Skip to content Skip to footer

صناعة الهويات الزائفة (1)| فاضل الربيعي

الحلقة (1)


 

منذ وقت طويل، ومسألتا “شعب كنعان” في فلسطين، و”ممالك آرام دمشق” في سوريا، تثيران الجدلَ والحيرةَ داخل الوسط الأكاديمي وفي أوساط الباحثين بالتاريخ القديم كذلك؛ بل وحتى المهتمين من غير أصحاب الاختصاص. المصطلحان في الأصل مأخوذان من نصوص التوراة وليس من أي مصدر آخر، أركيولوجي أو علمي موضوعي، أو من نتائج تنقيب أثريٍّ سواء في فلسطين أم في سوريا. كل ما في الأمر، أن هذين المصطلحَين ” كنعان” و”آرام”، أصبحا شائعَين وبدهيَّين، غير قابلَين للسجال تحت ضغط الرواية التوراتية السائدة والمُهيمنة، وذلك بعد أن وقع الجميع تحت نير “عبودية السرد اللاهوتي” المطلقة وغير القابلة للتحدي. وينبغي الاعتراف أن الهيمنة السردية اللاهوتية/ الاستشراقية على التاريخ القديم في الشرق العربي، شكَّلت بالفعل نجاحاً باهراً حققه اللاهوتيون من أعضاء صندوق آثار فلسطين، حين أرغموا العالم العربي برمته تقريباً على اعتماد المصطلحَين والإيمان بهما؛ بل وإدخال هذه السردية في مناهج التعليم الرسمي في معظم البلدان العربية منذ مطالع القرن ما قبل الماضي. كما جرى دون أي حرج علمي استخدام المصطلحَين بوصفهما تعريفاً أنثروبولوجياً بجماعتَين منفصلتَين عرقياً؛ أي أن كلاً منهما ينتسب إلى عرق آخر ethnicity /race، لا صلة لهما بعالم العرب. وطوال مئتي عام من الآن تقريباً، رسخت في الوجدان العاطفي للفلسطينيين كذبة استعمارية مُريعة، تزعم أنهم ” كنعانيون مُتسللون من جزيرة كريت في اليونان”، كما راجت في الآن ذاته مزاعم خائبة أخرى في بعض أوساط السوريين المعاصرين، تؤكد، دون أي دليل علمي، أنهم “آراميون” قدماء، تمكن أجدادهم من “احتلال دمشق قبل 1000 ق.م”..  كل هذه الأفكار السقيمة وغير الواقعية هي نتاج استخدام مُفرط الخيال لمصطلحَين/ تعبيرَين توراتيَّين، روَّج لهما اللاهوتيون الأوروبيون طويلاً ودون كلل؛ بل ودون أية أدلة علمية نزيهة أو تصور تاريخي صحيح. بهذا المعنى، أصبح العرب والمسلمون والعالم بأسره ومنذ وقت طويل “عبيداً” للسرد التوراتي، ونشأت ثقافة يمكن تسميتها بثقافة “عبودية السرد التوراتي”. وأرغب هنا في تقديم أفكار عمومية لمجموع القراء؛ لأجل تسهيل مهمة فهم مسألة وجود “صناعة لهويات زائفة” لشعوب المنطقة، كانت ولا تزال مستمرة ومتواصلة دون أي رادع علمي أو أخلاقي. لكن هذه الأفكار العمومية بوسعها مع ذلك، أن تشكِّل إطاراً نظرياً شيقاً وبالغ الأهمية لأجل تقديم التفاصيل الضرورية المتشابكة والمعقدة، داخل النصوص التوراتية والسجلات الآشورية ونقوش المسند اليمنية حول مسألة “اختراع شعبي كنعان وآرام”. لقد شاعت في المؤلفات والدراسات التاريخية، وبالطبع بفضل مناهج التعليم ودراسات الباحثين والمؤلفين في تاريخ الحضارات القديمة، خرافة لا أصل لها عن شعب قديم يُدعى (الكنعانيون) أقام في فلسطين، وبالتوازي معها شاعت أكذوبة أخرى عن وجود “شعب آرامي” استولى على سوريا في الألف الأول ق.م. 

شاعت هاتان الخرافتان وانتشرتا ورسختا في الوجدان الروحي والثقافي لسكان فلسطين وسوريا، إلى الحدّ الذي بات يصعب فيه، إجراء أي نوع من النقاش الهادئ والعلمي حولهما، ليس مع الهواة والقراء غير المُخصصين وحسب؛ بل وحتى مع علماء الآثار والباحثين في مجال التاريخ القديم. بكلام آخر موجز: رسخت الخرافة في عقول ملايين البشر، ودون أن يجرؤ أحد على طرح السؤال البسيط التالي: مَن هم الكنعانيون؟ هل هناك شعب حقيقي عاش في فلسطين وله حضارة عُرفت بهذا الاسم، وأن إبراهيم تعرَّف إليهم وهاجر إلى أرضهم؟ وأين؟ هل يستطيع أي عالم آثار أو هاوٍ مُحب للتاريخ القديم، أو باحث تاريخي من الطراز التقليدي المألوف الذي يتغنى ليل نهار بحضارة الكنعانيين، أن يقدِّم لنا قائمة بأسماء ملوك كنعان؟ وهل هناك قائمة بملوك كنعان أصلاً؟ ولماذا تستر عليها علماء الآثار؟ هذا هو التحدي. هاتوا قائمة بأسماء ملوك كنعان وتسلسل سنوات حكمهم، كما يفعل أي مؤرخ حصيف حين يُطلب منه تقديم قوائم بأسماء ملوك بابل وآشور ومصر القديمة ومملكة سبأ في اليمن. ثم مَن هم الآراميون، وكيف تمكنوا من احتلال الإمبراطورية السورية القديمة (الآسورية/ الآشورية)؟ وهذا السؤال نفسه موجه لكل مروجي خرافة الشعب الآرامي الذي احتل سوريا لعشرات السنوات. تفضلوا وقدَّموا لنا قائمة بأسماء ملوك آرام، أين عاشوا؟ وما فترات حكم كل ملك من ملوكهم؟ في الواقع لفق اللاهوتيون المشتغلون في علم الآثار، منظومة مصطلحات مُوظفة حصراً، لتبرير وتسويق فكرة زائفة عن حضارة قديمة أسسها في فلسطين شعبٌ مجهولٌ يُدعى الشعب الكنعاني، وتم الترويج بسخاء لمصطلحات؛ مثل (كنعاني، حضارة كنعانية، شعب كنعان، أرض كنعان، لغة كنعانية.. إلخ). وفي سائر المؤلفات والدراسات السائدة، لم يجر تقديم أي سندٍ أو دليلٍ تاريخيٍّ حقيقيٍّ، يدعم ويؤكد وجود هذه الحضارة، باستثناء الإشارات التي وردت في التوراة عن جماعة تطلق عليها مصطلح (كنعانيين). والأمر ذاته ينطبق على الآراميين. 

والآن: مَن هم الكنعانيون؟ وهل هناك، شعب قديم في فلسطين بهذا الاسم؟ ومَن هم الآراميون؟ وهل كانت لهم حضارة متميزة في سوريا؟ وأين نجد آثارهم؟ في أي بلد ومتحف؟ وهل الفلسطينيون كنعانيون حقاً؟ وأين تقع أرض كنعان؟ وما اللغة الكنعانية؟ ما من باحثٍ أو دارسٍ أو هاوٍ، إلا وردد هذا التصور الزائف. وقد يكون أمراً مُحزناً حقاً، أن نرى غالبية عظمى من الفلسطينيين والسوريين وجماعات أخرى في الشرق الأوسط تتباهى بفخر واعتزاز، أنها من أصول كنعانية أو آرامية، ودون أن يكون بوسعها تقديم تعريف لمعنى كنعاني أو آرامي. وإذا ما سلمنا أو تقبلنا التعريف الشائع في المؤلفات التاريخية عن هذين الشعبَين في فلسطين وسوريا، فسوف يكون علينا حل التناقضات التي يعج بها هذا التعريف. هاكم ملخصاً للتعريف الشائع في مناهج التعليم والمؤلفات التاريخية، وهو تعريف زائف ومُلفق ولا يستند إلى أي منهج علمي أو نتائج بحث أركيولوجي. يقول التعريف اللاهوتي الشائع ما يلي:

(كنعان هي منطقة تاريخية ساميّة اللغة في الشرق الأدنى القديم، تشمل اليوم فلسطين ولبنان والأجزاء الغربية من الأردن وسوريا. وكانت المنطقة مهمة سياسياً في العصر البرونزي المتأخر وخلال حقبة العمارنة، فهي كانت محل نزاع بين الإمبراطورية المصرية والآشوريين. ذُكر الكنعانيون كجماعةٍ إثنيةٍ كثيراً في التوراة. وتم استبدال الاسم “كنعان” بـ”سوريا” عقب سيطرة الإمبراطورية الرومانية على المنطقة في القرن 7 ق.م إلى القرن 4 ق.م؛ حيث أسس الكنعانيون مستعمرات كنعانية جديدة، امتدت من غرب البحر الأبيض المتوسط إلى حدود السواحل الأطلسيّة).

هذا التعريف الذي لا يخلو من التلفيق المفضوح، والوقح من المنظور العلمي المحض -وهو بكل يقين تلفيق مدروس ومُمنهج- يستحيل قبوله لأنه لا يستند إلى أي أساس أركيولوجي حقيقي؛ بل هو مبنيٌّ بالكامل على ما ورد في قصص التوراة فقط. لقد جرى الاعتماد على نصوص ما يُسمى “رسائل تل العمارنة”؛ للبرهنة على أن ملوك مصر كانوا يراسلون الكنعانيين والآموريين في فلسطين وسوريا، وكانت هذه لحظة الذروة القصوى في الخيال الجامح والمُستهتر للاهوتيين الغربيين. المثير للاستغراب والدهشة أن رسائل تل العمارنة مكتوبة بالحرف المسماري (أي باللغة الأكدية/ السومرية). وبطبيعة الحال يستحيل تخيُّل أن ملوك مصر كانوا يُرسلون الرسائل إلى الجماعات القبلية الصغيرة؛ مثل كنعان وأمورو، بلغة شعب وحضارة بلاد ما بين النهرين.. هذا خيال يتعارض مع أي وكل منطق. ولماذا كان ملوك مصر يستخدمون المسمارية في مخاطبة جماعات، لا تعرف أصلاً الأبجدية العراقية القديمة؛ بينما يمكن كتابة هذه الرسائل بالأبجدية الهيروغليفية؟ علماً بأن هذه الألواح هي الوحيدة في مصر التي كُتبت بالمسمارية ولا يوجد في مصر سواها؟ والآن: من أين جاءت هذه الألواح (أو العمود الذي يتضمن النصوص)؟ هل هو أثرٌ تركه المصريون القدماء في أرضهم، ولماذا؟ ما دامت النصوص هي رسائل موجهة إلى جماعات أخرى غريبة؟ أم أنه أثر أركيولوجي تركه الآشوريون في مصر؟ وهل يمكن تخيُّل أن الآشوريين احتلوا مصر، وتركوا هناك لوحاً يتضمن مراسلاتهم مع ملوك مصر وبني إسرائيل؟ متى حدث ذلك؟ ولماذا قاموا بترك هذه الألواح أو (العمود) حين انسحبوا؟ هذا أمرٌ خيالي آخر، أكثر سُقماً من تعريف أرض كنعان. والآن لنفترض العكس؛ أي أن المصريين احتلوا بلاد آشور وأخذوا هذا العمود (أو ما يُسمى الألواح). هل يمكن في هذه الحالة الافتراضية تخيُّل أن المصريين احتلوا بلاد ما بين النهرَين وكتبوا هذه الرسائل التي يرد فيها اسم الكنعانيين والآموريين؟ لكن ما علاقة بلاد ما بين النهرَين بهؤلاء، ولماذا لم نعثر على هذه الرسائل المسمارية في العراق؟ إن رسائل ” تل العمارنة” هي تفصيل صغير في سرديات تلفيق هائل لتاريخ المنطقة.

في الواقع؛ نقل علماء الآثار من التيار الاستشراقي اللاهوتي، هذه الألواح من “تل العمارنة” في اليمن، (وتدعى حتى اليوم باسم عُزلة العمارنة؛ وهي إحدى عُزل مديرية العدين في محافظة إب اليمنية)، وقاموا “بزرعها” في أرض مصر، ثم جرى في وقت لاحق ضمها إلى مقتنيات متحف أمنحتب الرابع، وفقط لأجل الإيحاء أن مصر كانت على صلة مع الكنعانيين في فلسطين. هذا هو لب وجوهر التلفيق.