تسلُّل كتابة المرأة إلى العالم.. قبل خروجها إلى العالم
لم تصلنا أصوات النساء باللغة العربية إلا عبر مرويات الرجال ونظراتهم. من الخنساء راثية أخيها صخر، إلى كتاب طيفور عن “بلاغات النساء”، إلى “أخبار الجواري” للسيوطي.. لم تكن المرأة ذات الكتابة، ولم يصلنا صوتها إلا عبر واسطة رجالية، وربما هُوامات رجالية. وحتى المصاحف التي سُميت بأسماء نساء مثل “مصحف الحاضنة” المكتوب بالخط الكوفي القيرواني، والذي نحتفل في تونس بمرور ألف سنة على كتابته؛ فإن درة الكاتبة أمرت بكتابته بأجزائه الستين البديعة على الرق، وفاطمة الحاضنة، حاضنة أبي مناد باديس، التي حبست هذا المصحف بجامع القيروان سنة 410 هجرية. لكن مَن درة الكاتبة، ومَن فاطمة الحاضنة؟ لا شيء نعلمه عنهما ما عدا ما جاء في وثيقة التحبيس ووثائق أخرى قليلة يعرفها المختصون. وقد ضاع الكثير من التراث المكتوب، ونُهب منه الكثير، وربما ضاعت كتابات النساء إن وجدت، أكثر من كتابات الرجال.
ومن المعلوم أن التاريخ يكتبه الأقوياء، ولم تكن النساء في أغلب حضارات البحر الأبيض المتوسط والعالم القديم من الأقوياء؛ ولذلك لم يكتبن التاريخ، ولم يكتبن حتى تاريخهن. ولذلك فإن مؤرخة النساء بفرنسا، ميشال بارو Michèle Perrot، ترى أن كتابة تاريخ النساء هو من باب اقتصاص الآثار، والتفتيش عما بقي منها في بطون الكتب والأذهنة والأفئدة. كان لا بد من تحول سياسي يجعل الكتابة النسائية ممكنة ومباشرة. وهذا التحول هو حركة السفور بكل معانيه: السفور بمعنى الخروج إلى العالم، والسفور بمعنى انكشاف الوجه. فوصلتنا أصوات النساء بلا واسطة جندرية؛ لأن النساء خرجن إلى العالم بصفة مكثفة، واضحة وجماعية بعد أن تعلمن، وانتقلن إلى وضعية تنازع بين خروجهن وكونهن “ربات خدور”. وهذا ما تعبر عنه زينب فواز العاملية (1860- 1914)، نفسها، في مقدمة معجمها “الدر المنثور في طبقات ربات الخدور”: “ولما كانت هذه الطريقة صعبة المسالك تعسر على كل سالك -خصوصاً من كانت مثلي ذات حجاب ومنتقبة من المنعة بنقاب- فقد استعنت على هذا التأليف بما جاء في التواريخ العلمية ووضعته على الحروف الهجائية حتى ظهر غريباً في بابه، فسيحاً في رحابه..” (تح. محمد أمين ضناوي، بيروت، دار الكتب العلمية، 1999، 1/12).
والفرضية التي أود طرحها هنا؛ هي أن النساء قبل أن يخرجن بصفة جماعية ومكثفة في حركة السفور الكبرى التي شهدها العالم العربي بمشارقه ومغاربه، كن يتسللن إلى العالم، رغم ملاحقة الفقهاء وأصحاب السلطة لهن، ورغم الفتاوى التي ظهرت لتمنع عليهن الأسواق وحتى المقابر والحمامات، وتعج كتب التاريخ بمثل هذه الملاحقات، كما بينته من خلال نص كتبته عن موضة القمصان ذات الأكمام الطويلة التي ظهرت وانتشرت بدمشق والقاهرة خلال القرن الثامن الهجري، وبعد الطاعون الجارف الذي سحق مئات الآلاف من البشر في حوضَي البحر الأبيض المتوسط. تسللت أصوات النساء إلى العالم قبل أن يخرجن إلى العالم إذن. يكفي أن ننتبه إلى الآثار بدل المعالم الكبرى، يكفي أن نصغي جيداً.
فقبل أن أهتم بتاريخ النساء في سن الرشد، كنت وأنا طفلة أستمع إلى حكايات العجائز، وكثيراً ما كان يخيل إليَّ أن بعض هذه الأقاصيص ترويها النساء إلى النساء خصوصاً، أو إلى البنات اللواتي سيكبرن؛ فهن معنيات بها أكثر من الأطفال الذكور الذين كانوا ينصتون معنا إلى هذه الخرافات. هذا الحدس الذي كان يعبر عن نفسه في شكل تمييز بدائي ضد الذكور أترجمه اليوم إلى معطى آخر؛ وهو أن هذه الأقاصيص قد رُويت من وجهة نظر النساء. إنهن لم يكتبن التاريخ؛ لكن التاريخ ترك لنا آثارهن، وربما تركن هن بصماتهن على التاريخ بحرص وشراسة. كنت أتعجب وأنا طفلة كيف كانت النساء يصنعن الخبز والحلواء ويرسمن فوقها أشكالاً تأخذ منهن وقتاً طويلاً. فأسأل عن سبب الحرص على تزيين ما سيُلتهم ويبتلع بسرعة. لم أكن أدري، آنذاك، وجود مبدأ “لزوم ما لا يلزم” في الثقافة البشرية. بل كنت أرى في ذلك الصنيع نوعاً من السحر: ستأكلون خبزاً، ولكنكم ستبتلعون ما نرسمه لكم بأصابعنا. ستبقى صور نقوشنا في أذهانكم بعد أن تلتهموا الخبز.
“تشهد عليك قُبيْبات الشتاء”؛ بمعنى قُبيْبات المطر من الحكايات التي لم أنسها؛ لأنني كنت أرتعش خوفاً عند سماعها. ثم نسيت تفاصيلها وبقي عنوانها عالقاً في ذهني، مع ذكرى الخوف الذي كان ينتابني عند سماعها. واشتقت إليها، فنشرت على شبكة التواصل “فيسبوك” “إعلاناً عن ضياع خرافة”؛ فقصها عليَّ بعض الأصدقاء مشكورين. وهذه هي فحواها.
(كان يا ما كان في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، زوج وزوجة يجلسان كل مساء في “سقيفة” المنزل للحديث والسمر. وفي يوم من الأيام نزل المطر غزيراً، وكانت حبات المطر ترتطم بالأرض فتكوِّن دوائر شبيهة بالقباب الصغيرة. التفت الرجل إلى زوجته، وقال لها: يا فلانة، لو قتلتك ودفنتك لا أحد سيسمع بك أو يراك “لا من شاف ولا من سمع”. فأجابته الزوجة: “بلى، ستشهد عليك قبيبات المطر”. قتل الرجل زوجته، ودفنها في السقيفة. ومرت الأيام ولم ينتبه أحد إلى الجريمة. ثم تزوج الرجل امرأة أخرى. وكان جالساً مع زوجته الجديدة، فنزل المطر مدراراً. فتذكر زوجته السابقة، فضحك ضحكاً شديداً، فسألته زوجته الجديدة عن سبب ضحكه، فقصَّ عليها القصة. ولم يكد نور صبح اليوم التالي ينبلج حتى بعث إليه القاضي بحرسه فقبضوا عليه. التفت الرجل إلى زوجته وقال لها: “غدرتني يا بنت الناس”، فأجابته: “لم أفعل شيئاً، شهدت عليك قبيبات المطر”)، أول ما تقوله الحكاية ربما هو أن للدم ذاكرة. فلا بد أن تنكشف كل جريمة قتل، طال الدهر أم قصر. ولذلك يتردد مع أنفاس سامع الخرافة مثل شعبي هو: “يا قاتل الروح أين تروح؟”.
وللماء قوة ودفق؛ هو دفق الحياة المنافي للموت. والصمت أخو الموت؛ فحبات المطر لا يمكن أن تصمت. وقد عرفت القتيلةُ أنها ستتكلم. لم تنقذها حبات الماء من القتل؛ لكنها حفظت سرها، ولا يوجد سر لا يباح، طال الدهر أم قصر. وربما كان في قباب المطر مبدأ أنثوي؛ فكانت القباب بطوناً صغيرة حبلى بالكلمات، والحبلى لا بد أن تضع جنينها المخفي، والجنين لا بد أن يظهر ويتحول إلى وليد، والوليد لا بد أن يصرخ. أو ربما هي كتابة الأثر بديلاً عن المعلم القضيبي الكبير. انتبهت المرأة إلى الضئيل وما لا يكاد يُرى، مثل المحلل النفسي. فقد نبه فرويد في نص أساسي بالنسبة إليَّ إلى أهمية الضئيل والصغير وما لا يكاد في المعرفة الجديدة التي أسسها على هامش العلم. الزوج لم يكن في هذا الموقع؛ بل كان في موقع السيد. ومع كل اثنين لا بد أن يحضر ثالث. لقد توهم الرجل أنه منفرد بقوته، وأنه لا ثالث لثنائيه المنعزل، هو وزوجته. ونسيان الثالث هو من علامات الغطرسة والامتلاء بالذات. ربما قتل الرجل زوجته لأنها تحدته، وأدخلت بينه وبينها ثالثاً هو المطر وحباته. لم تصمت ولم ترضخ له حتى ينتشي بقدرته المطلقة. ربما اغتر بقوته، وكره أن تضع القتيلةُ بينها وبينه عناصر ضعيفة سرعان ما تختفي من سطح الأرض بعد أن تصحو السماء. ربما أراد أن ينتشي بقوته، وسيطرته، فيذهب بها إلى أبعد حدود السيطرة، وهو إلغاء الآخر بقتله، وإلغاؤه بعدم نعيه، وإلغاؤه بحرمانه من القبر. ربما يشبه شهريار المهووس بالبكارة، أي برفض الآخر السابق، على أن الزوجة المسكينة لم تقص حكايات منقذة لحياتها مثل شهرزاد. ربما كان شبيهاً بالملك كريون في التراجيديا اليونانية، وقد منع أنتيغون من دفن غريمه بولينيس؛ لأنه، كبعض الطغاة، تخطى الحاجز بين الحياة والموت، ورفض أن يكون لقتيله قبر… ولكن هذا الشهريار وهذا الكريون لم يكن يدري أن إلغاء القتيل بوضع حد لحياته لا يلغي القتل، وأن شبح الزوجة سيظل يلاحقه في تلك السقيفة، مع نزول كل “غيث نافع”. لسان حال القتيلة: لسنا وحيدين. سينكشف السر. يا قاتل الروح أين ستروح؟ ستعود إليك روحي مع كل قبيبات مطر ينسكب على هذا القبر الذي أردته أن لا يكون قبراً. ولم يكن الزوج المنتشي بسطوته يدري أن الثالث الضعيف -قُبيْبات المطر- سيستدعي الثالث القوي الممثل لقوة الدولة، وهو القاضي. وستكون الواسطة بين الشاهد عن القتل والقاضي امرأة لا تريد أن تكون قتيلة ثانية، أو لم ترضَ بقتل سابقتها، أو لم ترضَ بأن لا تدلي بشهادة المطر. هناك دائرة في هذه الخرافة، ترمز إليها دائرية القباب الصغيرة من المطر: تمتد يد الضعيف إلى الضعيف لتخلق دائرةَ مَن يشهدون على القهر والقتل، ومَن يقصون قصة الجريمة بعد حدوثها. وقد بحثت عن القصة وكتبتها لتكون حبة أخرى في هذا العقد من الشهود، وأثراً آخر من آثار النساء، يقاوم النسيان والذوبان.
لكن هذه القصة ربما تمثل قصة النسوية وأسطورة نشأتها: نساء يواجهن سلطة السيد الطاغية، الذي يستمتع كثيراً، أو سلطة الزوج – السيد؛ ليستبدلن بها حبَّ القانون وسلطة القانون.
وربما تمثل أيضاً قصة الكتابة والكتابة النسائية في نوع من التأكيد أن محو اﻷثر كاملاً أمر مستحيل. أراد الزوج السيد أن يمحو ذاكرة زوجته القتيلة، فأبت آثار القتيلة الإمحاء. يكفي إذن أن نبحث عن آثار النساء حتى نجدها، يكفي أن نرى ما لا يكاد يُرى، حتى نراها.