Skip to content Skip to footer

صانع النص في المنظور الرقمي| ريم حبيب

انتشر في الآونة الأخيرة، مصطلح رواية الواقعية الرقمية والشعر الرقمي الذي لا يخلو من جاذبية محفوفة بمختلف الوجهات الجديدة، وسرعان ما اتضحت المواقف؛ فهناك مَن قال: إن الأدب الرقمي بدعة، فلا هو موجود ولا معدوم، ولا هو معلوم ولا مجهول، ولا منفيّ ولا مثبت، وهناك مَن قال إنه مغامرة في ظل العصر الرقمي الآخذ بالتشُّكل، بينما تبناه البعض كونه جديداً في موضوعه وفي طرحه وأفكاره وأدواته، بتأكيدهم أنه لبنة جديدة في صرح الثقافة العربية بعامة وفي صرح الأدب العربي بخاصة. لقد اشتد الجدل واتخذ صيغاً متعددة، ويبدو من المخالف للصواب، محاولة تقرير نجاح ومستقبل الأدب الرقمي قبل معرفته، والتعرف عليه بعلامات واضحة ومحددة.


 

في نفس الوقت؛ لا بد من توصيفه، وهذا أمر ضروري؛ فهو يعبر عن مرحلة تجعل منه موضوع تجارب دائمة على الرغم من أن هناك الكثير من التعقيد الذي يحيط به باستخدامه تقنيات رقمية، فالتجربة الأدبية هنا من صميم المعرفة التقنية والعلمية، وهذا ما يستعصى إدراكه، فهو لا يركز على أحداث وإنما على حداثة، ليشكل منها كاتبه وقارئه وناقده؛ الذين يتشاركون لتحقيق التفاعل النصي وإنتاج المعنى، وبذلك هم صنَّاع. والكتابة هنا صناعة؛ لأن المسألة ذات طبيعة تقنية، تتوقف على احتراف التكنولوجيا بما يجعل الواقع المرئي ملموساً ينطوي على رؤياه الخاصة، فتطور الوسائط التقنية، يشجع على اختزال اللغة وتحويلها إلى صوت وصورة للتعبير عن الوجود الافتراضي الجديد. وعلى غرار ذلك، نرى أن الصانع هو الذي يضع الشكل السردي للحكاية بما يكفل لها الاستمرار. وهذا يتطلب وجوداً فنياً؛ له بعد تقني، وتنظيمي وقيمي، إلى جانب التكنولوجيا، وعقلية متفتحة لتدخل بقوة إلى عالم تحقيق الأحلام، حسب توصيف أتباع الأدب الرقمي. 

بذلك يؤسِّس الأدب الرقمي تركيباً فنياً جديداً، ولغة مصوغة من كلمات، إضافة إلى المؤثرات سمع البصرية وفن المحاكاة.. وغيرها من التقنيات الرقمية، الموظفة من أجل أن تمثلَ عتباتٍ نصيِّة تخفي وراءها نصوصاً، أو مشهداً سينمائياً، أو لقطة فيديو تجسِّد محتوى الجملة، موزعاً أعرافه وقوانينه ومقاديره، محلقاً بالخيال، مزاوجاً بين الأدب والتكنولوجيا، مجنداً من تقنيات شبكة الإنترنت في إنتاج أدبي عربي جديد، مستفيداً من ثورة الوسائط المتعددة ومن تقنيات النص المرجعي الفائق “هيبر تكست” (Hyper text). غير أن إضاءة هذا المفهوم الجديد تبقى ناقصة إذا لم نتحدث عن اللغة المستخدمة في الأدب الرقمي؛ فهي لغة مشهدية، يتداخل الشعري فيها بالسردي، وتكتب الكلمة بالصورة والصوت والمشهد السينمائي. فهنا صانع النص يتحرَّر من اللغة الطقوسية التي تملك صيغها المجربة، ويعطينا الكلمات بإبعادها، وتتلاشى هي نفسها في هذا الاستعمال التقني الخفيّ، فتعود من جديد خلفية المشهد اللا متناهي، لتصبح اللغة وسطاً أكثر مما هي وسيط محايد. نحن هنا لا نتحدث عن تجربة عابرة؛ بل عن عملية يتوالد منها العمل الأدبي، وتتجسد فيها ضرورات ثابتة لصناعة محتوى أدبي غير مألوف.

لكنَّ التجديد الفعلي يتعين بآفاقه اللاحقة، فنقض الأصل ليس كافياً للتحول، وتفتُّت الكليِّ لا يكثِّف روحَ العصر؛ فالتركيز هنا على فكرة الحداثة وآثارها، والعصر الرقمي التصفوي، لا يلبث أن يتخلى عن أسماء موروثة، ويخلق أسماء أخرى تغاير ما سبقها ولا تقبل بها، ومن ثمَّ تصبح العناصر المتعددة أدباً بما يضاف إليها في زمن رقمي لا يسائل الأصول، متطلعة إلى مستقبل تعبِّر فيه عن ذاتها في سياق مغاير، معلنةً عن جدل الحضور والغياب والتداعي والتجدد في آن، لا بمعنى صراع الأجيال؛ بل بمعنى الخروج من المعقول إلى اللا معقول. هكذا اتفقت الرواية الرقمية والشعر الرقمي مع التكنولوجيا؛ لتخلق فضاءاتها المتعاقبة، محددة ببدايات يستهلها السديم، ونهايات مجهولة قيد الاكتشاف. قد شبه فلوبير الأشكالَ الأدبية بالدورق الممتلئ بالماء أو النبيذ، فكسر تلك الأشكال لا يحرِّر الماء المنسكب من الدورق فحسب، وإنما قد ينتج عنه أيضاً شظايا لا بد أن تجرح أصابعنا بواسطتها.

هذا لا يعني أن علينا أن نخشى الانتقال من قالب إلى آخر، رغم أن طبيعة الأدب تستند إلى التقاليد، بينما تفصح طبيعة الأدب الرقمي عن نص يختفي فيه مفهوم الكاتب، ليحلّ بدلاً منه صانع النص، كما يختفي فيه مفهوم القارئ، ليحل محله مفهوم المستعمل، وتستدعي حضوراً لخبير في البرمجة المعلوماتية، ومبدعاً خاصاً بالموسيقى والصورة؛ فثمة خطابٌ ثلاثي الأبعاد، لذا لا يمكننا أن نتحدث عن المتخيّل في الرواية الرقمية أو الشعر الرقمي، ولا عن الأسلوب والأفكار، فتطور الأدب الرقمي ما زال منحصراً في الأدوات لا في المفاهيم والنظريات، بما يندرج تحت ظاهرة العولمة، عولمة المعلومات والمعرفة؛ فهو (ديزاين) تكنولوجي نابض بالصوت والصورة، وكل هذا يندرج في بلاغة مضادة للبلاغة التقليدية؛ قوامها حوار الخطابات، وعقد نصية، ومقاطع فيديو وأغان. فهي المتخيل الخالص، المبرأ من خارجه، بتعددية العناصر في فضاء مفتوح لا يكف عن التغيُّر بتركيبات لا متناهية. صحيح أن تلك المزايا التي يتحلى بها الأدب الرقمي، ليست إلا مزايا تقنية لا يمكنها أن تصل إلى الجميع، أعني المبحر أو المستعمل، حسب توصيف الأدب الرقمي للقارئ، إذا ما كان جاهلاً باستخدام روابط تصويرية مشهدية وروابط ناقلة إلى نصوص حركية، وروابط تجاور نص المتن. وهناك مركز يشدّ هذه الروابط جميعاً. 

وهنا ندخل مستوى آخر من الاعتبارات في جعل الأدب الرقمي متاحاً لمن يملك المعرفة التقنية، أما مَن يصنف جاهلاً في التكنولوجيا فلا حاجة له لأن يقرأ أو لأن يبحر، وهذا التخصص سيشكل عقبةً وحاجزاً في انتشار هذا النوع من الأدب. لكنها التكنولوجيا التي تخلق الزمن وتطويه، وتلغي التكرار، لتفصح عن مقولات معينة ترتبط بالفعل المتزامن، الذي يحيل تلك التركيبة الذهنية لزوماً إلى قالب، وفكرة، دون أن يتعين فيها المجاز الأدبي بلغة معينة، أو التجريد الفني الدال بلغة أخرى. إذن ليس هو القبول وليس هو الرفض الذي يجعلنا نطرح الكثير من الأسئلة حول ماهية الأدب الرقمي ومستقبله باعتباره ناشئاً، وخاضعاً لمنطق الخطأ والتجريب، عدا أن الأعمال الرقمية ما زالت قليلة في العالم العربي؛ لكن ما قيمة هذه الأسئلة؟ وماذا تعني؟ هذه أيضاً أسئلة أخرى تحتاج إلى دورة من الزمن، حتى يتقصى الزمان نفسه ويختبرها. إذ إن الأدب الرقمي لن يتوقف عند شكل معين؛ لأن ما يميزه قدرته الدائمة على اتخاذ أشكال مختلفة باستخدام الصيغ المختلفة للتقنيات الرقمية التي لم تستخدم بعد، وهي في تطور مستمر، مشكلة هوية فكرية يتماهى فيها العلم والأدب في عصر جديد، هو العصر الرقمي، وفي مجتمع جديد هو المجتمع الرقمي.