“أوغاد، قساة، مغفَّلون، فئران، تافهون، شريرون، ماعز، قمامة، راكبو الجمال”. هذه بعض مفردات معجم السينما الهوليوودية الراسخة في توصيف صورة العرب والإسلام على الشاشة. سينما استمدت معالجاتها من موروث الاستشراق الأوروبي في القرنَين الثامن والتاسع عشر، ذلك أن الرحَّالة الأوروبيين كرسوا في كتاباتهم صورة سوداء للعقيدة الإسلامية بوصفها منبع الإرهاب، ومستعمرةً للقذارة والفساد، ومجتمع الحريم الذي يهيمن عليه “الرجل الكسول ذو اللحية”. صورة كاريكاتيرية تحتشد بكل ما يدعو إلى الاحتقار والازدراء والدونية، يجري تكرارها فيلماً وراء آخر بقصد ترسيخها في ذهنية المتلقي عن هؤلاء المتوحشين والمتعصبين والمهووسين بالمال والنساء والحروب.
في هذا المقام، علينا أن نوجه تحية خاصة إلى الباحث والمؤرخ الأمريكي، من أصول لبنانية، جاك شاهين، الذي كرَّس حياته المهنية لفضح مآرب السينما الأمريكية حيال صورة العربي والمسلم؛ إذ عمل على تحليل مئات الأفلام التي شوَّهت هذه الصورة، عدا حفنة قليلة من الأشرطة التي خرجت عن الصورة النمطية للإسلام ما بين عامَي 1896 و2000، مطالباً بتصحيح الصورة كما ينبغي لها أن تكون، وذلك بتحطيم القوالب النمطية في هذه الأفلام، وهو ما نجده على نحوٍ خاص في كتابه الموسوعي “شريط العربي السيئ: كيف شيْطَنتْ هوليوود شعباً”. لكن الجرعة المركّزة في الانحياز ضد العرب والإسلام سينمائياً، أتت بعد حرب حزيران (يونيو) 1967، ثم بعد حرب تشرين (أكتوبر) 1973، إثر حظر تصدير النفط، وصولاً إلى ما بعد نهاية الحرب الباردة. ففي النسخة الأولى من فيلم الرسوم المتحركة “علاء الدين” للمخرجين رون كليمنتس وجون مسكر (1992)، المقتبس من حكايات “ألف ليلة وليلة”، تورد عبارة موحية تختزل صورة العربي من وجهة نظر مضادة “جئتُ من أرضٍ بعيدة، حيث تتجوَّل الجمال، ويقطعون أذنك لو لم يعجبهم وجهك، إنها بربرية”. وستفتح هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 البابَ على مصراعيه في شيطنة الإسلام وتعميم صورة الإرهاب؛ لتبرير “الحرب المقدَّسة” على هؤلاء الأشرار.
ولكن مهلاً، هل يمكننا أن نعوِّل على إسهامات جيل من صانعي الأفلام العرب المستقلين في محو النمطية السلبية عن العرب؟ في الواقع، بالكاد نقع على مثل هذه الأطروحات البصرية، فمعظم هؤلاء يتطلع إلى منحة إنتاجية (ملغومة؟) مقابل تقديم سلعة مرغوبة لدى الآخر، بضاعة مستلة من خرافة المجتمعات التي تتدثر بعباءة الجهل والتخلّف وعفونة القاع. تأتي خطورة مثل هذه الأفلام عموماً، من أنها نتاج شراكة بين المؤسسات العسكرية الأمريكية وشركات الإنتاج الهوليوودية، فهما جناحان لغراب واحد بالنعيق ذاته، الأول يغذِّي الثاني في تشويه الصورة، ونزع الصفة الإنسانية عن الشخصية العربية باحتضان مثل هذه القيم السلبية، وتالياً، ترسيخ كل ما هو قذر وشرير ومتوحش، وضخّه في وجدان المتلقي، فما أن تدور بكرة فيلم من هذا الطراز، سنلتقي بالضرورة “شخوصاً بلحى سوداء وأغطية على الرأس ونظارات سوداء.
وفي الخلفية سترى سيارات الليموزين، والحريم وآبار البترول والجمال، أو ربما كان يخفي أسلحة أوتوماتيكية وهوس الكراهية يطل من عينَيه وكلمة الله على شفتيه، فهل تستطيع أن تراه؟” صورة ثابتة طوال قرن كامل كما لو أنها معلَّقة على جدار، لم تمتزج بالألوان الطبيعية، بدت مثل وصية بالأبيض والأسود، لم تخلخلها التقنيات البصرية، إنما زادتها تشويهاً، فجمال الصحراء في أفلام العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات، لا بد أن يعمل العربي المسلم على تلطيخ قماشة هذا الجمال بالغدر والخيانة واللصوصية وخطف النساء، وسوف يُغلق القوس على شخصية “الإرهابي المتعطِّش للدماء، إمعاناً في معادة الإسلام والمسلمين”، إذ اختفت صورة الشيوعي لتحل محلها صورة المسلم الذي لا يتورع عن قتل الأبرياء، فهو مصدر الإرهاب العالمي الذي يجب القضاء عليه، من دون ندم. ولعل المنعطف الحاسم في هذا النوع من الأفلام أتى مع هبوب ريح أحداث 11 أيلول (سبتمبر)، إذ أُضيفت توابل جديدة بجرعة أكبر عمَّا كانت عليه قبلاً، لجهة تصدير الإرهاب وترسيخ صورة ذهنية عن الكراهية لا التسامح الإسلامي، فظهرت شخصية الجهادي بمعالجات سينمائية أكثر احترافاً. إن أفلام هوليوود المبكرة؛ مثل “الشيخ” و”الليالي العربية”، لها تاريخ طويل من النظرة الاستشراقية للشرق الأوسط، إذ تصوره على أنه أرض خيالية وصحراء سحرية مليئة بالجن والسجاد الطائر والرجال الأثرياء الذين يعيشون في قصور فاخرة مع “الحريم”، وجرى تصوير المنطقة على أنها متخلفة وتحتاج إلى مهمة “تحضيرية” من قِبل “الغرب المستنير”.
ومع ذلك، لم تكن هذه الصورة مسيئة كثيراً بالنسبة إلى سكان الشرق الأوسط مقارنةً بما جرى في وقت لاحق من ربط الإسلام بالإرهاب؛ إذ صورت مئات الأفلام الهوليوودية المسلمين باعتبارهم “دخلاء وأجانب معادين” يعتزمون استخدام الأسلحة النووية. وتوضح دراسة لباحثين باكستانيين؛ هم: محمد يوسف، ونومان سيل، وعدنان مناور، ومحمد شهرزاد، أن السينما الأمريكية عملت لتحقيق أهداف سياسية عن طريق تشويه صورة الإسلام، واعتمدت في ذلك على مجموعة من المصطلحات والمفاهيم، مثل الإسلام الراديكالي، والإسلام المتطرف، والميليشيا الإسلامية، والإسلام الأصولي، والأسلمة، والإسلام الثوري. واستخدام هذه المصطلحات يشكِّل أساساً فلسفياً ودعائياً لعملية بناء الصورة النمطية السلبية للإسلام والمسلمين، والتي تدفع الجمهور لتأييد العدوان الأمريكي على الدول الإسلامية. وهذا يعني أن “حرب الكلمات والمفاهيم”، أسهمت في بناء المنظور السينمائي الهوليوودي للإسلام، وأن السينما وسيلة للدعاية والتلاعب باتجاهات الجماهير والتأثير على الرأي العام”.
هكذا لعبت صناعة السينما الأمريكية دوراً مهماً في “حرب الصور”، وقامت شركات الإنتاج السينمائي في هوليوود بتقديم الكثير من الأفلام التي استهدفت بناء صورة إيجابية للشخصية الأمريكية في مواجهة صورة نمطية سلبية للآخر أو العدو، لتستقر أخيراً على تشكيل ظاهرة “الإسلاموفوبيا” أو العداء للإسلام والخوف منه وكراهية المسلمين، وهذه الظاهرة أثارت العواطف المعادية للإسلام في نفوس الغربيين والتحيُّز ضد المسلمين، وكان من أهم النتائج التي توصل إليها الباحثون الأربعة في دراستهم؛ ارتباط تقديم وسائل الإعلام الأمريكية للإسلام بنظرية صدام الحضارات التي قدمها صمويل هنتنغتون. لذلك، يرى هؤلاء أن السينما الأمريكية لم تتعامل مع الإسلام كدين، ولكنها تعاملت معه كقضية سياسية، وهذا التحيُّز “ألحق الأذى والضرر بمشاعر المسلمين الذين تم تصويرهم والتعامل معهم كأعداء”. وبناءً على هذا التراكم من الصور “أصبح الناس يرون العالم من خلال عدسات هوليوود التي لا تقدِّم الحقائق؛ ولكنها تبني الواقع باستخدام الصور وباختيار السمات التي تثير مشاعر الجماهير ضد مَن تعبدوا”. وخلص الباحثون إلى أن الصورة النمطية التي شكَّلتها السينما الأمريكية للإسلام ظاهرة مدمرة وخطيرة، فهي “تمهد للعدوان بشكل مستمر، وأن حرب الصور هي تمهيد لحرب واقعية تهدف لاحتلال الأرض وإبادة البشر، والجيوش الغربية قبل أن تطلق صواريخها تحتاج إلى صور ذهنية تمجِّد أعمالها وتحوِّل الجنود الأمريكيين إلى أبطال، كما تحتاج إلى صور نمطية تشوه أعداءهم وتقدمهم على أنهم أشرار وإرهابيون وأعداء للديمقراطية والتقدم”. على المقلب الآخر، سنجد أفلاماً قليلة حاولت إنصاف صورة العربي والمسلم في صحوة متأخرة حققها أصحاب ضمائر حيَّة. وسيبقى السؤال عن تصحيح هذه الصورة معلَّقاً في أرشيف ضخم من الأفلام المثقلة بالحقائق حيناً وبتلفيق الأكاذيب الكولونيالية طوراً.