلول القرن السادس، كان معظمهم إن لم يكن جميعهم مسيحيين. بدءًا من عهد الإمبراطور جوستينيان الأوَّل (527-565)، تلقى زعماء القبيلة العربية المسيحية الغساسنة، بعد دخولهم خدمة الدولة البيزنطية، ألقابًا رومانية رسميَّة وتم الاعتراف بهم كملوك عرب تابعين للأراضي السورية التي يسيطرون عليها حول دمشق.” (16)
تكشف المعلومات التي أوردها الصَّليبيّ أنَّ جبل برجيلوس الذي ذكره بليني الأكبر أصبح اسمه جبل بهرا في العصور الوسطى، لكن إذا لاحظنا التقارب في النُّطق بين لفظة برجا المشتق منها اسم هذا الجبل ولفظة بهرا، فيمكن أن يكون اسم برجا قد تغيّر مع مرور الزَّمان لينطق بهرا، ويدعم هذا الترجيح ما ذكره الصليبي عن أنَّ قبيلة (=بهرا=بهراء) أخذت اسمها من جبل بهرا وليس العكس، أي لم يُسَمَّ الجبل على اسم القبيلة، لكن يبقى هذا الترجيح غير مؤكَّد.
غير أنَّ المهم في هذا الاتِّجاه أنَّ سكان جبل برجيلوس الذي أصبح اسمه في العصور الوسطى جبل بهرا منذ القرن السَّادس الميلادي ترجع أصولهم إلى قبيلة عربيّة يمنيّة نصرانيّة هي قبيلة بهراء، وهذا يعني أنَّ الحياة السُّكانيّة مستمرة في جبال العلويين من مملكة برجا منذ العصر البرونزي وصولًا إلى العصور الوسطى، ولا يُعقل أن تكون هذه الجبال قد فُرِّغت من سكانها على نحوٍ نهائيّ حتى نقبل النظريّة السائدة عن تاريخ العلويين التي مفادها أنَّهم نُميريون هاجروا إلى هذه الجبال من العراق، فهذه النظريّة متهافتة تمامًا لأنَّها تفترض وجود جبال خالية من السُّكان هاجر إليها ” النُّميريون أو النُّصيريون” من العراق حيث عاش محمد بن نصير وقد تبيّن أنَّه ليس للعلويين علاقة بالفرقة النُّصيريّة أو النُّميريّة. ولا يوجد أي احتمال مرجَّح سوى أن سكان جبال السَّاحل السوريّ (=برجيلوس أو بهرا) اعتنقوا الإسلام مع الفتح الإسلاميّ لبلاد الشام وانتشار الإسلام في سوريا، وكانت لديهم حبّ لشخصيّة علي بن أبي طالب بسبب داعية أو مجموعة من الدعاة أو بعض أتباع الخليفة الراشديّ عليّ من اللاجئين إلى هذه الجبال، ويمكن تفسير علاقتهم مع الحسين بن حمدان الخصيبيّ أنَّه بعد سقوط الدولة الحمدانيّة العام 1003 م لجأ كثير من العلويين من حلب إلى جبال السَّاحل السوريّ، وهذا لا يمنع وجودهم في هذه الجبال قبل ذلك الوقت، بمعنى أنَّ علويي الدولة الحمدانيَّة لجأوا إلى جبال السَّاحل السوريّ بسبب كونها سُكنى لأُناس متناغمين معهم في المذهب.
III. بداية التبشير البروتستانتيّ في سوريا
يمكن أن يتفاجأ القارئ حينما يعرف أنَّ 24 كاهنًا من كنيسة إنكلترا عملوا كقساوسة في مصنع شركة الشَّرق في حلب من عام 1597 إلى عام 1782. استمرَّ وجود هؤلاء المبشِّرين قرنين من الزمان، في مدينة حلب التي كانت المدينة الأكثر عالميَّة في العالَم العربي فقد بلغ عدد الأجانب فيها آنذاك نحو 5000 شخص. (17)
كان أوَّل مبشِّر بروتستانتيّ وصل إلى سوريا في نهايات القرن السَّادس عشر هو الإنكليزي البيوريتاني المعروف باسم السيد الغامض ماي The Mysterious Mister Maye (1597-1600) ويُعرف بقِسيس حلب الأول. (18)
واستمرت عناية كنيسة إنكلترا بالتبشير في المدن السوريّة إلا أنَّ اهتمامها اتّجه نحو جبال السَّاحل السوريّ، وكان المبشِّر الإنكليزي صموئيل لايد (1825-1860 م) هو المناسب لهذه المهمة، واستأنفها بعده مبشِّران أمريكيان بعد التنسيق بين كنيسة إنكلترا الإنجليكانيَّة والقائمين على بعثات الإصلاح المشيخي العالميَّة في أمريكا الشماليَّة.
اجتمع المجمع الكنسي لعام 1856 في مدينة فيلادلفيا، بنسلفانيا. اختار مجلس البعثات الأجنبية سوريا كمجال للعمليات، وبعد عدة انتخابات، قُبل القِسيس روبرت جيه دودز R. J. Dodds والسيد جوزيف بيتيت J. Beattie، في التعيينات في ذلك المجال. غادرا في خريف ذلك العام إلى مسرح عملهما برفقة عائلتيهما إلى سوريا. (19) تعلموا اللغة العربية في دمشق واستقروا في النهاية للخدمة في اللاذقية، في سوريا. وتم –حسب المزاعم-تعميد أول متحوِّل، واسمه حمود من الفلاحين العلويين، على يد ر. ج. دودز في عام 1861. (20)
بدأ المسافرون والمستشرقون والمبشِّرون الغربيون بالتعرُّف على العلويين والجماعات المماثلة…بدءًا من أواخر القرن الثامن عشر. تمت دراسة هذه الطوائف السِّرية-وفق مزاعمهم-لأغراض علميَّة، في بعض الأحيان لإدخالهم في حظيرة المسيحية ولكن أيضًا لإيجاد طرق لكيفية استغلالهم ضد العثمانيين سياسيًّا. في الإمبراطورية العثمانية، بدأ الاهتمام الحقيقيّ بالنُّصيريين في عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909). دفع الخوفُ العثمانيين لإعادة النظر في وضع العلويين بسبب تدخُّل المبشرين البروتستانت الأمريكيين والإنكليز في شؤون رعاياهم، سعى السلطان إلى جذبهم بوسائل تعليمية إلى المدرسة الحنفية السُّنية الرسميَّة. وفي هذه العملية، تغير وضع النُّصيريين في السلطنة العثمانيّة في أواخر القرن التاسع عشر لدرء محاولات التبشير البروتستانتي وخوف العثمانيين من أن يصبحوا “مشكلة أوروبية” أخرى يتعين عليهم التعامل معها. (21)
وعليه، أراد المبشِّرون والمستشرقون والرَّحالة الغربيون تنفيذ مخطط دولهم الاستعماريّة الهادف إلى تمزيق الدولة العثمانيّة التي كانت تمثِّل –وفق رؤيتهم-الخلافة الإسلاميَّة الضامنة للوحدة، فحاولوا إثارة الفتنة عن طريق جذب العلويين وتبيان أنَّهم يرجعون إلى أصول غير عربيّة ويتحدَّرون من مذاهب مسيحيّة قديمة، لكن باءت محاولتهم بالفشل وبقي العلويون مخلصين للدولة العثمانيَّة فتحسَّنت أوضاعهم بسبب رعاية الولاة العثمانيين للمناطق التي ينتشر فيها العلويون درءًا لهذه الفتنة. ولا شك في أنَّ هؤلاء المبشِّرين كانوا يختارون القرى الجبليّة النائية البعيدة عن المدن ويعملون على نشر أفكارهم بين الفلاحين البسطاء غير المتعلمين من أجل تضليلهم، ليس هذا فحسب بل من أجل تأليف كتب مزوَّرة ونحلها إلى رموز حقيقيّة أو مزيَّفة في تاريخهم. وهذا ما سنقدِّم أدلة حاسمة عليه.
- IV. صموئيل لايد يزعم أنَّ العلويين شعب كنعاني قديم
يعنينا هنا على وجه التحديد من بين المبشِّرين الأوائل صموئيل لايدSamuel Lyde (1825-1860)، لأنَّه قام بتأليف كتابين عن العلويين الأوَّل عام 1853: (الأنصارية والإسماعيلية: زيارة إلى الفرق السِّريَّة في شمال سورية بهدف إنشاء المدارس The Anseyreeh and Ismaeleeh: A Visit to the Secret Sects of Northern Syria with a View to the Establishment of Schools)؛ والثاني عام 1860 (اللغز الآسيوي الموضِّح في تاريخ ودين وحالة الأنصاريين أو النُّصيريين في سورياThe Asian Mystery Illustrated in the History, Religion and Present State of the Ansaireeh or Nusairis of Syria).
لم يكن كتاب لايد الأوَّل ناضجًا بما فيه الكفاية، لكن يمكن أن يكون كتابه الثاني مهمًا جدًا في فهم طبيعة النظرة التبشيريّة الاستشراقيّة إلى العلويين. لكن لا بدّ من الانتباه إلى قضيّة مهمة جدًا وهي أنَّ لايد اعتمد رسمين مختلفين لترجمة مصطلح النُّصيريّة إلى اللغة الإنكليزيّة هما وفق الآتي: The Anseyreeh (=الأنصاريّة)؛ وNusairis (=النُّصيريَّة)، بل يوجد فرق في الرسم الواحد للمصطلح في طريقة الكتابة بين كتابي لايد، إذ ورد مرة (Anseyreeh) في الكتاب الأول وورد مرَّة أخرى في الكتاب الثاني (Ansaireeh). والحقيقة أنَّ مصطلح الأنصاريّة سيصبح مصطلحًا شائعًا في الدلالة على العلويين في كتابات المبشِّرين والمستشرقين.
سافر لايد فعلًا إلى سوريا وزار قرى العلويين في جبال السَّاحل السُّوريّ، بل عاش بينهم، وتسميته للعلويين بأنَّهم نُصيريون مبرَّر تمامًا فإما أن يكون قد قرأ هذه التَّسمية في مصادر استشراقية قديمة أو عرف هذه التَّسمية من محيطهم ولكن ليس منهم؛ لأنَّ هذه التَّسمية ليست دارجة بينهم. لكن ما دفع لايد-كما أكَّد هو نفسه-إلى الذهاب نحو مناطق العلويين في سوريا عام 1851 نصيحة قدَّمها له القنصل البريطاني في بيروت، فشدَّ رحاله إلى جبال السَّاحل السوريّ في ريف اللاذقيَّة حيث تنتشر قرى العلويين وأقام بينهم. (22)
كان كتاب لايد أوَّل كتاب ظهر في أوروبا عن العلويين، وعدَّد لايد مؤهلاته التي سوَّغت له تخصيص كتاب عن “الأنصاريَّة” للمرَّة الأولى، فقال في تمهيد كتابه:
“أولاً: ارتباطي بالأنصاريَّة لسنوات عديدة، فقد كنت الأوروبي الوحيد الذي عاش بينهم في جبالهم، حيث يعيشون بمفردهم دون اختلاط مع قبائل أخرى.
ثانياً: معرفتي بمعتقدات الأنصاريَّة وعاداتهم التي اكتسبتها شفوياً من الخدم المسيحيين (=المبشِّرون) وغيرهم ممن نشأوا في مناطق الأنصاريَّة؛ وعلى وجه الخصوص، من شاب أنصاري كان لديه العديد من الفرص للحصول على المعلومات.
ثالثاً: امتلاكي لكتاب طقوسيّ أنصاريّ يُسمَّى “دليل الشيوخ”، يتضمن جميع النقاط الرئيسة في نظام الأنصاريين، اللاهوتي والاحتفالي.
بالإضافة إلى ذلك، استشرتُ العديد من المؤرِّخين والكتَّاب العرب وغيرهم ممن وعدوا بتسليط الضوء على الأنصاريَّة، وجميع الوثائق الأنصاريَّة المنشورة التي سمعت عنها. كنت أتمنى الحصول على فرص أكبر لفحص الكتابات الأصلية للأنصاريين. في الواقع، ربما كنت سأميل إلى تأجيل تجميع هذا العمل، على أمل جعله أكثر اكتمالاً في يوم من الأيام، لولا حالة صحتي التي جعلت من غير المؤكد ما إذا كنت سأحظى بمثل هذه الفرصة. ومع ذلك، آمل أن يكون هذا العمل بمثابة حجر أساس لمن قد يسيرون على الطريق نفسه.” (23)
ويظهر من المؤهلات التي ساقها لايد لنفسه أنَّه لم يكن يملك الأدوات المعرفيّة ولا الوثائق ولا المعلومات الحقيقيّة عن العلويين، علاوة على كونه مبشِّرًا غير متخصِّص في علم التأريخ والدّراسات الإنسانيّة، لذلك ما قاله عن العيش بين العلويين أو أخذ معلومات عنهم من محيطهم غير المنسجم معهم آنذاك بحكم كونهم سكان جبال معزولة أو استماعه إلى ما قاله له عنهم مبشِّرون مسيحيون أو اعتماده على شاب من العلويين في الحصول على المعلومات وأخيرًا امتلاكه وفق زعمه لكتاب “دليل الشيوخ”،- كلّ ذلك لم يمكّنه من تقديم نظرة علميَّة موضوعيَّة عنهم.
- V. لايد يُرجع العلويين (=الأنصاريَّة =النُّصيريَّة) إلى أصول كنعانيَّة تتناسب مع السَّرديَّة التَّوراتيَّة
اعتمد لايد في فهمه لتاريخ العلويين في سوريا على مقدمات تاريخيَّة مُضلِّلَة استقاها من الكتاب المقدس العبريّ المحرَّف، إذ قال: ” تتألف سوريا في الأصل من منطقتين. الأولى، أرام دمشق (صموئيل 2: 8: 6)، استعمرها أرام بن سام، وضمت أرام صوبة (صموئيل 2: 8: 2،5)، وهي المنطقة التي تمتدّ على الأرجح من الضفة اليمنى لنهر العاصي إلى حلب والفرات. أما القسم الثاني من البلاد، بما في ذلك جلعاد، وكلّ فلسطين غرب الأردن، وسلسلة الجبال شمالاً حتى مصب نهر العاصي، فقد استعمرها أحفاد كنعان بن حام. لقد تحدثنا فعلًا عن دولة أرواد الفينيقية، أو أرادوس، ومدينة رامنتا Ramantha الفينيقية، التي أصبحت فيما بعد لاودكيا (=اللاذقيَّة)؛ بحسبانها أصبحت تحت سيطرتها السُّهول الواقعة تحت جبال الأنصاريّة Ansairee Mountains= جبال النُّصيريَّة. ويُرجَّح أنَّ سكان غرب الجبال كانوا تحت سيطرتهم، في حين ربما كان سكان الشَّرق تحت سيطرة حماة الكبرى. إنَّ هذه الجبال كانت لتكون بطبيعة الحال ملجأ للدول المجاورة في السهول، في حالة غزو سوريا من قبل الآشوريين والمصريين واليونانيين. والآن فإن جزءًا من الأنصاريَّة الحاليين (=النُّصيريَّة) هم على الأرجح، ومن المؤكد تقريبًا، من نسل سكان الجبال القدماء وأولئك الذين لجأوا إليهم. هذا هو رأي الدكتور إيلي سميث، والدكتور فاندايك، والدكتور تومسون، وغيرهم من المبشرين الأمريكيين في سوريا، كما تعلمتُ منهم في أوقات مختلفة. إنهم يعتقدون أنَّ هؤلاء الناس أصبحوا مشبعين بالبدع الغنوصية، ومن ثَمَّ ذلك الشكل الغنوصيّ من المسيحيَّة الذي يشكل جزءًا من دينهم. يرجِّح فولني (=فيلسوف فرنسي ورحَّالة زار جبال العلويين ولد عام 1757 م ومات عام 1820 م) أن يكون لدى الأنصاريَّة بعض الطقوس الغنوصية القديمة، [لأنه رغم وجود محيط أنطاكية، فإن المسيحية لم تخترق تلك المناطق إلا بصعوبة بالغة؛ ولم يكن هناك سوى عدد قليل من المهتدين هناك، حتى بعد حكم يوليان؛ ومنذ ذلك الوقت حتى غزو العرب لم يكن للمسيحية وقت كافٍ لترسيخ نفسها؛ لأنها لا تكون حاضرة دائمًا لتحدّ من جموح ثورات الآراء في الرِّيف كما في المدن. إنَّ التقدم الذي تمكنت تلك الديانة من تحقيقه بين هؤلاء الجبليين الفظين لم يخدم إلا في تمهيد الطريق أمام المحمدية، الأكثر تشابهًا مع أذواقهم؛ ونتج عن العقائد، القديمة والحديثة، مزيج عديم الشَّكل، الذي يدين له بنجاحه الشيخ ناصر Old Man of Nasar (=توهم أنَّ ناصر هو زعيم العلويين)]. ولكن رغم أنني لا أشك في أنَّ جزءًا من سكان الجبال الحاليين هم من نسل الكنعانيين القدماء الذين لا تزال قبورهم ومواقع قبورهم على كلِّ تلٍّ مرتفع قائم، ويزورها الأنصاريَّة اليوم، فمن المحتمل أن تكون الأفكار الغنوصية قد تم إدخالها إلى دينهم في مهدها في الشرق، لأن هذا الدِّين جاء بالتأكيد من هناك، ولا شك في أنَّه وجدَ في سوريا، كما يُزعم، سكانًا جاهلين مستعدّين لقبوله، وربما، في بعض الأحيان، لإضافته إلى خرافاتهم السَّابقة. لكنَّ التقاليد الرَّاسخة، والاختلاف في علم الفِراسةPhysiognomy ، يثبتان بشكل قاطع أن ليس كلّ سكان جبال الأنصاريَّة الحاليين يُعَدُّون من السُّكان الأصليين لتلك المنطقة. جاء جزء، على الأقل، من تلك المناطق التي نشأ منها دين الطائفة.” (24)
تقول الباحثة أميليا غالاغر أستاذة الدراسات الدينية في جامعة نياغرا عن لايد: “ألهمته ملاحظته للمعنى العميق الذي تحمله الزِّيارة ziyara (=تسمية عند العلويين تدلّ على مقام أو ضريح لولي) بالنسبة للعلويين بوضع نظرية حول أصول الزيارة التي كانت ذات دلالة مهمة بالنسبة له. ظنَّ لايد، أنَّ الزيارات كانت بمثابة تذكير مرئيّ بأنَّه كان يعيش على أرض توراتية، بين أناس توراتيين. ففي الغابات، على قمم الجبال، وبسبب تأمُّل دائم في المحيط الطبيعي للزِّيارة، كتب لايد: [إن الزِّيارة تذكرنا بطريقة مذهلة للغاية بعبادة الكنعانيين القدماء، على كل تلّ مرتفع وتحت كل شجرة خضراء. ولا شك أن العديد من هذه البساتين قديمة للغاية، وربما كانت بعمر الكنعانيين نفسه…Samuel Lyed, The Anseyreeh and Ismaeleeh,p.167. ]. لم يحاول لايد إجراء أي بحث أثري جاد، وقد تبدو تأملاته غير ناضجة.” (25)
يظهر من دون أيّ مجال للشك أنَّ صموئيل لايد انطلق من تقسيم الشُّعوب على طريقة الكتاب المقدَّس العبريّ، ليخرج بنظريّة مسمومة مفادها أنَّ العلويين من أصول كنعانيّة، ولا يمكن تفسير قيامه بذلك إلا على أساس أنَّه أرد أن ينتزع العلويين من أصولهم العربيّة من أجل زرع نوع من الفرقة بين أبناء الشَّعب العربيّ الواحد، تمهيدًا لإحداث فتن تمزّق وحدة الأمَّة، وهذا ليس بغريب عن أفعال كثير من المبشِّرين الذين أرادوا سلخ سكان المنطقة العرب من أصولهم.
والحقيقة أنَّ لايد بعد أن فشل فشلًا ذريعًا في إقناع أيّ علويّ باعتناق أفكاره الصهيونيَّة/المسيحيَّة أُصيب بخيبة أمل كبيرة، وعانى من حالة نفسيَّة مزريّة، لأنّه وجد نفسه عاجزًا عن استقطاب العلويين إلى المسيحيّة وفشل فشلًا ذريعًا في إقناع أيِّ واحد منهم بتبديل دينه. لذلك شنَّ عليهم هجومًا عنيفًا حاقدًا فقال: “أعتقد أنه من الممتنع على أي إنسان أن يدرك القدرة التَّامَّة لإشارات القديس بولس إلى شَرِّ الوثنيين غير المؤمنين في هذا العصر، من دون أن يعيش أو يكون له أي اختلاط مع بعض القبائل البربرية المنسيَّة منذ حقبة طويلة، مثل الأنصاريَّة، غير المقيدة بالحكومة المدنية أو الدِّين.” (26)
VI.النصيرية في أدبيَّات العلوم السريّة المغلقة
“يظهر النُّصيريون أيضًا، بدءًا من كتابات عالِم السِّحر والرَّحالة الرومانسي جيرارد دي نيرفال Gérard de Nerval (1808-1855) في أربعينيات القرن التَّاسع عشر. ثم تم الاستشهاد بهم مرة أخرى في الكتابات الغريبة بشكل مذهل لعضو جمعيّة الصليب الوردي (=مدرسة سريّة) باسكال بيفرلي راندولف Pascal Beverly Randolph (1825-1875). اعتمدت نظريات راندولف الباطنية عن الطقوس والسِّحر، على الأقل اسميًا، على تراث هذه الطائفة الغامضة، “الأنصاريَّة” (…) هناك أيضًا أدلة على أنَّه بحلول الوقت الذي أدرج فيه راندولف اسم نُّصيريّ Nusayri في نظريّاته الباطنيَّة، كان قد قرأ أيضًا كتاب لايد “الغموض الآسيوي” لعام 1860.” (27)
تحدث روبرت نورث في تقديمه لكتاب “السِّحر…” وهو من تأليف باسكال بيفيرلي راندولف Pascal Beverly Randolph (1825-1875 م) أثناء رحلاته إلى باريس، عن أنَّ باسكال أصبحَ على دراية بالعديد من الأعمال التي كانت تُنشر في فرنسا وألمانيا التي تتناول الأنصاريّة أو النُّصيريين في سوريا the Ansaireth or Nusairis of Syria. كان هناك الكثير من النقاش، في دوائر الصَّليب الورديّ التي سافر فيها راندولف، حول نقاء وسموّ تعاليم الأنصاريّة. يروي باسكال بيفيرلي راندولف كيف وصل رئيس الأنصاريَّة، ناريك إل جيبيل Narek El Gebel، إلى القبة الثالثة الوردية في باريس مع رسائل تقديم، ثم بعد إدراكه لقدرات راندولف وشخصيته، دعاه للقدوم إلى سوريا والدراسة مع الأنصاريةAnsaireth . ذهب راندولف إلى سوريا وتم ترشيده في جماعة الأُخوَّة الأنصارية the Ansairetic Brotherhood.” (28)
يتضح تمامًا أنَّ الخيال قام بدوره في نسج أساطير كاذبة عن العلويين من قِبَل كُتَّاب غربيين من المدَّعين للعلوم الباطنيّة من أجل إضفاء طابع غرائبيّ مثير على أفكارهم، ويظهر ذلك من إيراد راندولف لاسم ناريك إل جيبل Narek El Gebel بصفته رئيسًا للعلويين في سوريا، وهذا أمر باطل تمامًا لا تدلّ عليه الذاكرة الشعبيَّة العلويَّة بين عامَّة النَّاس، ولا أيّ وثيقة تاريخيّة يمكن أن يُعوَّل عليها!!!
VII. رينيه دوسو الاستشراق غير التبشيريّ: العلويون من أصول فينيقيّة-من مملكة أرواد
انطلق المستشرق رينيه دوسو (1868-1958 م) من تصوَّر مفاده أنَّ دين العلويين لا يزال مجهولاً إلى حدّ كبير، وعوَّل في معرفته بمصادر الدِّين العلويّ على حقائق نشرها سليمان أفندي الأذني اعتمد عليها المستشرقون منذ العام 1863 م، وحصوله على معلومات وفرتها وفق تعبيره “المخطوطات النُّصيرية” في باريس وبرلين، بالإضافة إلى معايناته ومشاهداته أثناء رحلاته.
والحقيقة أنَّ سليمان أفندي هذا هو سليمان أفندي الأَذنيّ صاحب كتاب “الباكورة السليمانيَّة في كشف أسرار الديانة النصيريّة”، ويُعَدّ هذا الكتاب خطيرًا إلى أبعد حدّ لأنَّه حدَّد تصوَّر ليس فقط المستشرقين بل التصوّرات السائدة-بوساطة المستشرقين-في الثقافة العربيَّة المعاصرة عن دين العلويين، وهذا ما سنقف عنده لاحقًا.
رفض دوسو فرضيتين عن أصل العلويين. الأولى تفترض أنَّ اسم نصيري مشتق من نصرانيّ، أي مسيحيّ. أي اسم نصيري سيكون في هذه الحالة تصغيرًا لاسم نصرانيّ. كانت هذه الفرضيَّة بشكل خاص رأي المستشرق الفرنسيّ أرنست رينان. لكن في رأي دوسو لا تستند هذه الفرضية على أيّ وثائق تاريخيَّة، ولا يمكن افتراض تحوُّل النُّصيريين إلى المسيحيَّة، ولو كان هناك تحوُّل فإن الأسقف الشهير في حلب في القرن الثالث عشر ابن العبري، كان سيشير بالتأكيد إلى ذلك، لأنه اهتم بالبحث عن أصل هذا الشَّعب. ويقصد دوسو من ذلك أنَّ ابن العبريّ أشار في كتابه “تاريخ مُختصر الدُّول” إلى العلويين فقال: “ومن غلاة الشيعة النُّصيريَّة (…).” (29)
استبعد دوسو تحول النُّصيريين إلى المسيحية سواء أكان ذلك قبل الفتح الإسلاميّ لبلاد الشام أم بعده، ومن ثم من الغريب استخلاص اسم النُّصيريين من الشكل العربي نصراني. باختصار، القول بأن اسم نصيري تصغير لاسم نصرانيّ، يُعَدُّ وقوعًا في خطأ خطير.
انتقل دوسو إلى مناقشة الفرضيَّة الثانية الأكثر انتشارًا التي تمَّ اعتمادها عالميًا في الأوساط العلمية وهي أن لقب النُّصيريّة يأتي من محمد بن نصير أحد أنصار الإمام الحادي عشر للشيعة، حسن العسكري، الذي أقام في سامراء، بالقرب من بغداد. وما قد أسهم -وفق دوسو-في الاعتقاد بأنَّ أصل “النُّصيريين” كشعب يعود إلى بلاد ما بين النهرين هو أنَّ الجغرافيين العرب أشاروا إلى وجودهم في منطقة أسفل نهر الفرات. مثلًا، في الحديثَة، بالقرب من الأنبار. هذه المدينة، كانت على الطريق الذي يؤدي من سوريا إلى فارس. وقصد دوسو هنا ما ذكره ياقوت الحموي في زمنه عن أنَّ “أهل الحديثة نصيريّة” (انظر: ياقوت، معجم البلدان، باب الحاء والدال وما يليهما-مادة: الحديثة). كما كان هناك وفق معطيات دوسو “نصيريون” في المنطقة بين واسط والبصرة. لكن دوسو أكّد أنَّ هذه النقاط المعزولة لا يمكن أن تشكل وطنًا للعلويين، وهذا يعني رفضه لنظريّة الأصل العراقي أو الهجرة من العراق. (30)
ركز دوسو على فكرة أن تاريخ النُّصيريّة كشعب أو عرق -وفق مزاعمه الاستشراقيّة-قبل العصر الروماني كان غير واضح، حيث يتداخل مع تاريخ الفينيقيين على السَّاحل. في القرن الأول الميلادي، كان النُّصيريون مجتمعين في مقاطعة خاضعة للحكم الرباعي الروماني تمتدّ على جغرافيا جبال السَّاحل السوريّ، ما يشير إلى درجة معينة من الاستقلال عن السَّاحل الفينيقي. لكن كانت قوة مملكة أرواد قد تراجعت بشدة، وحلت لاوديكيا وسلوقية محل مينائها. ومع ذلك، كان لدى الأرواديين جزء صغير من الأرض في الجبال النُّصيرية. (31). وعليه، يمكن-وفق ترجيح دوسو- أن يكون الأرواديون الفينيقيون قد هربوا من أعدائهم إلى تلك الجبال واستقروا فيها.
ارتأى دوسو أنَّه قد سمحت هذه الاستقلاليَّة الجزئيَّة للنُّصيريين رغم مرور الزمن بالتُّمسك بمعتقدهم رغم انتصار المسيحيَّة. تثبت الامتيازات التي أكدها الأباطرة الرومان أنَّ العبادة السورية الفينيقية كانت لا تزال تُمارس هناك بشكل واضح في القرن الرابع. وهذا يعني بالنسبة لـ” دوسو” أنَّ النُّصيريين فينيقيون حافظوا على ديانتهم منذ أقدم العصور وقاوموا انتصار المسيحية في سوريا، لكن شعروا بالرُّعب أمام عمليات تدمير معابدهم وتحطيم تماثيلهم الإلهيَّة. وإن اضطروا لتلوين ديانتهم بصبغة مسيحيّة للهروب من الاضطهاد الذي بدأ مع عهد قسطنطين واستمرَّ بعده مع المسيحيين البيزنطيين، بيد أنَّهم استمروا في المحافظة على عقيدتهم حتى العصور الوسطى. فقط، بعض بلداتهم، مثل ماريامين (=قرية تقع في فتحة حمص جنوب غرب حماة)، الواقعة على حدود السهل، لم تتمكن من مقاومة انتشار المسيحية. هذا يفسر لنا الغياب الكامل للكنائس ذوات الطراز المميز من القرن الخامس إلى القرن السَّابع في جبال النصيريّة، هذه الكنائس التي نجدها بكثرة في بقية أنحاء سوريا. حتى اليوم-كما زعم دوسو-يجتمع النصيريون في أيام معينة حول قُبَّة أو زيارة، وليس لديهم أماكن عبادة مشتركة تشبه المعابد اليهودية أو الكنائس أو المساجد. ويحافظون على العادات القديمة. واستنتج دوسو هنا أنَّ طريقة العبادة عند العلويين في أماكنهم المقدَّسة (=القباب أو الزِّيارات) هي طريقة الفينيقيين نفسها في العبادة. إذ تتألَّف المعابد الفينيقية، في الواقع، من مبنى صغير يحتوي على الأشياء المقدسة. وهذه الطريقة في بناء المعابد ما يزال النصيريون وفق دوسو محافظين عليها. وأشار دوسو إلى أنَّه حصل على وثائق وصلت إليه حول طقوس العبادة في حرَّان تُعَدّ مفيدة للغاية لإقامة أوجه التشابه بين عبادة النُّصيريين الحالية والعبادة السورية الفينيقية القديمة. وأكَّد دوسو أنَّه باستثناء حقيقة عدم تحول النُّصيريّة إلى المسيحيَّة، لا تقدم لنا الحقبة البيزنطية أو حقبة الفتح العربيّ الإسلاميّ أيَّ معلومات مثيرة للاهتمام حول النُّصيريين. في القرن السابع، دخل العرب سوريا، واستولوا على المدن الكبرى، واحتلوا وادي نهر الكبير والسَّاحل، لكنهم لم يثبت أنَّهم دخلوا إلى الجبال. وعلَّل دوسو ذلك بأنَّ البيزنطيين وحتى العرب المسلمين، لم يهتموا مثل المصريين والآشوريين في الماضي، ومثل الصليبيين في وقت لاحق، إلا باحتلال بعض النقاط الاستراتيجية التي ضمنت هيمنتهم المعنوية وأمن الطرق (32).
تابع دوسو تحليله مؤكّدًا أنَّ المناطق الجبليّة تحديدًا جبال السَّاحل السوريّ لم يكترث بها المحتلون لسوريا على مرّ التَّاريخ، لذلك استطاع النُّصيريون المحافظة على عاداتهم وطقوسهم الفينيقيَّة. لكنَّ النُّصوص التي تذكر هذه الأماكن بقيت صامتة بشأن النُّصيريين. يجب علينا الانتظار حتَّى نهاية القرن الحادي عشر للعثور عليهم مذكورين في سرديّة الحملة الصليبية الأولى (=حملة الفرنجة الأولى). إذ بعد أن استولى الفرنجة على أنطاكية، حكموا معرَّة النَّعمان حيث مكثوا حتى بداية عام 1099 م. ومن هناك توجهوا إلى جبل لبنان حيث لم يكن سوى عدد غير ملائم لهم من الناس، ممن يُطلق عليهم اسم النُّصيريّة. ثم ذهبوا لإلغاء التنوع الدِّينيّ في طرابلس. في هذه الخطوة، اتبع جيش الفرنجة الطريق الذي سلكه الإمبراطور الروماني تيتوس (30-81 م) من عرقة (=قرية لبنانيّة في عكار) إلى رافانيا (=الرفنية مدينة كانت مركز تجمّع الجيوش الرومانية تقع في حماة السورية)، ولكن في الاتجاه المعاكس. كان هذا الطَّريق مهمًا جدًا في العصور القديمة. بعد جسر العاصي عند مخاضة قرب شيزر، توجه الكونت ريمون من سان جيل Raymond de Saint-Gilles (1045-1105 م)، الذي يقود هذه القوة، على الأرجح إلى حماة. بحذر، تجنب حمص (إيميسا القديمة)، التجمُّع العربي القوي، تقدَّم غربًا، ربما حتى مصياف. ومن هناك، وصل إلى رافانيا (الرفنية) التي فرَّ سكانها، ودخل “عبر جبال عالية وشاسعة”، أي جبال النُّصيريّة، ثم انعطف إلى الوادي المسمى البقاع، عند سفح حصن الأكراد (=تقع في سوريا بين حمص وبعلبك اللبنانية) (أصبح اسمها قلعة الحصن)، واستولى عليه ثم ذهب لحصار عرقة. حاول النصيريون، الذين وصفهم الراهب الدومنيكاني الألمانيّ بورشارد من جبل صهيون Burchardus de Monte Sion بعد نحو قرنين بأنَّهم “أناس ماكرون وعدائيون للمسيحيين”، وقاوموا ريموند، لكن ريموند تغلَّب عليهم وبدَّد شملهم. في مرحلة لاحقة، قام صلاح الدين الأيوبي بإرسال قواته إلى منطقة الجبال. بعد أن سيطر على مدينة جبلة في تموز 1188، قدم إليه زعماء النصيريّة معلنين طاعتهم وولاءهم. أمر صلاح الدين باحتلال قلعة بني إسرائيل (=الآن قرية في أرياف مدينة جبلة السورية تسمّى قرية بني قحطان) لضمان الاتصالات بين جبلة وحماة عبر طريق كان وعرًا للغاية. (33)
الحقيقة أنَّ دوسو رغم أنَّه يقدِّم معلومات مغلوطة كثيرة عن العلويين إلا أنَّه في المقابل يكشف عن معلومات حصل عليها من مصادر تاريخيّة ترجع إلى مرحلة ما قبل التبشير والاستشراق لها أهميّة كبيرة جدًا في تغيير التصوّر السَّائد عن العلويين في الأدبيات السَّائدة وتظهرهم على أنَّهم كانوا متحالفين مع الصَّليبيين، فقيام الكونت ريمون من سان جيل بالتغلَّب على العلويين وتبديد شملهم وتأكيد الراهب الدومنيكاني الألمانيّ بورشارد كونهم “أناسًا ماكرين وعدائيين للمسيحيين”، علاوة على تقديمهم الولاء لصلاح الدِّين الذي استولى على قلعة بني إسرائيل الصليبيّة في مناطق للعلويين للإشراف على الاتصال بين جبلة وحماة كلّ ذلك يثبت موقفهم الحقيقيّ المؤيّد لصلاح الدِّين والمعادي للفرنجة أو الصليبيين؛ لكن قد يتساءل المرء عن دافع دوسو إلى تقديم هذه المعلومات الفائقة الأهميّة التي تدحض المزاعم التي قُدّمت عن تعاون العلويين مع الصليبيين (الفرنجة)؟ وهنا يمكن أن أقول: إنَّ دوسو أثبت عداوة العلويين للصليبيين كي يؤكد صحة نظريته عن أصلهم الفينيقيّ وليس رغبةً في تصحيح الصورة المغلوطة عنهم بين أبناء جلدتهم. ومن هنا أصرَّ دوسو على نظريته القائلة بالأصل الفينيقيّ للعلويين على أنَّهم سكان مملكة أرواد الفينيقيّة الذين فرّوا منها بعد انهيارها وتحصّنوا في جبال السَّاحل السُّوريّ، وحافظوا على عباداتهم التي حافظت على جوهرها العميق رغم تلوُّنها.
إذن، رفض دوسو الرأي القائل بأن دين النصيريَّة نشأ على أساس مسيحي، أو أنهم أحفاد السكان المسيحيين الآراميين في شمال لبنان، وكان قد تبنّى هذا الرأي البارون ماكس فون أوبنهايم Baron Max Von Oppenheim (1860-1946 م) في كتابه “من البحر الأبيض المتوسط إلى الخليج الفارسي” ومع ذلك، نبَّه دوسو إلى أنَّه لا يمكن إنكار التأثير المسيحي في بعض عاداتهم، خاصة في دورة الأعياد. كما أن الادعاء –في رأيه-بأنَّ اسم الطائفة مشتق من شخصية مزعومة تدعى “محمد بن نصير”، الذي أسس تعاليم النصيريَّة في نهاية القرن الثالث الهجري، يصبح غير ذي صلة إذا تم قبول الربط مع الناصيريين عند بليني.
زعم دوسو أنَّه لم يؤثر انتشار المسيحية في سوريا في استمرار الدين الوثنيّ للنُّصيريَّة، لكن لم يتمكنوا من مقاومة تأثير الإسلام المنتصر. وتشكل دينهم من مزيج من الوثنية والغنوصية والإسلام، وهو ما يمثل الشكل التاريخي للنصيرية حتى اليوم. كما في حالات أخرى، توفر تبعيتهم لـ”عليّ بن أبي طالب”-وفق كلامه-الشكل الذي تستمر بوساطته بقايا الوثنية داخل الإسلام الذي تبنوه. وإن لم يكن هذا التطور مدفوعًا بالتشابه الصوتي بين “عليّ” و”إيل عليون” الإله الأعلى في أوغاريت، كما أشار دوسو. (34)
يظهر هنا لكلّ متأمِّل حقيقيّ أنَّ دوسو يُقحم سياقات تاريخيّة مختلفة وبعيدة عن بعضها بعضًا في نسق واحد ليجعل فيه العلويين ممثلين غامضين للفينيقيين من حيث عباداتهم، وهذا رأي يمكن تفنيده ببساطة، إذ لا يمكن الحكم على جماعة بأنَّها استمرار لشعب غابر عن طريق منهج متهافت قائم على البحث عن الأشباه والنظائر التي هي أنفسها تُعَدَّ ملفَّقة إلى حدّ بعيد.
VIII. هنري لامنس: العلويين ينحدرون من المسيحيين الخلقيدونيين الأصليين الناطقين باليونانية
أراد اليسوعي الفرنسي هنري لامنس (1862-1937 م) أن يُرْجِع العلويين إلى أصول مسيحيّة، واستند إلى منهج أركيولوجيّ لكن وظَّفه لصالح غاياته التَّبشيريّة.
قام هنري لامنس بمسوحات أركيولوجيّة في مناطق النُّصيريّة فقال عن محصلة رحلته: “لاحظت لدى سكان مزرعة حصن سليمان النُّصيريّة الصغيرة استمرار أسماء مسيحيّة صِرْف، مثل كاترينا وحبيب. وعندما سألت شيخ عينو، مرشدي النُّصيريّ، عن الأمر بدقَّة، علمت أنَّ أبناء دينه لا يشعرون بأيّ حرج في اعتماد اسم اسبر (Spiridon) ومتَّى وجبرائيل وهيلانة (Helene)، وغيرها. كما أنَّ اسمي مريم ويوسف يترددان بين النُّصيريين بقدْر ندرتهما عند المسلمين.” (35)
قصد لامنس من هذا الاستقراء للأسماء التي يستخدمها العلويون إثبات أنَّها أسماء مسيحيّة ما يعني في رأيه أنَّ العلويين يجب أن يكونوا من أصول مسيحيَّة. ولا شك في أنَّ هذا النوع من الاستقراء غير صحيح على الإطلاق لأنَّ الأسماء ألفاظ جارية في اللغة ولا تتحدَّد بأيّ مرجعيَّة لاهوتيَّة، بل المرجعيَّة اللاهوتيَّة نفسها يمكن أن تتحدَّد بأسماء تستعيرها من ثقافات غير لاهوتيَّة على نحو يكشف العناصر المكوِّنة لهذه المرجعيّة ذاتها.
أراد لامنس أن يثبت نظريته عن الأصل المسيحيّ للعلويين فقال إنه وصل إلى قرية عين الشَّمس، “وفي عين الشَّمس (قرية جبلية في ريف منطقة مصياف التابعة لمحافظة حماة السورية)، هذه القريّة التي تحتل موقعًا هامًا على هضبة بين قمتي سلسلة جبال النُّصيريّة. ومن عينو (=قرية) إلى عين الشَّمس، صادفنا في كلِّ مكان تقريبًا، خاصَّةً لدى الأطفال، العيون الزرقاء والشَّعر الفاتح، وصادفت في هذه الرَّحلة الأخيرة الكثير من الفتيات اللواتي يبدو فيهن شكل النمط اليونانيّ القديم: أنف مستقيم، شعر أشقر، سحنة بيضاء، عيون زرقاء.” (36)
يظهر هنا أنَّ لامنس أراد أن يوظِّف خبرته في علم الفِراسة ليثبت أنَّ العلويين إضافةً إلى كونهم يرجعون إلى أصول مسيحيّة يتَّصفون بصفات تدلّ على أنَّهم يرجعون إلى أصل يونانيّ، ولذلك لا يكتفي لامنس بالتشكيك في كون العلويين طائفة إسلاميَّة، بل يريد أن ينتزعهم من أصلهم العربيّ.
بل أراد لامنس أن يُظهر أنَّ العلويين يتماهون تمامًا مع العادات الطقسيَّة المسيحيّة، وضرب مثلًا عن ذلك، فقال: “قمنا بعيادة نُصيري مريض كان يتضرَّع إلى …يوحنا فم الذَّهب ولما بدت الدَّهشة على وجوهنا أكَّدَ لنا أنَّ كتبهم المقدَّسة تذكره.” (37)
أكد هنري لامنس أنَّ النُّصيرية هي فرع فريد من المسيحيَّة القديمة، وتبنّى نظريّة أنَّ سكان هذه المجتمعات الجبليَّة جزء رئيس من التاريخ السوري، مدعيًا أنهم من نسل السُّوريين “الأصليين” أو السُّكان الأصليين للبلاد. واستمروا تحت قشرة من أو غطاء من التشيُّع الغنوصيّ في ممارسة شكل نادر من المسيحيَّة. وتوصَّل إلى استنتاج مفاده أن الفلاحين العلويين ينحدرون من المسيحيين الخلقيدونيين الأصليين الناطقين باليونانية. علاوة على ذلك، قاوم العلويون (بشكل بطولي، من وجهة نظر لامنس) بناء المساجد في قراهم على مدار ستة قرون. وأكد لامنس في دراسته الأولية أنَّه على النقيض من الموقف السلبيّ الذي يتخذه كلّ من السُّنة والشيعة تجاه المسيحيين، زار العلويون الأماكن المسيحيَّة المقدسة، واستشاروا الكهنة المسيحيين المحليين، بحثًا عن أشيائهم المباركة نظرًا لفعاليتها في الشفاء. (38)
نكتشف هنا أنَّ جهد لامنس منصبّ أساسًا على نزع العلويين من انتمائهم الإسلاميّ الأصيل من أجل تحويلهم إلى مذهبه اليسوعيّ. لكن مع ذلك فشل لامنس فشلًا ذريعًا في دفع العلويين إلى تبديل دينهم.
لم تحقق بعثات التبشير اليسوعيّة التي ظهرت مع مطلع القرن التَّاسع عشر في سوريا أي نجاح حقيقيّ في المجتمعات العلويّة. لذلك انعطف المبشِّرون اليسوعيون إلى حالات فرديّة قليلة وهامشيَّة.
- IX. تزوير الكتب ونَحْلِها إلى العلويين-أكذوبة كتاب الباكورة السليمانيَّة: تشويه استشراقيّ للعلويين
بقيت مكتبات دوائر الاستشراق الأوروبيَّة خالية تمامًا من أيّ مخطوطات صحيحة من مؤلَّفات العلويين حتى عام 1848، فتمَّ نشر وثائق يُزعم أنها أصلية تتعلّق بالنُّصيريين في مجلات الجمعيَّة الآسيويَّة في باريس والجمعية الشَّرقية الألمانية، تتضمَّن مقتطفات وترجمات، تمَّ فيها تعداد لمؤلَّفات هذه الطَّائفة، وتوضيح الصحيح أو المنحول منها، وذكر أوقات صلاتهم وركائز العقيدة التي اعتنقتها تلك الطَّائفة. لكن لم تسعف هذه الوثائق في مساعدة المستشرقين لتكوين رؤية علميَّة موضوعيّة عن العلويين.
كادت الفرحة تغمر إدوارد إي. سالزبوري (1814-1901 م) رئيس الجمعيَّة الشرقيَّة الأمريكيَّة عندما عبَّر عن سعادته الكبيرة في أن يقدم لزملائه المستشرقين في الجمعيّة الشرقيَّة الامريكيَّة ورقة عمل في جلستين بتاريخ 18 أيار وتاريخ 27 تشرين الأوَّل من العام 1864 م بعنوان: “كتاب الثمرة الناضجة لسليمان: كشف أسرار الدِّين النُّصيريّ لسليمان أفندي الأذني مع مقتطفات وافية.” قال سالزبوريّ: إنَّ “هذا الكتاب ظهر في بيروت في العام 1864 م، من دون وجود أي دليل على مكان طباعته أو تاريخها، وله أهميَّة كبرى لما ورد فيه من معلومات تتعلَّق بطقوس وعقائد وتاريخ النُّصيريَّة. وقد كتبه عضو سابق في الطائفة، حسب البيان الذي أدلى به زميلنا الدكتور فان دايك، المبشر في بيروت، وندين له بالشكر على توفير نسخ من هذا الكتاب.” (39)
أورد سالزبوري ما أسماه بيان فان دايك وفق الآتي:
“يقول الدكتور فان دايك في نقله لبعض الأوراق قبل النشر: “لقد كتب هذا المنشور رجل نصيري شكك في دينه أولاً فأصبح يهوديًا، ثم مسلمًا، ثم على طريقة الكنيسة اليونانيّة، ثم بروتستانتيًا. وقد طُلِب للتجنيد، وأُرسِل من أذنة (=أضنة) إلى دمشق، حيث سُرِّح من الخدمة الإلزاميَّة. ثم جاء إلى بيروت وكتب هذا المنشور. ثم ذهب إلى اللاذقية، وبقي بضعة أشهر مع القس آر. جيه. دودز Rev. R.J.Dodds مبشر الكنيسة الإصلاحية المشتركة؛ ثم عاد لطباعة منشوره على نفقته الخاصة. لقد تركته كما كتبه تقريبًا، دون محاولة تقويمه على أساس قواعد اللغة؛ ولم يكن لدي الوقت لقراءة المُسَوَّدات. وقد حذفت بعض الأجزاء من أجل اللياقة. – بيروت، 26 سبتمبر 1863.” (40)
هذا، وعرض سالزبوري مضمون كتاب الباكورة السليمانيّة فقال: “إنَّ العمل الذي بين أيدينا مقسم إلى أقسام: يصف القسم الأول منها بداية المؤلِّف في العقيدة النُّصيريَّة، ويتضمن ما يزعم أنه كتاب صلاة نصيري كامل، مع تفسيرات مهمة وملاحظات تاريخيَّة؛ أما القسم الثاني فهو عبارة عن تعداد لبعض الأعياد الرئيسة للطائفة؛ ويقدم القسم الثالث تقريراً مفصلًا عن الاحتفالات التي أقيمت، والأشكال الليتورجية المستخدمة في تلك المناسبات، ويتضمن بعض الإحصائيات الخاصة بالطائفة؛ ويتناول القسم الرابع الوثيقة النصيرية المهمة المتمثلة في السقوط من الفضيلة والسعادة في حالة كانت سابقة في الوجود؛ ويتألف القسم الخامس بالكامل من مقتطفات من الشِّعر النصيري؛ أما القسم السادس فهو بيان من قِبَل المؤلِّف لبعض المبادئ الأساسية للطائفة؛ أما القسم السابع فهو سرد للظروف التي اكتشف فيها المؤلف أسرارها العميقة، وتحوله إلى اليهودية أولاً ثم إلى المسيحية، والمعاملة التي لقيها، نتيجة لذلك، من قِبَل إخوانه السابقين في الدين؛ والثامن وهو الأخير، وهو جدليّ، يعرض حجج ضد عقائد النصيريين وطقوسهم. (41)
ذكر سليمان الأذني كيف انتقل إليه العلم الباطن عن طريق السَّماع من شيخه بوساطة سلسلة طويلة من أسماء المشائخ النصيريّة وصولًا إلى الحسين بن حمدان الخصيبيّ، وهنا أمر فائق الأهميَّة، ذلك أنَّ سليمان الأذني في هذا المقام قام باكتشاف الحلقة المفقودة –كما مرَّ معنا-بين الخصيبيّ ومحمد بن نُصير النُّميريّ الذي يُنسب العلويون إليه، فقال: “(…) وسمع أبو الحسين محمد بن علي الجليّ من السيد أبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي وسمع السيد أبي عبد الله من شيخه وسيده أبو محمد عبد الله بن محمد الجنَّان الجنبلان العابد الزاهد الذي هو من بلد فارس وسمع عبد الله الجنَّان الجنبلان من محمد بن جندب وسمع محمد بن جندب من السيد أبي شعيب محمد بن نصير العبدي البكريّ النُّميريّ.” (42) وتابع قائلًا: “اعلمْ أنَّ ابتداء ديانة النُّصيريّة هو من محمد بن نصير ثم قام من بعده رجل آخر اسمه محمد بن جندب وقام من بعد هذا أيضًا عبد الله الجنَّان الجنبلان من بلد فارس وقام بعده الحسين بن حمدان الخصيبيّ (…).” (43)
وأكد الأذني أنَّه قام بعد الحسين بن حمدان رجل آخر اسمه ميمون بن قاسم الطبراني وكان هذا تلميذًا لمحمد بن علي الجلي وقد ألَّف لهم كتب عديدة منها مجموع الأعياد المشهور في الشتايم (…) (44) ثم عدَّد سليمان الأذني المزعوم أعياد العلويين: “(…) وأعياد كثيرة لا أذكر أوقاتها كعيد يوحنا المعمدان ويوحنا فم الذهب وعيد الشعانين والعنصرة وعيد لمريم المجدلانيَّة.” (45)
يجب أن نتذكر هنا ما قاله لامنس –كما مرَّ سابقًا عن أنَّه قام “بعيادة نصيري مريض كان يتضرَّع إلى …يوحنا فم الذَّهب ولما بدت الدَّهشة على وجوهنا أكَّدَ لنا أنَّ كتبهم المقدَّسة تذكره.”
إذا عطفنا كلام لامنس المتوفَّى العام 1937 م على كلام سليمان الأذني نكتشف أنَّ لامنس قرأ كتاب الباكورة واستمدَّ منه فكرته المزعومة عن احتفال العلويين بعيد يوحنا فم الذهب. والحقيقة أنَّ يوحنا فم الذَّهب (347-407 م) غير معروف على الإطلاق بين العلويين كشخص مقدَّس عندهم، ويمكن أن يكون اختيارُ يوحنا من قِبَلِ المستشرقين لوضعه في مكانة مهمة عند العلويين راجعًا إلى كونه أصلًا كاهنًا في أنطاكيا وأصبح رئيس أساقفة القسطنطينيّة وله أهمية كبيرة في الكنيسة الأرثوذكسيّة الشرقيّة، إلا أنّه اتّهم باتّباع الآريوسيّة وهي عقيدة مسيحية ترفض المفهوم التقليدي للثالوث، وتَعُدّ السيد المسيح من خليقة الله، وبالتالي منفصلاً عنه. هذا، وبما أنَّ أنطاكيا كانت وما تزال موطنًا للعلويين، فحاول هؤلاء المستشرقون ربط يوحنا فم الذهب بعقيدتهم على أساس أنَّه من أصولهم من أجل استمالتهم لاعتناق المسيحيّة، ليس هذا فحسب بل وضعوا اسم يوحنا فم الذهب في كتاب مجموع الأعياد لأبي سعيد القاسم بن ميمون الطبراني وفق ما ذكره الأذني نفسه بقوله: ” ألَّف لهم كتب عديدة منها مجموع الأعياد المشهور (…).” ولقد ورد في هذا الكتاب فعلًا ذكر “يوحنا” إلى جانب شمعون بطرس (=سمعان بطرس أحد التلاميذ الاثني عشر للسيد المسيح)”. (46). وهذا يعني أنَّ المقصود ليس يوحنا فم الذهب، وإنَّما يوحنا المعمدان أو يوحنا الإنجيلي، هذا إن صحَّت نسبة الكتاب إلى الطبراني، ذلك أنَّ كتب الطبراني المنشورة تفتقر إلى أصول حقيقيّة لمخطوطاتها إلا في دوائر المستشرقين، وهذا ما يجعلها موضع تشكّك كبير، تحديدًا نشرة المستشرق الألمانيّ رودولف شتروطمان لكتاب “مجموع الأعياد” في مجلة في المجلد 27 من مجلة الإسلام، همبورغ 1943-1944 م.
لكن يجب أن نتأمُّل بعمق في ما أورده المبشِّر فان دايك عن أنَّ سليمان الأذني شكّك في دينه “النُّصيريّ” ثم تحوَّل إلى اليهوديَّة، وإذا وقفنا عند أسباب ترك سليمان الأذني لدين النُّصيريّة نجده يقول: “إنّي قد ولدتُ في هذا المذهب واستقمتُ نحو ثلاث سنين بعد ما مضى من عمري ثماني عشرة سنة لكن بدون يقين وذلك لأني كنت مطلعًا على ديانة الإسلام وكان عندي كتب في تفاسير القرآن وكنتُ أرى مذهب طايفتنا (=طائفتنا) مضادًّا له (…) (47).
يَظَهر سليمان الأذنيّ بصورة البطل الذي يواجه أهل قريته من النُّصيرية فيلومهم على مخالفة تعاليم الإسلام فقال: “(…) إنَّ القرآن يأمر بصيام شهر رمضان وأنتم فضلًا عن مخالفتكم له تشتمون كلّ من يصوم وقد اختلفت علماؤكم في ذلك الصيام فمنهم من قال إنَّ شهر رمضان هو محمد وصيامه كتم؛ ومنهم من قال إنَّ الصلاة وصيامها هو كتمها (…) كما يوجد ذلك في كتاب المجموع فإن لم تصوموا شهر رمضان ولا تقيموا الصلاة ولا تحجوا البيت ولا تبنوا مساجد فلماذا تدَّعون بالإسلام كذبًا ونفاقًا (…).” (48)
ثم يظهر سليمان بصورة المرتدّ عن دينه ويجد هدايته في اليهوديّة ويصبح عارفًا بالتَّوراة بلغتها الأصليّة: “تحقق عندي أنَّ التَّوراة أساس الكتب وهي التي تشهد لصحتها كلّ الطوائف وبعد ذلك اقتنعتُ بها وقلتُ إنّي أمشي بموجبها وإنّي أعاهد إله إسرائيل كما هم عاهدوه بأنَّه يكون إلهي ثم قلت لا بدّ أن أقابل هذه التَّوراة (=الترجمة العربية للتوراة) على توراة اليهود واجتهدت على قراءة العبراني فرأيتُ ذلك موافقًا للعربيّ ثم عاهدت إله إسرائيل عهدًا بأنّي لا أتبع دونه آلهة أخرى.” (49)
لكن سرعان ما يستبدل المسيحيّة باليهوديّة: “وقد استدليتُ من التَّوراة على ظهور مخلِّص للجنس البشريّ من الخطيّة التي سقط فيها أبوانا الأولان آدم وحواء إذ وبخ الله عليها بني إسرائيل بعد مدَّة على لسان عبده إشعياء النبي (…) فرأيت كلّ هذه الشواهد كلمت بإتيان السيد المسيح له المجد فآمنتُ به (…).” (50)
لكن ما يثير السخرية أنَّ سليمان الأذني-الشاب النُّصيريّ الجاهل!-بعد أن يعتنق المسيحيَّة يدرس المذاهب المسيحيّة حتى يجد أنَّ أفضلها هو البروتستانتيّة: “ولما حظوت بالكتاب المعنون بالدليل إلى طاعة الإنجيل لسيدي الخواجه ميخائيل مشاقة المحترم تلوت هذا الكتاب الجليل وقدَّمت جزيل الشكر لمؤلِّفه وحصل عندي الاقتناع به ثم أشهرت حالي وصرتُ مسيحيًّا بنعمة الله عليّ وتمسكت بقول السيد له المجد إنَّه من استحى بي قدَّام النَّاس استحي به قدَّام أبي الذي في السماوات وحينئذ بدأتُ أكشفُ ديانة النُّصيريّة (…).” (51)
وإذا تأملنا في عنوان الكتاب الذي ذكره سليمان الأذني “الدَّليل إلى طاعة الإنجيل” لوجدنا أنَّ مؤلِّفه ميخائيل مشاقة (1800-1888 م) ليس إلا داعية إنجيليًّا بروتستانتيًّا كتبه لمواجهة الكنيسة الكاثوليكيّة، وبذا تكون اتضحت الصورة تمامًا، فقد تحوّل سليمان الأذني أخيرًا إلى الدِّين القويم الذي هو البروتستانتيّة. والحقيقة أنَّ ميخائيل مشاقة نفسه شغل منصب نائب قنصل الولايات المتحدة الأمريكيّة في دمشق، وهذا يعني من دون أيّ شك أنَّه كان على علاقة مع المبشِّرين البروتستانت الأمريكان ومنهم القس آر. جيه. دودز Rev. R.J.Dodds الذي قضى معه سليمان الأذني بضعة أشهر أو المبشِّر فان دايك الذي وزَّع وفق كلام سالزبوري نسخًا من كتاب الباكورة السليمانيّة على أعضاء الجمعية الشَّرقية الأمريكية وقد ظهر هذا الكتاب في بيروت في العام 1864 م؛ والحقيقة أنَّ مقارنة كتاب الباكورة السليمانية لسليمان الأذني مع كتاب ميخائيل مشاقة تثبت من دون أيّ مجال للشك التماثل في طريقة الطباعة وحجم الكتاب ونوع الخط على نحو يدلّ على أنَّ المطبعة التي أصدرت هذين الكتابين واحدة، بل إنَّ هناك تشابهًا في أشكال التعبير وتركيب الجُمل بين هذين الكتابين، وهذا أمر لافت جدًا. والحقيقة أنَّ تمكُّن شاب “نصيريّ” مزعوم هو سليمان الأذني من تأليف كتاب ونشره في بيروت في القرن التاسع عشر أمر مثير للريبة إلى أقصى حدّ!
لكن لا بدّ هنا من التساؤل عن إمكانيّة اتصال ميخائيل مشاقة بالعلويين أو معرفته بهم، ويمكن هنا أن ننتبه إلى الآتي: “في سنة 1831 م جاء إبراهيم باشا بن محمد علي باشا الكبير بجنوده لافتتاح عكا وكان بينه وبين الأمير بشير (=بشير الشهابي الثاني 1767 -1850 م) تحالف فجاء الأمير إلى معاضدته في ذلك الحصار وقَدِم ميخائيل مشاقة برفقة الأمير. ومن ثَمَّ انضمَّ إلى الجنود المصريّة ورافقها إلى دمشق وحمص يطبب جرحاها والمصابين بالكوليرا (الهواء الأصفر) …وقد لحقه بسبب حروب إبراهيم باشا خسائر جسيمة مالية (…).” (انظرْ: جورجي زيدان، تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر، دار مكتبة الحياة، بيروت، ج2، ص: 214.)
لكن هنا يجب أن نعلم أنَّ العلويين بسبب التزامهم بمواثيقهم مع العثمانيين هاجموا-كما تذكر مصادر تاريخية كثيرة-حملة إبراهيم باشا بسبب اشتراكهم في الثورة التي قامت ضدّه في مختلف أنحاء بلاد الشام (1834-1835 م)، هذه الثورة التي عُرِفت باسم ثورة الفلاحين، لأنه أراد استغلال موارد البلاد وتجنيد أبنائها في جيوشه، لذلك أمر إبراهيم باشا بشنّ حملة على جبال العلويين بقيادة خليل بن بشير الشهابي الثاني وقتل عددًا منهم وأسر عددًا آخرَ وأحرق بعض قراهم. وإذا عطفنا هذا الكلام على ما قاله جورجي زيدان عن أنَّ ميخائيل مشاقة كان طبيبًا مرافقًا لجيش إبراهيم باشا لاكتشفنا مباشرة أنَّ مشاقة كان على احتكاك مباشر مع العلويين وعلى معرفة بهم، ذلك أنَّهم كبدوا جيش إبراهيم باشا خسائر كثيرة فانتقم منهم الجيش بحرق بعض قراهم. من هنا نفهم سبب تقويل سليمان الأذني “النُّصيريّ” إنه اهتدى إلى البروتستانتية “بالدليل إلى طاعة الإنجيل لسيدي الخواجه ميخائيل مشاقة المحترم.” وبذا أصبح عملية تصنيع “سليمان أفندي الأذنيّ” واضحة تمامًا.
ويضاف إلى ما سبق قضية القس آر. جيه. دودزRev. R.J.Dodds الذي قال فان دايك-كما وردَ أعلاه- إنَّ سليمان الأذني بقي معه في اللاذقية بضعة أشهر. وهنا لا بدَّ من أن نقرأ ما ذكره بيل إدغر: “اختارت هيئة المشيخية الجديدة القس روبرت جيه. دودز والقس جوزيف بيتي مع زوجتيهما للذهاب إلى سوريا عام 1856. وكانت النتيجة الدائمة لعمل استمرَّ قرنًا في سوريا كنيسة تضم نحو ٢٠٠ شخص في اللاذقية على ساحل البحر، وكنيسة أصغر في الغنيمية Gunaimia في التلال (=جبل الأكراد في اللاذقية)، وكلاهما جزء من كنيسة مشيخية أكبر في سوريا. بعد تعلم اللغة العربية في دمشق ومحاولتهما بدء العمل في جبال لبنان، استقرَّ المؤسسان في منطقة اللاذقية، وهي منطقة تعادل مساحتها مساحة ولاية كونيتيكت الأمريكية تقريبًا. كان هناك سهل ساحلي يمتد من ميل واحد إلى عشرة أميال ويؤدي إلى جبال يبلغ ارتفاعها 4000 قدم. لم تكن المنطقة تحتوي على طرق، بل كانت ممرات للمشاة فقط؛ ولا جسور، بل مخاضات فقط. كان عدد سكان اللاذقية، عاصمة الميناء، 25,000 نسمة: 75% مسلمون و25% مسيحيون. ضمت المنطقة بأكملها نحو 180,000 علوي، و60,000 مسلم سني، و40,000 مسيحي كاثوليكي وأرثوذكسي شرقي. كانت معدلات المواليد والوفيات والهجرة مرتفعة للغاية. ركز بيتي ودودز اهتمامهما على العلويين المحاربين والمحبين للتحدي، وهم بالتأكيد سكان “لا يمكن التواصل معهم”. كان العلويون مسلمين اسميًا. علّموا أطفالهم القرآن الكريم واستخدموا أسماءً إسلامية، لكن كان لديهم دينٌ سري، لا يعرفه إلا الملتزمون به من الرجال، يعبدون فيه الشَّمس والقمر والنجوم. أقاموا بساتين صغيرة على سفوح تلالٍ خالية من الأشجار، تضم أضرحةً ومذابح، وأحيانًا يقدمون قرابين دموية. مارسوا الختان. النساء، وفقًا لمعتقدات العلويين، خُلقن من خطايا الشياطين، وليس لديهن أرواح؛ كنّ غبيات وغير قابلات للتعلم، صالحات فقط للإنجاب والعمل. يُصنّف العلويون رسميًا على أنهم شيعة، ويبدو أنهم أقرب إلى أحفاد عبدة البعل الكنعانيين منهم إلى المسلمين. بدأ دودز وبيتي الوعظ في اللاذقية والقرى الجبلية المجاورة. لكن لم يكن الناس مهتمين.” (52)
إنَّ هذه المعلومات الفائقة الأهميَّة عن فشل المبشرين البروتستانت في إقناع العلويين بتغيير دينهم تدلّ دلالة قاطعة على أنَّ هؤلاء المبشرين أنفسهم قاموا بتأليف كثير من الكتب ونحلوها إلى العلويين، بل حاولوا أيضًا نشرها بين عوامِّهم من أجل تضليلهم ودفعهم إلى التخلّي عن دينهم الإسلاميّ وعروبتهم، لكنهم فشلوا فشلًا ذريعًا في ذلك. ولم يبق أمامهم سوى نشر شائعات كاذبة عنهم، لكن للأسف الشديد سادت الرواية الاستشراقيّة المزيفة عن العلويين حتى بين بعض أبناء جلدتهم.
لقد اخترع المبشِّرون البروتستانت كتاب “سليمان أفندي”، الباكورة السليمانية واستندوا إليه في تأريخهم المُضلِّل للدِّين العلويّ.
- X. افتراءات استشراقيّة واختلاق نصوص تراثيّة لتمزيق الأمة
فتحت حملة نابليون بونابرت على مصر وبلاد الشام (1798-1801 م) أعين الجنرالات الفرنسيين على منطقة شاسعة مليئة بالخيرات وصالحة كي تتحوَّل إلى مستعمرات، لذلك كان لا بدّ من دراسة هذه المنطقة وفهمها على أكمل وجه من أجل بسط السيطرة عليها وأسهل طريقة من أجل تحقيق هذه الغاية هي البحث عن استراتيجيات مناسبة لبث النعرات الطائفيّة بين أبنائها. لقد أدرك مستشارو نابليون آنذاك أنَّ الإمبراطوريّة العثمانيّة حققت أسباب وحدتها بالعامل الدينيّ الإسلاميّ، الذي استطاع العثمانيون بوساطته توحيد الشعوب العربية الإسلاميّة ودان الناس بالطاعة للعثمانيين من هذا المنطلق، لذلك كان التوجُّه الفعَّال بالنسبة للمستعمرين الأوروبيين هو تقويض عامل هذه الوحدة، ولا يمكن لهم تحقيق ذلك إلا بعد تكليف متخصِّصين للقيام بدراسات معمَّقة للبنية الدينيّة بين الشعوب من أجل إيجاد طريقة لتفكيكها تمهيدًا لتقويض الإمبراطوريّة العثمانيّة وحلول الاستعمار الأوروبيّ محلها.
لم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل نجد المستشرقين الأوربيين الأوائل تحديدًا من الفرنسيين في عصر نابليون مهتمين إلى أقصى حدّ بالقوى العربيّة غير العثمانيّة التي يمكن أن تحلّ محلّ العثمانيين وتخلق نوعًا من الوحدة في الأقاليم العربيّة.
وقد يُفاجأ القارئ حينما يعلم أنَّ المجلة الموسوعية الفرنسية -وهي مجلة فرنسية شهيرة كانت تصدر في القرن التاسع عشر- نشرت في شهر سيبتمر عام 1809 كلامًا مثيرًا للانتباه عن صعود قوَّة جديدة في العالم العربيّ المقصود بها القوة العسكريّة التي كان يقودها محمد بن سعود بن محمد بن مقرن (1697-1765 م) الذي عمل جاهدًا على قيادة حركة توحيد شبه جزيرة العرب واستمرت هذه الحركة من بعده، فقد ورد في هذه المجلة: “عاجلاً أم آجلاً، سيحولون القبائل العربية التي تسكن سوريا وباشليك بغداد (=مناطق بغداد) إلى مذهبهم، وبزيادة قوتهم بقوة هذه القبائل، سيشكلون إمبراطورية يمكنها منافسة جميع سيادات آسيا. “(M. R. B. du Magasin encyclopédique de septembre 1809)
نلاحظ هنا أيضًا كيفيّة التركيز على التخويف بالعامل المذهبي في الدراسات الاستشراقيّة المبكرة من أجل إحباط أي وحدة بين العرب.
وقد نزداد دهشة حينما نكتشف أنَّ جان باتيست روسو Jean-Baptiste Rousseau (1761-1841 م) مراسل المعهد الملكي، وعضو مشارك في أكاديمية العلوم والفنون والآداب في مرسييليا قام بتأليف كتاب ذي عنوان مثير للريبة إلى أقصى حدّ وهو “مذكرات عن أشهر ثلاث فرق في الإسلام: الوهابيون، النُّصيريون، والإسماعيليون Mémoire Sur Les Trois Plus Fameuses Sectes Du Musulmanisme: Les Wahabis, Les Nosaïris Et Les Ismaélis” وقد نُشِر هذا الكتاب على نحو مبكِّر في باريس العام 1818 م.
يمكن إيجاز هذا الكتاب بأنَّه يقوم على محاولة مبكِّرة منذ مطلع القرن التاسع عشر لزرع الفتنة بين هذه الفِرَق المذكورة وتخويفها من بعضها بعضًا لمنع أو عرقلة أي وحدة بين شبه الجزيرة العربيَّة وسوريا، وخصص فيه مؤلِّفه فصلًا عن “النُّصيريّة”.
افترى جان باتيست روسو ما قاله عن العلويين بطريقة تدلّ على ضحالة وزيف ما أورده من معلومات. قال: “إذا صدَّقنا المؤلِّفين العرب الذين كتبوا عن تاريخ طائفة النصيريين، فإنها تشكلت بعد طائفة الباطنيين، من مجموعة كبيرة من النَّاس الذين لا يقرون بأيِّ دين، اجتمعوا تحت قيادة شخص يُدعى ابن ملجم، واستمدّوا عقيدتهم الغريبة من كتب الصابئة والسَّامريين والبراهمة والمجوس. ومن المرجح أنَّ هذه الطائفة نشأت في الجزيرة العربيَّة، ثم انتشرت مع مرور الوقت حتى وصلت إلى سوريا، حيث لا يزال يوجد حتى اليوم بعض البقايا الكبيرة منها. يلاحظ المؤلِّفون أنفسهم أنَّ اسم الطائفة مشتق من الكلمة العربية “نصير”، التي تعني المدافع أو الداعم، وقد أطلقوا على أنفسهم هذا الاسم لأنهم قدموا في جبالهم الملاذ لمستعمرات من المهاجرين الأجانب الذين فروا من اضطهاد الإسلام. يعدّون ملذات وآلام الحياة الآخرة أوهامًا، ولا يعترفون إلا بما هو مادي ومرئي في هذا العالم الذي يحصرون وجودهم فيه. يُقال إن تعدد الزوجات غير مسموح به لديهم؛ بالإضافة إلى ذلك، لا يلتزمون إلا بعدد قليل جدًا من تعاليم القرآن، التي حرفوها وفسروها على هواهم. (…) يوجد بينهم (لأنهم مقسمون إلى طبقات مثل الهنود) من يعبدون بعض النباتات أو الحيوانات. ومن عاداتهم الفريدة التي لا يجب إغفالها أنه عندما يجتمعون للاحتفال بعيدٍ ما، يُحْضِر أكبرهم سنًا ماعزًا، ثم ينزعون صوفها، ويذبحونها ويأكلونها (…) يشكِّل النُّصيريون شعبًا لطيفًا ونشطًا ومجتهدًا، لكنه حذر من الأجانب؛ وغارق في ظلام الجهل والخرافة. (…) يعطون الأفضلية للمسيحيين على غيرهم. لا يُعرف على ماذا تستند هذه الأفضلية؛ لكن من المعروف أن معظم علماء الإسلام يلومونهم على استعارة عقيدة ألوهية المسيح من المسيحيين، لتطبيقها على شخص علي (…).”(See: Mémoire Sur Les Trois Plus Fameuses Sectes Du Musulmanisme.pp,58-62)
يظهر بما لا يدع مجالًا للشك أنَّ كميّة المعلومات المغلوطة المثيرة للسخرية التي قدَّمها روسو عن العلويين تهدف إلى تكوين سرديّة خياليّة عنهم لا علاقة لها بالواقع والحقيقة، ولكن ما الذي يقف وراء دوافعه للكتابة عن العلويين في هذه المرحلة المبكِّرة؟
إذا تذكرنا أنَّه مراسل المعهد الملكي الفرنسيّ نعرف الجواب مباشرة. ذلك أنَّ المعهد الملكي هو مؤسسة علمية وأكاديمية تأسست في فرنسا العام 1795 م لغايات استعماريّة، ولذلك جاء كتاب روسو في سياق المؤلَّفات التي أفرزتها حملة نابليون على بلاد الشام العام (1798-1801 م)، أي جاء من أجل أهداف استعماريّة واضحة.
هذا، ولم يكن في وسع هؤلاء المستشرقين والمبشِّرين ليثبتوا صحة ما افتروه على العلويين سوى اللجوء إلى فتاوى إسلاميَّة تثبت دعواهم فلم يجدوا أمامهم سوى الفتوى الشَّهيرة المنسوبة للشيخ ابن تيمية الحرَّاني (توفي عام 1328 م)، لذلك وجد المبشِّرون في المزج بين الكتب التي نحلوها إلى العلويين وبين الفتوى المنسوبة لابن تيمية ضدّهم ضالتهم المنشودة لإثارة الفتنة بين المسلمين. لكن يمكن هنا أن أطرح سؤالًا لم يُطرح من قبل وهو: هل هذه الفتوى المنسوبة إلى الشيخ ابن تيميّة بحقّ النُّصيريّة هي فتوى صحيحة فعلًا وليست منحولة؟
يجب أن ننتبه إلى قضيّة ذات أهميّة كبيرة –تمَّ ذكرها سابقًا-وهي أنَّ مؤلِّفي كتب الفِرَق والمِلل والنِّحل من المسلمين أشاروا إلى فرقة موهومة أو على أقوى تقدير منقرضة اسمها النُّميريّة كانت موجودة في العراق وترجع أصول هذه الإشارة إلى القرن الرابع الهجري عند النوبختي والأشعري، لكن عاد وظهر هذا المصطلح بصيغة أخرى هي النُّصيريّة في القرن الثامن الهجري أي بعد نحو ثلاثة قرون في الفتوى المنسوبة إلى ابن تيمية، لكن إذا كانت هذه الفتوى لابن تيميّة فعلًا، فيجب الحصول على مخطوطات ترجع إلى القرن الثامن الهجريّ، أي إلى نحو سبعمئة عام من الآن وفحصها بالكربون المشع لإثبات صحة نسبتها إلى ابن تيمية أو على الأقل إيجاد نسخ من مخطوطة هذه الفتوى ترجع إلى القرن التَّاسع الهجريّ، ولكن لم يتمّ العثور على أيّ مخطوطة في العالم تتضمن فتوى ابن تيميّة في النُّصيرية وتحقق فعلًا هذه الشُّروط. وهنا نستبعد استبعادًا تامًّا أن يكون الشيخ ابن تيمية قد أفتى بهذه الفتوى.
يمكن إثبات ذلك على أساس أنَّ أقدم مخطوطة عربية لفتوى ابن تيميّة ضدّ النُّصيريّة تمَّ الحصول عليها في القرن العشرين، وتم الاعتماد عليها في جميع النشرات العربيّة. (53)
لكن ما يثير الانتباه إلى أقصى حدّ في هذا الاتِّجاه أنَّ المستشرق الفرنسيّ ستانيسلاس غايار Stanislas Guyard (1846-1884 م) نشر في “المجلة الآسيويّة” فتوى ابن تيميَّة في النُّصيريّة بنصّها العربي في تاريخ 1871 م. (54)
إذن، نرجِّح أنَّ المخطوطة العربيّة لفتوى النُّصيريّة لابن تيميّة ذات مصدر استشراقي، بل يمكن أن تكون من وضع المستشرقين، ونحلوها إلى الشيخ ابن تيميّة، وتمَّ نشرها في العالم العربيّ من دون فحص دقيق بناء على علم تحقيق المخطوطات Manuscriptology.
لا بدَّ في هذا المقام من أن ننتبه إلى خلفيّة ستانيسلاس غايار الذي كان منغمسًا في هوس جمع المخطوطات المتعلِّقة بالفِرق التي توصف بأنَّها باطنيّة، وكان معنيًّا بالمخطوطات السُّوريّة. ووقف هو نفسه ومجموعة من المستشرقين وراء نشر مخطوطات لا يُعرف لها أصل إلا في منشوراتهم ومجلاتهم وكتبهم، ولا بدّ من أنَّ غايار بسبب كونه مهووسًا بالدّراسات عن الفِرق الباطنيّة في الإسلام وانطلاقًا من معرفته بكتب الفِرَق الإسلاميَّة أراد يزرع الخلاف بين المسلمين لصالح المخططات الاستعماريّة والبعثات التبشيريّة فافترى هو وغيره من المستشرقين مخطوطة فتوى ابن تيميّة ليجعل العلويين كُفَّارًا في منظور أبناء جلدتهم تمهيدًا لاستقطاب أفراد منهم كي يبدِّلوا دينهم أو دفعهم لتكوين كيانات خاصّة لصالح الأطماع الاستعماريّة.
يقول فرهاد دفتري المتخصِّص في الدراسات الإسماعيلية ” (…) لا ينبغي أن يثير هذا أي دهشة خاصة، حيث لم تكن المصادر الإسماعيليَّة متاحة للمستشرقين في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين إلا قليلاً (…) كان لا بدَّ من انتظار اكتشاف نصوص إسماعيليَّة أصيلة على نطاق واسع لتحقيق التقدم في الدراسات الإسماعيلية. ظهرت فعلًا مخطوطات إسماعيليَّة ذوات أصل سوريّ في باريس في القرن التاسع عشر، وقد درس ستانيسلاس غايار (1846-1884) ومستشرقون آخرون بعض أجزاء هذه النصوص ونشروها. وأرسل مبشر بروتستانتي مجموعة صغيرة أخرى من النصوص الإسماعيلية ذوات الأصل السُّوري أيضًا، إلى أمريكا. وفي الوقت نفسه، كان بول كازانوفا (1861-1926)، الذي سيُنتج دراسات مهمة عن الفاطميين، أول مستشرق أوروبي يعترف بالانتماء الإسماعيليّ لرسائل إخوان الصفاء، وقد وجد جزءٌ منها طريقه إلى باريس. وفي وقت سابق، نشر المستشرق الألماني فريدريش ديتريتصي (1821-1903) أجزاءً كثيرة من رسائل، مع ترجمة ألمانية، دون إدراك صلتها بالإسماعيلية” (55)
لكن ولئن عُني فرهاد دفتري بتطور مسار حركة الاستشراق في ما يتعلّق بالدراسات الإسماعيليّة بسبب توافر المخطوطات، إلا أنَّه للأسف لم يُعْنَ بصحة هذه المخطوطات، ولم يتساءل عن سبب ظهور هذه المخطوطات مع اندفاعة حركة التبشير والاستشراق سواء أكانت ممهدة للاستعمار الأوروبيّ أم متزامنة معه!
إذن، جاء اهتمام غايار بالفتوى المنسوبة إلى ابن تيمية ضدّ النصيريّة في سياق دراساته للفرق الباطنيَّة في الإسلام، لكن لا بدّ هنا من التركيز على نحو معمَّق في ما قاله غايار عن وصف مخطوطة فتوى ابن تيمية:
قال غايار: ” بينما كنت أتصفح مخطوطات الجمعيَّة الآسيويَّة، عثرت على مخطوط نادر يتكوَّن من 77 ورقة من الحجم 12، بخط مائل وصعب القراءة في بعض الأحيان، حيث تحتوي 65 ورقة الأوليات على مواد تتعلَّق بالإسماعيليين، جمعها الشَّيخ إبراهيم، وتحتوي الاثنتا عشرة ورقة الأخيرة على فتوى الفقيه الحنبلي تقي الدِّين، ابن تيمية التي ترجمها إدوارد سالزبوري في المجلد الثَّاني من مجلة الجمعية الشرقيَّة الأمريكيَّة لعام 1851. ذكر إدوارد سالزبوري أنَّ مؤلِّف الفتوى هو ابن يتمية Ibn Yatmîyeh (=قصد غيار أنَّ سالزبوري كتب اسم ابن تيمية بطريقة مغلوطة)، استناداً إلى كتاب “معجم الأنساب” لـ هربلو Herbelot (=بارتيميلي دي هربلو 1625-1695 م)، ويضع تاريخ وفاته نحو العام 768 للهجرة. وكذلك (تتكرر الطريقة المغلوطة في كتابة اسم ابن تيمية) في “المكتبة الشَّرقية”، نجد مقالة بعنوان “جاتيميةJatimiah ، ومقالة أخرى بعنوان تيمية Taimiah، وتنسب المؤلَّفات أنفسها إلى هذين الشخصين، ولا حاجة لإثبات هويتهما لأنَّهما يرجعان إلى شخص واحد. الصحيح هو ابن تيمية Ibn Taimiyya (…) المعروف بابن تيمية الحرَّاني. نجد سيرة حياته في ملحق ابن خلكان وكذلك في تاريخ ابن كثير “البداية والنهاية”. (…) رغم أنَّه تمَّ التحدُّث كثيراً عن النُّصيريَّة والإسماعيليين، يمكن القول إن عقائدهم ليست معروفة تماماً بعد، حيث تعتمد المعلومات التي وصلتنا بشكل أساس على روايات المسافرين وعلى الرُّدود على معتقداتهم من قِبَل المسلمين أو غيرهم. لحسن الحظ، سيتم سدّ هذه الفجوة قريباً: يعمل السيد دي سلان M. de Slane (=مستشرق فرنسي من أصل إيرلندي) على إعداد طبعة من كتاب تعليمي للنُّصيرية، استناداً إلى مخطوطة الراحل كاتافاغو Catafago (=مستشار القنصلية العامة لبروسيا في بيروت).” (56)
الآن ينبغي أن ننتبه إلى أمر مهم إلى أقصى حدّ ذكره غايار وهو أنَّ إدوارد إي سالزبوري هو الذي قام بترجمة فتوى ابن تيمية ضدّ النصيريّة إلى الإنكليزيّة في المجلد الثَّاني من مجلة الجمعية الشرقيَّة الأمريكيَّة لعام 1851. لكن لا بدَّ من أن نتذكر-كما مرَّ معنا-أنَّ سالزبوري هو رئيس الجمعية الشرقية الأمريكية صاحب “كتاب الثمرة الناضجة لسليمان: كشف أسرار الدِّين النُّصيريّ لسليمان أفندي الأذني مع مقتطفات وافية.” وهكذا تتضح حقيقة جوقة هؤلاء المستشرقين الذين زرعوا الفتنة بين أبناء الأمة الواحدة، وجاءت جهودهم على توازٍ تامّ وبالتنسيق مع جهود المستشرقين الخارجين من عباءة نابليون بونابرت ومن بعده أو غيرهم من مفرزات صندوق اكتشاف فلسطين PEF الذي تمَّ تأسيسه عام العام 1865 م وكان الهدف منه كما هو معروف التمهيد لاحتلال فلسطين ومنحها للصهاينة.
هذا، وإذا كان إدوارد سالزبوري قد ترجم فتوى ابن تيميّة ضدّ النُّصيريّة في المجلد الثَّاني من مجلة الجمعية الشرقيَّة الأمريكيَّة لعام 1851 م، وترجمها إلى الفرنسيَّة، فإنَّ غويار نشر نصَّها العربي في “المجلة الآسيويّة” في تاريخ 1871 م، لكن لا بدّ أن نتذكر أنَّ سالزبوريّ كان قد كشفَ عن كتاب الباكورة لسليمان الأذني المزعوم في العام 1863 م. وهذا يعني أنَّ أقدم مصدر لهذه الفتوى هو مجموعة المبشِّرين البروتستانت أنفسهم.
والحقيقة أنَّ مقارنة نشرة مخطوطة فتوى ابن تيمية ضدّ النصيريّة التي نشرها غايار مع نشرات مخطوطة فتوى النُّصيرية في العالَم العربيّ تكشف عن تطابق تامّ.
تبدأ نشرة غايار لمخطوطة فتوى ابن تيمية وفق الآتي: ” فتيا (=فتوى) في النُّصيريّة عليها خطّ تقي الدّين ابن تيميّة ماذا تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين، وأعانهم على إظهار الحقّ المبين وإخماد شغب المبطلين في النُّصيرية، القائلين باستحلال الخمر، وتناسخ الأرواح، وقِدَمِ العالَم، وإنكار وجود البعث والنشور والجنة، والنار في غير الحيوة (=الحياة) الدنيا (…).” (57)
وتبدأ النشرة العربيَّة لمخطوطة الفتوى على النحو الآتي: “وسئل رحمه الله تعالى: ما تقول السادة العلماء أئمة الدّين، رضي الله عنهم أجمعين، وأعانهم على إظهار الحقّ المبين، وإخماد شغب المبطلين: في النصيريّة القائلين باستحلال الخمر، وتناسخ الأرواح، وقدم العالم، وإنكار البعث والنشور والجنة والنَّار في غير الحياة الدّنيا؟ (…) (58)
يجب هنا أن ننبِّه إلى أنَّ موجِّه السؤال إلى الشيخ ابن تيمية –كما يتبيّن بعد قراءة نشرتي الفتوى-قام بعرض عقيدة النُّصيريّة على نحو يتسق تمامًا مع أدبيات المستشرقين السائدة في القرن التاسع عشر بلغة وأشكال تعبير وتراكيب بعيدة كلّ البعد عن أساليب التعبير في اللغة العربيَّة في القرن الثامن الهجريّ وبعيدة بوجه خاصّ عن لغة الشيخ ابن تيمية نفسه.
تُظهر النُّسختان تطابقًا تامًّا على نحو حرفيّ، ليس هذا فحسب بل هناك قضية تكشف على نحو قاطع لا لَبْس فيه أنَّ فتوى ابن تيمية ضدّ النصيريّة منحولة، ذلك أنها مليئة بالأخطاء والمغالطات التاريخيّة -سواء أكان ذلك في النشرات الاستشراقيَّة أم في النَّشرات العربيّة-التي لا يمكن أن يقع فيها ابن تيمية الذي تدلّ مؤلَّفاته الأصيلة على سَعَة اطلاع كبيرة وامتلاكه لمعايير دقيقة في إطلاق أحكامه.
ورد في هذه الفتوى بعد قوله: ” (…) ومن جنس قولهم: إنَّ “الصلوات الخمس معرفة أسرارهم (…) وإنَّ النبأ العظيم والإمام المبين هو عليّ بن أبي طالب (…) ولهم في معاداة الإسلام وأهله وقائع مشهورة وكتب مصنَّفة، فإذا كانت لهم مكنة سفكوا دماء المسلمين؛ كما قتلوا مرَّة الحجاج وألقوهم في بئر زمزم، وأخذوا مرَّة الحجر الأسود وبقي عندهم (…)” (59)
يظهر بما لا يدع مجالًا للشك أنَّ كاتب هذا الكلام-ولا يمكن أن يكون ابن تيمية بأيّ وجه من الوجوه-خلطَ بين فرقة القرامطة وفرقة النُّصيريّة فلم يميّز بينهما. ذلك أنَّ أبا طاهر الجنابي زعيم القرامطة قام في العام 317 هـ -كما يروي الطبري مثلًا-بشنَّ غارة على مكة انطلاقًا من هَجَر في البحرين واقتلع الحجر الأسود وردم زمزم بالقتلى. (60)
لذلك يُظهر هذا الغلط التأريخيّ الكبير-الذي لا يمكن أن يقع فيه ابن تيمية-أنَّ كاتب الفتوى إنسان غير مطِّلع على التَّاريخ الإسلاميّ، إذ لا توجد أيّ علاقة بين العلويين الذين سكنوا جبال الساحل السوري وحركة القرامطة التي ظهرت في البحرين!
ورد أيضًا في هذه الفتوى: “فهؤلاء المحادّين لله ورسوله كثروا حينئذٍ بالسواحل وغيرها فاستولى النَّصارى على السَّاحل؛ ثم بسببهم استولوا على القدس وغيره، فإنَّ أحوالهم كانت من أعظم الأسباب، ثم أقام الله ملوك الإسلام كنور الدين الشهيد وصلاح الدّين وأتباعهما وفتحوا الساحل من النصارى، وممن كان بها منهم، فتحوا أيضًا أرض مصر فإنّهم كانوا مستولين عليها نحو مئتي سنة واتّفقوا هم والنّصارى فجاهدوهم المسلمون حتى إنهم فتحوا البلاد ومن ذلك التاريخ انتشرت دعوة الإسلام في البلاد المصريّة والشاميّة ثم إنَّ التتار ما دخلوا بلاد الإسلام وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك المسلمين إلا بمعاونتهم ومؤازرتهم؛ فإنَّ منجِّم هولاكو الذي كان وزيرهم وهو “النصير الطوسي” كان وزيرًا لهم بالأموت (=قلعة آلموت=عش العُقاب)، وهو الذي أمر بقتل الخليفة وبولاية هؤلاء.” (61)
يتبيّن أيضًا بما لا يترك أيّ مجال للشك أنَّ كاتب هذه الفتوى ضدّ النُّصيريّة قد خلط خلطًا كبيرًا على نحو يكشف أنَّ كاتبها شخص لا يعرف شيئًا عن التَّاريخ الإسلاميّ إذ يتضح في معرض قوله عن النُّصيريّة “وفتحوا السَّاحل من النصارى، وممن كان بها منهم، فتحوا أيضًا أرض مصر فإنّهم كانوا مستولين عليها نحو مئتي سنة” أقول: يتضح أنَّه خلط بين الفاطميين والفرقة النصيريّة المزعومة، إذ إنَّ الدولة الفاطميّة حكمت مصر من العام 969 م إلى العام 1171 م أي حكمتها نحو مئتي عام. ويعدّ معروفًا أنَّ الدولة الفاطمية كانت مسيطرة على ساحل بلاد الشام، لكن كانت هناك رغم الحروب بين الفاطميين والصليبيين-كما يروي المؤرخون-محاولات للتفاهم في العام 491 هـ / 1098 م وصاحب المبادرة لهذا التفاهم كان الوزير الأفضل بن بدر الدين الجمالي. وهذا يعني أنَّ كاتب الفتوى لم يميّز بين الدولة الفاطميَّة والعلويين. وهنا لا بدّ من أن نذكِّر هنا مرَّة أخرى بما كشفه دوسو-كما مرَّ سابقًا-من معلومات عن قيام الكونت ريمون من سان جيل بالتغلَّب على العلويين وتبديد شملهم وما قاله الراهب الدومنيكاني الألمانيّ بورشارد عن كونهم “أناسًا ماكرين وعدائيين للمسيحيين”، علاوة على تقديمهم الولاء لصلاح الدِّين. وهذا ينفي أي علاقة بين العلويين والصليبيين أو الفرنجة.
يظهر أيضًا خلط كبير آخر في نشرة الفتوى ضدّ النُّصيريّة، إذ إنَّ نصير الدِّين الطوسي (1201 -1274 م) لا علاقة له بالفرقة النصيريّة المزعومة، وإنما كان من أتباع المذهب الاثنا عشري، ولجأ إلى قلاع الإسماعيليّة هربًا من المغول، إلى أن اتصل مع هولاكو، وهناك تشكيك كبير في كونه إسماعيليًّا. وهذا دليل آخر على أنَّ كاتب الفتوى لم يميّز بين إسماعيليّة قلعة آلموت وبين الفرقة النُّصيريّة المزعومة التي ألبسوا العلويين لَبوسها ولا علاقة لهم بها.
لكن هناك أمرًا مهمًا إلى أبعد حدّ وهو كيفيّة ورود رسم قلعة آلموت (=قلعة تقع في جبال الديلم) في الفتوى المنسوبة إلى ابن تيمية، إذ ورد في نشرة غويار على النحو الآتي: [ألالموت] وورد رسمها في نشرة عبد الرحمن بن محمد بن قاسم بشكل مماثل: [ألالموت]، وهذا يعني على نحو حاسم أنَّ النشرة العربيَّة لفتوى ابن تيمية ضدّ النصيريّة مأخوذة حتى في طريقة رسم الكلمات من مخطوطة غايار. ذلك بسبب وجود غلط مشترك في هذا الرسم لاسم القلعة بين النشرتين لفتوى ابن تيميَّة ضدّ النصيريّة أدَّى إلى خطأ في نطق اسم هذه القلعة. إذ إنَّ نطقها الصحيح بالفارسية [آلَموت] وليس [ألالموت].
ورد أخيرًا “ولهم ألقاب معروفة عند المسلمين تارة يُسمون الملاحدة وتارة يُسمون القرامطة وتارة يُسمون الباطنية وتارة يُسمون الإسماعيلية وتارة يُسمون النُّصيرية (…).” (62)
إذن، يتبيّن أنَّ كاتب هذه الفتوى لم يميّز بين أسماء هذه الفرق التي ذكرها، فالملاحدة مصطلح يُطلق في تاريخ الأدبيات الإسلامية على منكري النبوَّة مثل ابن الراوندي الملحد، والقرامطة حركة معروفة تنسب إلى حمدان قرمط في البحرين، والباطنية وصف عام لفرق مختلفة، والإسماعيليّة هي الفرقة المعروفة، لكن الكاتب قصد أنَّ هذه الأسماء كلّها تُقال على مُسمَّى واحد هو النُّصيرية.
ويمكن الآن أن نقدّم دليلًا على كون المستشرقين كانوا يخلطون بين النُّصيريّة وبين ما تسمّى الفرق الباطنيّة في الإسلام تحديدًا الإسماعيليّة منها، فقد نبَّهت الباحثة صابرينا ميرفن Sabrina Mervin إلى أنَّ النُّصيريين كانت لديهم رؤية دوريَّة للتاريخ، مثل الإسماعيليين الذين اقتربوا منهم في جوانب أخرى، لدرجة أنَّ هناك مؤلفين خلطوا بينهم مثل قسطنطين فرانسوا ڤولني (1757-1820 م)، في كتابه “رحلات إلى سوريا ومصر في الأعوام 1783 و84 و85” [فولني، نشرة 1959، ص. 216]. ولقد لاحظت هذه الباحثة (=صابرينا ميرفن)، بعمق كبير أنَّ الرَّحالة من المستشرقين الذين رووا قصص رحلاتهم إلى بلاد النصيريّة يعكسون غالبًا الأقوال التي سمعوها من مخبرين من خارج هذه الطَّائفة. يكفي قراءة المقاربات والأحكام القيمية التي نقلوها للتأكد من ذلك. (…) في كل هذه الأدبيات، يظهر النُّصيري بشكل خاص كـ “الآخر” الذي يثير القلق ويبهر في الوقت نفسه. (63)
ونضيف مزيدًا من الدلائل في هذا الاتِّجاه، ذلك أنَّ الرَّحالة البريطانيّ الملازم المحترم ف. والبول، من البحريَّة الملكية Lieut. The Hon. F. Walpole, R.N قام بتأليف كتاب بعنوان: “الأنصاريون (أو الحشاشون) ورحلات في الشرق الأقصى، في عامي ١٨٥٠ و١٨٥١ The Ansayrii (Or Assassins) with Travels in The Further East In 1850-51”. وكما هو ظاهر من العنوان خلط بين الأنصاريين (=العلويين) وبين الحشاشين-كما تذكر المصادر التَّاريخيَّة-وهي مجموعة كانت تتبع للحسن بن الصباح في قلعة آلموت.
وصف الملازم والبول رؤيته لبلاد الأنصاريين (=العلويين) فقال: “كانت المنازل القليلة في الغالب منازل القناصل، الذين كانوا يقيمون في مدينة طرسوس (=مدينة تقع جنوب تركيا) …وكانوا يأتون إلى هنا لمجرد إتمام معاملاتهم. وبتوجيه من مسؤول صحي، سُمح لنا بالنزول والتجول بحرية، حتى دخول المنازل وتناول الحلوى والقهوة، مع أن صوته حذّرنا من الأشياء والأرائك والملابس. إلى شمال السهل تقع أطلال بومبيوبوليس Pompeiopolis الرائعة، وفي أجزاء أخرى العديد من المعالم الجديرة بالزيارة. بالقرب من مرسانا، كانت تقف شجرة جليلة، محاطة بسور منخفض، يجلها الأنصاريون لتقديسهم الخاص، بحسبانها مدفن القديس جاورجيوس Saint George (=قديس مسيحيّ مات العام 303 م)، أحد أكثر قديسيهم تبجيلًا. إنهم أكثر الناس انتشارًا من هنا إلى طرابلس؛ لا يُعرف شيء تقريبًا عن دينهم؛ ويحتفظون بكتبهم بعيدًا عن أعين المتطفلين، ويبدو أن إيمانهم مزيج من إيمان الناس المحيطين -مسيحية غامضة؛ ومحمديّة جديدة غير نقية. إنهم يُقدّرون القديس بطرس Saint Peter كزعيمهم الروحي، بل ويُبجّلون مُخلّصنا بدرجة أقل. لم أكن أعرف سوى القليل آنذاك مثل الآخرين عن هذا “الشعب” الفريد. هذا ما أخبرني به أحد المسافرين الأصليين عنهم.” (64)
يبدو ظاهرًا علاوة على خلط والبول بين “الأنصاريين” و”الحشاشين” محاولته إرجاع العلويين إلى أصول دينيّة مسيحيّة!
دعْ أنَّ أبا حامد الغزالي صاحب الاطلاع الكبير لم يذكر على الإطلاق في كتابه “فضائح الباطنيّة” في معرض كلامه على ألقاب الباطنيَّة أي فرقة اسمها النُّصيريّة. (65) هذا يدلّ على أنّه لا وجود لمثل هذه الفرقة على الإطلاق في عصر الغزالي.
هذا، وإذا كان الفرق بين تاريخ وفاة الغزالي العام 1111 م وتاريخ ولادة ابن تيمية العام 1263 م هو 152 عامًا، فهل من المعقول ألا يكون الغزالي -الذي كان المدرس الأكبر في المدرسة النِظاميَّة في بغداد-قد سمع بالنُّصيرية وأن يكون ابن تيمية نفسه قد سمع بهم، علمًا أنَّ ابن تيمية كان على اطلاع عميق على مؤلفات الغزالي؛ ذلك أنَّه قام بتأليف كتاب “بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنيّة”، ويُعدّ هذا الكتاب استكمالًا ونقدًا لكتاب الغزالي “فضائح الباطنيَّة”. والحقيقة أنَّ ابن تيميّة في هذا الكتاب يقدّم فكرًا يثبت قطعيًّا -على عكس مما هو وارد في الفتوى المنسوبة إليه ضدّ النُّصيريّة- أنَّه لا يصح تكفير جميع الأفراد الذين ينتمون إلى جماعة متَّهمة بالكفر، لكن لا بدَّ من التنبيه إلى أمر مهم جدّاً وهو أنَّ الفتوى نفسها المنسوبة إلى ابن تيميّة ضدّ النصيريّة تأتي في سياق تكفير أفراد الجماعة كافةً، وهذا ما يتناقض مع منهج ابن تيمية نفسه، إذ قال في معرض كلامه على مقالات فرق الباطنيَّة في كتابه نفسه (=بغية المرتاد): “فهذه المقالات هي كفر؛ لكن ثبوت التكفير في حقِّ الشخص المعيّن موقوف على قيام الحجة التي يكفُرُ تاركها، وإن أُطْلِقَ القول بتكفير من يقول ذلك، فهو مثل إطلاق القول بنصوص الوعيد، مع أنَّ ثبوت حكم الوعيد في حقّ الشخص المعيَّن، موقوف على ثبوت شروطه، وانتفاء موانعه؛ ولهذا أطلق الأئمة القول بالتَّكفير، مع أنَّهم لم يحكموا في عين كلِّ قائلٍ بحكم الكفَّار.” (66)
هذا، إلى أنَّ كتاب ابن تيميَّة “بغية المرتاد” وعنوانه الكامل ” بغية المرتاد في الردّ على المتفلسفة والقرامطة والباطنيّة أهل الإلحاد القائلين بالحلول والاتِّحاد” لا يوجد فيه أيّ ذكر على الإطلاق للنُّصيريّة، فكيف يصح أن يصدر فتوى بحقهم وألا يذكرهم في كتاب مخصص للردّ على الباطنيّة؟!
لكن يحاول المستشرقون حتى الآن أن يحافظوا على صحة نسبة هذه الفتوى ضدّ النصيريّة لابن تيميّة على أساس أن ابن تيمية رغم كونه لم يكن على دراية بالفارق بين الإسماعيليّة والنُّصيريّة إلا أنَّ الفتوى صحيحة، وهذا دليل على مدى رغبة هؤلاء المستشرقين في إثارة الفتنة وعدم إخمادها أبدًا.
يقول يارون فريدمان بسذاجة: “تُظهر فتوى ابن تيمية ارتباكه بين النصيريين والإسماعيليين الذي ربما نشأ من افتراضه الخاطئ بأن النصيريين هم مجموعة منشقة عن الطائفة الإسماعيلية. يمكن تفسير ذلك بأن الفرع النزاري من الإسماعيلية استولى في القرنين الثاني عشر والثالث عشر على العديد من القلاع في جبال النصيريّة، التي تُعرف الآن بجبال العلويين في سوريا. ونتيجة لذلك، تقاسم الإسماعيليون والنصيريّة المنطقة الجغرافية نفسها طوال القرنين السابقين لزمن ابن تيمية. بالإضافة إلى ذلك، هناك أوجه تشابه عديدة بين المجموعتين في ما يتعلق ببعض القضايا اللاهوتية، مثل التاريخ الدَّوري والخَلْق أو الصدور الفيضيّ، حيث تأثرت كل من النصيرية والإسماعيلية المبكرة بالغُلاة. ويصف الطويل، المؤرخ العلوي الحديث، في كتابه “تاريخ العلويين”، لقاءات سلمية بين الطائفتين في عانة، ثم في صافيتا عام 690/1291، في محاولة لتوحيد الفرقتين. سواء أحدثت هذه اللقاءات أم لا، لا يمكن التشكيك في التشابه بين الطائفتين اللتين كانتا تحت تأثير الفكر الأفلاطوني المحدث وتطورتا من المصدر الشيعيّ نفسه.” (67)
لكن ما قاله يارون فريدمان عن خلط ابن تيمية بين الإسماعيليّة والنُّصيريّة غير صحيح على الإطلاق، لأنَّ ابن تيميّة كان ذا ثقافة موسوعيّة وعلى اطلاع كبير على الفِرَق الإسلاميَّة والتيارات الفلسفيّة والمنطقيَّة والكلاميّة والصوفيّة، وتكفي مراجعة كتابه “بغية المرتاد” لمعرفة أنَّ نظرته السلبيّة كانت موجَّهة على وجه التحديد إلى القرامطة حتى أنَّه أكَّد أنَّ القرامطة يعملون على تضليل المسلمين بوجه عامّ إذا كانوا ضعيفي الإيمان، ولم يأت على ذكر “النُّصيريّة” (68). زدْ على ذلك أنَّ كتاب الطويل “تاريخ العلويين” هو كتاب خُرافيّ لا قيمة له، لكن لسنا الآن في وارد معالجته.
إنَّ ما لم يعترف به يارون فريدمان أو ما لم يفقهه هو أنَّ المستشرقين من زارعي الفتنة هم من خلطوا بين القرامطة والنُّصيريّة وليس الشيخ ابن تيميّة، ولا يمكن أن يفتي ابن تيميَّة بقتل طائفة بأكملها لأنَّ هذه الفتوى تتناقض مع تعاليم الإسلام-وهذا ما أطبق عليه الفقهاء-إذ إنَّ إطلاق وصف الكفر لا يفيد تعيينه، أي إذا قيل عن طائفة إنَّها كافرة لا يشمل هذا التكفير أفرادها كافةً من دون تبيُّن، أي لا بدّ من قيام الحجَّة على فردٍ فردٍ منهم.
ويمكن أن نؤكِّد أخيرًا أنَّ هناك تزويرًا للمخطوطات التي حصلنا عليها من المكتبات الأوروبيَّة، ولا بدَّ من إعادة النظر في الأدبيات السائدة التي تُركِّز على فتاوى التكفير لأفراد الجماعة وقتلهم كافة ونسبها إلى ابن تيمية. ذلك أنَّ هناك من يزعم أنَّ تشدُّد ابن تيمية في فتواه ضدّ النُّصيريّة هو الظروف العصيبة التي كانت تمرّ بها الأمة، وهذا غير صحيح جملةً وتفصيلًا لسببين: أولًا-أنَّ العلويين لم يتحالفوا مع الصليبيين أو غيرهم كما تبيّن سابقًا؛ وثانيًا وهو الأهم أنَّ منهج تكفير أفراد الجماعة كافةً يتناقض تناقضًا صارخًا مع منهج ابن تيميّة في تكفير المُعيَّن حتى لو كان منتميًا إلى فرقة متهمة بالغلوّ أو التحالف مع الأعداء لأنَّه قد يكون في هذه الفرقة نفسها أفراد مؤمنين ومحاربين للأعداء، لكن قد يدَلَّس على بعض الأشخاص من أجل الاعتقاد بأنَّ الفرقة الغالية تباد عن بكرة أبيها، وهذا غير جائز شرعًا.
قال ابن تيمية: “(…) فكلّ من غلا في حيّ، أو في رجل صالح؛ كمثل عليّ رضي الله عنه-(…) أو نحوه (…) فكلّ هذا شرك وضلال يُستتابُ صاحبه، فإن تاب وإلا قُتِل (…).” (69)
يعني هذا الكلام إذا تدبّرناه منطقيًّا أنَّ استتابة أيّ شخص أمر واجب، ولا يجوز تنفيذ الحكم في الشخص قبل استتابته، فإذا تاب لا يجوز إيقاع الحكم عليه، ومعنى ذلك أنَّ ابن تيميّة –وهذا ما أطبق عليه علماء المسلمين-لا يُجيز تنفيذ العقوبة قبل الاستتابة فكيف يصح أن يصدر فتوى بقتل أفراد فرقة النُّصيريّة بأكملها من دون استتابة؟ هذا، إذا عالجنا القضيَّة وفقًا لمعايير ابن تيمية. لا شك في أنَّ فتوى ابن تيميّة ضد النصيريّة غير صحيحة وهي من وضع المستشرقين وبعض من انخدع بحيلهم.
خاتمة
ينتمي المبشِّرون والمستشرقون والمؤرِّخون الذين أرادوا زرع الفتنة بين أبناء الأمة الواحدة لتمزيق شملهم واحتلال أرضهم إلى أرومة واحدة، وقد يُفاجَأ القارئ أنَّه على العكس من الطرح السَّاذج الذي مفاده أنَّ الفرنسيين هم من منح سكان جبال السَّاحل السوريّ اسم العلويين، أقول: قد يتفاجأ بأنَّ اسم النُّصيريّة وليس العلويين-كما تكشف وثائق الأرشيف الدبلوماسيّ الفرنسيّ- كان مستخدمًا من قِبَلِ سلطات الانتداب الفرنسيّ ودوائر الاستشراق الفرنسيَّة على نطاق واسع منذ العام 1922 م، وكان الهدف من ذلك علاوة على استعمار سوريا استعمار المجال الاجتماعيّ للعنف في سوريا، أي اختلاق كيانات طائفيّة متناقضة في المجتمع السوريّ من أجل تمزيقه، وهذا أمر كان متصلًا آنذاك بالتمهيد بالتعاون مع الحركة الصَّهيونيّة لاحتلال فلسطين، فقد كانت منطقة سوريا وفلسطين هما المكان الذي يمكن أن ينبثق منه فجر الوحدة ليقشع ظلام الانقسام بين أبناء الأمة الواحدة.
كانت فرنسا تعمل وفقًا لمصالحها الاستعماريّة، وجعلت سياساتها قائمة على إشعال فوّهات البراكين التي انفجرت بين مختلف المجموعات الطَّائفية، وسَعَّرت روح العداء بين أبناء الأمة الواحدة، وعَزَّزت الفرنكوفونية لطمس أي شعور وحدويّ. كما قسم الانتداب المنطقة إلى ست دويلات، وهي دولة دمشق (1920) وحلب (1920) والعلويين (1920) وجبل الدروز (1921)، والإسكندرون (1921) (حاليا هاتاي) ولبنان الكبير (1920)، الذي هو حاليا الجمهورية اللبنانية. وكم نشعر بالأسف عندما نقرأ مقالًا بقلم الأب لويس شيخو اليسوعي في العدد 7 من مجلة المشرق (السنة الثانية والعشرون) بتاريخ تموز عام 1924 بعنوان “جولة في الدولة العلويّة”، لكن لم تسمح ثورة العلويين باستئناف هذا النوع من الجولات فقد بدأت ثورتهم، على نطاق واسع منذ العام 1918، بقيادة الشيخ صالح العلي الذي حصل على دعم من الوطنيين في حمص وحماة ودمشق، وفشلت فرنسا في إغراء العلويين بالانفصال والرضا بدويلة مصطنعة من بين الدويلات التي زرعتها في سوريا.
لقد انتبه أحد المناضلين الفلسطينيين الكبار وهو مفتي الديار الفلسطينيّة الحاج محمد أمين الحسينيّ (1895-1974 م) إلى التآمر الأوروبيّ الاستعماري على العلويين وعرف وفَهِمَ معنى وخطر وَصْفِهم بالنُّصيريّة وتكفيرهم مدركًا أنَّ ذلك يرجع إلى مآرب تهدف إلى تمزيق الأمة، ودفعه تقديره لهم إلى إصدار فتواه عنهم في 22/محرم/1355 ه ونُشرت هذه الفتوى جريدة الشعب الدمشقية بتاريخ 31/تموز 1936 م:
“إنَّ هؤلاء العلويين مسلمون، ويجب على عامة المسلمين أن يتعاونوا معهم على البرّ والتقوى ويتناهوا عن الإثم والعدوان، وأن يتناصروا جميعًا ويتضافروا، ويكونوا قلبًا واحدًا في نصرة الدِّين، ويدًا واحدة في مصالح الدِّين، لأنهم إخوان في الملَّة، ولأنَّ أصولهم في الدِّين واحدة ومصالحهم مشتركة.”
يمكن أن نستنتج أخيرًا أنَّ اسم النُّصيريّة في حقيقة الأمر لا يتعلّق بمسمَّى مُعيّن، وإنما هو اسم استُخدِم في كتب التراث كيفما اتفق لتوجيه الاتهام لشخص أو جماعة، ووجد فيه المبشِّرون والمستشرقون ضالتهم، فوظَّفوه لتمزيق أبناء الأمة الواحدة وزرع الفتنة بينهم.
الحواشي
(1)- The Natural History of Pliny. Translated, with Copious Notes and Illustrations By The Late John Bostock, M.D,.F.R.S. And H.T.Riley, Esq,. B.A.,Vol 1, London, pp. 435-436.
(2)- Thomas Shaw,.DD., Travels, or Observations Relating to Several Parts of Barbary and The Levant, Oxford, 1738, p.326.
(3)- Cyrus Herzl Gordon; Gary Rendsburg; Nathan H. Winter Eblaitica: Essays on the Ebla Archives and Eblaite Language, Volume 4. Eisenbrauns. U.S.A, 2002, p. 121.
(4)- Gordon Douglas Young, Ugarit in Retrospect: Fifty Years of Ugarit and Ugaritic. Eisenbrauns. U.SA. 1981, p. 227.
(5)- The Natural History of Pliny, Vol 1, p.439.
(6)- Ray A. Pritz, Nazarene Jewish Christianity: From the End of the New Testament Period Until Its Disappearance in the Fourth Century (Studia Post-Biblica), S.s.G.Crispin Press, Jerusalem, 1988,pp.17-18.
(7)-John Myhill, The Alawites and Israel, BESA Center Perspectives Paper No. 137. 2011. https://besacenter.org/the-alawites-and-israel/ شوهد 5/3/2025
(8)- أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي، فرق الشيعة، صحَّحه وعلَّق عليه: محمد صادق آل بحر العلوم، المطبعة الحيدرية، النجف، 1355 هـ-1936 م، ص: 93-94.
(9)-شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، كتاب الغيبة، تحقيق: عباد الله طهراني-علي أحمد ناصح، مؤسسة المعارف الإسلامية، قم، 1425 هـ-ق، ص: 398.
(10)-يحيى بن الحسن الأسدي الحِلِّي المعروف بابن البطريق، عيون صِحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار، مؤسسة النَّشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرَّفة، قم، جمادى الأولى 1407 هـ-ق، ص:213.
(11)-أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ج1، بتحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة النهضة المصريّة، القاهرة، 1369 ه-1950 م، ص: 84-85.
(12)-أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي، الفَرق بين الفِرَق وبيان الفرقة الناجية منهم، دراسة وتحقيق: محمد عثمان الخشت، مكتبة ابن سينا، القاهرة، دون تاريخ، ص: 223.
(13)- شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، كتاب الغيبة، مصدر سبق ذكره، ص: 398.
(14)-سليمان أفندي الأذني، كتاب الباكورة السليمانية في كشف أسرار الدِّيانة النُّصيريّة، (النسخة الأصلية) من دون دار نشر، ومن دون تاريخ، ص: 15.
(15)- Necati Alkan, Fighting for the Nusayrī Soul: State, Protestant Missionaries and the ‘Alawīs in the Late Ottoman Empire. Die Welt des Islams 52 (2012) 23-50. https://www.researchgate.net/publication/261976764_Fighting_for_the_Nusayri_Soul_State_Protestant_Missionaries_and_the_’Alawis_in_the_Late_Ottoman_Empire شوهد في تاريخ 7/3/2025
(16)- Kamal Salibi, A House of Many Mansions: The History of Lebanon Reconsidered, 1.B.Tauris & Co Ltd Publishers, London, 2002, p.89.
(17)- Andrew Lake, The First Protestants in the Arab World: the contribution to Christian Mission of the English Aleppo Chaplains (1597-1782). (A thesis submitted to the Australian College of Theology in total fulfilment of the requirements for the degree of Doctor of Philosophy 2015), pp.1-2.
(18)-Ibid,pp.22-23.
(19)- W. Melancthon Glasgow, History of the Reformed Presbyterian Church in America: WITH SKETCHES OF ALL HER MINISTRY, CONGREGATIONS, MISSIONS, INSTITUTIONS, PUBLICATIONS, Etc.. AND EMBELLISHED WITH OVER FIFTY PORTRAITS ANDENGRAVINGS. BALTIMORE: HILL & HARVEY, Publishers.1888. p.120.
(20)-See: Our History, RP Global Missions, https://www.rpglobalmissions.org/our-historyشوهد في تاريخ 8/3/2025
(21)- Necati Alkan, Fighting for the Nusayrī Soul: State, Protestant Missionaries and the ‘Alawīs in the Late Ottoman Empire. Die Welt des Islams 52 (2012) 23-50. https://www.researchgate.net/publication/261976764_Fighting_for_the_Nusayri_Soul_State_Protestant_Missionaries_and_the_’Alawis_in_the_Late_Ottoman_Empire شوهد في تاريخ 8/3/2025
(22)- The Anseyreeh and Ismaeleeh: A Visit to the Secret Sects of Northern Syria with a View to the Establishment of Schools, 1853, p. iv.
(23)- Samuel Lyde, The Asian Mystery Illustrated in the History, Religion and Present State of the Ansaireeh or Nusairis of Syria, Preface, pp. III-IV.
(24)- Samuel Lyde, The Asian Mystery Illustrated in the History, Religion and Present State of the Ansaireeh or Nusairis of Syria, pp.49-50.
(25)- Amelia Gallagher, The Making of ʿAlawī Šīʿism in the Writings of Samuel Lyde (1825‒1860). Journal of the Dominican Institute of Oriental Studies. https://journals.openedition.org/mideo/5296?lang=en شوهد في تاريخ 8/3/2025
(26)- The Anseyreeh and Ismaeleeh: A Visit to the Secret Sects of Northern Syria with a View to the Establishment of Schools,p.222.
(27)- Amelia Gallagher, The Making of ʿAlawī Šīʿism in the Writings of Samuel Lyde (1825‒1860).
(28)- Pascal Beverly Randolph, Sexual Magic. Translated, Edited and Introduced Robert North, Magical Child Publishing, INC. New York, Foreword by Robert North, 1998, pp. XXV, XXVI.
(29)-غريغوريوس أبو الفرج بن هرون الطبيب الملطي المعروف بابن العبري، تاريخ مختصر الدول، وقف على تصحيحه وفهرسته: أنطون صالحاني اليسوعيّ، بيروت، ط2، 1403 هـ-1983 م، ص: 166.
(30)- DUSSAUD, R., Histoire et religion des Nosairis, librairie. Émile Bouillon, Paris, 1900,pp.9-10.
(31)- DUSSAUD, R., Histoire et religion des Nosairis, librairie,p.17.
(32)- DUSSAUD, R., Histoire et religion des Nosairis, librairie,pp.19-20.
(33)- DUSSAUD, R., Histoire et religion des Nosairis, librairie,pp. 20-21.
(34)- DUSSAUD, R., Histoire et religion des Nosairis, librairie,p.52.
(35)- هنري لامنس، ملاحظات في نقوش وطبوغرافيا منطقة حمص، في: منتخبات التَّاريخ والآثار (مما خلَّفه الرَّحالة الغربيون) حول عكار والجوار (بين طرابلس وحمص والهرمل واللاذقية)، ترجمة، جوزف عبد الله، القبيات، 2010، ص: 201.
(36)- هنري لامنس، ملاحظات في نقوش وطبوغرافيا منطقة حمص، ص: 202.
(37)-هنري لامنس، ملاحظات في نقوش وطبوغرافيا منطقة حمص، ص: 214-215.
(38)- Amelia Gallagher, The Making of ʿAlawī Šīʿism in the Writings of Samuel Lyde (1825‒1860).
(39)- Edward E. Salisbury, Notice of كتاب الباكورة السليمانيَّة في كشف أسرار الديانة النُّصيريّة تأليف سليمان أفندي الأذني The Book of Sulaiman n First Ripe Fruit, Disclosing the Mysteries of the Nusairian Religion, By Sulaiman Effendi of Adhanah, With Copious Extracts. Pesesnted to the Society May 18th and Oct. 27th, 1864, Article VI, p.227.
(40)- Edward E. Salisbury, Notice of كتاب الباكورة السليمانيَّة في كشف أسرار الديانة النُّصيريّة تأليف سليمان أفندي الأذني The Book of Sulaiman n First Ripe Fruit, Disclosing the Mysteries of the Nusairian Religion, By Sulaiman Effendi of Adhanah, With Copious Extracts. Pesesnted to the Society May 18th and Oct. 27th, 1864, Article VI, p.228.
(41)- Edward E. Salisbury, Notice of كتاب الباكورة السليمانيَّة في كشف أسرار الديانة النُّصيريّة تأليف سليمان أفندي الأذني The Book of Sulaiman n First Ripe Fruit, Disclosing the Mysteries of the Nusairian Religion, By Sulaiman Effendi of Adhanah, With Copious Extracts. Pesesnted to the Society May 18th and Oct. 27th, 1864, Article VI, p.228.
(42)- سليمان أفندي الأذني، كتاب الباكورة السليمانية في كشف أسرار الدِّيانة النُّصيريّة، (النسخة الأصلية) من دون دار نشر، ومن دون تاريخ، ص: 15.
(43)- الباكورة السليمانية، ص: 16.
(44)- الباكورة السليمانية، ص: 17.
(45)-الباكورة السليمانية، ص: 36.
(46)-أبو سعيد ميمون بن القاسم الطبراني، كتاب سبيل الأرواح ودليل السرور والأفراح إلى فالق الإصباح المعروف بمجموع الأعياد، هني بتصحيحه: ر. شتروطمان، ، المجلد 27 من مجلة الإسلام، همبورغ 44-1943 م، ص: 179.
(47)- الباكورة، ص: 84.
(48)-الباكورة، ص: 96.
(49)-الباكورة، ص: 97.
(50)-الباكورة، ص: 100.
(51)-الباكورة، ص: 103.
(52)- Bill Edgar, Founding Churches in Ottoman Empire Territory RP Foreign Missions, 1856-1974, The Mission to Syria: Latakia, June 13, 1998. https://www.broomallrpc.org/articles/founding-churches-in-ottoman-empire-territoryشوهد بتاريخ 10/3/2025
(53)- جمع فتاوى الشيخ ابن تيمية الفقيه الحنبليّ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي (1319-1392 هـ=1901-1972 م). قال الزركلي عنه في أعلامه: “جمعَ (فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية) في ثلاثين مجلدًا، سافر من أجل البحث عنها في بلاد كثيرة.” (الزركلي، الأعلام، ج 3، مادة: ابن قاسم (=ص: 336)، دار العلم للملايين، بيروت، ط 15، 2002 م)
(54)- PAR M.ST. Guyard, Le Fetwa D Ibn Taimiyyah Sur Les Nosairis, Journal Asiatique, Sixieme Serie, Tome XVIII, Juillet 1871,pp.162-178.
(55)- Farhad Daftary, The Study of the Ismailis: Phases and Issues, in: The Study of Shiʿi Islam History, Theology and Law, Edited by Farhad Daftary and Gurdofarid Miskinzoda, I.B. TAURIS. Bloomsbury Publishing Plc. 2018,p.57.
(56)- PAR M.ST. Guyard, Le Fetwa D Ibn Taimiyyah Sur Les Nosairis, Journal Asiatique, Sixieme Serie, pp.158-160.
(57)- PAR M.ST. Guyard, Le Fetwa D Ibn Taimiyyah Sur Les Nosairis, Journal Asiatique, Sixieme Serie, p.162.
(58)- ابن تيمية، مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم-وساعده ابنه محمد، المجلد الخامس والثلاثون، مجمع الملك فهد، المدينة المنورة، 2004، ص: 145.
(59)- [ص: 168 من نشرة غايار وص: 150 من مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، مج 3].
(60)-انظرْ: الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، ج11، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار سويدان، بيروت، دون تاريخ، ص: 119.
(61)-[ص: 169-170 من نشرة غايار وص: 150-151 من مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، مج 3].
(62)- ابن تيمية، مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، مج 3، ص: 152.
(63)- Sabrina Mervin, « L’entité alaouite »: une création française, Article publié dans Le choc colonial et l’islam, Pierre-Jean Luizard (dir.), La Découverte, Paris, 2006, pp. 343-358.
(64)-Lieut. The Hon. F. Walpole, R.N., The Ansayrii (Or Assassins) with Travels in The Further East In 1850-51 Including A Visit to Nineveth, Vol.1. London, 1851, pp.32-33.
(65)- انظر: أبو حامد الغزالي، فضائح الباطنية، حققه وقدَّم له: عبد الرحمن بدوي، مؤسسة الكتب الثقافية، الكويت، ص: 11.
(66)-ابن تيمية، بغية المرتاد في الردّ على المتفلسفة والقرامطة والباطنيّة أهل الإلحاد القائلين بالحلول والاتِّحاد، تحقيق ودراسة: موسى بن سليمان الدرويش، مكتبة العلوم والحكم، ط 3، المملكة العربيَّة السعوديّة، ص: 353-354.
(67)- Yaron Friedman, The Nuṣayrī-ʿAlawīs An Introduction to the Religion, History and Identity of the Leading Minority in Syria, Leiden-Boston, 2010, p.191.
(68)-ابن تيمية، بغية المرتد، مصدر سبق `ذكره، ص: 491,
(69)- ابن تيمية، مجموعة الفتاوى لشيخ الإسلام، اعتنى بها وخرَّج أحاديثها: عامر الجزار-أنور الباز، الجزء الثالث، الوفاء للطباعة والنشر، المنصورة، ط 3، 2005، ص: 244-245.