ربما يكون المعلمُ الأساسيُّ للفكر الماركسي هو تاريخيَّته؛ بمعنى أنه انبثق من روح الحقب التاريخية التي شاد عليها بناءه النظري المستند إلى البنى التحتية للمجتمعات. لم يشيِّد ماركس نظرياته الاقتصادية والاجتماعية وهو قابع في برج عاج، كما فعل غيره من الفلاسفة المثاليين واللا تاريخيين؛ بل جاءت نظرياته ومنهجه المادي الجدلي التاريخي من رحم الوجود المادي. وقد لخَّص ماركس ذلك بالقول إنه وجد هيجل واقفاً على رأسه، فأوقفه على قدمَيه.
وعلى الرغم من أن الأدب له طريقته الخاصة في التعبير عن التاريخ؛ فإنه يشترك مع الفكر في حقيقة أن كليهما يمتحان من الواقع. إن الأدب الذي لا يرصد التحولات الكبرى التي تعيشها المجتمعات لا يُنظَر إليه بعين الرضا من قِبل النقاد، حتى لو كان مستوفياً أعلى المعايير الجمالية والفنية. ودليلنا على ذلك أن حالة البؤس والشقاء التي كان يعيشها العامل الأوروبي تحت الجشع الرأسمالي واستئثار الطبقة البرجوازية بفائض القيمة وترك الفتات لطبقة العمال والتي لا تكاد تسد الرمق، قد ظهرت في أعمال كبار الأدباء. فقد تطابقت هذه الصورة القاتمة التي صورها ماركس مع الصورة التي قدمها فيكتور هوجو في رواية البؤساء، والتي صورت حياة جان فال جان البائسة، وصورت تحالف السلطة مع الطبقة المهيمنة في ذلك العصر. ومن المعروف عن فيكتور هوجو، أنه أصبح ذا ميول يسارية بعد أن عاين بؤس طبقة البروليتاريا في عصره. بل إن التاريخ نفسه يعضد رؤية الأدب والفلسفة؛ حيث أدى كل هذا البؤس إلى اندلاع ثورات الشعوب في عام 1848.
من المؤكد أن ماركس حاول في إبان دراسته الجامعية أن يحترف الأدب، وجرَّب كتابة الشعر والمسرحية والرواية قبل أن يكتشف حقيقة أن موهبته في هذه الفنون لن تصنع منه أديباً مرموقاً. ومن المؤكد أيضاً أن ماركس كرس جهوده لاحقاً في الكتابات الفلسفية؛ وهي الحقبة التي ينعتها ألتوسير بحقبة ماركس الأول. ويبدو أن ماركس في هذه الحقبة كان صدًى لفيلسوفَين كبيرَين سابقَين عليه هما هيجل وفيورباخ. وقد ظهرت بوضوح في كتاباته مصطلحات الاغتراب والتشيؤ التي تشي بتأثره بهما. كان ذلك في مخطوطات 1844 التي تعتبر آخر عهده بالكتابة الفلسفية؛ حيث تحول بالكامل للكتابة في حقل جديد تماماً هو نقد الاقتصاد السياسي.
ويمكن القول إن هذا الحقل هو الذي صنع ماركس الذي نعرفه اليوم، والذي يظهر بشكل ناضج في كتاب رأس المال. على الرغم من تجاوز ماركس المبكر للكتابة الأدبية؛ فإنها أسهمت بشكل واضح في أسلوبه في الكتابة في مرحلته الناضجة. وربما تكون هذه المسألة من الأسباب التي جعلت كتاباته في الاقتصاد السياسي نافذة وعميقة ومحملة بالتعاطف وتقمص المعاناة الإنسانية التي تعيشها طبقة العمال في ظل رأسمالية جشعة لا تعرف غير الربح وتحقيق أقصى فائض قيمة. حفل كتابُ رأس المال لكارل ماركس، بالإضافة إلى كتبه الأخرى، بالإحالات والاقتباسات من الأعمال الأدبية في عصور مختلفة. وربما يكون شكسبير قد أخذ مساحةً واسعةً نسبياً واهتماماً من قِبل ماركس؛ بسبب أن شكسبير قد عايش حقبة مهمة على صعيد التنظير الاقتصادي لم يعشها ماركس، وهي المرحلة المبكرة من الرأسمالية التي تعرف بالحقبة الميركانتالية التي كان يسود فيها اقتصاد المراباة قبل نشوء الرأسمالية الصناعية المنتجة. وقد أطلق ماركس على اقتصاد هذه الحقبة مسمى اقتصاد الديسبورة.
في هذه الحقبة، حقبة القرن السادس عشر، لم تكن الدولة القومية الأوروبية قد تبلورت بعد؛ حيث إنها تبلورت بعد وفاة شكسبير في معاهدة ويستفاليا في عام 1648. قبل هذا التاريخ كان التاجر في أوروبا غير مرتبط بدولة قومية ومجتمع؛ بل إن همَّه الأول والأخير كان تحقيق أرباحه الفاحشة ثم حمل أمواله إلى بلاد جديدة تحقق له أرباحا أضخم. هذه الحقبة تحديداً، كان شكسبير قد عبَّر عنها تعبيراً عبقرياً جعل ماركس يستلهمه ويضمنه في أعماله. وعلى الرغم من أن ماكس فيبر قدم صك براءة للرأسمالية المنتجة واستطاع ربطها بنجاح بالتقشف البروتستانتي؛ فإنه أغفل الحديث عن الرأسمالية ما قبل الإنتاجية، وأغفل كذلك مسألة التشكل البدئي لرأس المال، والذي يبقى وصمة عار في تاريخ الرأسمالية. وحتى لو ذهبنا مع فيبر في تجاهل حقبة الرأسمالية المرابية باعتبارها فترة انتقالية عابرة، فإن عودة هذه الرأسمالية بشكلها الفج في الليبرالية الجديدة المعتمدة على اقتصاد السوق تُعيد إلى الأذهان أهمية وراهنية النقد الماركسي للجشع الرأسمالي المغترب عن المجتمع، وتعيد أيضاً إلى الأذهان التصوير العبقري الشكسبيري لهذه الحقبة في مسرحياته.
ويبدو أن شكسبير عصي على الانقراض، وستظل نصوصه تفرز تداعيات جديدة في كل عصر. إن الاغتراب عن المجتمع الذي صوره شكسبير في شخصية المرابي شايلوك، يعود اليوم بشكله القبيح في اغتراب قوى الرأسمالية المعولمة العابرة للدول القومية؛ حيث نلحظ تعملق الشركات متعدية الجنسيات وامتلاكها سلطات أقوى من سلطات الدول وانعزالها عن المجتمعات وهموم الشعوب. وإذا حاولنا البحث عن صورة شايلوك هذا العصر فسوف نكتشف على الفور أنه متمثل في صندوق النقد الدولي، الذي أفقر شعوب الجنوب ودمر مجتمعاتها. بلغ من ولع ماركس بشكسبير للحد الذي جعله يقيم في عام 1877 منتدى منتظماً في بيته تحت اسم منتدى دوجبيري لقراءة أعمال شكسبير وتمثيل مسرحياته وإنشاد أشعاره. اقتبس ماركس من شكسبير أو أحال إليه في 176 موضعاً في مؤلفاته المختلفة. وقد وظف في رأس المال في الجزء الأول مسرحية تاجر البندقية في أكثر من موضع. فقد شبَّه قانون عمل الأطفال اللا إنساني بالعقد الذي أبرمه شايلوك باقتطاع رطل من اللحم من صدر أنطونيو في حال عجز صاحبه عن سداد الدين. وقد كان شايلوك يكره أنطونيو؛ لأنه كان يقرض المال للناس من غير ربا، ما عرض أعمال شايلوك في المراباة للكساد. ويشير ماركس إلى حقيقة أن الرأسمالية، سواء في صيغتها المتقدمة أو صيغتها المرابية البدائية، تقوم على شراء عمل العامل وتحويله إلى ملكية من ممتلكات الرأسمالي، وتنص على أن دم ولحم المدين (العامل) هو ملك للأرستقراطي.
يبدو أن ماركس أفاد كثيراً من شكسبير في سياق نقده القيمة التبادلية التي ميَّزت الحقبة الرأسمالية؛ حيث إن الكثير من العناصر التي وظفها ماركس في نقده الجدلي، مستقاة بشكل واضح من مسرحيات شكسبير. وهذا الاستلهام لا يرتقي ربما للأثر المباشر؛ بل يمكن إدراجه تحت مفهوم التناص الذي يفيد بعدم وجود نص مهما كان شكله وجنسه يظهر من العدم المحض وكأنه نبت شيطاني؛ بل إن كل نص جديد يعتمد بالضرورة على نصوص سابقة عليه؛ سواء على صعيد الشكل أو على صعيد الأفكار الواردة فيه. ومن المؤكد أن كتابات شكسبير قدمت لماركس مادة مفهومية وقالباً لغوياً استطاع تضمينها في تحليلاته الاقتصادية الفلسفية.
وربما تكون مسرحيات شكسبير قد لعبت دوراً في استجلاء التطور التاريخي للديالكتيك، بدءاً من شكله الكلاسيكي اليوناني، وصولاً إلى شكله الهيجلي كقوة معرفية معبرة عن المعنى من خلال التاريخ. إن التحولات والتقلبات التي نعاينها في مسيرة ماركس في حقول المعرفة المختلفة ناجمة بالدرجة الأولى عن كونه قارئاً من الطراز الرفيع؛ فقد أمضى آلاف الساعات وهو يطالع مختلف الكتب والتخصصات في مكتبة المتحف البريطاني في لندن واطلاعه الواسع على مختلف مقتنيات المتحف من المخطوطات، والتي عمقت حسه التاريخي المرهف. كما أن مكتبة تشتهام العريقة في مانشستر احتضنت ماركس أثناء زياراته المستمرة لإنجلز طوال العقدَين اللذين أقام فيهما إنجلز في مانشستر. كل هذا يؤشر أن ماركس في كتاباته كان يمتح من ألف بؤرة وبؤرة، ما جعل كتاباته خالدة وتحمل الطابع الإنساني العميق إلى جانب التحليل الاقتصادي الدقيق.