يوجد رأيٌ عامٌّ بين المستشرقين والمؤرِّخين الكِتابيين وعلماء تاريخ اللغات مفاده أنَّ أقدم الوثائق أو المخطوطات الكلاسيكية المكتوبة باللغة العربيَّة تأتي بعد عدَّة قرون من تدوين أسفار الكتاب المقدَّس العبري؛ وبالتالي، يقتضي هذا الرأي أن تُصنَّف اللغة العربيَّة كلغة عصور وسطى، لكن المستشرق الإنكليزيّ ديفيد صمويل مركليوث David Samuel Margoliouth (1858 م-1940 م) يَعُدُّ هذا الرأي صحيحًا إذا حصرناه بالأدب العربيّ فقط…
ذلك أنَّ الكُتَّاب اليهود في العصور الوسطى الذين عاشوا في ظلّ الحكم الإسلاميّ كانوا يفترضون أنَّ العبريَّة يجب أن تكون اللغة الأقدم، بل اللغة الأصلية للبشرية، ولكن لفت انتباههم التشابه بين اللغة العربية ولغتهم العبريّة التَّوراتيَّة، لذلك، عند محاولتهم ترجمة وتفسير النُّصوص العبريَّة في كتبهم المقدَّسة باللغة العربيَّة اكتشفوا أنَّ اللغة العربيّة-التي أصبحت اللغة الأُم لأولئك المفسِّرين اليهود-أصلٌ للعبريّة. ومن هنا ظهرت صعوبة كبيرة تتعلّق بأنَّه كيف يمكن قبول أنَّ اللغة العربيّة بصفتها لغة عصور وسطى يمكن أن تكون أقدم من اللغة العبريّة التي يظن اليهود أنّها كانت منطوقة ومكتوبة قبل العصر المسيحيّ بعدة قرون على الأقل؟ هذا أوقع المفسِّرين اليهود في حيرة ما تزال مستمرة إلى يوم الناس هذا، وبدا الأمر وكأنه مفارقة تاريخية.
حاول مركليوث التغلُّب على هذه الصُّعوبة بتركيزه على الاكتشافات المتوالية للنقوش في جنوب شبه الجزيرة العربية؛ وهي اكتشافات بدأها المسافرون الإنكليز واستمرت بشكل رئيس من قبل المستكشفين الفرنسيين والنمساويين. وعُني مركليوث في هذا الاتِّجاه بدحض الفكرة التي كان يؤيدها مستشرقون كُثُر مثل المستشرق الفرنسيّ سلفستر دي ساسي، والتي تقول إن العرب لم يكن لديهم كتابة قبل ظهور الإسلام.
أوضح مركليوث أنَّ هذه الاكتشافات أدت إلى تراكم النُّقوش المكتوبة بأبجديات متعدِّدة لتصل إلى أعداد كبيرة؛ وبيَّنَ أنَّها تمثِّل أكثر من مملكة واحدة وأكثر من لهجة واحدة؛ بمعنى أنَّ الأسماء والسِّجلات والتَّواريخ التي احتوتها هذه النُّقوش أزالت بعض الغموض الذي كان يخيم على تاريخ شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، إذ أمكن تحديد سلسلة من سلالات الممالك الحاكمة، وتوضَّحَ أنَّ الخط الذي أظهرته هذه النقوش يمتدُّ إلى بداية الألفية الأولى قبل الميلاد، إن لم يتجاوز ذلك الحدّ، في رأي بعضهم، إلى بداية الألفية الثانية. إذن، وفق مركليوث تثبت النقوش المكتشفة في جنوب شبه الجزيرة العربيّة أنَّها ترجع إلى مرحلة قديمة تسبق مرحلة تدوين أسفار التَّوراة، بل ظهور اللغة العبريّة نفسها.
ارتأى مركليوث أنَّه سواء أكانت الممالك التي صدرت عنها هذه النقوش في جنوب شبه الجزيرة العربيّة قد اقتصرت على النَّقش على الصخور، أم أنها سجلت أفكارها على موادّ أكثر قابلية للنَّقل مثل الرقاع الجلديّة أو العظام..، فهذا لا يمكن التأكد منه؛ لكن حتى الآن، لم يتم اكتشاف أيّ أدب لها غير الوارد في النُّقوش. ولكن على الأقل، يمكن العثور على أصول للغة العبريّة في اللهجات المكتوبة لشعوب هذه الممالك بناء على ما توافر من هذه النُّقوش الجنوبيّة.
يمكن العثور على مصدر التهجئة الاشتقاقية للعبرية في اللهجات المنقوشة باللغة العربية القديمة. ذلك أنَّ سِفْر التَّكوين בְּרֵאשִׁית ويُنطق بالعبريّة: “بريشيت” ونجده نظيره في العربيّة في المصدر البَرِي (براه يبريه بريًا، واسم الفاعل البارِئ يُقال على الله تعالى بصفته بارئ المخلوقات) يُعيد إنتاج التهجئة العربيَّة، لذلك الترجمة الأصح –في رأينا-هي سِفْر البَري وليس “سِفْر التكوين”. كما أنَّ الكلمة تكوين التي تظهر كمصطلح عبري في العربية الكلاسيكية-وفق مركليوث-شائعة في النقوش العربيَّة الجنوبيَّة بمعنى “صُنع” وهو المعنى الذي نجده في الترجمة السبعينيَّة Γένεσις. كما أنَّ النطق اليوناني لسفر التكوين هكذا: يانِسيس، وهذا النُّطق في الواقع قريب من الاسم العربيّ جنس ومنه يشتق التجنيس ويُفهم هنا بمعنى تحويل الموجودات إلى أجناس، وهذا ظاهر في الإنكليزيّة على نحو واضح: Genesis وتنطق جينسيس.
رجحَّ مركليوث أنَّه لم يكن السَبَئي القديم ليجد صعوبة في فهم العبارة الأولى من سِفْر التَّكوين، نظرًا لما وجده من تشابه في الألفاظ بين ما هو وارد في النقوش السبئيّة ولغة الكتاب المقدَّس العبريّ، وفي المقابل لاحظ أنّه لا يمكن تأكيد أنَّ العبرية التوراتية بوجه عامّ قد نشأت في مملكة سبأ بناءً على الأدلة النقشية المكتشفة فيها. لكن عندما نكتشف هذه الألفاظ العبرية الظاهرة في النقوش العربية الجنوبية في مملكة سبأ، نكون مُحقين في الاعتقاد بأننا قد تتبعنا هذه الكلمات أو الاستخدامات الخاصة إلى مواطنها. ولذلك من المؤكد -في رأي مركليوث- أنها لم تأتِ من فلسطين إلى سبأ؛ بل قد تكون جاءت من سبأ إلى فلسطين. ولكنَّ التأثيرات لم تأت من مملكة سبأ وحدَها.
لا يقف الحدّ عند تأثُّر اليهود باللهجة التي كانت سائدة في مملكة سبأ، فقد اكتُشفت مجموعة من النقوش العربية الجنوبيّة من بينها نقش يدلّ على اسم “عمّ” بالعربيَّة، ويناظره بالعبريّة من حيث النطق اسم ” עם=ويُنطق بالعبريّة عمّ مثل العربيَّة”، ولكن يحمل معنى “شعب”، وكذلك تُستخدم في اللغة العبريّة هذه الكلمة نفسها עם =عمّ كأداة، أي حرف جرّ، لكن المهم في الأمر أنَّ اسم “عمّ” استُخدم بصفته نموذجًا ثابتًا كاسم إلهيّ في مملكة قتبان اليمنيّة القديمة، حيث كان الإله “عمّ” يؤدي خدمات محددة، بل كان يُقسّم إلى شخصيات مختلفة، مع نوع من التسلسل الهرميّ بينها؛ وكان له معابد وكهنة؛ بالإضافة إلى بعض “الرُّضَّع” الذين يُطلق عليهم arbiya، أي الذين كان الإله عمّ “يُربيهم” (arbaya)، مما يعطينا بوضوح العنصر الأول في اسم “يربعام Jeroboam” بمعنى “ليُربِّه عَمّ”، مثل “يربعل Jerubbal” بمعنى “ليُربِّه بعل”. ونبّه مركليوث إلى وجود نقوش تحمل أسماء بعض هؤلاء الرُّضَّع، حيث مُنحوا امتيازات واسعة بموجب مرسوم ملكي. والحقيقة أنَّ ما يدلّ على صحة وعمق استنتاج مركليوث هو أنَّ الاسم الذي يُطلق على هؤلاء الرُّضع الذين يُربيهم الإله “عمّ” arbaya أصبح يُطلق على الحاخامات، فالحاخام بالعبريّة רב ويُنطق راف=رَاب=ربّي.
بيد أنَّ ما يلفت الانتباه إلى أقصى حدّ أنَّ عالم الآثار والمؤرخ “هوغو. فنكلر H.Winckler” وجد تحديدًا هذا الاسم الإلهي (עם=عمّ) في العبارة الأخيرة من النشيد الوارد في سِفر التثنية:
הרנינו גוים עמו כי דם עבדיו יקום ונקם ישיב לצריו וכפר אדמתו עמו (انظرْ تثنية: 32: 43).
لاحظَ فنكلر أنَّ الترجمة الصحيحة عن العبريّة لهذه العبارة تعطي معنى مختلفًا عن المعنى المتداول بين اليهود حتى يوم الناس هذا، ومن الصعب في رأي مركليوث رفض رأي فنكلر في هذا المقام، لذلك وافق على ترجمته لهذه العبارة. يجب أن تُترجم العبارة وفقًا لـ”فنكلر” على النحو الآتي:
“سَبِّحُوا، يا أُمَم، “عَمُّو”، لأَنَّهُ سَيَنْتَقِمُ لِدَمِ عَبِيدِهِ؛ وَيَرُدُّ الِانْتِقَامَ عَلَى أَعْدَائِهِ. وَسَيُطَهِّرُ “عَمُّو” أَرْضَهُ.” (تثنية: 32: 43)
لكن نجد الترجمة العربية للعبارة نفسها عن العبريّة وفق الآتي: “تَهَلَّلُوا أَيُّهَا الأُمَمُ، شَعْبُهُ، لأَنَّهُ يَنْتَقِمُ بِدَمِ عَبِيدِهِ، وَيَرُدُّ نَقْمَةً عَلَى أَضْدَادِهِ، وَيَصْفَحُ عَنْ أَرْضِهِ عَنْ شَعْبِهِ.”(تثنية: 32: 43)
كما وردت الترجمة الإنكليزية عن العبريّة للعبارة نفسها وفق الآتي:
“Rejoice, you nations, with his people, for he will avenge the blood of his servants; he will take vengeance on his enemies and make atonement for his land and people.” (Deuteronomy 32:43)
وتترجم إلى العربية عن الإنكليزيّة هكذا: “اِبْتَهِجُوا، يَا أُمَم، مَعَ شَعْبِهِ، لأَنَّهُ سَيَنْتَقِمُ لِدَمِ عَبِيدِهِ؛ سَيَنْتَقِمُ مِنْ أَعْدَائِه وَيُكَفِّرُ عَنْ أَرْضِهِ وَشَعْبِهِ.”
أوضح مركليوث أنَّه لا يمكننا من عبادة الإله “عَم” أن نستنتج أن اليهود كانوا قتبانيين؛ ومع ذلك، يمكن استنتاج أنَّ المهاجرين اليهود إلى فلسطين كان بينهم أشخاص من مختلف المجتمعات العربية الجنوبية ومن بينها مجتمع مملكة قتبان، ولذلك عندما أصبحت لغة اليهود أدبيَّة، تم الاحتفاظ بتلك البقايا من أصولهم اللغويّة في أسفار الكتاب المقدَّس العبريّ.
هذا، وعُني مركليوث بتبيان أنَّ اللغة الكنسيَّة الحبشيَّة، التي تُسمَّى عمومًا بالإثيوبية، يمكن تتبُّع أصلها من خلال سلسلة من النقوش الموجودة على الحجارة في جنوب شبه الجزيرة العربية، وهنا يظهر أنَّ الشبه بين هذه اللغة الكنسيّة الحبشيَّة واللغة العبرية التوراتية في العديد من الكلمات الشائعة يُعَدُّ ملفتًا للنظر بشكل كبير؛ يجب أن يكون المهاجرون قد أخذوا هذه العبارات من المنطقة نفسها إلى مواطنهم اللاحقة والبعيدة، في حالة فلسطين، وفي الحالة الأخرى الحبشة. ومن هنا ينتهي مركليوث أنَّ اللغة العربية بلهجاتها المختلفة في جنوب شبه الجزيرة العربيّة كانت مصدرًا رئيسًا للغتين العبريّة والحبشيَّة.
يمكن ضرب مَثَلٍ على هذه الظاهرة. ذلك أنَّ الفعل العبري العادي “يتكلم” (דָּבַר= يُنطق بالعبريّة دَبَر) له المعنى نفسه في الفينيقية، ولكن في الآرامية يعني “يدير”. في العربية، له هذا المعنى الأخير الذي يظهر في لفظة (دَبَّرَ)، ولكن هناك مجموعة ألفاظ ترتبط بلفظة “دبَّر” من قبيل دَبَرَ وأدْبَر بمعنى ذهب وغاب، ودُبُر بمعنى “خَلْف” أو “وراء” أو “ظَهْر” وهو معنى يظهر في الكلمة العبرية دُبُر דֻבֻּר وتحمل معنى “جانبي أو خلفيّ أو داخلي”، وفي الآرامية المندائية- ديبرا = ذيل، ظهر. وفي الأثيوبيّة دبير dabe-ir بمعنى “معبد”، وفي الكلمة العبريّة “دْبِير” (דְּבִיר) بمعنى “قدس الأقداس”.
إنَّ الحجة المسبقة التي يوجِّهها كثير من علماء اللغات ضدّ تتبُّع أصول العبريَّة إلى العربية (بالمعنى الذي يمكن فيه تصور مثل هذا الاشتقاق علميًا) وتستند إلى تأخر الأدب العربي في الظهور بالنسبة إلى ظهور الأدبيات العبرية يدحضها مركليوث بالنقوش التي تدلّ على لغة أدبية ربما كانت مستخدمة قبل الهجرة الشمالية التي عمَّرت فلسطين بما يسمِّيه المستشرقون السُّلالات السَّاميَّة.
أكد مركليوث أنَّ اشتقاقه للغة اليهود، أو على الأقل للغتهم التوراتيَّة من اللهجات العربية الجنوبيّة لا يعتمد على افتراض أيّ نظرية عن سلسلة من الهجرات اليهوديّة من جنوب شبه الجزيرة العربيَّة إلى فلسطين، رغم أن الأدلة التي تدعم مثل هذه السلسلة -التي تعود إلى العصور القديمة- تبدو قوية جدًا وفق رأيه. إنَّ هذا الاشتقاق كما ارتأى يعتمد على اللغة.
أشار مركليوث إلى أنَّه إذا أمكن تتبُّع النصوص النَّقشيَّة العربية الجنوبية إلى قدم يبلغ ألف عام أو أكثر قبل الميلاد، فمن الواضح أنه لا يوجد سبب لاستنتاجها من الفينيقية أو الآرامية. علاوة على أنَّه، كان لدى اليهود فكرة أنهم ليسوا أصليين في فلسطين؛ فقد كان للمدن التي استولوا عليها لها مؤسِّسون وسكان سابقون؛ تم اقتحام بعضها في الوقت الذي بدأ فيه تسجيل التاريخ الإسرائيلي المزعوم في فلسطين، وشكل الاستيلاء عليها موضوع اهتمام كبير لكتبة أسفار الكتاب المقدَّس العبريّ وفقًا لما ورد من أساطير أو قصائد نجد في بعضها أحفاد السكان الأصليين يتحولون إلى عبيد؛ وفي بعضها الآخر قد يكون هناك زواج بين الفاتحين والمغلوبين، وإلى ما هنالك.
بينما يبرِّر الدليل اللغويّ -وفق مركليوث- حُسبان جنوب شبه الجزيرة العربية الموطن الأوَّل لليهود وغيرهم من الشعوب المسمَّاة ساميَّة، لا يقدم هذا الدليل نفسه القرائن المناسبة لتحديد الرقعة الجغرافيّة التي قطنوها في جزء معين من شبه الجزيرة العربية بدلاً من آخر، أو لتحديد علاقاتهم بمجتمعات الشعوب الأخرى الموجودة في فلسطين. ولكن، أوضح مركليوث أنَّه بناءً على ما يمكن جمعه عن لغة ومؤسسات المجتمعات الفلسطينية الأخرى (وهذا كبير فقط في حالة الفينيقيين)، تبدو علاقة الإسرائيليين بالآخرين مماثلة لعلاقة الأثينيين والإسبرطيين بالمجموعات الهيلينية الأخرى، أو علاقة الرومان بالمجتمعات الإيطالية الأخرى. أما الهجرة التي أدخلت “السَّاميين” إلى فلسطين والبلدان المجاورة فيبدو أنها كانت أكثر عشوائية، من دون خطة، ومن دون الذريعة اللائقة لنشر دين جديد.
راهن مركليوث على أنَّه يمكن أن يوفر لنا اكتشاف نقوش قليلة بالخطّ العربيّ الجنوبيّ في فلسطين الروابط المفقودة في تاريخ المجتمعات “السَّاميَّة”. ستثبت هذه النقوش الاستمرارية التي يتم استنتاجها من اللغة والمؤسسات، حتى لو لم تحتوِ على أسماء يمكن التعرف عليها في أسفار التناخ.