«متى تَـحدَّثـنا عـن أزمـةٍ في الفـكـر السـياسـي الإسـلامـي الحديث والمعاصـر، فإننا نـتحـدث، في الحقيـقة، عـن أزمـة في الواقـع العـربي الذي يعيشـه المؤمنـون به».
هـذه، مـن غير شـك، مقـدمـةٌ صحيحة وإجـرائـية ساقها د.الشّـرفي؛ لتكـون منطلق مطالعـته لأزمـة الفـكـر السـياسـي الإسـلامـي. الفائـدةُ من الاطمئـنان إلى سلامتها، كمقـدمـة، تَـكْـمن في أنها تحـرِّرنا من تفسيـر الفـكـر بالفـكـر وحـده، وتَـفْـتَحـنا على أفـقٍ للنظر إلى المسـألة أوسعٍ مبْـناهُ على تـقـصِّي أحـوال عـلاقـة الفـكـر الإسـلامـي بالواقـع من زاويـتَيـن: مـن زاويـة الآثار الموضوعية التي تـتركـها ظـواهـرُ الواقـع ذاك في الفـكـر؛ فتـوجِّـهـه هـذه الوِجهـة أو تلك، أو تضـع أمامـه من العوائـق ما ينـوء بحمل أعبـاء مواجـهـته، أو تطرح عليه ما تطرح من أسئـلة يفرضها التطـور. ثم من زاويـة ما يسع الفـكـر الإسـلامـي أن يجيب بـه عن معضـلات ذلك الواقـع الذي يعيش فيـه ويشـتبك مع مشكـلاتـه.
المقـدمـةُ المشـار إليها صحيحة بهـذا المعنى؛ ولكـنها لا تكـفي وحـدها لكي تُـظْهِـرنـا على تلك الأزمـة العـميقـة التي يرزح فيها ذلك الفـكـر في وجـوهها كـافة. وحيـن نـقول في وجـوهها كـافة؛ فإنما نعـني أنها أزمـة مـركَّـبـة مـن مجموعٍ من العـوامل ليس الواقـعُ المـوضوعـيّ أكـثـر من عـاملٍ واحـدٍ -وإن كـان رئـيسـاً- منها. وعـندي أن المـقـدمـة التي شيّـد د.الشّـرفي تحليـلَه على قاعـدتها، تـفـتح مـمرّاً نحو إلـقاء الضّـوء على العوامـل الحافّـة بالفـكـر الإسـلامـيّ، المنـتِـجـة لشـروط أزمتـه، لا على أزمتـه ذاتـها؛ أو لِـنـقُـل، بعباراتٍ أدقّ، إنّ البروتـوكـول الذي تعْـرضـه ورقـتُـه يُسـعـفـنا في فهـم ما هـو موضـوعـيٌّ في أزمـة الفـكـر الإسـلامـيّ أكـثـر ممّـا يَـدُلُّـنـا على الـذّاتـيّ في تلك الأزمـة: أعـني النّابـع من بـنيـة ذلك الفـكـر. ولستُ، هـنا، أَحْـمل كـلامَـه على غـير ما يحتـمـل معنـاه، وإنّـما أبني على مَـقُـولٍ أفْـصَـحَ عن نفسـه بوضـوحٍ شديد حينما حَـسِب الحـديثَ في أزمـة الفـكـر الإسـلامـيّ حـديثـاً، على الحقيقـة، في «أزمـة في الواقـع العـربيّ»؛ فـكأنّـما أزمـة الفـكـر اسـم حَـرَكـي مستـعار لأزمـة الواقـع، والحال أن تحليل الواقـع قـد يُـطْـلِعـنا على عـوامل أزمتـه هـو كـواقع، بينما صلـة ذلك بأزمـة الفـكـر قد تـكون أَوْهـى ممّـا نخـال إذا لم نقرأها في سياق حـركـةِ الفـكـر نفسـه.
نَـدَعُ، جانـباً، الحـديث في هـذه المسألة إلى حيـن ولْـنَـكْـتَـفِ الآن بالنّـظر في ما طـرحه الباحث على نفسـه من مهـمّـة: إضاءة أزمـة الفـكـر من طريق إضاءة أزمـة الواقع. والحـقُّ أنه جَـهَـدَ، على هـذا الصّـعيـد، جَـهْـداً ملحوظـاً لبيان ما يـعـتـوِر الواقع العـربيّ من شديـدِ أزْمـاتٍ تطول مجالات الاجتماع العـربيّ كـافة، فـتُـوَلِّـد معـها ما يمكـن حسبـانُـه عـوائـقَ كابحـةً أمام تطـوّر الفـكـر الإسـلامـي، أو هـي -على الأقـلّ- تخـلق شـروطاً نـابـذةً له Centrifuge لا شـروطاً جاذبـة Centripète. هكـذا ألْـفَـيْـناهُ يُـطِـلّ، في بحـثـه، على مسائـلَ شـتّـى هي أمّـهات المشـكلات في الاجتماع العـربيّ المعاصر: التَّخلُّف الاقـتـصادي والتـبعـية للمـراكز الرأسـمالية؛ الاستبـداد السياسـي المـدعـوم من الأجـنبي؛ سوء النـظام التعـليمي السـائد وتـخـلُّـف برامجه؛ دونيّـة المرأة ومناهـل تلك الـدونية من الاجتماعي قبل الـديـني. هـذا، طبـعاً، إلى جانب الأزمـات التي تفصـح عنها عـلاقات الـدولـة بالـديـن وسياستُها له في البـلاد العربيّة، والتي تـرتَّـب على الحياة السّياسيـة وعلى المواطـنة أثـماناً باهـظـة.
يَـضَـحُ لـقارئ البحث أن العـناية بالأزمات فيه متـفاوتـة من واحـدةٍ لأخـرى، وأن مسـألة الاستبـداد حظيت بأكـثـرِ الاهـتمام لِـما يحتـلُّـه تـأثيـرُها المدمـر للاجتماع من مكانـة. لكـنّ ذلك لا يعني، أَلْـبَـتَّـةَ، أنّ تـقـصيراً ما من الباحـث بَـدَا على تـناوُلـه المعضـلات الأخرى؛ لقد كـان دقيـقـاً في النظر إلى الـفشـل الاقـتـصادي والتنـموي مـن طـريق ردّه إلى عاملَيْـه المتضافـرَيْـن: إلى السياسـات الـداخلية غير الاجتماعية وإلى التبعـية للمـتـروبـولات الرأسـمالية التي تفرضها الإمبريالية وسياساتها للهيـمنة على العالم؛ وكان حريـصاً على أن يميـط النقاب عن مضمـون المنظـومـة التعليمية التي تـنـتج أنصاف متعلمـين ولا تُـنشئ على المنـوال الذي يتـعـزَّز بـه الروح الـنـقدي ومَـلَكـاتُ الخـلق لـدى النّشء؛ ثـم كان شديد التـدقيق في بيـانه أسباب دونية المرأة ودواعيـها، فلم يسارع إلى ردها إلى عامـل الـدين والـثـقافـة الـدينية -على ما يـذهب إليه المعظـمُ الأعـمّ ممّـن يَـطْرُقـون الموضوع- بل رجَّح أن يكون الغالبُ على تلك الأسباب العواملَ الاجتماعية: هـو الأدقُّ عنـدنا؛ لأن الـثقافـة الـذكـورية الجمعية في مجـتمعاتـنا، كما في سائـر العالم، سابـقةٌ لوجـود الـديـن نـفسِه وتخـترق الأديان والمجتـمعات جميـعَـها.
من دون أن يـأخـذ الباحث بـأُزعـومة الفرضية الشهيـرة عن الاستـبـداد الشرقي -التي يـعُـدُّها، بحـقّ، تـعبيراً عـن نظـرةٍ استـعلائـية لدى مَـن أطلقـوها أكـثـر ممّا هي تعـبيـرٌ عن واقـعٍ تاريـخي- ينصرف باحـثاً في أسبابها التاريخية من دون أن يتـوقَّـف طـويلاً عند الماضي، لإدراكـه أن للاستـبداد «أسبابَ نـزولٍ» في الواقـع الحاضـر، وأن صـورَه ونـماذجَـه متـبـدِّلـةٌ لا تَـبْـقـى على حالٍ واحـدة. ذلك، على الأقـلّ، ما تـوحي به ملاحظـتُـه حالَ التردد التي تسكـنُ الوعـيَ الإسـلامـي بين حـدَّيْـن مرجـعـيَّيـن في المسـألة حيـن يكـتب: «الفـكـر السـياسـي الإسـلامـي بـقي مـتراوحاً بين الأُنمـوذج الاسـتبـدادي الموروث عـن الماضي والأُنمـوذج الغـربي الحـديث، الفاشـي منه والـديمقراطي والشعـبـوي». وما كان الفـكـر الإسـلامـي وحده الذي توزّع انتـبـاهُـه بين نموذجَيـن للاستـبداد، وإنما قاسمـتْـه التجربـة السياسية لأنظمـة الحكم، في العالمَيـن العربي والإسـلامـي، فِـعْـلَ المـراوحـة بين النموذجَيـن. هكـذا طفِـق قسمٌ من تلك الأنظمـة يسـتأنـف النموذج السلطانـي التـقـليدي في سيرته وفي استـبداده بأمـور السياسة والسلطة، بينما جـرَّب قسـمٌ ثـانٍ أن «يجـتهـد» في الاستبداد ويُـجـدِّد له الأدوات والقسمات فيـقيـمه على المثال الكُـلانـي أو الفاشـي أو الشعـبـوي أو حتى الـديمـقراطي -بمعـناه الوسائـلـيّ- المبني على معـتَـقـد «حاكمية الاقـتـراع»؛ أي الذي يجـرد الـديمقـراطيّـة من محتـواها الحقـيق ويفـصلها عن مقـدماتها الفـكـرية والسّـياسـية وعن قِـيمـها الحاكمـة: الحـريّـة، التّـوافق، العقـد الاجتماعيّ… إلخ. على أن الباحث لم يَـفُـته أن يرى في هـذا الاستبـداد، المصنـوعِ في الـداخـل العربـي والإسـلامـي، مطـلباً عـزيزاً لـدى الأجنبـي وجزءاً من استراتيجـية الإخضاع لـديـه، وهذا ما يفـسّـر -في نظـر د.الشّرفي- لماذا تـدعـم الإمـبـرياليّة أنـظمة الاستـبـداد، بحسبـان ذلك الـدعـم يجعل الأخيرة أشـدّ خنـوعاً للإملاءات الأجنبيّـة نـظراً إلى هشاشـة مركـزها داخل مجتمعـاتها؟
ولم يـوفّـر الباحث في نـقـده موقـفَ الأنظمـة السياسية من الـدين، وما تـغـترضه من أغـراضٍ من وراء ذلك. إنّها -مـدفـوعـةً بالرَّغـبـة في ممالأة شـعـوبـها المؤمنـة- تـذهب، في الأغـلب الأعم منها، إلى النّـصّ في دساتيـر دولها على أن الإسلام دين الـدولـة. وهي لا تـفعـل ذلك صادقـةً، مثـلما أشرنا، بل لغـرض معلـوم. لكن الأسـوأ من نـصٍّ لا يُـفـيد منطـوقُـه الغـرض منه هـو، بالـذّات، ما يحمـله مثـلُ ذلك النّـصّ من مشـكلاتٍ لا حصر لها على مبـدأ المواطنة وعلى منظـومة الحقـوق المدنـية والسياسية في بلـدان العـروبة والإسلام أشار إلى بعضها د.الشّرفي حين رأى في ذلك النّـصّ فعـلاً دستوريّـاً «يُـفـرِغ المواطنة من مفهـومها الأساسيّ الذي هو المسؤوليّـة الشّاملـة وغير المحدودة في سَـنّ القوانين، والمساواة بين المواطنين…». إن الأمـر يتعلَّق، في هذا المـوقـف، بعملـية تسخيـر سياسي للـدين في استراتيجية السيطـرة؛ وهـو التسخير الذي يُنـجِب نظـيرَهُ، ونـقيضه في آن، لـدى حركـات الإسلام الحـزبي التي تـتـحزَّم لأداء هـذه المهمة بهـمّـةٍ أعلى من هـمّـة النّخب الحاكمـة. والنتيـجة إدخـال مجـتمعاتـنا في نـفـق صراعات عـدة باسم الـديـن والرمـز الـديني مدارُها، في المقام الأول، على السلطـة أو على حصص فيها، وعلى الثروة وما مـن مكانٍ للـديـن فيها إلا من حيث هـو وَقـود!
يسلّـِم الباحث، في مـوازاة تلك الخيارات التي تُـؤدِّيـنـا إلى النّـفـق المُـنْسـدّ، بأنْ لا أفـق آخـر أمام مجتـمعـاتـنا سـوى التّـطـوُّر الـديـمقراطي. لكنه ما تَجـاهـل ما يعـتور النموذج الـدّيـمقراطيّ الغربـيّ نفـسَـه مـن أزمـاتٍ شديـدة الاحتـداد، يكـاد أن يلخّـصها اليـوم انـتـهاءُ السّياسـة، في بـلدان الغـرب، إلى قـوى اليـميـن العنـصريّ المـتـطرّف، وإلى قـوى المال والأعمـال! ولكنّ الأطـمَّ من طامّـةِ الأزمـة هـذه هي مُـنْعـكسـاتُـها في الوعـي الإسـلامـيّ اليوم؛ إذْ خـلافاً لِـمَـا درجـتْ عليه الإصلاحيّـةُ الإسـلامـيّـة من مسـلكٍ إيـجابـيّ متمثّـل في استعارة بعض مبادئ هـذا النمـوذج الـديـمقراطي في الغـرب، انـقسـم إزاءه الوعـي الإسـلامـيّ -متحجِّـجاً بما صارت إليه أحوالُـه في بـلاد الغـرب مـن تـأزُّمٍ- إلى فـريقـَيـن: أحـدهما دافع عن الوضع القائـم محـذِّراً من مخاطر التّـغـيـير الذي يمكن أن يعـصف بالاستـقرار، وثانيهـما انكـفأ إلى الماضي مُـؤسْـطِـراً لـه وداعيـاً إليه بحسبـانـه البـديل المطابِـق والمأمـون. وهكذا انصـرف الفريـقان معـاً عـن هـذا النّمـوذج من غير أن يـقـدّمـا جـوابـاً تاريـخيّـاً عن مسـألة السّـلطـة. والباحث مـحِـقٌّ، هنا، حيـن يقـول إنّ الفـكـر السّـياسيّ لـن يَـقْـوى على تقـديم أيّة رؤيـةٍ في السّياسـة إنْ هـو اكـتـفى بما في الموروث من مـوارد، على منـوال ما تعْرضـه كـتُـب السّياسة الشّـرعيّـة ورسائـل الآداب السّـلطانيّـة، لاختـلاف الشّـروط بين زمـن التّـأليف السّياسيّ القـديم وزمـن السّياسـة الحديث. لذلك ما جانب الصّـوابَ حين ذهب إلى القـول إنّ من أَظْـهـر تجليّـات أزمة الفـكـر السّياسيّ الإسـلامـيّ عـدمَ تجـديده مرجـعـيّـاتـه في مسألة الحكـم أو السّـلطـة؛ وهـو الذي يـرتّـب نتـيجـةً سلبيّـة هي خـلق فجـوةٍ في السّياسـة بين النّـظريّـة والممارسـة.
إلى هنا سيـتوقّـف كـلامُ الباحث على الفـكـر السّـياسـيّ لينـتـقـل إلى الإسلام السّـياسـيّ؛ وليس الثّـاني تمـثيلاً للأوّل، ولا يجـوز أن يُـؤْخَـذ الأوّل بجريرة الثّـاني. أمّـا أن يقـال إنّ العلاقـة بينهما هي، بالتّـعريف، عـلاقـةُ تجـافٍ بين النّـظريّـة والممارسـة، على نحـو ما تـذهـب إليه الورقـة، فهي ليست تصِـحّ إلاّ مـن وجْـهٍ واحد؛ هو أن يَـكون الفـكـر السّـياسـيّ الإسـلامـيّ، فعـلاً، «نظـريّـةً» للإسلام الحـزبـيّ، أو لنـقـل -تخـفيـفاً من المبالغة في الاصـطلاح- ثـقـافـةً لذلك التّـيّـار الحـركيّ؛ وهذا ما ليس من دليلٍ عليه، بـل العكـس عـندنا هـو الصّحيـح تـماماً: حيث أحـدثـتِ الإحيائـيّـةُ الإسـلاميّـة، منـذ بواكيـرها الأولى مع حسـن البـنّـا و«الإخـوان المسلميـن»، قطيـعـةً مع موضوعات الفـكـر الإسـلامـيّ: (فـكـرة التّـقـدّم واقـتـداء أوروبا في أسباب نهـضتـها)، ودفعـت نحـو انكـفـاءةٍ حادّة إلى الموروث، ونحـو توليـد إشكاليّـات جديدة بديـلاً من إشكاليّـة التّـقـدّم من قـبيل: الهـويّـة وكيف نحافـظ عليها من عـوامـل التّـحـوّل. أمّـا الأهـمّ في مـوضوعـنا، في مـا خـصّ تلك القطيـعة، فهو اعـتيـاضُ الإحيائـيّـة الإسـلامـيّـة عن مشـروع الـدّولـة الوطنـيّـة، كما تـبلـور عنـد الإصلاحيّـين الإسـلامـيّـين، بمشـروع «الـدّولة الإسـلامـيّـة»: المشروع الذي أدخـل السّياسـةَ، في البلاد العربيّـة، في نفـق الحـروب الأهلـيّـة: الصّامتـة والمعـلَـنـة، والتي كان منها ما جـرى في السّـنوات العشر السّـوداء في الجـزائـر، وفي ما دُعـيَ باسـم «الرّبيـع العـربيّ»!
لستُ أخالـف د.عبد المجيد الشّرفي في نظـرته الدّقيـقة إلى الأدوار السّياسيّـة التّـقسيميّـة التي نهضتِ الحـركاتُ الإسـلامـيّـة الحـزبـيّـة بأدائـها أثناء حـوادث «الرّبيع العـربيّ»، ولا تـقـديرَه بأنّ ذلك إنّـما حصل منها لأنّـها «لم تُحسـن قراءة الواقـع»؛ كما لستُ أخالـفـه نظـرته إلى حـركات الإسلام «الجهاديّ» ومزايـداتـها السّياسيّـة مع «الإسلام الإخـوانيّ»، فضـلاً عـن تطـرُّفها الـدّيـنيّ، والسُّخـرة السّياسيّـة التي قـدّمتها للأجنـبيّ من طريق تـدميـر أوطانها وتمزيـق نسيجـها الاجتماعـيّ…، فهي نظـرة محـلّ تسـجيـلٍ عنـد كـلّ مـن يعـرفـون، على التّحقـيق، كيف استُـدْرجت هـذه الحـركات -منـذ خمسيـنـيّـات القرن الماضي- إلى محالفة الأجـنـبيّ وإلى حيث قـدّمتِ الخـدمـةَ للسّـياسات البريطانـيّـة ثمّ الأمـريكيّـة: تـارةً باسم محاربـة الشّيـوعيّـة والإلحـاد، وأخرى بدعـوى مـواجهة القـوميّـة العـربيّـة، وثالثـة أخيـرة بـدعـوى تحـقيـق الحـريّـة والـدّيمقـراطيّـة! ما أخالـفُه فيه هـو أن يـتحوّل الحـديثُ من حـديثٍ في الفـكـر السّـياسـيّ الإسـلامـيّ إلى حـديث في حـركات «الإسـلام الحـزبيّ»؛ وهـو الأمر الذي أوحى بـوجـود اتّـصالٍ بين أمـرَيْـن منـفصلَيـن، وأضاع -بالتّـالي- فرصـة تركيـز الكـلام على ما هـو في حكـم الموضوع الرّئيس للورقـة وللحلقـة: أزمـة الفـكـر السّـياسـيّ الإسـلامـيّ.
ولسـتُ أخالـف الباحث في أنّ جـغرافـيّـة الفـكـر الإسـلامـيّ أوسـعُ نطـاقـاً من جـغرافـيّـته العربيّـة، المكـانيّـة واللّسانيّـة، ولا فـي أنّ درجـات الأزمـة فيه تـتـفاوت بتـفاوُت الشّـروط التي يكـتب فيها مفـكّـرو الإسـلام في شـؤون السّـياسـة؛ كما لسـتُ أخالـفُـه الرّأي في أنّ مسلمـي المجتمعات الغـربيّـة، من مواطـني دولـها، يـتمـيّـزون مـن باقـي المسلميـن في ديـارهم بكـونهم متمتّـعين بمساحـةٍ من الحريّـات كبيرة لا يعـرفُـها الآخـرون، وبكونهم متـشـبّعيـن بالقيـم الـدّيـمقراطيّـة السّائـدة في مَـواطنـهم الغـربـيّـة. لكـنّـي لستُ على يـقيـنٍ، مثـل د.الشّـرفي، من أنّ المفـكّـرين المسلميـن من خارج ديارنـا ستسمـح لهم ظـروفُهـم بأن يكـونوا «متحرّرين، إلى حـدٍّ مّـا، من الأزمـة التي يشـهدها الفـكـر الإسـلامـيّ» لمجـرّد أنّـهم «يعيشـون دينهم في بيئـات ديـمقراطيّـة». قـلتُ إنّـي لسـتُ على يـقيـنٍ من ذلك لسبـبٍ بسيط هـو أنّ الأزمـة ليست، دائـماً، أزمـة بيـئـاتٍ سياسيّـة، بـل أزمـة فكـر في المقـام الأوّل؛ وهو واحـد: هنا وهناك. هـذا ما يعـيـدني إلى ما أجَّـلتُ الكـلامَ عليه في بـدايـة هذا التّـعـقـيب.
حين استحسـنتُ المقـدّمـة التي بـنـى عليها د.عبد المجيد الشّرفي ورقـتـه، وبـيّـنـتُ وجْـه الفائـدة فيها بالقـول إنّـها «تُـحرِّرنـا من تـفسيـر الفـكـر بالـفكـر وحـده»، ما قَـصَـدْتُ من ذلك إلى القـول إنّ الأزمـةَ، موضـوعَ البحث، لا يمـكـن أن تكـون عواملُـها فكـريّـة أو أن يكـون الـفكـريُّ من عـواملـها، بل عنـيـتُ إنّـه ليس وحـده العامـلَ الذي يفـسّـرها (لذلك شـدّدت على عبـارة «وحـده»). إنّـها، في المقام الأوّل، أزمـةُ فـكـرٍ:
عوامـلُها التّحـتـيّـةُ الأساسُ في ذلك الـفكـر ومفاهيـمِـه، أمّا أزمـةُ الواقـع فـمساعِـدة لا مـقـرِّرة. بيـان ذلك أنّ الـفكـر المأزوم يظـلّ كذلك -أي مـأزومـاً- حتّى حينـما لا تقـع عليه ضغـوطُ أزْمـات الواقـع الخـارجيّ، أو حتّـى حينما لا يـكون ذلك الواقع في حـالٍ من الأزمـة. في المقابـل لا يـتـأثّـر فـكـرٌ غيرُ مـأزومٍ بأزمـة واقعـه الخارجيّ بمـقـدار ما يُسهـم، على العـكـس من ذلك، في حـلّـها أو هـو، على الأقـلّ، يـكون مهـيّـأً، ذاتـيّـاً، ليُسهم في ذلك. إنّ القاعـدة التي نستـصـحبـها في هـذه المناقـشـة لأفكـار د.عبد المجيـد الشّـرفي هي التي تـقـول إنّ حاجـتـنا ماسّـة إلى النّـظـر في مجمـل منظـومة التّـفكـير السّياسـيّ الإسلامـيّ المعاصر: في مـفاهـيـمه الأساس، ومنطـلـقاتـه النّـظريّـة والفـقهـيّـة، وصـلاته بمرجـعـيّـاتـه الإسلاميّـة الكلاسيـكيّـة، وأنمـاط العـلاقة التي ينسُـجـها بمفاهيـم الـفكـر السّـياسيّ الحديـث… إلخ. نحـتاج إلى أن نسائـلـه في مـدى إجرائـيّـة مفاهيـمه الموروثـة لبناء معـرفـةٍ رصينـة للمجـال السّـياسيّ؛ وأن نسائـل تـردّدَه في تبـنّـي المفـاهيـم التي شيَّـدت المدنيّـةَ الحديثـة؛ وأن نـنـتـقـد منـزعه الذي لم ينـقـطع إلى التّـمسُّـك بأفـكـار السّـلف في عالـمٍ من السّياسة جـديـدٍ لم يعـرفـه السّـلف كـي نـأخـذ بـآرائهـم ونحتـذيَـهم ونسير على مِطْـمارهم؛ ثـمّ نحتاج إلى بيـان بَـوْنِ ما يفـصـل هذا الـفـكـر عن الواقـع وعـن مشـكلات السّـياسـة والـدّولـة والسّـلطـة والمواطَـنـة… فيه.
هـذا ما كـنـتُ أنتـظـر أن يُـفْـرِد له الباحث حيِّـزاً معـتَـبَـراً في بحـثـه، لأنّ هـذا المنـتـظَـر والمأمـول هـو -على الحـقيقـة- مـوضوعُ البحـث. وفي الإطـار هـذا كـنتُ أنـتـظـر من د.الشّـرفي أن يـقـدّم مطالعـةً نقـديّـةً للتّـأليـف الإسلامـيّ العـالِـم في الميـدان السّياسيّ (مسائـل السّلـطة والمشروعيّـة والمواطنـة والحقوق والقانون والحـريّـات والمساواة وسـواها ممّـا تـنـاوله باحثـون مسلـمون ذوو خـلفـيّـةٍ فكـريّة)، لا لخطـابات أيـديـولوجيّـة للحـركات الإسلاميّـة تجيـيـشيّـة وتحشيـديّـة وشعبـويّـة وليس لديـها إلى الـفـكر نَـسَـبٌ أو صـلـة. وما كـنـتُ لأنـتـظـر منه القـيـام بهـذا التّـحليل النّـقـديّ إلاّ لأنّـه صاحـبُ الباع الطّـويـل في إتيـانِ مثـلِ ذلك النّـقـد في الكـثيـر ممّا كـتـبـه ونشـره خـلال نـيّـفٍ وأربعيـن عــامـاً. وإلى ذلك كان منـتـظـراً من الباحث أن يـأتـيَ على نقـد مـواقـف المؤسّسـات العـلميّـة الـدّيـنـيّـة الرّسمـيّـة من السّياسة والسّياسـات بحسبـان هـذا الجسـم الفـقـهائيّ واحـداً من أجسام الـدّولـة، وبالتّـالي؛ فهـو ينـتـج «العِـلـم» المطابـق لمصالح القابـضـيـن على أزِمّـة الأمـور العامّـة. وهـذا ما لم يـفـعله د.الشّـرفي لأنّـه ظـلّ مشـدوداً إلى فـكرة النّـظـر في العـوامـل الخارجيّـة المـؤثّـرة في الـفـكر السّياسيّ الإسلامـيّ. وأنا هنـا لا أمنـع نفسـي، أيـضاً، من ملاحـظـةٍ قـدْرٍ من الخـلـط في الورقـة بين الفـكـر الإسلامـيّ والخـطـاب الإسلامـيّ؛ بين الإنـتاج العالِـم والكـلام الحَـرَكـيّ، وقـع فيـه الباحث أو لم يَـحْـتَـط كـفـايـةً من الوقـوع فيـه.
الاستـنتاج الذي يخـرج بـه قـارئُ الورقـةِ من قـراءتـها استـنـتاجٌ مبسـوطٌ، سلـفـاً، في مـقـدّمتها: أزمـةُ الـفـكر السّياسـيّ الإسلامـيّ مَـأْتاها مـن أزمـة واقـعٍ مـوضوعيّ، ومـن أزمـة علاقـتـه بذلك الواقـع واضطـرابها؛ وهي -كما قُـلـنـا- محضُ وجْـهٍ من الأزمـة. أمّـا الغائـب في الورقـة ومنها فهـو التّـفكـير في أزمـة الـفـكر بما هـي أزمـةٌ فـكريّـة يفـسّـرها ضَـعْـف مـوارده الـفكـريّـة، وهيمنـة التّـقليـد عليه، وتردّده أمـام معـارف غير المسلميـن. ولو كانت أزمـتُـه، حـقّـاً، هي أزمـة عـلاقـته بالواقع، لكانت شامـلة غيـره على وجـه القـطـع؛ فهـذه ليست تنحصـر فيه وحـده، وإنّـما هـي تمـسّ -بـدرجـاتٍ متـفاوتـة- مقـالات الوعـي العـربيّ المعاصر كافّـة: الإسلاميّـة، والقـوميّـة، والماركسيّـة، واللّـيبراليّـة.
وبعـد، لا تغـيِّـر هـذه الاستـدراكـات النّـقـديّـة على الورقـة في شـيءٍ من قيـمتها ولا في ما في إحاطتـها من نَـفَـس نـقـديّ عُـرِف بـه صاحبُـها، دائـماً، في ما يكـتـبُـه؛ إنْ هي إلاّ استـدراكات تحـاول ترميـم شقـوقٍ لا تَـعْـرَى منها أيُّة ورقـة.