بقدر ما عرف عن حضارة وادي الرافدين القديمة من ريادة في الإبداع وكثافة في الإنجاز ودقة في التوثيق، من خلال مئات الآلاف من النصوص الكتابية المكتشفة حتى الآن، تجزأت الدراسات الخاصة بأقوامها القديمة في العصر الحديث.
وأخذت هذه الدراسات مناحي متعددة الاتجاهات محدودة النتائج. ويستغرب المرء من هذه الصورة التي تكونت عن الأقوام القديمة ودورها في تكوين هذه الحضارة التي ابتكرت البنى الأساسية اللازمة لتطور الحضارة الإنسانية، ووثقت جميع نواحي الحياة وشؤون البشر. وعلى تلك البنى شيدت مكونات وأضيفت منجزات تتالت حتى وصلت بالبشرية إلى عصرها الحديث. فما الذي شاب دراسات العصر الحديث عن حضارة وادي الرافدين على الرغم من التطور الهائل في وسائل البحث العلمي وأساليبه. وعلى الرغم من دقة عمليات التنقيب الأثري الواسعة في مواقع هذه الحضارة ومضي أكثر من مئة وسبعين عاماً على حل رموز كتابتها وقراءة نصوصها؟ ولقد كانت الجهود المبذولة في هذه وتلك هائلة ومثمرة وتزداد دقة يوماً بعد يوم، فأين التقصير في التعامل مع حقيقة السكان القدماء، ودورهم في بناء الحضارة؟
المشكلة الكامنة في دراسة حضارة وادي الرافدين القديمة هي اختلاف السبيلَين اللذين تقوم عليهما هذه الدراسة، بل وتعارضهما في الوقت الذي يكون كل منهما أساسياً وضرورياً للوصول إلى الفهم الصحيح للدور البشري فيها. السبيل الأول هو التشعب والاستغراق في التخصص، وهذه إشكالية كبيرة اقتصر التعامل معها على المسلمات والاكتفاء بالمعالجات الجزئية. هذه الحضارة هي الأوسع أفقاً والأطول امتداداً والأكثر إنجازاً والأعمق إبداعاً من بين الحضارات القديمة. وما هذا القول من باب المديح، بل هي سمات حضارة وادي الرافدين، فأفقها يمتد من نشوء القرى الأولى قبل نحو 12000 عام، فيما لو تجاوزنا ثقافات العصر الحجري القديم، ودام عشرة آلاف عام، سبعة آلاف منها هي عصور ما قبل التاريخ، والثلاثة الأخيرة هي عصورها التاريخية (الكتابية). وانقسم العلماء ما بين متخصصين في عصور ما قبل التاريخ ومتخصصين في العصور التاريخية. وحتمت ضرورة التعمق بالبحث إلى توزيع التخصصات على عصور كل من المرحلتين.
وحتم ابتكار الكتابة والانتقال إلى العصور التاريخية ظهور تخصص بآثار تلك العصور والتنقيب عنها، وتخصص بلغاتها ونصوصها القديمة. ومع التقدم الحاصل في كلا التخصصين اتسعت الهوة في ما بينهما، ولم يصل عدد العلماء الذين جمعوا التخصصين معاً إلى عدد أصابع اليدين على مستوى العالم! ومع كون هذه الحضارة ثنائية اللغة، في ظل تعددية لغوية واسعة، فقد تخصص في اللغة السومرية من تخصص واتجه آخرون للتخصص في اللغة الأكادية، وكل منهما لغة قائمة بذاتها ولا يجمع في ما بينهما سوى الخط المسماري ومفردات مقتبسة هنا وهناك. ولما كان استعمال هاتين اللغتين دام طويلاً (ثلاثة آلاف عام) فقد قسم تاريخ كل من اللغتين، وبالتالي المرحلة التاريخية للحضارة نفسها، إلى عصور عدة. واقتضت نصوص كل عصر أن يتخصص فيها من يتخصص من العلماء. ولما كانت اللغة الأكادية، وهي اللغة الرئيسية في تدوين النصوص، تفرعت إلى لهجتين رئيسيتين بابلية وآشورية، فقد شمل تاريخها اللغوي ثمانية عصور تمثل لهجة كل منها تخصصاً دقيقاً.
لم يكن هذا التعدد في التخصصات أمراً عبثياً، وإنما حتمته ضرورة التعمق بالبحث العلمي كما سبقت الإشارة. وفي الحقيقة أنه لولا هذا التعدد لما تمكن العلماء في الدول المتطورة، التي سبقتنا في دراسة الحضارة، من إصدار هذه الثروة العلمية الهائلة من البحوث والمؤلفات عن آثار حضارة وادي الرافدين، ومن قراءة هذا العدد الجسيم من نصوص اللغتين السومرية والأكادية.
وكل تخصص في أي من هذه الفروع يقتضي سيرة عمر ليأتي بثماره. والسؤال الذي يبرز هنا: أين هو التقصير إزاء ما قام به العلماء، على تعدد تخصصاتهم، من عمل ضخم بذلوا فيه قصارى جهدهم؟ والجواب هو في الانتقال إلى المرحلة التالية. ذلك أن هناك أسئلة عن قضايا كبيرة لا تمكن الإجابة عليها من دون توظيف متكامل لنتائج البحث العلمي في جميع التخصصات التي ذكرناها. ومن هذه القضايا هوية بناة حضارة وادي الرافدين القديمة وتحديد دور الأقوام التي ساهمت في تطويرها وطبيعة دور كل قوم.
لقد تركت الإجابة عن مثل هذه الأسئلة إلى التكهنات والتأويلات وتطبيق مفاهيم العصر الحديث على الماضي وتحكيم الأهواء والتباهي في تحديد الأدوار. حتى بلغ الأمر حداً أن هناك مَن حسم الأمر بأن عد بناة الحضارة القديمة أجداده البايولوجيين ومنحهم هويته؛ أي أنه قلب التاريخ وذبح الحضارة. وبرز بيننا مَن يصيغ “النظريات” عن الحضارة القديمة وبناتها من غير علم ولا تعلم ولا تخصص. بالطبع لا يحدث هذا في العالم المتقدم حيث بذلت كل تلك الجهود الكبيرة، ولا يجرؤ جاهل هناك على مواجهة عالم أو حتى التطفل على مساحة تخصصه. وإلى الحين الذي يزدهر فيه البحث العلمي الرصين عن حضارة وادي الرافدين في بلادنا، وتتطور الدراسات الخاصة بها على أيدي علماء حقيقيين، علينا أن نتعامل مع ما يطرح من قبل العلماء الغربيين، ونستوعب هذا الطرح ثم نكون رؤيتنا عن الحقائق الكبرى المتصلة بها. وفي سبيل هذا يتوجب نبذ مسلمات بنيت على أساس أقوال تقتطع من بضعة كتب مترجمة عن مراجع ثانوية لا ترقى إلى مستوى المراجع الرئيسية والمصادر الموثوقة التي لا يتيسر التعامل معها لأي كان.
دقة التخصص وشمولية الفكر
التخصص هو تضييق مجال المعرفة سعياً للتعمق فيها، على أن المنهج العلمي يقتضي ألا يكون الفكر حبيساً في التخصص الضيق وإنما يستمكن به ليصل إلى الشمولية. وفي حقل الدراسات الحضارية المعقدة تصبح دقة التخصص أحياناً مصيدة لجهود هائلة ما لم توظف لحل الإشكاليات الكبرى. فعلى سبيل المثال هناك علماء آثار كبار أبدعوا في التنقيب الأثري وحققوا الاكتشافات المهمة من خلال البقايا المعمارية والقطع الأثرية، وهذا ما مكنهم من رسم صورة للماضي كانت مجهولة. غير أن هذه الصورة لا تكتمل، إن كانت عن العصور التاريخية لحضارة وادي الرافدين ما لم يستعن بالنصوص المسمارية التي تتضمن معلومات لا يمكن للبقايا المادية أن تدل عليها. وبهذا فقط تكتمل أطراف الصورة ويتحقق الفهم الصحيح للحضارة التي تعني كل جوانب الحياة والنشاط البشري والإطار البيئي. بالطبع ليس من المتوقع أن يترك علماء الآثار سيرة عملهم ليتقنوا اللغات القديمة ويقرؤوا نصوصاً تمكنهم من إكمال الصورة التي رسموا جزءاً منها. ومن جهة أخرى لا يمكن لعالم اللغات القديمة أن يجهز نفسه للتنقيب الأثري ويبحث في الطبقات والبقايا المادية عما يستدل به على ما لم تقله النصوص القديمة. وعلى هذا النمط نفسه ينفصل التخصص بالسومرية عن التخصص بالأكادية. وحتى ضمن التخصص باللغة الأكادية يكون هناك انشطار ما بين التخصص باللهجة البابلية والتخصص باللهجة الآشورية، ناهيك بالتخصص في لهجة كل عصر من عصور هاتين اللهجتين.
والسؤال الآن هو كيف تجاوز الغرب هذا الواقع في تعامله مع الحضارة القديمة وتراثها؟ لقد أوجد العلماء الغربيون حلَّين في هذا الاتجاه حققا نجاحاً كبيراً خلال عقود طويلة. الحل الأول هو التوجه الموسوعي الفردي في الفرع الواحد، أي في مجال اللغة الأكادية بجميع لهجاتها، اللغة السومرية بجميع عصورها وعلم الآثار والتنقيب الأثري في مواقع الحضارة القديمة أينما وجدت. والحل الثاني التوجه المؤسساتي في العمل العلمي بحيث تتكامل التخصصات في المؤسسة الواحدة، سواء أكانت جامعة أم متحفاً أم مركزاً علمياً، لتحتضن ما لا يمكن إنجازه فردياً. ونجح الحلان بعد أن تضافرا معاً. غير أن غياب أولئك العلماء الكبار من الأجيال السابقة أضعف كلا الحلين، ولم يعد الحال في الوقت الحاضر كما كان. أما في بلادنا، وهي نفسها بلاد الحضارة القديمة، فما وجد أي من الحلين. إذ لم يظهر علماء موسوعيون من الأجيال السابقة في هذا المجال غير الأستاذ الراحل طه باقر، وظلت مؤسساتنا بعيدة عن أن تكون حاضنات للبحث العلمي المؤسساتي، وخضعت معظم مراكز البحوث لتأثيرات لم تجعل منها مصدر إشعاع معرفي كما يؤمل منها.
قد يقول قائل إن التخصص الضيق نجح في تقديم الكثير من ترجمات النصوص القديمة أو الكشف عن مواطن السكنى في المواقع الأثرية. وهذا صحيح، لكن عدم الارتقاء بالتخصص الضيق إلى مستوى معالجة المسائل الكبرى عطل تكوين النظرة الشاملة الصحيحة وأضعف الإجابة عن أسئلة كبيرة، ومنها ما يخص الأقوام القديمة وحقيقة دورها في بناء الحضارة القديمة وحجم هذا الدور. ولتوضيح هذا نورد مثالاً عن مسألة في حضارة وادي الرافدين القديمة، قد لا تكون من المسائل الكبرى لكنها شغلت مساحة واسعة في الفكر القديم ومعتقداته. والمقصود بهذه المسألة العقيدة الخاصة بالإلهين تموز وعشتار والخصب. وهي عقيدة لا يمكن بناء الفهم الصحيح لها من خلال نص واحد أو بضعة نصوص سومرية أو أكادية، وإنما يتطلب ذلك دراسة كل ما يتعلق بها من نصوص فضلاً عن مراجعة بعض الأدلة الأثرية المادية قبل تكوين الصورة الحقيقية للعقيدة. وحين طبقت هذه الطريقة في البحث جاءت النتيجة مختلفة عما كان مسلماً به وسبق بناؤه على أساس نص واحد تمت ترجمته. حين عرض التفسير الجديد على عالم من أبرز علماء الغرب تخصص باللهجة الآشورية، وترجم الكثير من نصوصها وأدار أحد المشاريع الكبرى في عالم المسماريات، فإنه لم يناقش دليلاً واحداً من الأدلة التي استخدمت في تكوين الفهم الجديد للعقيدة، لكنه طرح سؤالاً واحداً يعبر عن موقفه. وكان هذا السؤال: هل اكتشف نص جديد يدل على هذه الصورة صراحة؟ ما لم يكن هذا العالم الكبير يميل إليه هو دراسة كل النصوص، من جميع العصور واللهجات، مما يتصل بعقيدة تموز، ذلك أنه مقتنع بضرورة اكتشاف نص واحد يعكس الصورة القديمة التي كانت قد بنيت على تفسير نص واحد أيضاً. لم يكن هناك شك في المقدرة العلمية الكبيرة لهذا العالم وتمكنه من قراءة النصوص التي اختص بها، غير أن إخراجه إلى الأفق الأوسع ودراسة عشرات النصوص من خارج اختصاصه هي المشكلة.
توظيف الدليلَين الكتابي والأثري في البحث العلمي
من أجل تحديد هوية بناة حضارة وادي الرافدين الأوائل وفقاً للمنهج العلمي الصحيح بعيداً عن التشخيص غير العلمي والمسلمات، التي طرحت من دون دراسة مستفيضة يوظف فيها الدليلان الكتابي والأثري معاً، لا بد من عرض الفكرة الشائعة حالياً عن هذا الموضوع وإبراز نقاط الخلل والتقصير فيها قبل الانتقال إلى الاستدلال العلمي للتوصل إلى الإجابة الصحيحة. يقوم التصور الحالي عن بناة حضارة وادي الرافدين على تكوين واقع ينبذ الجزء الأول والأطول والأساسي في هذه الحضارة، وهو عصور ما قبل التاريخ. وتفهم هذه التسمية بشكل خاطئ على أن تلك العصور ليست جزءاً من الحضارة بل سبقتها. والحقيقة أنها الجزء الأساسي من الحضارة الذي سبق الكتابة، ولا يمكن أن ينسلخ عنها. ثم إن الإنجاز والإبداع في هذه الحضارة لم يبتدئ مع الكتابة، وإنما تسارع بالتوصل إلى ابتكارها. ولقد أدى هذا الفهم الخاطئ إلى بناء أفكار غير صحيحة عن بناة هذه الحضارة. وبتكرار هذه الأفكار أصبحت مسلمات يرددها الكثيرون ممن يجهلون أن حضارة وادي الرافدين هي الأغنى بالتوثيق (المادي والمدون) من بين الحضارات الأصيلة في تاريخ البشرية. وهذا التوثيق يمكن أن يجيب عن أسئلة كثيرة فيما لو درس بعناية وبعلمية مجردة وفهم بشكل صحيح.
ما هو معروف حالياً أن جنوب العراق، مهد المدن الأولى والدول الكبرى في التاريخ، لم يسكن قبل دور العبيد (في الألف الخامس قبل الميلاد)، في حين كانت السكنى في الأدوار السابقة من العصر الحجري- النحاسي (حسونة، سامراء وحلف) موجودة في شمال العراق، وبشكل مكثف في مثلث الخابور (منطقة الجزيرة) ووادي الفرات في سوريا. وفي دور العبيد توسعت السكنى، أو بالأحرى انحدرت، لتشمل جنوب العراق. وبعد دور العبيد حل دور أوروك بالطريقة نفسها التي حدثت سابقاً بانتقال السكان أنفسهم من دور حضاري إلى آخر بالتغير التدريجي في أشكال الفخار وبعض العناصر الحياتية الأخرى، وليس بتغير السكان. إننا إذا قبلنا فكرة تغير السكان من دور إلى آخر نكون كمن صدقنا أن سكان بلادنا يتغيرون حالياً كل مدة من الزمن بدليل تغير الأزياء وموديلات السيارات واختلاف عمارة البيوت وتطور وسائل المعيشة.
يقسم العلماء دور أوروك حالياً إلى قسمَين: أوروك القديم (4000 – 3500 ق.م) وأوروك المتأخر (3500– 3200 ق.م)، والأخير هو الذي ابتكرت فيه الكتابة بشكلها الأخير بعد تطورها من وسائل التوثيق البدائية الأولى (الرموز). هنا يأتي الافتراض والتكهن بأن ابتكار الكتابة اقترن بوصول السومريين إلى وادي الرافدين قادمين، في وقت ما دور أوروك (من دون أي دليل على وصولهم ودخولهم البلاد) من مكان مجهول بماضٍ مجهول، ولكنهم كانوا على درجة من الرقي بحيث ابتكروا الكتابة و”خلقوا” الحضارة الأولى وأنشؤوا المدن الأولى ثم الدول الأولى. كل ذلك من العدم وبين سكان لا خبرة لهم بالحضارة، وعلى أرض خالية من التراكم والتطور الحضاري ومن عصور سابقة في الحضارة. وبعد مضي نحو ألف وثلاثمئة عام اختفوا من الوجود في نهاية الألف الثالث قبل الميلاد مثلما جاؤوا وأيضاً من دون دليل على هذا الاختفاء وأسبابه والكيفية التي حدث بها. ولم يكن هناك من دليل على وجودهم سوى أن لغة الكتابة الأولى سميت في النصوص الأكادية فقط باسم “السومرية”، وأن هناك أسماء أعلام قديمة صيغت بالسومرية عد أصحابها “سومريون” على الرغم من أنهم كانوا أبناء لآباء، أو آباء لأبناء، يحملون أسماء أكادية. وللأسف الشديد ظهر اليوم البعض ممن يهوون الضحك على الذقون، أو ينعمون بالجهل، ليضيفوا دليلاً “سريالياً” آخر يتمثل في عودة ظهور نسل للسومريين يعيشون في عصرنا الحديث؛ ومنهم: سكان أهوار العراق، الصابئة المندائيون، الأكراد، الهنغاريون، الشراكسة، إحدى القبائل الصومالية والعبرانيون (وهؤلاء بحسب ما نادى به صموئيل نوح كريمر) وأقوام أخرى لا تعرف شيئاً عن السومريين ولا السومرية!
لقد ظلمت حضارة وادي الرافدين ليس بهذه المغالطات فقط، وإنما بتجاهل تاريخها العريق الحافل بالإنجازات والإبداعات قبل ابتكار الكتابة الأولى. وهي إنجازات ما كان ممكناً الوصول إلى ابتكار الكتابة من دونها. وقسم العلماء المحدثون ذلك التاريخ إلى عصور وأدوار بناء على سياق التطور الحضاري وتغير أشكال الفخار وليس على تغير الأقوام من دور إلى دور إطلاقاً. ومن الظلم الفادح لحضارة عظيمة مثل حضارة وادي الرافدين أن تختزل بما يُسمى “العصر السومري”، الذي يقصد به جزءاً من الألف الثالث قبل الميلاد فقط، وتنكر عصور تألقت فيها هذه الحضارة وبلغت ذرى من التطور في كل جوانب المعرفة؛ مثل العصر البابلي القديم، الذي نضج فيه الأدب السومري والأكادي فضلاً عن التطور في القانون والرياضيات والإدارة والفلك وغيرها، وكذلك العصر البابلي الحديث والعصر الآشوري الحديث. ولا يعرف المرء لمصلحة من تُنكر ألفا عام من التألق والإبداع في تاريخ الحضارة القديمة؟
من الخطأ تصور أن الكتابة الأولى في تاريخ البشرية ابتكرت بين ليلة وضحاها في مدينة أوروك خلال دور أوروك الأخير (المعاصر للطبقة الرابعة من طبقات موقع المدينة) نتيجة لمجيء “السومريين”. فقد أثبتت نظرية “الترميز” (Tokenism)، التي طورتها مجموعة كبيرة من العلماء، أن ابتكار الكتابة الأولى كان نتيجة لسلسلة طويلة من الممارسات التوثيقية التي ابتدأت في العصر الحجري الحديث (في الألف التاسع قبل الميلاد) وجاء الدليل المادي عليها، وعلى تطورها، من معظم مواقع الشرق الأدنى الأثرية. وقد مر هذا التطور بثلاث مراحل رئيسية سبقت مرحلة التوصل إلى الكتابة الصورية الأولى. وفي الطبقات الأثرية في موقع مدينة أوروك ظهر سياق تطور “الترميز”، قبل الوصول إلى الكتابة الصورية، بشكل واضح لم يقدمه موقع آخر. ولذلك لا تزال هذه المدينة تعد المهد الحقيقي للكتابة حتى وفقاً لنظرية “الترميز” التي أثبتت أن هذا الابتكار، ذا الأهمية الكبرى في تاريخ البشرية، وصل مرحلة نضوجه في دور أوروك الأخير، ولم يكن “طفرة” حضارية، لأن جذوره تضرب في عمق التاريخ. ولمن يريد معرفة المزيد عن نظرية “الترميز” يمكن القول إنها نظرية عمل عليها علماء من أجيال مختلفة ابتداء من الفرنسي ليون ليغراين (1921م)، وأسهم في العمل عليها ليو أوبنهايم (1959م)، بيير آميه (1966م)، مارك برانديس وستيفن ليبرمان (1980م)، صباح عبود جاسم وجوان أوتس (1986م) ودنيس شماندت – بيسرات في العقود الأخيرة. وبسبب الاستغراق في التخصص الضيق نجد اليوم أن عدداً من المتخصصين يتجاهلون، أو يجهلون، دلالة هذه النظرية.
الفراتيون الأوائل وبناء الحضارة في وادي الرافدين
في أربعينيات القرن العشرين (1943– 1945م) نشر عالم المسماريات الألماني بينو لاندزبيرجر، بحثاً على درجة كبيرة من الأهمية في مجلة “اللغة والتاريخ- الجغرافيا” التي تصدرها جامعة أنقرة. ولاندزبيرجر يعد أبرز علماء المسماريات واللغة السومرية في القرن العشرين، وهو الذي أعد “مادة المعجم السومري” (MSL) من المعاجم المسمارية القديمة وأصدرها في سلسلة علمية صارت أساساً لكل دراسة تخص اللغة السومرية والمسماريات عموماً. لقد توصل لاندزبيرجر في بحثه ذاك إلى أن هناك كلمات في النصوص المسمارية، ذات دلالات حضارية مهمة، كانت تعد سومرية من قبل لأنها ظهرت أولاً في النصوص السومرية في الألف الثالث قبل الميلاد، واستمر استعمالها في النصوص الأكادية خلال عصور الحضارة المختلفة، لكنه وجد أنها لا تنتمي إلى السومرية أصلاً ولا إلى الأكادية. وكان دليله الرئيسي على ما توصل إليه هو أن تلك الكلمات تتألف من مقطعَين، أو أكثر من ذلك، بخلاف معظم الكلمات السومرية التي كانت تتألف من مقطع واحد فقط. كما أنه توجد خصائص لفظية في تلك الكلمات، وخصوصاً في أواخرها، غير مألوفة في الكلمات السومرية. لقد أرجع لاندزبيرجر تلك الكلمات إلى قوم مجهولين دعاهم باسم “الفراتيين الأوائل” (Proto-Euphrates). ولم تقتصر أهمية هذه الكلمات على عددها الكبير (أكثر من أربعمئة كلمة) وإنما على كونها أيضاً تشمل أسماء معظم المدن الرئيسية القديمة في جنوب العراق ووسطه وشرقيه، وأغلبها كان يعد سومرياً، فضلاً عن اسمي دجلة والفرات. وتشمل هذه الكلمات أيضاً أسماء أهم المهن والصناعات والمصطلحات الزراعية. وهذا يدل على أن أولئك القوم هم بناة حضارة وادي الرافدين وليس السومريون.
وفي عام 1960م قدم عالم كبير آخر من أبرز علماء المسماريات، وهو إغنيس جيلب، الذي أشرف على مشروع معجم شيكاغو لسنوات طويلة، بحثاً إلى المؤتمر الدولي التاسع للآشوريات في جنيف أكد فيه بقوة نظرية الفراتيين الأوائل، وأضاف في بحثه تسع حجج مبرهنة لغوياً وأثرياً على أن اللغة السومرية لا تصلح دليلاً على وجود عرق أو هوية قومية سومرية متميزة عن الهوية الأكادية، وعدها جزءاً من الواقع اللغوي القديم المتعلق بالكتابة وغير المنفصل عن التدوين بالأكادية. وفي عام 1973م قدم الأستاذ الراحل طه باقر، العالم الموسوعي العربي الوحيد في الآثار والمسماريات في القرن العشرين، عرضاً علمياً رصيناً لنظرية الفراتيين الأوائل، مؤيداً كونهم بناة حضارة وادي الرافدين القديمة ومؤكداً أن تسمية السومريين “لا تحمل مدلولاً قومياً”، وأن “ما سمي بالحضارة السومرية هي ليست سوى حلقة تمتد جذورها الأولى في عصور ما قبل التاريخ” ولا تمثل عنصراً طارئاً يمكن فصله عن سياق تطور حضارة وادي الرافدين خلال تاريخها الطويل.
من هم “الفراتيون الأوائل”؟
كان لأهم نظرية، طرحت حتى الآن، عن بناة حضارة وادي الرافدين الأوائل، أن تطور وتستكمل جوانبها وتعزز بالدليل الأثري. ولكن هذا لم يحصل للأسف الشديد، بل حصل العكس. فقد انهمك اللغويون بقراءة نصوصهم، وانشغل الأثريون بحفرياتهم. وتصدى من هم ليسوا باللغويين ولا بالأثريين للتحدث والكتابة عن حضارة عظيمة غزيرة الإنجازات ومعقدة التكوين من غير علم بها ولا دراسة، فثبتوا المفاهيم السطحية الواهية وجعلوها من المسلمات. ويحدث اليوم إصرار غريب على أن تسمى حضارة وادي الرافدين بالحضارة “السومرية”، وتطغى صفة “السومرية” على لغاتها القديمة على الرغم من أن جل مآثرها كانت باللغة الأكادية. ولا يقتصر مصدر التحريف هذا على ما يأتي به البعض في بلادنا بل انجرف به الأجانب أيضاً في غياب كبار العلماء المختصين. ويلاحظ أن الأحاديث في مواقع التواصل اليوم تكون تحت عنوان “الحضارة السومرية” حتى وإن كان الموضوع الفن الآشوري أو العصور البابلية. ومما يثير الشكوك والأسف أنه صدر كتاب في أمريكا قبل سنتين، موجه للناشئة، عن “الحضارة السومرية” وحمل غلافه صورة للمئذنة الملوية في سامراء مع شرح يصفها على أنها “الزقورة السومرية”، ولا يعلم لمصلحة مَن يحدث هذا في بلادنا، على وجه الخصوص، وفي بلدان الغرب.
يتبقى سؤالان لم تجب عنهما نظرية الفراتيين الأوائل، لكن الإجابة عنهما نضجت من خلال الدراسات والمكتشفات الحديثة. السؤال الأول عن الدليل الأثري الذي ينبغي أن يدعم هذه النظرية. والسؤال الثاني هو ببساطة: من كان أولئك القوم؟ السؤال الأول أجابت عنه عمليات التنقيب الأثري في وادي الفرات ورافديه البليخ والخابور في سورية. وهي عمليات جرت بكثافة منذ سبعينيات القرن العشرين، وقد كشفت عن أن وادي الفرات ورافده الرئيسي الخابور استوطن منذ ظهور أولى القرى المستقرة في التاريخ، ولم تنقطع السكنى فيه بعد ذلك. وكان هذا قبل العصر الحجري الحديث (مواقع أبو هريرة، مريبط وخشام). ومن العصر الحجري الحديث كشف حتى الآن عن 15 موقعاً. من العصر الحجري – النحاسي كشف عن ثلاثة مواقع من دوري حسونة وسامراء، و24 موقعاً من دور حلف. أما في دور العبيد، الذي حدث فيه الانتشار العظيم إلى وادي الفرات في جنوب العراق، فقد بلغ مجموع المواقع المكتشفة في سورية حتى الآن 68 موقعاً منها ستة عشر في وادي الفرات والخابور فقط. وفي دور أوروك بلغ عدد المواقع المكتشفة حتى الآن اثنين وعشرين. هذه الحقائق تفصح عن الموطن الحقيقي للفراتيين الأوائل وتوضح من أين انحدروا إلى جنوب العراق حاملين تراثاً حضارياً عميقاً وتراكماً للخبرة الحضارية على مر العصور المتواصلة، وما كانوا قادمين من المجهول أو من المنبسطات الخالية. فوادي الفرات موطنهم منذ فجر التاريخ ومهد حضارتهم.
أما الجواب عن السؤال الثاني فيتجلى من خلال الدراسات اللغوية الحديثة، ومن ضمنها ما يحدد الكلمات ذات الأصل غير السومري ولا الأكادي كالتي أرجعت إلى الفراتيين الأوائل. فالتمعن في هذه الكلمات يقود إلى أن معظمها مشترك في اللغات “السامية” الشقيقة: الأكادية، الأمورية / الكنعانية، الآرامية والعربية. ومن هذه الكلمات: تِبِرا (العدّان، العامل على المعادن)، نَجار (نجار)، مَلّاخ (ملاح)، ﭘَﺨّﺎر (فخّار، صانع الفخار)، دامجار (تاجر)، إشبار (حائك) وأشجاب (إسكافي). يدل هذا على أنها كلمات تعود إلى الأصل المشترك لتلك اللغات الشقيقة. وأشار إغنيس جيلب إلى حقيقة مهمة، وهي أن انتشار المدن التي أرجعت أسماؤها إلى تراث الفراتيين الأوائل يطابق انتشار مواقع دور العبيد أثرياً، مما يعني أن سكان دور العبيد ما كانوا سومريين (وهو ما يجمع عليه العلماء حالياً)، وأنهم كانوا امتداداً للسكان القدماء وأصلاً للسكان اللاحقين. وتؤيد هذا المنحى حقيقة أثرية مهمة، وهي أن معظم المدن الكبرى الأولى في جنوب العراق تطورت من قرى دور العبيد التي كانت بقاياها تكتشف في الطبقات السفلى من موقع كل مدينة كبيرة قديمة. وانتقل أولئك السكان أنفسهم إلى دور أوروك اللاحق، وحينها نقلوا مرحلة الرموز القديمة إلى الكتابة الصورية التي أعطيت علاماتها أصواتاً في ما بعد. وكانت تلك الأصوات نواة طريقة الكتابة الأولى التي أطلقت عليها النصوص الأكادية اسم “السومرية”. ووظف الخط السومري وعلاماته لتدون به اللغة الأكادية منذ عصر فجر السلالات. وجرى ذلك كله دون ورود إشارة واحدة إلى وجود “سومريين” في النصوص السومرية إطلاقاً، وإنما استعملت الصفة “سومري” في النصوص الأكادية للدلالة على الكاتب الذي يتمرن على الكتابة السومرية مهما كان أصله، وهذا ما ثبتته معاجم اللغة الأكادية الحديثة.
ومن وثيق الصلة بهذا الموضوع أن تورد هنا حقيقة أثبتتها عمليات التنقيب في تلول أبو الصلابيخ، في ناحية الدغارة في محافظة الديوانية العراقية الحالية، وهو موقع مدينة أيريش القديمة في عصر فجر السلالات. فقد كشفت تلك العمليات عن ألواح طينية تحمل أولى قطع الأدب المدون بالسومرية، وكانت المفاجأة الكبرى أن أسماء مؤلفي تلك القطع كانت أمورية / كنعانية وليست سومرية، وكذلك كان سكان المدينة نفسها. ومن الملفت أن هذه المدينة كانت في حالة تشبه التوأمة (سكانياً ومعرفياً) مع مدينة أمورية مهمة أخرى، وهي أيبلا (تل مرديخ في سوريا حالياً) على الرغم من بعد المسافة في ما بينهما. ومن الناحية اللغوية فإن اللغة الأمورية/ الكنعانية، التي تأخر تدوينها، هي اللغة الأقرب إلى الأصل المشترك القديم للغات “السامية” بدليل احتوائها على أكبر نسبة من الكلمات المشتركة بين تلك اللغات الشقيقة. والآن يخلص المرء، من فهم هذا الواقع السكاني القديم، إلى أنه من الضروري دراسة دور كل قوم في تطوير حضارة وادي الرافدين على أسس جديدة مستقبلاً.