Skip to content Skip to footer

حملات الآشوريين على الآراميين.. رواية مغايرة | فاضل الربيعي

تبدو إشكالية وجود جماعة (عرق آخر غير عربي) تمكَّن من احتلال بلاد الشام، نحو 1000 ق.م، وبعض الأجزاء الأخرى من عالم الشرق القديم، غير قابلة للحل مع وجود هذا الكم الكثيف والهائل من الدراسات الاستشراقية اللاهوتية التي أسهمت في ترسيخ الفكرة التي تزعم أن هذه الجماعة، أو الشعب تمكَّن من فرض هيمنته على بلاد الشام والعراق. لكن يتعيَّن على الذين يُروِّجون لأسطورة وجود “شعب أموري” في الشام والعراق، أن يقدِّموا أيَّ دليل على وجود ملك يُدعى “ملك سيحون” في سوريا في هذا الوقت من تاريخ الغزو الآرامي؛ بل إن عليهم تقديم جواب واضح للسؤال المثير الذي تطرحه الآية التالية في التوراة: (سفر العدد 21: 25).


 

“فَأَخَذَ إِسْرَائِيلُ كُلَّ هذِهِ الْمُدُنِ، وَأَقَامَ إِسْرَائِيلُ فِي جَمِيعِ مُدُنِ الأَمُورِيِّينَ فِي حَشْبُونَ وَفِي كُلِّ قُرَاهَا”. 

“لأَنَّ حَشْبُونَ كَانَتْ مَدِينَةَ سِيحُونَ مَلِكِ الأَمُورِيِّينَ، وَكَانَ قَدْ حَارَبَ مَلِكَ مُوآبَ الأَوَّلَ وَأَخَذَ كُلَّ أَرْضِهِ مِنْ يَدِهِ حَتَّى أَرْنُونَ”.

فهل كانت هناك مدينة باسم “حشبون” في الشام أو العراق أو فلسطين تمتد حتى “أرنون”، وكان ملكها يُدعى “ملك سيحون”؟ هل هناك مثل هذه الجغرافية، وهل هناك قائمة حقيقية بأسماء ملوك “الأموريين”؟ بكل يقين هذه سردية هدفها خلق هويَّات زائفة؛ الغرض منها استبدال الهويَّة الحقيقية لسكان الشرق العربي بهويَّات من صنع الغزاة والمُستعمرين.  في هذا السياق، سوف أضطر إلى التوقف عند مسألة اختلاق شعب آخر يُدعى “الأموريين”؛ من أجل فهم أعمق لإشكالية وجود شعب، عرق آخر يُدعى “الأموريون”. يلاحظ د.جواد علي، في تحليله للعلاقة بين العرب والكنعانيين والأموريين، ما يلي: أن علماء الآثار من التيار التوراتي ظلوا يتساءلون: “مِن أين جاء الساميون الأُوَل -الأوائل- آباء الشعوب السامية؟ وأين كان موطنهم الأول وبيتهم القديم الذي ضاق بهم في الدهر الأول، فغادروه إلى بيوت أخرى؟”. ومع أن علي في كتابه المفصل كان يعترض على مصطلح “سامي/ ساميين” ، لكنه اضطر تحت ضغط هيمنة هذا المصطلح في الثقافة التاريخية السائدة إلى استخدامه في سياق توضيح تصوراته وأفكاره، ولذا أضاف إلى النص السابق ما يلي: “أما أجوبتهم/ أي علماء الآثار من التيار التوراتي، فجاءت متباينة غير متفقة لعدم اهتدائهم حتى الآن إلى دليل مادي يشير إلى ذلك الوطن، أو يؤيد نظرية وجود مثل هذا الوطن، فقامت آراؤهم على نظريات وفرضيات، وبحوث لغوية، وعلى آراء مستمدة من الروايات الواردة في التوراة عن أصل البشر، وعن أبناء نوح، والأماكن التي حلَّ بها هؤلاء الأبناء وأحفادهم ثم أحفاد أحفادهم، وهكذا على نحو ما تصورته مخيلة العبرانيين”. يؤكد هذا النص بجلاء أن “اختراع شعب غامض” يُدعى “الأمورو” إلى جانب اختراع شعب آرامي، كان مصدره في الأصل قصص التوراة، وأن لا وجود لأي أثر أركيولوجي دال على جماعة بشرية حقيقية. يضيف جواد علي، مرة أخرى، ما يلي: “فرأى نفر منهم -أي علماء الآثار من التيار التوراتي- أن أرض بابل، كانت المهد الأول للساميين، ورأى آخرون أن جزيرة العرب هي المهد الأول لأبناء سام، وخصَّص فريق آخر موطناً معيناً من جزيرة العرب، ليكون وطن سام وأبنائه الأُوَل، وذهب قسم إلى إفريقية فاختارها لتكون ذلك الوطن، لما لاحظه من وجود صلة بين اللغات السامية والحامية، ورأى قوم في أرض (الأموريين) الوطن الصالح؛ لأن يكون أرض أبي الساميين، على حين ذهب قوم آخرون إلى تفضيل أرض (أرمينية) على تلك الأوطان المذكورة. وهكذا انقسموا وتشعَّبوا في موضوع اختيار الوطن السامي”. 

في هذا الإطار يتعين عليَّ القول بنزاهة وموضوعية أن نصوص جواد علي كشفت في وقتٍ مُبكر، وبجلاء، عن جانب خفيٍّ من مشكلة مصطلح “أموري/ أموريين”، وذلك خلال تحليله الكثير من المصادر الغربية والعربية التي تناولت مسألة “الأموريين”؛ لكنها من جانبٍ موازٍ، كشفت عن نوع من “العبودية للسرد اللاهوتي” التي وقع فيها جواد نفسه؛ لأنه لم يلحظ تحت ضغط السردية التوراتية أن هؤلاء الأموريين الذين يتكلمون لهجة حميرية، ليسوا مثل الفينيقيين كما يزعم الاستشراقيون الذين “قيل إنَّهم جاؤوا من قلب الجزيرة العربية”، والصحيح أنهم جاؤوا من جنوبها وتحديداً من حضرموت، وهم كانوا ينحدرون من قبائل الحِمْيريين، لكنهم من بطون حضرميَّة عاشت بشكل مستقل عن قبائل حمير، ولهذا، فتسمية “فينيقيين” حسب جان مازيل، الذي استند إليه جواد علي، تعني بالفعل (الرجال الحُمرْ- والأدق رجال حمير). بيد أن مصطلح “فينيقيين” (Pheniciens) لا يعني (بني كنعان) كما افترض مازيل. لقد كان يعني (بني قين Pheniciens) وهم بحَّارة حضرموت الذين قادوا تجارة العالم القديم، وكانوا من أصول حميرية بكل تأكيد، وهم ينسبون أنفسهم إلى أب أعلى هو “قين/ المُشتغل في الأرض”. ولكن لا يتوجب علينا بأية حال من الأحوال اعتبارهم “كنعانيين” أو “أموريين”، فهذه جماعات قبلية مختلفة. المثير للدهشة في هذا المقام، أن الأساطير الحميرية التي رواها وهب بن مبه، في كتابه” التيجان في ملوك حمير” تتحدث بثقة تامة أن الحميريين وصلوا بابل وأقاموا فيها معسكراتهم، وهذا أمرُ من شأنه أن يؤكد لنا على المستوى المثيولوجي من التحليل، أن الرؤى الأولى والقديمة للحميريين عن أنفسهم، تشير إلى هجراتهم صوب بابل، وهذا بطبيعة الحال يدعم فكرة علماء الآثار أن الهجرات الأولى انطلقت من جنوب الجزيرة العربية (اليمن)، وأنها وصلت بالفعل في وقتٍ ما بعد نهاية العصر الجليدي (ما قبل عشرة آلاف سنة ق.م) إلى بلاد ما بين النهرين والشام. 

ولعل بعض القراء سوف يلاحظون أن الوقاحة تبلغ حدَّها الأقصى مع وهب بن منبه، حين يروي كيف أن الحميريين وصلوا منطقة التبت في الصين؛ لكن هذه الوقاحة “المثيولوجية” قد تتبدَّى في أحيانٍ كثيرة، كما لو أنها “أخبارٌ قديمة” لم تصلنا إلا في صيغتها المثيولوجية لا أكثر. ولذلك دعوت منذ وقت مبكر إلى التعامل مع أساطير الحميريين بقدرٍ ما من التعقل والتأمل بإمكانية أن نرى فيها “أخباراً قديمة”. هاكم هذا المثال الذي يدخل في صلب سردية جواد علي عن وصول “الحميريين” إلى العراق القديم.

يروي وهب بن منبه رواية أسطورية لا تبدو مقبولةً بأي معايير علمية؛ لكنها تحتفظ بقوة “السرد الأسطوري” الذي يرغمنا على التأمل في محمولاتها الرمزية، يقول وهب إن الملك اليمني “ذي مرثد” غزا مقاطعات قريبة من الهند، وأنه كان ينتظر من السكان الذين استولى على مدنهم، أن يأتوا إليه لتقديم الطاعة والهدايا. في الواقع ورد اسم “ذي مرثد” في نقوش حميرية كثيرة؛ ولكنه لم يكن ملكاً؛ بل قيلاً من أقيال حمير. ولهذا السبب رأى الكثير من المؤرخين في الأساطير وكأنها محاولة يائسة من قبائل الجنوب الحميري لفرض رواية أسطورية تُلصق بتاريخ اليمن القديم، ومع ذلك يمكننا رؤية الجانب المُشرق الذي يعنينا في التحليل، فهذه الأساطير في النهاية، هي نوع من “سردية حميرية” متأخرة لاستذكار تاريخ يمني قديم. بكلام آخر: إن أساطير الحميريين عن عظمة “مملكة حمير” التي وصلت الهند والتبت في الصين، هي استعادة لذاكرة يمنية أكثر قدماً. ومع كل هذا، فما يعنينا في نهاية المطاف هو الفحوى الأسطوري. هاكم ما يقوله وهب بن منبّه:

(فلما أتت الهدية إلى ذي مراثد من قِبل الهند ورأى ما رأى من عجائب الهند، تطلعت نفسه إلى غزوها، فعبَّأ الجنود وجمع العساكر وأظهر أنه يريد المغرب من البحر وأعدّ السفن وكان غزاها قبله ثلاثة ملوك على البرّ من حرّان، وأرض التبت حتى وصلوا؛ وهم: عبد شمس بن سبأ وابنه وائل بن حمير وبعده ابنه السكاسك بن وائل بن حمير، وكان خراجهم الذي أجروه على الهند جميع هذه الأرض).

لو أننا تعاملنا مع هذه الأسطورة باستخفاف، ورأينا فيها مجرد “تخاريف” حميرية مألوفة في كتب الإخباريين؛ ففي هذه الحالة نكون قد فقدنا كل وأية إمكانية للتواصل مع العقل الأسطوري اليمني القديم، وكذلك فقدنا أية إمكانية للتأمل النزيه والموضوعي مع ما يُدعى “الخرافات” لمعرفة مصدرها الأصلي؛ أعني جذورها الأولى التي نبتت في تربتها الخصبة كسردٍ أسطوري صافٍ، نقيٍّ وخالٍ من أي عنصر عقلاني أو تاريخي، وهذا وحده ما يُمكننا من التعامل مع الأسطورة بصورة مستقلة تماماً عن أي مشاعر مضادة أو مُشككة. وهذا الجانب الخفي من المسألة يضفي على أساطير الحميريين ما يبدو أنه “جانب غير عقلاني”؛ لكنه من جانب موازٍ هو نفسه الذي يضفي عليها ما يبدو في أنظارنا الجانب الأكثر إثارة للدهشة. 

وبكل يقين يصعب تخيُّل أن السارد اليمني/ الحميريّ القديم كان يسرد “قصصاً خرافية” دون غرض أو هدف وحسب. وفي الواقع إن السارد القديم يستخدم ذاكرته “الجمعية” لأجل تقديم تصوُّر أوَّلي عن حدثٍ ما وقع ذات يوم، وبطبيعة الحال، فالسارد الحميري سوف يضع إطاراً لهذا الحدث، وينسبه إلى ملك أو قيل صغير من أقيال حمير؛ بل ويجعل منه بطلاً تاريخيّاً لأنه تمكن من إخضاع الهند والتبت. لكن الأمر ليس كذلك بكل تأكيد، فالتاريخ لا يعرف غزواً يمنياً للهند والتبت، لكنه يعرف هجرات يمنية كبرى عبر البحار قادت بعض المهاجرين بالفعل إلى الصين والهند وجبال هملايا وحتى أمريكا. يزعم وهب بن منبّه ما يلي:

(لما ولي شدّاد بن عاد الملك، جمع الجنود وكان امرءاً حازماً فسار يدوس الأرض وبلغ أرمينية الكبرى، فقتل فيها كل ثائر بها، ثم عبر الفرات إلى المشرق، فبلغ أقصاها، لا أحد يقف له إلا هلك، ثم مضى على ساحل سمرقند إلى أرض التبت. 

ثم عطف على أرمينية فأمعن، ثم جاز إلى الشام، وبلغ إلى المغرب فأكثر الآثار في المغرب حتى بلغ البحر المحيط يبني المدن ويتخذ المصانع، فأقام في المغرب مئتي عام).

هذا النص المثيولوجي الاستثنائي، يعرضُ علينا فكرة “غير تاريخية” عن غزو يمني لأرمينا والتبت وبلاد الشام في آنٍ واحد، وهذا مستحيل جغرافياً؛ لأن أرمينيا بعيدة جداً عن الصين، ولا توجد بالطبع جغرافيا تجمع بلاد الشام مع التبت، كما أن الوصول إلى الشام والمغرب في الآن نفسه يبدو خيالاً لا سبيل إلى قبوله. هذه جغرافية أسطورية جامحة يصعب إيجاد أية تسوية لفهمها؛ إذْ كيف غزا قِيْلٌ حميريٌّ صغير لا يعرف عنه التاريخ أيَّ شيء، الشام وأرمينيا بعد أن غزا الهند والتبت؟ وهل يمكن تخيُّل وجود ملك أسطوري يُدعى شدّاد بن عاد، استولى على الصين والشام والمغرب ووصل التبت؟ وبالطبع يستحيل الحصول على أية معلومات تاريخية صحيحة عن هذا الملك الأسطوري؛ لكننا مع ذلك يمكن أن نتفهم دوافع السرد وأغراضه، وذلك حين نضع هذا النص ضمن منظومة السرد المثيولوجي اليمني القديم. هذه الأساطير تتحدث في الواقع عن “هجرات” القبائل اليمنية في عصر “شدّاد بن عاد”؛ أي عصر ذوبان الجليد في العصر الجليدي قبل نحو 10أعوام قبل الميلاد، حين خرجت القبائل اليمنية بعد ذوبان الجليد وهاجرت إلى أماكن كثيرة. بيد أن هذا النص لا يبدو معزولاً أو منفصلاً عن سياق السرد المثيولوجي الديني الذي يُعلي، بصورة يصعب توقعها أو قبولها، من مكانة حمير التاريخية ضمن القبائل اليمنية، وبحيث إنها انفردت بغزو بلدان وإمبراطوريات. 

سوف أعطي نصّاً آخر للدلالة على استمرارية تقاليد السرد المثيولوجي التي أرساها وهب بن منبّه، فبعد نحو (300 عام فاصلة من وفاته وظهور مؤرخ آخر هو سعيد بن نشوان الحميري) تقريباً، سنجد نصّاً أكثر جموحاً؛ إذْ يزعم نشوان:

(إنّ شُمّر -شمرّ يرعش الأول لا نعرف تاريخه لأنه بالنسبة إلينا هو قيلٌ من أقيال حمر- لمّا افتتح سمرقند هدمها، ثم أمر ببنائها، ثم توجه إلى الصين، فخافه ملك الصين خوفاً عظيما،ً وعلم أنَّه لا طاقة له به، فجمع ملك الصين وزراء، فاستشارهم، وقال: قد أقبل هذا الأعرابي ولا طاقة لنا به، فماذا ترون؟ فأتى كل واحد منهم برأي، وبقي واحد منهم لا يتكلم، فقال: ما تقول؟ فقال: أرى أنْ تظهر الغضب عليَّ وتجدع أنفي، وتأخذ دوري وضياعي وأملاكي ودوابي وعبيدي حتى يعلم الناس بذلك. فكره ذلك ملك الصين لعظم حال ذلك الوزير عنده، فلم يعذر ذلك الوزير حتى ساعده، وفعل به ما أشار عليه به. فخرج الوزير من الصين حتى انتهى إلى شُمّر يرعش، فأراه جدع أنفه، وشكي إليه ما فعل به ملك الصين، وأظهر لشُمّر يرعش النصيحة، فجعله شُمّر يرعش من خاصته، ثم احتاج إلى دليل يدلّه على الطريق إلى الصين في المفازة العظيمة التي دونه، فقال وزير ملك الصين لشُمّر يرعش: أنا الدليل أيها الملك، ولا تجد مَن يعرف هذه المفارة مثلي، فنهض شُمّر يرعش بجنوده يتبعون ذلك الوزير بهم غير الطريق حتى بعدوا بعداً عظيماً عن…… وأشرفوا على الهلاك وأيقنوا……. ونفذ ما معهم من الماء. فقال شُمّر: أين الماء؟ فقال الوزير: لا ماء هاهنا إلاّ الموت…….. أنْ تهلكنا وملكنا، وتقتل رجالنا وتسبي ذرارينا، فوهبت نفسي لأهل بلادي، ووقيتهم من الهلاك بنفسي، فأنت ومن معك أحق بالهلاك من ملكنا وأهل بلادنا. فأمر شُمّر بضرب عنقه، وأيقن شُمّر بالهلاك، وقال لجنده: توجهوا أينما شئتم، وفرش له درعاً من حديد، وظلل عليه بدرقةٍ من حديد. فذكر عند ذلك قول قوم من……. حكموا في ميلاده أنه يموت في بيت سقفه من حديد، وفراشه من حديد، وذهب كل منهم على وجهه فهلكوا في تلك المفازة، وتناثر من جنوده ثلاثون ألفاً فوقع في أرض فيها الشجر والماء والنخيل، وهي بلاد التبت التي يجلب منها المسك، فتملكوها وتوّطنوها، وبعدت منهم أرض اليمن، فسكنوا بها إلى اليوم، فزيهم زي العرب، وأخلاقهم أخلاق العرب، ولهم ملك قائم بنفسه منهم، وهم معترفون أنهم من العرب من اليمن، وهم يحبون العرب حباً شديداً. وقيل: إنَّ شُمّر يرعش قفل إلى اليمن سالماً غانماً. وفي رواية أخرى حتى دخل اليمن، وقرب من ريام ثم هلك).

هذه الأسطورة الشيِّقة، وبكل أبهة الخيال الذي أضفى عليها مسحة نادرة من السحر السردي، تتحدث عن ملك/ قيل يمني صغير آخر من أقيال حمير هو شُمّر يرعش “يهرعش” عاش نحو (275-300م).  إن تحقيقاتي تؤكد أن هذا النص هو استنساخ لأسطورة الزبّاء وجذيمة الملك ووزيره قصير الذي جدع أنفه (كما رواها الطبري).

هذا الأمر يؤكد لنا الفكرة التالية التي استخلصناها في ما سبق من سطور، وهي أن تقاليد السرد المثيولوجي اليمني استردت أو استعادت ذكريات الهجرات الكبرى التي انطلقت من اليمن صوب بلاد الشام والعراق وسائر أرجاء الأرض؛ ولكنَّ المؤرخين المسلمين أعادوا تنسيبها إلى “أقيال/ ملوك صغار” ذاع صيتهم قبل الإسلام وبعده بقليل. بيد أن هذا الاستنتاج لا ينفي وجود إمكانية لإعادة بناء الأساطير نفسها بطريقة أخرى أقل مكراً ممّا فعل السارد اليمني.

إن الخلاصة التي يتعيَّن علينا الاهتمام بها بعيداً عن تفاصيل السرد الأسطوري هي التالية: لقد تشبَّعت الثقافة اليمنية القديمة بقصص الهجرات التي قادت قبائل اليمن إلى مختلف بقاع الأرض، وكان اليمنيون على مرّ العصور يتبادلون قصصَ هذه الهجرات. وحين وصلت هذه القصص/ الأساطير إلى عصر ما قبل الإسلام بقليل وبعده، شرع القصاصون والإخباريون بروايتها من جديد، ولكن بإعادة تنسيبها إلى “ملوك/ أقيال” حمير الذين كانت أصداء معاركهم تتردد قبيل فجر الإسلام بقليل (نحو 120 م). 

أما الحقائق التاريخية المتعلقة بهذه الهجرات؛ فهي ما تكشف عنه السجلات البابلية (السومرية من قبل). في هذا السياق، أودّ أن أشير إلى رأي لماركس وأنجلز ورد في الرسائل المتبادلة بينهما، يؤكدان فيها أنهما يعتقدان بشكل شبه يقيني، أن مؤسسي حضارة بلاد سومر وأكد والشرق عموماً؛ هم من قبائل مهاجرة من جنوب الجزيرة العربية (اليمن). وبوسعي أن أقدم ملخصاً للرسائل، ولكن نظراً لوجود الكثير من الملخصات عن هذه الرسائل، فسوف أكتفي بالتلخيص الذي عرضه د.فريد العليبي مع ما يلزم من إضافات من جانبي:

(في رسالة إلى ماركس بتاريخ 24 ماي/ أيار 1853يكتب فريدريك أنجلس، أنه قرأ كتاباً عنوانه الجغرافيا التاريخية لجزيرة العربية للقس تشارلز فورستر، وأنه قرأ فيه الكتابات العربية المحفورة، مؤكداً أن المؤرخ جيبون قد ارتكب بعض الهفوات في جغرافيا العالم القديم، واعتبر فيه أن المسيحية لعبت دوراً حاسماً في انهيار الإمبراطورية الرومانية، وفي المقابل رأى أنجلس أن العكس هو الصحيح، فانحطاط تلك الإمبراطورية هو الذي مهَّد لانتشار المسيحية).

من جانبي سوف أعطي النص الأصلي لهذا التلخيص. 

يكتب أنجلز لماركس: 

(أمس قرأت كتاباً عن الكتابات العربية سبق وحدثتك عنه. الكتاب لا يخلو من المتعة والفائدة. اسم الكتاب “الجغرافيا التاريخية للجزيرة العربية” من وضع الكاهن تشارلز فورستر). بعد ذلك يقوم أنجلز بتعداد مزايا وأخطاء فورستر، منها اعتباره (أن سلسلة النسب الواردة في سفر التكوين على أنها سلسلة نسب نوح وإبراهيم وسواه هي تعداد دقيق نسبياً للقبائل البدوية في ذلك الزمن وفقاً لدرجة قرابة لهجاتها، وحتى الآن تسمي القبائل البدوية نفسها، كما هو معروف، بني صالح، بني يوسف.. إلخ. إن تعداد الأجيال في سفر التكوين يؤكده الجغرافيون القدماء إلى هذا الحد أو ذاك. في حين أن الرحالة الحديثين يشهدون على أن هذه الأسماء قديمة رغم تغيرها وفقاً للهجات المحلية، فهي لا تزال قائمةً الآن بمعظمها. ومن هنا ينجم أن اليهود أنفسهم هم كذلك قبيلة بدوية صغيرة مثل جميع القبائل الأخرى، ولكنهم تصادموا مع البدو الآخرين بحكم الظروف المحلية. ومن الواضح لي الآن تماماً أن الكتاب اليهودي المسمى بالكتاب المقدس لا يعدو أن يكون أكثر من تسجيل للتقاليد الدينية والقبلية العربية القديمة.

كل هذا يبرهن أن المضمون الأساسي كان عربياً: المخلص لك فريدريك أنجلز، كتب باللغة الألمانية. كتاب: 

ch. forster (the historical geography of arabia, ´-or-thepatriarchal evidences of revealed religion) المجلدان الأول والثاني. لندن. سنة 1844. انتهى الاقتباس). 

الآن نعود إلى تلخيص د.العليبي:

(تتمثل الاستنتاجات التي توصَّل إليها أنجلس من خلال قراءته هذا المؤلف في أن الكتاب المقدَّس يقدِّم لنا مادة للبحث التاريخي، فالإشارات الواردة فيه تصلح لذلك، وبالتالي يجب مقارنة ما يقوله الجغرافيون القدامى بما يرد في الكتب المقدسة، فما تضمنه سفر التكوين من ذكر للأنبياء وسلالاتهم يحيل إلى قبائل عاشت فعلاً في هذه المنطقة أو تلك، بل إنه يلاحظ أن تقليد تسمية القبيلة ببني صالح أو بني يوسف لا يزال مستمرّاً، يقول “إن مؤسِّسي الإمبراطورية البابلية وهم الكلدان ما زالوا موجودين اليوم ويحملون الاسم نفسه، بني خالد، وفي المكان نفسه” (كارل ماركس وفريدريك أنجلس، حول الدين، ياسين الحافظ، بيروت، دار الطليعة، ص 94).

يتضح من هذا الاستعراض السريع أن مسألة هجرات القبائل العربية اليمنية في عقول فلاسفة وقساوسة القرن الثامن عشر والتاسع عشر، احتلت مكانة خاصة في تأويل مسار التاريخ البشري القديم وكانوا، وهم يحللون “أنساب سفر التكوين”، يلاحظون دون أدنى حرج علمي أنها أنساب قبائل جنوب الجزيرة العربية. بكلام آخر: إن الأساطير التي تتحدث عن غزو الصين والتبت هي “أساطير هجرات اليمنيين” لا أكثر. سوف أروي هنا واقعة شخصية لها دلالة عميقة في هذا الإطار. في عام 2007 حين نشرتُ كتابي “فلسطين المُتخيّلة: مجلدان”، فوجئت بعد أشهر باتصال هاتفي من الصين. على الخط كان مدير مكتب الجزيرة القطرية في بكين، الصحفي الراحل عزت شحرور، قال لي بصورة مُباغتة: لقد قرأت كتابك، وبصراحة في البداية لم أوافق على أفكارك واستغربت جداً حين قرأت في الكتاب دعوتك للتعامل مع الأساطير و”الخرافات” الحميرية عن وصول الحميريين إلى الصين والتبت، بطريقة أخرى وأنك تدعو إلى تأملها بعمق، ولم يكن كل ذلك مُقنعاً لي حتى وقع حادث مدوٍّ، إذْ حدثت أزمة دبلوماسية مفاجئة بين الصين وإسرائيل، حين طالب الإسرائيليون بترحيل “يهود التبت” إلى إسرائيل. أثارت هذه المسألة فضولي فرحت أتابع التفاصيل، وقررت أن أذهب إلى التبت بنفسي. هناك هالني ما رأيت، كان هناك المئات من الأُسر اليمنية التي تقول إن أصولها من قبيلة “يافع”، وأنهم جنوبيون من اليمن القديم على الدين” اليهودي”، وأن أجدادهم القدماء وصلوا إلى التبت في هجرات متواصلة؛ ولكنهم حافظوا على “أنسابهم” و”لغتهم العربية”، وبالتالي فهم يرفضون الترحيل إلى إسرائيل. ثم قال لي: لقد حاولت بكل الوسائل إقناع “محطة الجزيرة” بأن أنجز فيلماً وثائقياً عن “يهود اليمن في التبت”؛ ولكنني لم أتمكن من الحصول على الإذن بهذا العمل. لكل هذا أستطيع أن أنفي وجود “غزو أموري” لبلاد الشام والعراق القديم؛ بل هناك هجرة قادت قبائل “وادي مو/ المور” من اليمن إلى الشرق العربي القديم وحتى التبت في الصين. لقد جرى “اختراع شعب غامض” كان قادراً على الاستيلاء على مساحات شاسعة من الكرة الأرضية؛ بينما يمكن تفهم المسألة على نحو آخر: هذه هي الهجرات الأولى والكبرى التي قادت اليمنيين إلى الكثير من بقاع الأرض. وسأعطي هنا نصّاً مُلهماً من سجلات تجلات بلاسر الثلث، يؤكد فيه أنه اصطدم بالأموريين “أمورو” في اليمن وليس في أي مكان آخر. هاكم هذا النص التاريخي المثير:

Ancient Assyrian Records 1

TIGLATH-PILESER I

P103

328. 1. (No. 64) the land of Amurru in [its] entirety [I conquered]. [Gebail1 (Byblos), Sidon [and Arvad senttribute] I caught a great pagutuonmyreturn Tribute, taxes and logs of cedaron the Hittite-land I imposed.

329. Against I went. The taxes which I . . .. . .. of the land of Ishua and Suh— I carried

off and brought to my land.

330. [For the twenty-eighth time] I crossed the Euphrates,—the second time in one year. [From TadmarofAmurru], Anat of Suhi, [as far as Rapiku] of Karduniash, I

accomplished their defeat to my cityAssur, I brought.

331 from the other side of the Lower ZabLubdi, I conquered. The Radana [I crossed].

The cities at the feet of Mount Kamulla and of Mount KashtillaI captured. Their property I carried off and brought itto my city Assur.

الترجمة للعربية:

السجلات الآشورية القديمة

TIGLATH-PILESER I

الصفحة 103

328 رقم 64

(غزوت أرض جبلة Gebail1، وصيدون وأرفد والأموريين( Gebail)، Sido وArvad senttribute وAmurra) بالكامل. وعدتُ بغنائم كبيرة. جزية وضرائب وأخشاب الأرز. فرضتها على أرض حتى (Hittite).

329. وضدّ… قد عدت (النص هنا مقطوع). حاملاً معي الضرائب التي حظيت بها إلى أرضي. الضرائب التي … من أرض السوا  (Ishua والسحSuh).

330. وللمرة الثامنة والعشرين عبرت الفرواتللمرة الثانية من نفس العام. من (Tadmar of Amurru تذمر الأموريين و(عنة) السح (Anat of suhi) وصولاً إلى (رفح )  Rapiko وفي قرد- أوناش(Karduniash) وأتممت هزيمتهم ….. إلى مدينتي آشور، أحضرت.

331. ….. وعلى الجانب الآخر من الوادي الأدنى (لبُدة) …. (Lubdi) غزوت. و [عبرت] (ريدانThe Radana). واستوليت على المدن الواقعة على سفوح جبل الكامل (Kamulla) وكسل- ثلا (Kashtilla). ثم حملت كل ممتلكاتهم وجلبتها إلى مدينتي، آشور.

تحليل السجلات

إن التأمل النزيه والموضوعي للسجلات الآشورية ومنها سجلات أو قائمة المدن التي اجتاحها تجلات بلاسر الثالث، يؤكد دون أية حاجة إلى سجال طويل، أنها تتضمن بشكل دقيق قائمة مدن يمنية عاشت حقبة الاجتياح الآشوري. وبطبيعة الحال لا يمكن تخيُّل وجود مقاطعة باسم “ريدان” مثلاً وهي “قبائل حمير وبطونها” المعروفة، وكأنها جماعات عاشت في أيّة جغرافية أخرى غير جغرافية اليمن، كما لا يمكن تخيُّل أن تجلات بلاسر الثالث حارب “ريدان/ أي حمير” في أقصى الجنوب من الجزيرة العربية، ثم ذهب فجأة إلى تخوم مصر مع فلسطين في بلاد الشام في أقصى الشمال، وفقط لأجل الصراع ضد قبائل “رفح”. سوف يغدو هذا خيالاً جغرافيّاً سقيماً؛ لأنه يصوِّر إمبراطوراً أسطورياً يتوجه بجيوشه الجرارة من اليمن إلى حدود مصر مع بلاد الشام، دون أي منطق جغرافي أو عسكري، وكيف يمكن تبرير وجود أسماء أخرى في هذه القائمة، مثل “السوا”، وهي اسم أشهر المقاطعات التاريخية في اليمن (ما يعرف بمديرية السواء في تعز). ثمة رواية أخرى نكشف الحقيقية عن “الشعب الغامض” الذي اخترعه اللاهوتيون، ويمكنها أن تبوح بالحقيقية التالية: كانت قبائل “مور/ أمور” التي تعيش على ضفاف أطول وأعظم وديان اليمن (وادي مور) هي القوة الجبارة التي صدَّت هجوم تجلات بلاسر الثالث عام 745 ق.م. لقد سعت بكل قوة لمنعه من احتلال قرى مدن تعز الكبرى آنذاك (مديرية السواء) التي كانت أهم مركز تجاري قرب البحر، أو أن يصل إلى قلب محافظة إب بكل ثراء قراها ووديانها وكنوزها الثمينة. بيد أن مسار القتال اتخذ منحًى مخالفاً لهذه الرغبة، وتمكن الآشوريون من احتلال كل المدن المذكورة في القائمة وفرض على قبائلها الجزية. كان على تجلات بلاسر الثالث (وهو يعرف باسم توكولتي -إپلي- إشارا الثالث؛ ويعني بالأكادية توكلتُ على إله عشتار، وفي التناخ يرسم اسمه في صورة: תִּגְלַת פִּלְאֶסֶר745 – 727ق.م) أن يواجه قبائل الأمورو “الأموريين” خلال اجتياحه مقاطع جبلة في محافظة إب اليمنية، التي ظلت تحت سيطرة الآراميين منذ وقت طويل. ومقاطعة جبلة هذه هي اليوم بالاسم نفسه كمديرية كبرى من مديريات محافظة إب وسط اليمن. والآن: إذا كان الأموريون تمددوا في بلاد ما بين النهرين والشام، وبسطوا سيطرتهم على هذه المساحة الجغرافية الهائلة؛ فكيف ولماذا نظم تجلات بلاسر الثالث حملة عسكرية لمواجهتهم في اليمن؟ وهل يمكن تخيُّل وجود “صيدون” و”أرفد” في العراق أو الشام، مع أنهما من المقاطعات اليمنية التاريخية في صنعاء وإب؟ يقول تجلات بلاسر الثالث في سجلاته (غزوت أرض جبلة، وصيدون وأرفد والأموريين (Gebail)، SidoوArvad senttribute وAmurra) وأنه قام باجتياح مقاطعة “السوا/ السواء”. وهذه بكل يقين هي مقاطعات يمنية في جغرافية واحدة تمتد من صنعاء وتعز حتى إب. إن الشعب “الغامض” الذي اخترعه اللاهوتيون وسموه بـ”الشعب الغريب”، هو قبائل وادي مور العظيم (طول وادي مور يصل نحو ثلاثمئة كيلومتر، ومساحة حوض الوادي تبلغ نحو سبعة آلاف وخمسمئة كم مربع). 

ومن المعلوم أن هذه السجلات وثقت بشكل دقيق وقائع الصدام بين ملوك آشور مع أقيال/ ملوك مقاطعة “السوا” بشكل خاص، وهذا ما تؤكده التوراة عن الصراع بين الآشوريين وملك “سو” الذي يُدعى “رصين” وتسميه “ملك مصري”. إن الأهمية الاستراتيجية لمقاطعة “السواء” التجارية والمالية تكمن في فرادة موقعها الجغرافي، ذلك أن السيطرة عليها، كان وحده ما يؤمن الطريق إلى ساحل الحديدية وضمان حركة السفن التجارية التي تحمل البخور عبر مضيق باب المندب إلى ساحل البصرة العراقية في الجنوب، أي أن البخور يمكن أن تصل إلى بابل من طريق بري يربطها مع البصرة (نحو 460كم)، فضلاً عن الطريق البحري الذي يربط بين الموانئ اليمنية القديمة مع سواحل العراق القديم في البصرة. في هذا العصر (عصر تجلات بلاسر الثالث) كان يهود الجنوب (الحميريون) يدخلون في صراعٍ مروِّع مع الآراميين بقياد ملك “مصري تابع لمملكة معين مصر” يُدعى “رصين/ الصحيح رضين؛ لأن العبرية لا تعرف حرف الضاد وتستبدل به الصاد. وبنو رصين/ رضين هؤلاء هم الذين كانوا يحكمون مقاطعة (السواء) وكانوا من آراميين. وهكذا يتبلور لدينا تصوُّر آخر مختلف كليَّةً عن التصورات الزائفة والسائدة عن صراع القبائل: هاهنا الكنعانيون ضد الآراميين، والحميريون ضد الآراميين، وفي قلب هذا الصراع كانت قبائل وادي مور (الأموريين) يتأرجحون في تحالفاتهم القبلية بين هذه الجماعة وتلك. وكل هذا كان يجري في أجواء اجتياح حربي يقوم به تجلات بلاسر الثالث 745 ق.م. إن تاريخ الصراع بين اليهود في الجنوب والآراميين، يمكن أن تُلخصه على أكمل وجه، الصراعات التي نشبت بين الطرفَين في عصر الملك الإسرائيلي فقح بن رمليا (أرخ وليام أولبرايت عهده من 737 إلى 732 قبل الميلاد). في عصر بن رمليا قاد الآراميون في تعز بقيادة ملك قبائل رصين/ رضين، هجوماً واسعاً ترافق مع هجوم قاده بن رمليا ضد يهود الجنوب، وللمرء أن يتخيَّل تعقيدات الصراع والتحالفات في هذا العصر، فهي ترسم تصوراً مثاليّاً عن مغزى وحدود الغزو الآشوري. هاكم ما يقوله سفر الملوك الثاني 15: 37

“فِي تِلْكَ الأَيَّامِ ابْتَدَأَ الرَّبُّ يُرْسِلُ عَلَى يَهُوذَا رَصِينَ مَلِكَ أَرَامَ وَفَقْحَ بْنَ رَمَلْيَا”.

وبكل يقين لا يمكن تخيُّل مثل هذا الحدث وقد وقع في فلسطين؛ لأن تاريخها لا يعرف ملكاً يُدعى رصين الآرامي، المُتحالف مع ملك إسرائيل، وهما قاما معاً بمهاجمة ملك يهوذا. هذه جغرافية خيالية تنسف كل الأسس التي بناها الاستشراقيون اللاهوتيون. لكننا سوف نفهم هذا الحدث بدقة حين نضعه ضمن تاريخ اليمن القديم. سوف نعلم من هذه السجلات أن الحميريين اليهود في الجنوب، سرعان ما تمكنوا من التفاهم مع قبائل الشمال السبئي (الإسرائيليين) بقياد فقح بن رمليا، لتنظيم هجوم على أورشليم لمحاصرة الملك الإسرائيلي أحاز؛ ولكنهم فشلوا في محاولاتهم هذه. وهذا ما يؤكده سفر الملوك الثاني 16: 5.

“حِينَئِذٍ صَعِدَ رَصِينُ مَلِكُ أَرَامَ وَفَقْحُ بْنُ رَمَلْيَا مَلِكُ إِسْرَائِيلَ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِلْمُحَارَبَةِ، فَحَاصَرُوا آحَازَ وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَغْلِبُوهُ”.

لقد سبق لي أن أثرت مسألة الصراع بين “الإسرائيليين” و”اليهود” في مؤلفي هذا (مجلدات إسرائيل المُتخيّلة)، وأكدت في أكثر من مناسبة أن هذا الصراع، هو صراع مركب قبلي/ ديني، وأن من بين أسبابه الكبرى، عدا الخلاف الديني/ التشريعي، تعاون اليهود في الجنوب مع الغزاة الأجانب في مختلف حقب التاريخ (آشوريين، يونانيين، رومان.. إلخ). 

لقد اصطدم الآشوريون في مراحل مختلفة مع ملوك مقاطعة “السواء” في تعز، وفي نقوش سرجون الثاني نجد تفاصيل كثيرة عن قتاله ضد “ملك رصين/ رضين”. وفي التوراة بلغتها العبرية يرسم الاسم في صورة “رصين” كما لاحظنا من الآيات السابقة، والمقصود “رضين”؛ لأن العبرية لا تعرف حرف “ض” وتستبدل به حرف “ص” كما أشرت في ما سبق من سطور، وهذا لقب الملوك في هذه المقاطعة من قبيلة “رضين”، وهو ليس اسماً لملك بعينه، وهو يُدعى عادة “ملك سو/ ملك سواء” في السجلات الآشورية. وفي هذه الآية، سنلاحظ أن بني إسرائيل بقيادة فقح بن رمليا، تحالفوا مع الآراميين للتخلص من الكاهن اليهودي الجنوبي أحاز (وهو غير أحاز الملك الشمالي/ السبئي الذي ترك لنا شواهد كثيرة؛ منها قصره الشهير في صنعاء. وكما قُلت مراراً فلقب أحاز هو لقب ديني وليس اسماً). في هذا العصر تمكن “ملك رصين/ رضين” أي ملك مقاطعة السواء، في تعز، وبعد اجتياح صنعاء، من استرداد منطقة “إيلة”، وقام بتسليمها إلى الآراميين “قبيلته”، وبذلك تمكن الآراميون من التمدد خارج تعز وأصبحوا قوة مرهوبة الجانب في صنعاء، وأفلحوا في تنفيذ مهمة طرد اليهود منها. وهذا ما يؤكده سفر الملوك الثاني 16: 6.

“فِي ذلِكَ الْوَقْتِ أَرْجَعَ رَصِينُ مَلِكُ أَرَامَ أَيْلَةَ لِلأَرَامِيِّينَ، وَطَرَدَ الْيَهُودَ مِنْ أَيْلَةَ. وَجَاءَ الأَرَامِيُّونَ إِلَى أَيْلَةَ وَأَقَامُوا هُنَاكَ إِلَى هذَا الْيَوْمِ”.

وقرية “إيلة” هي اليوم إحدى قرى عزلة بني قيس بمديرية بني مطر التابعة لمحافظة صنعاء، وهذا يعني أن الآراميين فرضوا سطوتهم على أجزاء واسعة من أراضي السبئيين. فهل من المنطقي قبول الرواية الاستشراقية عن وجود الآراميين في سوريا؛ بينما نجدهم في هذ العصر بضواحي صنعاء، ومتى استولوا على دمشق السورية وهم يحاربون في ” دمشق اليمن”، ودمشق اليمنية هذه هي اليوم في مديرية حزم العدين وتُدعى عزلة دمشق؟ وأرغب في هذا السياق في التنبيه إلى أن “ملك رصين/ رضين” هذا، ليس هو نفسه “ملك رصين/ رضين” الذي اصطدم به سرجون الثاني عام 727 ق.م؛ أي قبل ما يزيد قليلاً على 20 عاماً من هذه الأحداث، وكل هذا يؤكد أن “لقب رصين/ رضين” ليس اسماً لملك بعينه كان يحكم مقاطعة السواء في تعز؛ بل هو لقب الأسرة التي حكمت هذه المقاطعة وعرفت بأنها “ملوك رضين”، وكانت تفرض سيرتها على أجزاء واسعة مما يُعرف اليوم بمحافظة إب، ومنها مقاطعة جبلية تُعرف حتى اليوم باسم “دمشقي/ دمشق”. ولنتذكر في سفر التكوين أن القائم على بيت إبراهيم كان يُدعى العازر الدمشقي/ إيل عزر الدمشقي. وقبائل رصين/ رضين هم من قبائل العيزار (من بطون طيء) كما تؤكد ذلك كتب أنساب اليمن وكتاب صفة جزيرة العرب للهمداني: من كل هذه الوقائع نستخلص التالي: أثناء الغزو الآشوري الذي قاده تجلات باسر الثالث بنفسه، اصطدم بتحالف قبلي واسع يضم “الأمورو/ قبائل وادي مور” والسبئيين الشماليين والآراميين. 

ويبدو من سجلاته وما ترويه قصص التوراة، أنه تمكَّن من إلحاق هزيمة مُنكرة بالآراميين في مقاطعة “السواء”؛ وهي جزء مهم مما يُعرف اليوم بمحافظة تعز، ثم استكمل انتصاره حين اجتاح المناطق التي كانوا يسيطرون عليها في أجزاء مما يُعرف اليوم بمحافظة إب. والأمر المؤكد أن الآشوريين تمكنوا خلال حملة أقدم قادها “ملك آشور”، حسب تعبير التوراة، من قتل ملك الآراميين الذي يُدعى “ملك رصين/ ملك الرضين”. والمقصود آشور ناصر بال (بعل: وهو الملك ال 92 لآشور من القرن 10 ق م، حسب قائمة ملوك آشور التي ذكرت أنه حكم لمدة 19 سنة، من سنة 1050 إلى سنة 1031 ق م. خلفاً في الحكم من والده شمشي أدد الرابع). 

وهاكم ما ترويه التوراة:

سفر الملوك الثاني 16: 9

“فَسَمِعَ لَهُ مَلِكُ أَشُّورَ، وَصَعِدَ مَلِكُ أَشُّورَ إِلَى دِمَشْقَ وَأَخَذَهَا وَسَبَاهَا إِلَى قِيرَ، وَقَتَلَ رَصِينَ”.

وبكل يقين يستحيل تخيُّل أن الآشوريين احتلوا دمشق السورية (وهي عاصمتهم) ثم قاموا بسبي السكان ونقلهم إلى قير؟ وهل هناك مكان يُدعى “قير” يمكن أن يُنقل إليه سكان دمشق؟ هذه خرافة استشراقية روَّج لها اللاهوتيون لا أكثر ولا أقل. أكثر من كل هذا، يؤكد سفر عزرا: 2: 48، أن بني “رصين/ رضين” كانوا ضمن القبائل التي سباها الآشوريون في عصر سابق وقاموا بنقلهم إلى بابل. 

وهاكم النص: عزرا: 2: 48

“بَنُو رَصِينَ، بَنُو نَقُودَا”. 

فهل يمكن تخيُّل أن الآراميين الذين أصبحوا أسرى لدى الآشوريين، وهم يقومون ببناء مدينة تُدعى “نقود”، وأين هذه المدينة؟ كانت خرافة وجود شعب “غامض” يُدعى الأمورو، هي خلاصة تلفيق شامل كان الغرض منه صنع “هويَّات غامضة” لشعوب المنطقة. وهاكم نصّاً آخر عن “الأمورو” سجله أشور ناصر بال، يتوافق مع رواية التوراة عن الصراع ضد ملك رصين/ رضين؛ أي القبائل التي تنتمي إلى الرضوانيين الذين كانوا يقيمون في ما يُعرف اليوم بمحافظة ريمة وفي تعز. وهنا مقتطف من نص سجلات ناصر بال حول “الأمورو”. إن التأمل النزيه والموضوعي في هذا المُقتطف، سوف يكشف الحقيقة التاريخية التي جرى التلاعب بها، فهذا “الشعب الغامض” كان جزءاً من تحالف ضمَّ قبائل ذمار وما يُعرف اليوم بقبائل “مديرية المخا” في تعز:

455. مدن زمري/ ذمري، عر/ “جبل” الصدقة، أمورو، بر- سندي أرتو / عر أرتو، سورتو/ السراة (Zamru، Arasitku, Ammaru, Parsindu, Iritu، Suritu) معقله، هي ومئة وخمسون مدينة تقع حولها، كلها دمرتها وحطمتها وأحرقتها بالنار وحولتها إلى أكوام من الركام. وبينما كنت مقيماً أمام مدينة بر- سنيدي (ابن السنيدي Parsindi) وضعت الفرسان والروّاد (مهندسي الحرب) موضع الاحتياط. وفي الميدان ذبحت محاربي المخا (Ameka).

 قطعت رؤوسهم وقيدتهم بجذوع الشجر داخل بلاط قصره.

هذا مجرد مقتطف صغير يؤكد لنا أن “شعب الأمورو” كان يعيش في بيئة يمنية، وأن أشور ناصر بال (نحو 1050 ق. م) قاتلهم في مناطق مختلفة من تعز وصنعاء. هاكم النص كاملاً، وسوف أقدم في ختام هذا الجزء من الفصل تحليلاً للحملة وكل ما يتصل بـ”شعب الأمورو الغامض” الذي اخترعه اللاهوتيون.

النص الكامل

آشور ناصر بال (آشور ناصر بعل): السجلات الآشورية القديمة

الصفحة 151

السنة الرابعة. حملة ثالثة على (Zamua)

(السجلII, ll. 49_ 86)

452. في المنطقة المنسوبة لـ(جبل أدار Limutti-Adur، أوصل لي رجال خبراً بأن (المقه/المخا Ameka) و(أرشتوArashtua الرئيس الكاهن) قد منعا الجزية والعمل القسري المفروض عليهم من قبل آشور. يا سيدي. ووفاء مني بعهد آشور، السيد العظيم يا سيدي، وبعهد (نرجالNergal)، قائدي، فقد أمرت في اليوم الأول من شهر (Simanu) بحمل السلاح وللمرة الثالثة على أرض السمان (Zamua). ولم أنتظر عرباتي وحشودي؛ بل غادرت من مدينة كاكزي/ كاكسي (Kakzi) وعبرت الوادي الأدنى. دخلت معبر باب البيت (Babite)، وعبرت ريدان (Radanu) متقدماً أكثر فأكثر كل يوم إلى سفح جبل سامك (السامك Simaki). وأخذت المواشي والأغنام والخمور جزية من أرض ذي جرة Dagara.أو المركوبات (الإبل والخيول) …انتقيت لها فرساناً أخذتهم معي. وطوال الليل وحتى بزوغ الفجر سرت على امتداد سفح جبل (Simaki السامك). عبرت (طيورنات/ طيورنةTurnat)، واقتربت أكثر وأكثر وبأقصى سرعة من مدينة (أمالي/ عماليAmmali) معقل (Arashtu أرشتو). وعصفت بالمدينة قتلاً وبطشاً وسيطرت عليها. قضيت على800 من الرجال بالسيف وملأت بأجسادهم شوارع المدينة وصبغت منازلهم بدمائهم. أسرت رجالاً أحياء كثيرين بيدي وانتزعت غنائم عظيمة منهم، أما المدينة فدمَّرتها، حطمتها وأحرقتها بالنار.

453. استوليت على مدينة (هدونHudun) وعلى عشرين مدينة مجاورة لها؛ ذبحت السكان فيها وحملت غنائمهم ومواشيهم وأغنامهم؛ أما مدنهم فدمرتها وحطمتها وأحرقتها بالنار وأحرقت شبابهم وعذراواتهم بلهيبها. واستوليت على معقلهم مدينة (كسرتوKisirtu) التي كان يحكمها (السبئي Sabini) وكذلك فعلت بعشر مدن مجاورة لها، ذبحت سكانهم وحملت الغنائم منهم. 

أما مدن (بر- أنس التي كانت تحت حكم (كرتارة Kirtiara) والمدن التابعة لرجال (دورا Dura) و (بنيوس/ بني يوسBunisa) ووصولاً إلى معبر (هشمرا/ ها- سمرا Hashmar) فقد دمرتها وحطمتها وأحرقتها بالنار وحولتها إلى تلال من الركام. 

غادرت من مدن (أرشتو Arshtua) ودخلت المعبر بين جبال (لعرّ Lara) و(بدرج Bidirgi) الشاهقة؛ والتي لم تكن تتسع للعربات والحشود ووصلت إلى (ذمري  Zamri) المدينة الملكية لـ( المكا/ المخا Ameka) ملك أرض (زمو  Zamua)، واقتربت منها أكثر فأكثر. 

454. وارتعدت فرائص (Ameka) أمام عظمة قوة أسلحتي ومجموعاتي المقاتلة الشرسة، فاتخذ لنفسه مكاناً عند منحدر جبل. فحملت خيرات قصره وعربته ورحلت من مدينة ( ذمري/ ذمار Zamri). عبرت (ليلو/ ليلىLallû) وسرت نحو جبل عطان(Etini) وهي منطقة وعرة لم تكن تتسع لمرور العربات والجيوش (المجلد الخامس، النصوص الأدبية والدينية) والتي لم يكن أي من الملوك من آبائي قد اقترب منها. الملك مع جيوشه صعدوا إلى أعلى جبل عطان (Etini).

وبعيداً عن الجبل حملت كل خيراته وممتلكاته، الكثير من الأواني النحاسية وثور بري من النحاس وأوعية من النحاس وزباد من النحاس وفناجين من النحاس وثروات قصره والأكوام المكومة من كنوزه. وعدت إلى معسكري لأقضي الليل هناك. وبمساعدة (Assur) و(Shamash) وهم عوني، غادرت المعسكر وانطلقت نحوه. عبرت نهر الدير( Edir) وفي وسط جبال (سوا Sû) وعليانو (عليان Elaniu) العظيمة، ذبحت أعداداً كبيرة منهم. وحملت من سفح جبل عليانو (Elaniu) كل خيراته وممتلكاته، ثور بري نحاسي، أوعية من النحاس، زباد من النحاس، أطباق من النحاس، والكثير من الأواني النحاسية، طاولات مكسوة بالذهب ماشيتهم وقطعانهم، ممتلكاتهم وغنائمهم الثقيلة. وأخذت حصانه منه. ولكن (Ameka) ولكي ينجو بنفسه فقد صعد إلى جبل سبوعة/ سبوع (Sabua).

455. مدن زمري/ مدن ذمار/ وعر/ “جبل” الصدقة ، وأمورو، وبر- سندي أرتو/ وعر أرتو، وسورتو/ السراة (Zamru، Arasitku, Ammaru, Parsindu, Iritu Suritu) معقله، هي ومئة وخمسون مدينة تقع حولها، كلها دمرتها وحطمتها وأحرقتها بالنار وحولتها إلى أكوام من الركام. وبينما كنت مقيماً أمام مدينة بر- سنيدي (ابن السنيدي Parsindi) وضعت الفرسان والروَّاد (مهندسي الحرب) موضع الاحتياط. وفي الميدان ذبحت محاربي المخا( Ameka). قطعت رؤوسهم وقيدتهم بجذوع الشجر داخل بلاط قصره. أسرت عشرين رجلاً حياً واحتجزتهم بجدار قصره. ومن مدينة زمري/ ذمري (Zamri) أخذت معي الفرسان والروَّاد ومضينا لنقاتل كلاً من مدن أته/ عطه(Ata) وعرزو/ عرّ- سوس (Arzizu) والتي لا أحد من بين الملوك من آبائي كان قد اقترب منها.

واستوليت على مدن عرزوز/ عرّ- سوس (Arzizu) وعر- سندي (Arsindu) معاقله مع عشر مدن أخرى تقع على منحدر جبل نسيب/ نصيب (Nisipi). ذبحت سكان تلك المدن وأحرقت المدن وحطمتها وأحرقتها بالنار وعدت إلى معسكري.

456. في ذلك الوقت تلقيت الكثير من النحاس tabbili وخواتم من النحاس والكثير من الـshariâte من أرض السبريم/ الشبريم (Sipirmene) والتي (كان سكانها) يتكلمون كالنساء. 

 457. وغادرت مدينة ذمري ( Zamri) ومضيت إلى جبال العر ( Lâra) الوعرة والتي لم تكن تتسع لمرور المركبات والجيوش، وقطعت بفؤوس صغيرة {بلطات} من الحديد وبفؤوس من البرونز شققت (طريقاً) وجلبت العربات والفرق ونزلت إلى مدينة دقلة والشوار وأسباط (Takulti-Assur-asbat) والتي يسميها الناس في أرض ليلو/ ليلى (Lullu) باسم أركادي ( Arkadi). وكل ملوك أرض ذمري (ذمار Zamua) فزعوا أمام ضراوة أسلحتي ورهبة سلطاني وقبَّلوا أقدامي. جزية وضريبة، ذهب، فضة، رصاص، نحاس، أوعية من النحاس، ملابس من الصوف زاهية الألوان، خيول، ماشية، وخمر فرضتها عليهم (بنسبة أكبر) من ذي قبل، واستعملت عمالهم قسراً في مدينة كالح ( Calah). وبينما كنت مقيماً في أرض زمو ( Zamua) كان الناس في مدن هدون، حرست، وهوب الشقة، وجلزانو/ جلز ( Huduni , Hartishi , Hubushkia, Gilzan) مبهورين بعظمة آشور يا سيدي، وأحضروا لي الجزية والضريبة، فضة وذهباً وخيولاً وملابس من الصوف زاهية الألوان وماشية وقطعاناً وخمراً. والرجال، أولئك الذين كانوا قد فروا من مواجهة أسلحتي، صعدوا إلى الجبال. وقد تبعتهم. وطّنوا أنفسهم بين جبال عزرو/ عزر( Aziru) والسامك( Simaki) وجعلوا من مدينة منسو/منسه (Menso) معقلاً لهم. ولقد دمرت وحطمت جبل عزرو (Aziru) ومن وسط جبل السامك (Simaki) وصولاً إلى نهر تورنت/ طورنت(Turant) نثرت جثثهم. ذبحت خمسمئة من محاربيهم وحملت غنائمهم الثقيلة وأحرقت المدن بالنار.

485. في ذلك الوقت وفي أرض زمو (Zamua) كانت مدينة طيلة/ عتيلة( Atlila) والتي كانت تضع يدها على صولجان ملك قردان/ آش( Karduniash)، قد انحلت وأصبحت (النصوص الأدبية.، تحولت إلى…..) تلاً من خراب مكوَّم. وقد قلبتُ الحبوب والقش من كل الأرض ووضعته فيها وأطلقت عليها اسم بيت آشور (Dûr-Assur).

تحليل لسجلات آشور ناصر بعل

نظراً لطول النصِّ وتعقيدات التفاصيل الحربية التي سجلها آشور ناصر بال (بعل)، فسوف أقوم بتحليل هذا النص حسب الترقيم الذي وضعه المتحف البريطاني.

المقطع الأول 452:

في المقطع الأول من النص برقم: 452، نقرأ ما يلي:

وصلت إلى أسماع الإمبراطور آشور ناصر بال -عندما قام بحملته العسكرية على اليمن عام 1050 ق.م- أنباء من مخبرين محليين كانوا يتعاونون معه في مقاطعة (جبل الدار Limutti-Adur)، تفيد وجود حشود قبلية في مقاطعة المخا (Ameka) وهي من مقاطعات محافظة تعز الشهيرة اليوم، بدعم مباشر من الكاهن الأكبر (الرشتوArashtua)، وأن القبائل في صنعاء وإب ولحج وتعز قررت الامتناع عن تقديم الجزية (الضرائب) إلى الآشوريين، والتوقف عن القيام بأعمال السُّخْرَة التي فرضتها الغزاة في حملات سابقة. كان الإمبراطور الآشوري يزحف نحو مقاطعة جبل الدار في ما يعرف اليوم بمحافظة إب عندما وصلت أنباء الحشود القبلية، ومقاطعة جبل الدار من مقاطعات محافظة إب (وتُدعى قرية الدار وهي محلة تابعة لقرية العقرمي، التابعة لعزلة الأشعوب بمديرية مذيخرة إحدى مديريات محافظة إب). حين وصلته أنباء هذه الحشود، أمر في اليوم الأول لحملته في هذه المقاطعة بالتوجه صوب أرض جبل السمّان، وهي اليوم تُدعى باسمها هذا في محلة تابعة لقرية الرئاس، التابعة لعزلة السارة بمديرية العدين إحدى مديريات محافظة إب. هذا يعني أنه انتقل في اليوم الأول من حملته من مديرية المذيخرة إلى مديرية العدين، وهما في فضاء جغرافي واحد. ثم غادر متجهاً صوب ما يُعرف اليوم بمحافظة لحج، ليصل إلى مقاطعة تعرف باسم “الكاسي/ الكاكسي”: Kakzi، إحدى قرى عزلة حبيل جبر بمديرية حبيل جبر التابعة لمحافظة لحج، وكان عليه ليصل إلى هذه المقاطعة لإخماد تمرُّد قبائلها هناك، أن يجتاز الوادي من مكان يُدعى “باب البيت” Babite، وهي مكان يتبع اليوم لقرية الرباط، التابعة لعزلة خنوة بمديرية ذي السفال؛ إحدى مديريات محافظة إب. 

وهكذا سارت حملته لتفريق صفوف القبائل التي تم حشدها، لتبلغ وديان مقاطعة “ريدان Radanu”. وهذه اليوم من قرى عزلة آل عبيد بمديرية الصومعة التابعة لمحافظة البيضاء على الحدود مع إب. 

وبالطبع لا وجود لاسم ريدان لا في جغرافية فلسطين ولا في أي مكان في العالم؛ لأن ريدان بطن كبير من بطون قبيلة حمير، ومن هناك تقدمت جيوشه صوب جبل السامك Simaki. وهذا جبل شهير وصفه الهمداني في مؤلفه (صفة جزيرة العرب) وهو اليوم بنفس الاسم: جبل سامك من قرى عزلة الربع الغربي بمديرية سنحان وبني بهلول التابعة لمحافظة صنعاء.

وحين أصبح الإمبراطور الآشوري في جبل سامك هذا، فقد أصبح بوسعه أن يتقدم صوب مقاطعة “ذو جرة: Dagara”، وهي إحدى قرى عزلة المضاربة بمديرية المضاربة والعارة التابعة لمحافظة لحج، ليستولي على ثروتها الثمينة من المواشي والأغنام والخمور والمركوبات (الخيول والإبل). ثم سار طوال الليل بين الجبال والوديان حتى بزوغ الفجر عند سفح جبل سامك، ومن هناك اتجه صوب (طيورنات/ طيورنة Turnat). وهذه تُدعى اليوم (بني طيرة) وهي إحدى قرى عزلة بني جبر بمديرية الطيال التابعة لمحافظة صنعاء. بعد ذلك اندفع بسرعة صوب مقاطعة أمالي/ عمالي Ammali معقل الكاهن اليهودي (الأرشتو Arashtu)؛ ليعصف بها ويقتل نحو 800 من الفرسان، ويملأ الطرقات بجثثهم. أما مقاطعة عمالي فقد أصبحت حطاماً، وهي اليوم من قرى لحج. في هذا المقطع لا سبيل إلى تفادي قبول الفكرة البسيطة التالية: هذه ليست جغرافية فلسطين ولا بلاد الشام، ومن المؤكد أنها تشكل وحدة “إيكولوجية” متناغمة من حيث الوصف الجغرافي للوديان والجبال والثروات والقبائل وأسماء القرى.

المقطع الثاني453:

يتضح من وقائع الحملة في المقطع الثاني، أنه قرر مهاجمة حضرموت في محاولة لإخضاعها، وقد بدأ حملته على مدينة “هدون Hudun” وعلى عشرين مدينة مجاورة لها. تقع “هدون” في عزلة صيف بمديرية دوعن التابعة لمحافظة حضرموت، وهذا يعني أن الآشوريين استولوا فعلياً على معظم مدن وقرى ومقاطعات وادي دوعن، أعظم وأشهر وديان حضرموت التي تفيض عسلاً، ويُعد الأشهر بين كل أنواع العسل في العالم حتى اليوم. في هذه الحملة ارتكب الآشوريون مذابح مروعة ضد القبائل المُتمردة، وتمكنوا من الاستيلاء على كل ثرواتهم من المواشي، وجرى دون رحمة حرق القرى وتحطيمها؛ بل وبلغت الوحشية حدّاً مخيفاً حين قاموا بإحراق الشبان والعذراوات بلهيب نيران القرى المشتعلة. 

وفي هذه الحملة استولوا على مدينة رئيسية تُدعى “كسرتو Kisirtu”، وهي من القرى التاريخية القديمة في حضرموت، ورد ذكرها “في صفة جزيرة العرب” وقال عنها الهمداني في “فصل حضرموت”، أن هذه المدينة تُدعى “الكسر وهي في وسط حضرموت” وتُعرف باسم كسر قشاقش. وحسب وصف السجلات الآشورية فقد كان هناك حاكم سبئي لهذه المنطقة (Sabini). والمثير للدهشة أن هذا الوصف يتوافق مع وصف الهمداني الذي يؤكد أن مدينة كشر كانت “مقر الملوك”. ما يميِّز هذه المدينة وجود وديان عظيمة؛ منها وادي منوب. يصب وادي منوب وهو الثغر الشرقي لمدينة الكسر، في مواقع وأماكن كثيرة؛ بما يجعل من أراضيها الأكثر خصوبةً بين المدن الأخرى، وقد أقام فيها آل القشقاش (نسبة إلى قبيلة قشاقش من بني يزيد بن معاوية الكندي، وفيها قصور ملوكهم). ولذلك أصبحت منطقة الكسر مسرحاً لكثير من الحروب والمعارك عبر التاريخ، نظراً لوقوعها على طرق وممرّات التجارة القديمة. ووادي منوب هذا مليء بأشجار السمر والسلم وأشجار السدر والنخيل، وفيه مزارع كثيرة. في سياق هذه الحملة التي شملت مدينة ” كسر”؛ جرى تحطيم عشر مدن مجاورة. لكن حملة آشور ناصر (نصر بعل)، سرعان ما عادت أدراجها واتجهت صوب مقاطعة “أنس/ بر- أنس” (بر/ تعني بن- أنس). تقع هذه المقاطعة في ما يُعرف اليوم بمديرية ضوران آنس، وهي إحدى مديريات محافظة ذمار. ثم بلغ معبر (وادي) ها/ شمرا (Hashmar السمرا). 

ثم استولى على جبل العر Lara ومدينة بدرج  Bidirgi قبل أن يدخل مدن ذمار (Zamri)، ثم مدن ملك “المخا” Ameka. وهذه ثلاث مدن ضمن صنعاء القديمة وحجة وهي: ها شمرا/ شمر: ما يُعرف باسم: مديرية قفل شمر التابعة لمحافظة حجة، ولعر: العر، وهي إحدى قرى عزلة الحدب بمديرية الحيمة الداخلية التابعة لمحافظة صنعاء، ثم بدرج: درج وهو ما يُدعى اليوم درج الغيل، إحدى قرى عزلة بني خطاب بمديرية مناخة التابعة لمحافظة صنعاء. هذا الاستعراض العمومي للسجلات الخاصة بحملة آشور ناصر (نصر بعل) غرضه تبيان حقيقة أن المعارك، ضد ما سوف يسمِّيه الاستشراقيون اللاهوتيون “الشعب الغريب”؛ أي “شعب الأمورو”؛ إنما دارت في هذه البيئة الجغرافية اليمنية. إن التكهن بوجود جغرافية أخرى غير جغرافية اليمن، سوف ينجم عنه لا محالة نوع من صدامٍ حادّ وغير قابل للتسوية بين الوقائع التي تسجلها الحملة والجغرافية الافتراضية، وبكل يقين سوف يستحيل على أي باحث يرغب في رؤية جغرافية فلسطينية أو في بلاد الشام كمسرح مُحتمل لهذه السجلات، أن يعثر على أماكن يمنية مثل “سامك” و”ذو جرة” مثلاً، أو أن يعثر على سلسلة وديان وجبال، يتطابق وصفها مع وصف السجلات الآشورية. هذا الأمر يمكن أن يتأكد لها بقوة في المقاطع القادمة.

المقطع الثالث 454:

حين توجهت جيوش آشور ناصر “بال/ بعل” صوب مقاطعة المخا، ارتعدت فرائص الكاهن، ولم يجد مفرّاً من الهروب صوب أعلى قمة جبلية مُتحصنّاً فيها، ولكنَّ الآشوريين وجدوا في هذا الهروب فرصة لنهب قصره والاستيلاء على ممتلكاته؛ بينما ظل ملك المخا هائماً على وجهه في الجبال. وهكذا عاد آشور ناصر بال إلى ذمار Zamri، ومن هناك بدأ الاستعداد لحملة ضد مقاطعة صعدة ليستولي على جبل ليلى (ليلو/ أم ليلى- الميم الحميرية أداة تعريف منقرضة)، ثم سار من هناك صوب جبل عطان Etini، واستولى على ثروات ومُمتلكات ملكها القبلي. يقع جبل عطان (حصن عطان) اليوم في حي العفيف بمديرية السبعين من مديريات العاصمة اليمنية صنعاء. بعد ذلك عاد آشور ناصر بال (بعل) إلى معسكره؛ ليقضي الليل هناك. في اليوم التالي اجتاز نهر “أدير/ الدير (Edir)” وسط جبال مقاطعة السواء “سو Sû” و”عليانو/ عليانElaniu “. تقع هذه المواضع حسب تسلسلها هنا: نهر/ وادي “الدير” هذا، هو اليوم إحدى قرى عزلة بني يوس بمديرية أفلح اليمن التابعة لمحافظة حجة، أما جبال سو: فالمقصود به عزلة السواء إحدى عزل مديرية المعافر في محافظة تعز اليمنية، أما “عليانو” فهي ما يُعرف اليوم باسم “رية بني عليان” إحدى قرى عزلة بني الضبيبي الواقعة ضمن مديرية الجبين التابعة لمحافظة ريمة. وهذا يعني أنه اجتاح بجيوشه “محافظات”: صنعاء وحجة وريمة وتعز، وهي كلها في فضاء جغرافي واحد، وذلك لإخماد تمرُّد القبائل التي حرض على تمرُّدها كاهن “المخا” الذي هرب إلى مقاطعة “سبوعة”، ليحتمي بالجبل الحصين. وسبوعه/ سبوع Sabua، هذه هي التي تُعرف اليوم باسم “السبوع”، إحدى قرى عزلة آل غنيم بمديرية الشرية التابعة لمحافظة البيضاء.

المقطع الرابع 454:

خلال هذه الحملة لإخماد تمرُّد القبائل، تمكن الآشوريون من إخضاع مدن ذمري/ ذمار Zamru، واستولوا على جبل “عرّ الصدقة Arasitku” ضمن أراضي الأموريين (Ammaru,الأمورو)، والمدن التي يسيطر عليها بر/ سندي، وهي عرّ “أي جبل العرّ Iritu”، كما تمكنوا من الاستيلاء على جبال “السراة”، وكانت هذه من معاقل الأمورو (الأموريين)، هي ومئة وخمسون مدينة أخرى تقع حولها، تمّ تدميرها وتحطيمها وحرقها بالنار وتحولت إلى أكوام من الركام. إن تسلسل هذه الأماكن بهذه الصورة التي تعرضها السجلات الآشورية، يستحيل العثور عليه أو توقع اكتشافه أو العثور عليه إلا في جغرافية اليمن. هاكم تسلسل هذه الأماكن: عرّ “جبل” الصدقة Arasitku. يقع هذا الجبل، وهو اليوم قرية بهذا الاسم ويُدعى “بيت الصدقة”، وهذه منطقة جبلية تتبع مديرية جبلة إحدى مديريات محافظة إب. أمّا برّ/ سندي “بن سندي Parsindi” فهي ما يُدعى اليوم السنيد؛ وهي محلة تابعة لقرية حمر، التابعة لعزلة بلاد المليكي بمديرية العدين، إحدى مديريات محافظة إب. هذا يعني أن الغزاة تمكنوا من الاستيلاء على مكانَين متجاورَين تقريباً ضمن فضاء جغرافي واحد (مديريتا العُدْين وجبلة). في هذا السياق سوف نلاحظ خط التقدم العسكري حين نكتشف أنه استولى على قرية تُعرف باسم “السراة”. هاكم اسم المكان: السراة هي إحدى قرى عزلة قيقة آل مهدي بمديرية ولد ربيع التابعة لمحافظة البيضاء. ومحافظتا إب والبيضاء متلاصقتان، وهذا يعطينا فكرة دقيقة عن طبيعة الغزو والأماكن التي وصلها الغزاة، فهم استولوا على مقاطعات في محافظة إب ومحافظة البيضاء. 

وبينما كان مقيماً أمام مدينة بر- سنيدي (ابن السنيدي Parsindi) قام الإمبراطور الآشوري بإعادة انتشار لقواته، فوضع نخبة من الفرسان لتنفيذ أمر الهجوم، وهذا ما مكَّنه من إلحاق الهزيمة بقوات ملك: “المخا: المخا: مديرية المخا اليوم في تعز” وأسر الكثيرين منهم. ومن ذمار “زمري Zamri” اتجه للقتال ضد قبائل من مدن أته/ عطه (Ata)وعرزو/ عرّ- سوس (Arzizu) فاستولى على مدن عرزوز/ عرّ- سوس (Arzizu) وعر- سندي (Arsindu)، وكان هذا الجبل معقله الأهم، ولكن الإمبراطور الآشوري تمكَّن من إخضاع عشر مدن أخرى تقع على منحدر جبل نسيب/ نصيب (Nisipi). هذه هي خريطة الحرب كما رسمتها نقوش آشور ناصر بال (بعل)، وهي بكل تأكيد لا صلة لها بجغرافية فلسطين أو العراق أو بلاد الشام. هاكم تسلسل هذه الأماكن: عطه، عرّ / سوس، جبل نسيب/ نصيب: عطا بيت عطا هي إحدى قرى مديرية الزيدية، التابعة لمحافظة الحديدة اليمنية، عر/ جبل السوس: السوس هي إحدى قرى عزلة بني ضبيان بمديرية بني ضبيان التابعة لمحافظة صنعاء، نسب/ نصب: نصب هي إحدى قرى عزلة الحدب بمديرية بني مطر التابعة لمحافظة صنعاء.

المقطع الخامس457: 

بعد هذه الأحداث، قرَّر الآشوريون مغادرة مدن “ذمار Zamri” ليتجهوا صوب جبال مقاطعة “العرّ Lâra” وهي مقاطعة جبلية شديدة الوعورة، وكلمة “العر” تعني الجبل المدبب والشاهق، وفيه أشجار كثيفة ولا تكاد تتسع لمرور جحافل الجيش؛ ولذا قام الجنود بقطع الأشجار بواسطة فؤوس من الحديد والبرونز، لشق طريق يسمح بمرور القوات الزاحفة، فوصلوا إلى مدينة “دقلة Takulti”. تقع مدينة دقلة/ دقلت، وتُسمى اليوم “شعِب دقلة “في عزلة سرار بمديرية سرار التابعة لمحافظة أبين. أمّا “الشوار” فهي تتبع اليوم عزلة عردن بمديرية العدين إحدى مديريات محافظة إب. ومن هذه المدينة اتجه الآشوريون للاستيلاء على قرية “أسباط”. تقع “أسباط” في عزلة بني مدسم بمديرية إب إحدى مديريات محافظة إب. وبذلك أصبحوا على مقربة من صعدة؛ حيث جبل أم ليلى (ليلو/ ليلى: انظر هامش رقم 74)، وأصبحوا في قلب منطقة الجوف؛ حيث استولوا على مدينة “كالح” وهي من مدن الجوف القديمة المُندثرة، وتعيش فيها قبائل تُعرف باسم “قبائل الكالح”، ولهم بقايا تعيش اليوم في مصر، البلد العربي. يتبقى أن نعلم أن مدينة “الشوار Assur” ومدينة “أسباط asbat”، هي مقاطعات كان سكانها يعتبرونها جزءاً من مقاطعة أكبر تُدعى “جبل ليلى: Lullu أو جبل “أركادي Arkadi). ما أن سمع ملوك ذمار بهذه الأنباء حتى شعروا بالفزع؛ ولذا أعلنوا ما يشبه الاستسلام وركعوا تحت أقدام الآشوريين، وتقبَّلوا برضا تام تقديم الجزية (الذهب والفضة والرصاص والنحاس والملابس الصوفية والخيول والماشية). 

لم يكتفِ الآشوريون بفرض الجزية؛ بل أرغموا القبائل على القيام بأعمال سخرة لصالحهم، وقاموا بتهجير الكثيرين منهم إلى مدينة ” كالح/ كلخ” (Calah). في هذا الوقت كان الآشوريون يُعسكرون في مقاطعة “زمو Zamua”، ويجعلون منه مركزاً لتجمع قواتهم. والزمو: بنو زومة؛ هي إحدى قرى عزلة الشرفة بمديرية بني حشيش التابعة لمحافظة صنعاء. وفي هذا الوقت أيضاً بادروا إلى شن هجوم لتأديب قبائل حضرموت المُتمرِّدة. لكن الحملة شملت أماكن أخرى، وهي حسب التسلسل، على النحو التالي: “مدينة هدون”، مقاطعة “حرست”، مقاطعة “هوب الشقة”، مقاطعة “جلزانو”. وحسب السجلات الآشورية فقد (كان الناس في (Huduni، Hartishi , Hubushkia, Gilzan مبهورين بعظمة آشور). وهذه المدن والمقاطعات تقع حسب تسلسلها في هذا النص في المحافظات التالية: هدون هي إحدى قرى عزلة صيف بمديرية دوعن التابعة لمحافظة حضرموت، حرست: حرسة: الحرسة محلة تابعة لقرية أُدام، التابعة لعزلة الشراعي بمديرية جبلة إحدى مديريات محافظة إب، هوب الشقة: هوب الشقة: محافظة تعز، مديرية الشمايتين، عزلة الزعازع، قرية الزعيمة، محلة هوب الشقة، جلزانو/ جلز: محافظة المحويت، مديرية شبام كوكبان، عزلة الزبيرات، قرية الصلة، محلة جلز. وبعد أن أخضعوا القبائل في هذه المدن وأرغموها على دفع الجزية (فضة وذهباً وخيولاً وملابس من الصوف زاهية الألوان وماشية وقطعاناً وخمراً)، اكتشفوا أن كثرة من رجال القبائل، تمكنوا من الفرار صوب مناطق جبلية وعرة وصعدوا إلى الجبال الشاهقة؛ ولذا قرَّر الآشوريون ملاحقتهم. كان هؤلاء يتحصنون في مكان جبلي شاهق يُدعى جبال عزرو/ عزرو (Aziru) والسامك (Simaki) وجعلوا من مدينة منسو/ منسه (Menso) معقلاً لهم. لقد سبق للهمداني (صفة جزيرة العرب) أن وصف “أرض العزور/ آل العيزار” قائلاً: العرش وحرية لبني الحارث بن كعب، وهم أهل كراع القريتين ورؤساؤهم آل الذّملّق وآل العيزار (انظر كتابنا فلسطين المتخيلة ص 448- 452 مصدر مذكور). هاهنا “أرض العزرو/ آل العيزار في مديرية العرش وهي إحدى مديريات رداع بمحافظة البيضاء”. وهكذا أخذت جيوش الآشوريين طريقها صوب جبل “طورنت/ الطور”. والطور هي إحدى قرى عزلة طور الباحة بمديرية طور الباحة التابعة لمحافظة لحج. أما جبل السامك: فهو اليوم يُعرف باسم قرية من قرى عزلة الربع الغربي بمديرية سنحان وبني بهلول التابعة لمحافظة صنعاء؛ بينما تقع مقاطعة منشو/ منشيه: تقع قرية المنشية في مديرية خولان: جبال المنشية ورأس نقيل شجاع بالجهة الشمالية من جبال اللوز. وتجري مياه هذا الوادي لتصبّ في وادي البديع، ثم يتجه شرقاً إلى حريب، ويلتقي وادي حباب في رغوان، ثم يتجه إلى بلد الجدعان شرقاً أسفل وادي الجوف، وتصب فيه روافد شمال الطيال وحلب وجنوب نهم، ويعتبر وادي حريب الفاصل بين قبيلتَي خولان ونهم.

المقطع الأخير من النص 485:

عندما فرغ الآشوريون من تأديب القبائل المُتمرِّدة في صنعاء ولحج وإب البيضاء وحضرموت، كانت مدينة عطيلة/ عتيلة (Atlila) التي تحكم مقاطعة قردان/آش (Karduniash) قد انحلت وأصبحت (النصوص الأدبية، تحولت إلى) تلٍّ من خراب مكوَّم. ولذلك أطلق الآشوريون عليها اسم “ديار/ بيوت آشور Dûr-Assur). وعتيلة. والمثير للدهشة أن قرية عتيلة هي إحدى قرى عزلة سهام بمديرية الحيمة الخارجية التابعة لمحافظة صنعاء، ولا تزال بنفس الاسم والوصف الجغرافي. أما قردان- نش، فهي مقاطعة قردة، وهي اليوم إحدى قرى عزلة فاس بمديرية بكيل المير التابعة لمحافظة حجة، وعبارة “قردان/ نش” تعني “سكان/ قبائل/ ناس مقاطعة قردة”. والأصل في كلمة ناش هو كلمة أنشي العبرية/ اليمنية والعربية القديمة؛ بمعنى إنسي/ ناس.

في ختام هذا التحليل؛ أرغب في وضع بعض الملاحظات الضرورية لفهم السجلات الآشورية بصورة خلاقة وصحيحة:

أولاً 

يجابه دارس السجلات الآشورية، كما نشرها المتحف البريطاني بالتعاون مع جامعات أمريكية مرموقة وباستمرار، نمطاً شاذاً من التضادات غير القابلة للمعالجة. وشكلياً نمطاً من التناقضات العرضية، بين محتوى النصوص ومحتوى التأويلات التي تصدر عن الدارسين الاستشراقيين. إنهما، النص وتأويلاته في حالة تضاد لا سبيل لأية تسوية بينهما، نعني النص الأصلي الآشوري وتأويله الغربي الاستشراقي، فالنص الأصلي يقول شيئاً، والتأويل الاستشراقي يقول شيئاً آخر. وباستخدام تعبير إدوارد سعيد، فهذا “استشراق صافٍ”. يتجلى هذا الأمر بأنصع صوره حين يجري إدراج الجغرافية الموصوفة في هذه السجلات ضمن جغرافية فلسطين، وهذا تلاعب مخيف بالوقائع، ذلك أن سلسلة الجبال الشاهقة والوعرة التي يصفها الآشوريون في سجلاتهم، لا تعرفها جغرافية فلسطين ولا يمكن تطبيقها تعسفيّاً، كما أن الأسماء الواردة في هذه السجلات لا وجود لها في فلسطين، وأين نجد جبلاً باسم “سامك” أو قرية باسم “قردوشان” أو جبالاً تُدعى “السراة”؟ وأين نجد مدينة باسم “منشو/ منشية” في فلسطين. هذا فضلاً عن أسماء القبائل والملوك “المحليين”، وأين نجد كاهن “المقه/ المخا” الذي حشدَ القبائل لمواجهة الآشوريين في فلسطين؟ هذا تلاعب لا أخلاقي في محتوى النصوص.

ثانياً:

إن قائمة المدن والقرى والقبائل التي خاضت الصراع ضد الآشوريين، تشير بوضوح لا لبس فيه إلى سلاسل جبلية شاهقة، وحصون منيعة عجز الآشوريون عن اقتحامها، فاضطروا إلى ملاحقة القبائل المُتمردة في مناطق كثيفة الأشجار، وهذه جغرافية يستحيل تطبيقها على أرض فلسطين. ومع ذلك كله؛ فإن قائمة الغنائم التي تتضمن الذهب والفضة والأحجار الكريمة والخمور وملابس الصوف الملوَّنة، هي قائمة غريبة كليّاً عن بيئة وتاريخ فلسطين التي لا تعرف هذه الثروات؛ لأنها مجرد قطاع جنوبي زراعي من بلاد الشام القديمة خالٍ من أي ثروت من هذا النوع. إن التأمل التاريخي النزيه والموضوعي في هذا النوع من التفاصيل، يمكنه أن يحسم إشكالية إدراج جغرافية اليمن ضمن جغرافية وتاريخ فلسطين، ذلك أن الكميات الهائلة من الذهب والفضة والنحاس والأحجار الكريمة لا وجود لها إلا في اليمن، والتاريخ لا يعرف أن فلسطين، أي القطاع الجنوبي من بلاد الشام، كان “يختزن” هذه الكميات الهائلة من المعادن. على هذا النحو يحدث نوع من “انفصام” حقيقي بين التوصيف التاريخي الموثق، والتأويل الأوروبي الاستشراقي.

ثالثاً:

وبقدر ما يبدو أن السجلات الآشورية وثَّقت بشكلٍ مُتقن وبدقة عالية، أسماء الأماكن والمدن والقرى والقبائل؛ فإنها تبدو بفضل عمل الاستشراقيين المُنمَّق، وكأنها مجرد كتاب قديم يمكن إعادة ضمِّه إلى النصوص المثيولوجية، الخيالية والسقيمة وغير القابلة للفهم، أي في منظومة “النصوص المثيولوجية” مُحكمة الإغلاق، وبحيث يستحيل على أي مؤرخ أو باحث أو عالم في اللغات والجغرافيّة، أن يعثر على مكان واحد في جغرافية واقعية. مثلاً ما يُسمى جبل “عزرو/ عزر Aziru”؟ والأمر ذاته ينطبق على سائر أسماء الأماكن والمواضع الواردة في السجلات الآشورية. والسؤال الأكثر إثارةً للحرج هو التالي: إذا كان “شعب الأمورو” استولى على أرض ما بين النهرين وبلاد الشام، كما تزعم الرواية الاستشراقية؛ فلماذا نجد هذا “الشعب الغريب” في هذه السجلات في صورة “قبيلة صغيرة”، ضمن قبائل كثيرة تقاتل الآشوريين في الجبال اليمنية الشاهقة؟ وهل ترك هؤلاء أرض كنعان وبلاد الشام والعراق، وجاؤوا للقتال ضد الآشوريين في جغرافية اليمن؟ هذا “استشراقٌ صافٍ” بتعبير إدوارد سعيد.