Skip to content Skip to footer

الحلقة (3)


 

استند اللاهوتيون من التيار التوراتي التقليدي في علم الآثار، ومنذ مطالع القرن الماضي، إلى نصوص متفرقة من التوراة فقط، وليس لأي نتائج أركيولوجية حصيفة، وذلك لأجل رسم حدود ما يزعم أنها أرض كنعان (Kənáʻan). في الواقع لا توجد حتى اليوم أي تصورات علمية حصيفة يُعتد بها عن حدود هذه الأرض التي يُزعم أنها كانت تمتد من فلسطين والأردن حتى مصر وسوريا. كما لا توجد أي دلائل أركيولوجية تؤيد الحدود الخيالية المرسومة، كما أن نتائج البحث الأثري لم تقدِّم أيَّ سند مهما كان بسيطاً، يمكن استخدامه لدعم المزاعم عن وجود شعب قديم يُدعى شعب كنعان عاش في فلسطين. وبطبيعة الحال، لم تكن في حوزة اللاهوتيين، سوى نصوص متفرقة من التوراة، ورد فيها تعبير “أرض كنعان، أو شعب- لسان كنعان.. إلخ”. وفي سائر هذه النصوص، لا وجود لأسماء البلدان التي أصبحت تشكل مساحة هذه الأرض الخيالية، فلا وجود لاسم مصر، أو سوريا أو لبنان أو الأردن أو فلسطين أو العراق (آشور، بابل.. إلخ). كما أن النقوش البابلية-الآشورية ومنذ 950 ق.م لا تسجل اسم كنعان في فلسطين قط، وهي تجهله تماماً هناك؛ لكنها في المقابل، تسجل اسم الكنعانيين سوية مع قبائل سبأ وحمير في اليمن -وهذا ما سوف أكشفه عند تحليل السجلات الآشورية-. لقد كان (اختراع) شَعبَي كنعان وآرام، حاجة مُلحَّة أشد تعقيداً مما يمكن تخيُّله من أجل “صناعة المادة السَّامة”؛ أي صناعة الهويات التاريخية الجديدة لشعوب المنطقة خلال العصر الاستعماري في الشرق العربي، منذ نهاية ما يُسمى “الحروب الصليبية”؛ ولكنها بطبيعة الحال هويات مزوَّرة تم فرضها بقوة السرد التوراتي على سكان المنطقة العربية. وفي هذا النطاق من المعضلة التي خلقها اللاهوتيون؛ فإن الأمر الشيق سوف يتبدَّى لنا في الفكرة التالية: لقد كان هؤلاء وأثناء عملهم الشَّاق والمُضْني من أجل تصنيع هوّيات بديلة لسكان المنطقة العربية، يخترعون من مواد توراتية مُبعثرة وتكاد تبدو مُتقطعة السياق السردي الناظم لها، مادة جذابة وجديدة يمكن نسبتها إلى علم الآثار، وبحيث يصبح الحديث عن “شعب كنعان” في فلسطين، لا مجرد توصيف توراتي لجماعة قبلية قديمة؛ بل حقيقة أركيولوجية تخص كل منطقة الشرق العربي القديم. ومن الجليِّ، أن وعي اللاهوتيين لوظائف علم الآثار في هذا النطاق، كان شديد التباين مع وعي علماء الآثار من المتخصصين والمُحترفين؛ فهؤلاء كانوا يرفضون كل الاستنتاجات التعسفية ولا يقبلون بالجموح التاريخي المُتستر بالعلم. ومع ذلك مضى هؤلاء قدماً في تلفيق سردية لا أساس لها، تزعم أن سكان فلسطين هم ” كنعانيون”، وأن اسمهم ورد في التوراة، وأنهم تسللوا من جزيرة كريت اليونانية. 

وهذا التصور الشاذ نوعٌ من تلاعب مفضوح في النص التوراتي الأصلي؛ لأن التوراة تروي شيئاً مُختلفاً، فهي تقول إن “كنعان” هو شقيق لثلاثة من أبناء حام، وأنهم جميعاً يقيمون في مكان واحد، ولا تقول عنهم إنهم “فلسطينيون”. وإذا ما كان شعب كنعان بلغة المثيولوجيا القديمة التي دوَّن قصصها كهنة أورشليم، هو الشقيق الأصغر لشعوب مصرايم وكوش وفوط، كما تقول التوراة (مثلاً النص التالي: سفر التكوين 10: 6 وَبَنُو حَامٍ: كُوشُ وَمِصْرَايِمُ وَفُوطُ وَكَنْعَانُ. וּבְנֵי, חָם–כּוּשׁ וּמִצְרַיִם, וּפוּט וּכְנָעַן)؛ فهذا يعني أن هؤلاء الأشقاء، عاشوا في بيئة جغرافية واحدة ذات مساحة محدودة؛ إذ من غير المنطقي تخيُّل أربعة أشقاء يعيشون في مساحة هائلة تمتد من مصر حتى كل بلاد الشام. وبالطبع يستحيل على أي باحث في الجغرافيا أو التاريخ القديم أن يعثر على دليل واحد يؤكد وجود هؤلاء الأشقاء ضمن وحدة إيكولوجية في فلسطين، أو في مصر أو بلاد الشام. وعندما تُخبرنا قصص التوراة المثيولوجية، أن “الأشقاء” عاشوا في مكان واحد بعد أن نجوا من الطوفان بفضل سفينة الخلاص التي قادها نوح؛ فهذا يعني أن علينا أن نبحث في جغرافية مصر وبلاد الشام كلها عن قصة الطوفان ونوح وسفينة الخلاص الإلهي، قبل أن نبحث عن الأشقاء الأربعة: “فوط” و” كوش” و”مصرايم”. فأين أقام شعب كنعان (أولاده وأحفاده وبالمعنى الرمزي بطونه وقبائله)؟ 

استناداً إلى قصص التوراة، فقد أقام كنعان في أرض تمتد من صيدون حتى جرار، ثم من عزة (עַזָּה) حتى سدوم وعمورة وأدمة وصبوييم، وصولاً إلى لسع؟ 

وهاكم توصيف التوراة، وهي المصدر الوحيد الذي استقى منه اللاهوتيون تصورهم لوجود شعب وحضارة باسم كنعان: سفر التكوين: 10: 19

وَكَانَتْ تُخُومُ الْكَنْعَانِيِّ مِنْ صَيْدُونَ، حِينَمَا تجئ نَحْوَ جَرَارَ إِلَى عزة وَحِينَمَا تَجِيءُ نَحْوَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ وَأَدْمَةَ وَصَبُويِيمَ إِلَى لشَعَ.

וַיְהִי גְּבוּל הַכְּנַעֲנִי, מִצִּידֹן–בֹּאֲכָה גְרָרָה, עַד-עַזָּה:  בֹּאֲכָה סְדֹמָה וַעֲמֹרָה, וְאַדְמָה וּצְבֹיִם–עַד-לָשַׁע.

ما يقوله هذا النصّ بترجمتي -وليس بترجمة اللاهوتيين- هو التالي: 

وكان قابل (حدود من الكلمة العبرية كبول) الكنعانيين من صيدون وتسير صوب جرار حتى عزة وتسير نحو سدوم ثم أدمة وصبيم (ּצְבֹיִם) عند لشع. إذا كانت هذه هي أرض كنعان كما وصفتها التوراة، وهي كما يُلاحظ حدود إدارية محلية لا وجود فيها لاسم ” غزة” بل هناك اسم آخر هو “عزة עַזָּה”، فكيف تحولت إلى حدود “إمبراطورية”؛ بينما هي تبدو للقارئ العادي ودون أي عناء في البحث عن الجغرافية، حدود أرض جماعة قبلية صغيرة لا أكثر. والآن ما علاقة فلسطين بهذه الحدود؟ وكيف يمكن تخيُّل أن هذه حدود دولة/ إمبراطورية كانت تشغل فراغاً جغرافياً بين مصر وبلاد النهرين، وبحيث أصبحت “حضارة كبرى”، وما علاقة مصر أصلاً ومن المنظور الجغرافي بهذه الأرض؟ من المؤكد أن هذا التصوُّر المُستمد من التوراة والذي اعتمد عليه اللاهوتيون في بناء سردياتهم عن جغرافية فلسطين، لا يرسم أيَّ تصور جغرافي صحيح يتوافق مع جغرافية مصر وبلاد الشام، فليس هناك لا “جرار” ولا “لسع/ لشع” ولا “صبيم” كما لا وجود لاسم عزة. فهل كانت حدود القطاع الجنوبي من الشام، تمتد من صيدا -صيدون מִצִּידֹן- صيدون جنوب لبنان حتى غزة على الحدود مع مصر؟ لو صدَّقنا هذه الأكذوبة، ففي هذه الحالة تصبح هذه حدوداً إمبراطورية بكل يقين، وليست أرض شعب صغير مؤلف من أربعة أشقاء. 

وإذا ما صدَّقنا خرافة شعب كنعان هذه، كما نفخ في قربتها المثقوبة مئات من علماء اللاهوت والباحثين، وكتَّاب التاريخ التقليدي من الرجعيين وقساوسة الكنائس المسيحية على امتداد أكثر من 200 عام من الآن، ففي هذه الحالة يجب أن نعثر على مكان يُدعى “صيدون” في لبنان كان ذات يوم قرب غزة؟ وأننا يمكن أن نصل إليه من مكان يُدعى “جرار גְרָרָה”، ثم نتجه منه إلى “لشع/ لسع לָשַׁע.”. وفي هذه الحالة يجب علينا أن نمشي باتجاه سدوم وعمورة وأدمة، ثم صببم (ּצְבֹיִם) حتى نبلغ “لسع/ لشع”. وبكل يقين يستحيل على المرء أن يذهب من صيدا إلى غزة على حدود مصر براً مروراً بجرار وسدوم وعمورة “وصبيم”. فأين تقع جرار التي تبدأ منها حدود كنعان؟ وأين نجد صبيم؟ وأين نجد لسع- لشع؟ إذا ما تقبَّلنا هذه الخريطة المثيولوجية كحقيقة جغرافية، فسوف تكون فلسطين القديمة قطاعاً جغرافياً عجائبياً، يمتد من مصر حتى جنوب لبنان، ليبلغ حدود سدوم وعمورة (وهما قريتان ترتبطان بأسطورة فناء مرَّوع عرفته اليمن) ثم صبيم צְבֹיִם -التي لا يعرف التوراتيون أين تقع- وصولاً إلى لسع- لشع לָשַׁע. وهذه -بالمناسبة- حيَّرت كل المهووسين بقصص التوراة. ولئن صدَّقنا لغرض السجال فقط، أن حدود “الحضارة الكنعانية” المزعومة تمتد من “جرار” حتى “لسع”؛ ففي هذه الحالة لن تكون هناك مصر أو كل بلاد الشام، من الأردن وفلسطين ولبنان حتى تخوم العراق. سوف تختفي كل هذه البلدان ونجد أنفسنا أمام فراغ جغرافي مرّوع، فلا وجود في هذه المنطقة سوى لـ”حضارة كنعان” المزعومة. لكن حدود كنعان التوراتية تبدأ -كما في النص أعلاه- من مكان يُدعى صيدون (صيدا). ومن غير المنطقي جغرافياً الافتراض أن “صيدون” هي صيدا اللبنانية؛ لأن من المستحيل تخيُّل أن صيدا اللبنانية تتصل بمصر من جهة غزة. 

إن “صيدون” التوراتية هنا، هي “صيدة/ والوزن العبري صيدون” وهي من قرى آل صيدة -من قبائل المتاعبة- آل شعلان (قبائل همدان). وهذا يعني أن صيدا/ صيدون من قرى صنعاء محافظة الأمانة، مديرية السبعين، عزلة السبعين، حي العفيف، محلة بيت صيدة/ الوزن العبري صيدون. وهكذا تكون حدود كنعان قد امتدت من عمران وصنعاء حتى محافظة ريمة؛ حيث توجد عزة وليس غزة. وفي الواقع هناك عشرات القرى في اليمن باسم عزة/ عزان،. وحتى لو سلمنا جدلاً أن الاسم ينصرف إلى غزة وليس عزة كما افترضنا؛ فإننا نجد الاسم هذا في محافظة ريمة، مديرية الجعفرية، عزلة بني الغزي (غزة). وفي محافظة ريمة كذلك سنجد هناك صبويم (الصبة): محافظة ريمة، مديرية الجعفرية عزلة بني الغزي، قرية الصبة (صبيم ּצְבֹיִם/ الصبّة- الميم في آخر الاسم هي أداة تعريف ألف ولام). هكذا يمكننا أن نرسم حدود كنعان ابتداء من عمران وصنعاء صعوداً باتجاه ريمة المجاورة حتى أقصى محافظة تعز على تخوم لحج؛ حيث نجد هناك لسع- لشع وجرار. هاكم اسم المكان (السع): محافظة تعز، مديرية الشمايتين، عزلة الشمايا الشرقية، قرية السع/ لسع. أما جرار، فهي من قرى محافظة لحج، مديرية القبيطة، عزلة اليوسفين، قرية عيريم، محلة الجرار.

هذه هي حدود أرض كنعان ببساطة، وهي أرض جماعة قبلية صغيرة قبل نشوء الممالك، وكما وصفتها التوراة.