Skip to content Skip to footer

تاريخ نشأة اللسان العربي المبين | سامر إسلامبولي

ناقشَ سامر إسلامبولي، الكاتب والباحث السوري، خلال لقائه د.باسم الجمل، عبر برنامج “مفاهيم”، تاريخَ نشأة اللسان العربي المبين؛ أي كيف نشأ اللسان العربي المبين؟ وهل كونه ذكر في القرآن؛ هل كان يعني أنه ناشئ؟ هل كان موجوداً في الاستخدام، أم القرآن ثبته؟ أم أن القرآن أشار إلى نشوء هذا اللسان؛ وبالتالي بدأ يظهر هذا المفهوم بعد نزول القرآن؟

اللسان العربي سبق نزول القرآن

 قال سامر إسلامبولي، الكاتب والباحث السوري: “لا شك أن القرآن نزل متأخراً زمنياً، ونزل بلسان عربي مبين؛ فاللسان العربي سابق في وجوده عن نزول القرآن وليس العكس، يعني ليس القرآن هو الذي ثبت أو أسَّس اللسان العربي أو أتى بالأصوات، لا؛ الأصوات الـ٢٨ التي استخدمها القرآن هنا نفس المستخدمة في ثقافة القوم، والكلمات المستخدمة في القرآن هي نفس الكلمات الموجودة في الثقافة. ما يُسمى الثقافة العربية؛ موجودة قبل نزول القرآن. فما أتى القرآن لا بصوت جديد عن الـ٢٨ صوتاً؛ ما أتى بكلمة غير موجودة، لذلك اللسان عربي وصل إلى درجة الاكتمال الصوتي والنظام الاشتقاقي؛ كمنطق ونحو، هذا كامل في داخله”.

اللسان العربي لم يكتمل بعد.. لماذا لم ينزل القرآن على المسيح؟

وأجاب سامر إسلامبولي، عن سؤال “هل يمكن القول مثلاً إن نزول القرآن كان متزامناً مع اكتمال نضج اللسان العربي أو إن اللسان كان ناضجاً”، قائلاً: “هذه النقطة مهمة جداً؛ هي تطرح سؤال: لماذا لم ينزل القرآن على المسيح؟ أليس المسيح نبياً كريماً وعظيماً وكلمة الله؟ ليه ما جعل القرآن وكان النبي المسيح هو النبي الخاتمي؟ والقرآن هو الكتاب المكمل لما سبق؟ جواب هذا السؤال هو هذه النقطة بالذات؛ أن اللسان العربي لم يكتمل بعد، لم يكن ناضجاً.. اكتمل ونضج من الناحية الصوتية ومن ناحية النظام البنيوي للسان في زمن بعثة النبي محمد“.

نضج اللسان والعقل البشري

 وأضاف الكاتب والباحث السوري: “نضج اللسان أمر مرتبط بمسائل أخرى؛ أول مسألة مهمة جداً هي ولادة المجتمع الإنساني.. وقت ولد المجتمع الإنساني بدأت عملية الارتقاء في اللسان؛ بدأ الانتقال من حالة الجذر الثنائي إلى الجذر الثلاثي، بميلاد المجتمع؛ فلذلك اللسان هو وليد المجتمع. ما في مجتمع ما في لسان. الإنسان إذا ما كان عايش ضمن المجتمع لا يمكن يمتلك لساناً. اللسان نظام صوتي؛ وهذا معروف؛ إنه الإنسان إذا ما سمع ما بيتكلم، بيسمع إذن إنسان عاشَ مثل طرزان في الغابة.. هذا لا يمكن يتكلم؛ لماذا؟ لأنه منعزل عن المجتمع”.

اللسان إحدى ثمار المجتمع

وتابع سامر إسلامبولي: “إذن اللسان هو ثمرة من ثمار المجتمع. فما في مجتمع، ما في لسان. فيه مجتمع فيه لسان. طيب إذا ما فيه مجتمع وفيه تجمع في لسان بدايةً؛ لسان بدائي، لا يستطيع هذا اللسان البدائي أن يحتوي العلوم والحضارات؛ قاصر. فإذن توسع اللسان، ووصوله إلى النضج والاكتمال له علاقة بولادة المجتمع ونضجه واكتماله أيضاً، ما يسمى بمفهوم المجتمع. بدء الأنسنة عند هذا الإنسان وتعليمه؛ سنأتي إليها بالتفصيل وما المقصود فيها بالضبط”.

وصول اللسان العربي إلى الاكتمال

واستكمل الكاتب والباحث السوري: “فأنا قصدت إذن ولادة المجتمع رافقها وجود التفكير. التفكير ظاهرة اجتماعية؛ ما في مجتمع ما في تفكير، الإنسان اللي عايش منعزلاً لا يمكن يفكر. هو ما بيفهم؛ عنده تعقل بالحد الأدنى مع حاجياته. أما التفكير فهو دراسة، استنباط، تراكم علمي. هذا لا يمكن يصير إلا في المجتمع؛ فإذن ولادة المجتمع رافقها التفكير. هذا الكلام، التفكير والمجتمع، لا بد لهما من لسان متطور ليستوعب الدراسات والعلوم؛ فتوسع اللسان، وبقي هذا الأمر عَم يتوسع عبر التاريخ إلى أن وصل اللسان العربي إلى الاكتمال؛ من الناحية الصوتية، من ناحية نظام البنية للمنطق اللي بيحكم اللسان”.

أهل النحو لم يضعوا القواعد.. فقط اكتشفوها

وضربَ سامر إسلامبولي مثالاً، قائلاً: “يعني أهل النحو ليسوا هم مَن وضعوا القواعد؛ هي كلمة يخطئون فيها كثيراً، إنه والله أهل النحو وضعوا قواعد، ما أحد بيضع قواعد، اكتشاف مثلاً الفيزياء والكيمياء؛ ما فيه شيء اسمه العالم الفيزيائي وضع قوانين فيزيائية، ما أحد بيضع قوانين؛ لأنه إذا وضع صار اعتباطياً، حالة إدارية توافقية، اكتشف قوانين الفيزياء؛ فكذلك ما يُسمى علم النحو اللي هو المنطق واللسان، اكتشفوه.. اكتشاف من خلال عملية سبر وتقسيم لحركة الكلمات، كيف عَم تيجي يعني تتبعون مثلاً الفاعل في الكلام. طبعاً بده يعتمدون على نص ثابت اللي هو القرآن. قبل منه ما في شيء نص يعتمد عليه؛ يعتمدون على السليقة. لذلك كان اللسان هذا (العربي) ما كان عَم يحتوي على علوم مؤلفة فيه. في ما بعد جَت. فاعتمدوا على القرآن، (دراسة اللسان جاءت في مرحلة لاحقة على اكتمالها)، الدراسة جاءت لاحقة وبعد نزول القرآن، ليس فقط بعد نضجه؛ بعد نزول القرآن بدأت الدراسات ليستنبطوا من القرآن حركة نظام اللسان في القرآن. يتبعون الفاعل. شوفوا مرفوع دائماً. يتبعون المجرور.. وهكذا حالات رمزية اصطلاحية؛ ليعبروا عن هذه الدلالات.. إنه الفاعل مرفوع، المفعول به منصوب، فعل ماضٍ.. فعل كذا، هذه اصطلاحات، فإذن أهل النحو لم يضعوا القواعد؛ هم اكتشفوها، ولا يعني اكتشفوا كل نظام القرآن؛ فيه قصور ببعض الأمور، ولا يعني كل ما حطوا اكتشفوه أو حطوا له مصطلحات هو بالضرورة يكون صواب 100%؛ ممكن يكون فيه قصور في قواعد بتشيع إشاعة مثلاً، يقولون الضمير يرجع إلى أقرب مذكور قبله، قاعدة شائعة بين الناس كلها، الضمائر ترجع إلى أقرب مذكور قبلها. هذا في الواقع ليس قاعدة هو مقولة مشهورة بين الناس. يعني ليس معقولاً أنت عم تحكي معي مثلاً نصف الساعة، بعدين تستخدم كلمة فيها ضمير عما ترجعه إلى بداية الحديث؛ أنا مشيت معك نصف الساعة في الكلام. هذا الضمير لوين بدِّي أرجعه، بتقول لي ما باقصد هذا أنا أرجعه لما قبله؛ الجملة الأقرب له. قُلت لي لا أنا ما باقصد هذا، شو بتقصد؟ وأقصد أنا بداية الحديث ضيعتني. فحطوا هذه القاعدة للخطاب بين الناس؛ فقط.. إنه الضمير ينبغي أن يرجع إلى أقرب مذكور قبله. أما القرآن ما تقيد بهذا الكلام”.

الضمير يرجع إلى ما يناسبه.. القرآن 

وأضاف الكاتب والباحث السوري: “القرآن ممكن يستخدم الضمير؛ يرجعه إلى خارج القرآن، الواقع. ممكن يرجعه، السورة، ممكن يرجعه إلى قبل صفحتين أو ثلاث. شو القاعدة بالموضوع؟ هي المناسبة؛ فإذا صارت القاعدة في إرجاع الضمير، يرجع الضمير إلى ما يناسبه، ولا يشترط أن يكون قبله مباشرةً. لا ممكن يرجع إلى أكثر. نرجع إلى نشأة اللسان؛ وقت باقول نشأة اللسان ما بنقصد فيه نشأة لسان قوم معينين. إذا قُلنا لها عربي عربي؛ لا تعني لسان قوم معينين. لا هي صفة، وتقول نشأة اللسان؛ أي لسان على مستوى الناس كلها في الكوكب الأرضي. طبعاً مع تقلصهم في العدد وفي الجغرافيا عندما نرجع في الخلف. فصار فيه اسمه نشأة؛ نحن نعلم أن الإنسان في الأصل كائن يملك جهازاً صوتياً.. ولكن لا لسان له. يعني ما عنده نظام لساني. ما يُسمى لغة بين الناس ما عنده. فكان يصوت تصويتاً ويحاكي محاكاة ويستخدم الإيماءات والإيحاءات أو الرسومات؛ ليتواصل مع بعضه، وكان التواصل محدوداً جداً ضمن الاحتياجات؛ يعني ما كان الإنسان في العصر الحجري يلقي محاضرةً، ما عنده. حديثه لا يتجاوز مرحلة الأكل والشرب والخوف، فكان يجسد هذه الأشياء للآخرين تمثيلاً وإيماء وإيحاء وتصويتاً. إذا بده يخبرهم إنه فيه ضبع جاي أو أسد أو أي شيء؛ فيقلده، يجسد، توصل الفكرة، وصلت نقطة؛ انتهوا قاعدين صامتين. ما في حكي”.

وتابع سامر إسلامبولي: “وإلى الآن طبعاً فيه بعض القبائل خلال 24 ساعة؛ يعني المهارة تبعهم أغلبهم صامتون ما بيحكوا وما عندهم أية كلمات تدل على الوقت. وما عندهم أية كلمات تدل على التحية والوداع. يعني الصحفي اللي عمل مقابلة معهم، قال ليش؟ لأنهم قاعدين مع بعض، نأكل مع بعض، نشرب مع بعض، ننام مع بعض.. بدنا نفيق. فما فيه حدا بإنه أنا رايح مع السلامة. أو صباح؛ ما فيه دايماً، مع بعضنا، إحنا في لغتهم كتير ضيقة وبدائية؛ بيقعدوا على البحر بيصيدوا سمك، بياكلوه؛ يخلصوا بيقعدوا بيسفنوا بالبحر، ما عندهم أي عمل إطلاقاً”.

نشأة أي لسان عربية.. كيف؟

وأضاف الكاتب والباحث السوري: “فإذا نشأ اللسان على مستوى الكوكب الأرضي كله؛ هل بالضرورة يكون نشأ اللسان في منطقة معينة؟ لا هو ليس بالضرورة. هل عندما نقول نشأة العربي بنقصد فيه لسان القوم في جهود الجزيرة العربية؟ لا؛ ما بنقصد، أي لسان بدايةً نشأته عربية. نشأة عربية يعني فطرية، يعني طبيعية، يعني محاكاة لظواهر الطبيعة.. ما يسمعه الإنسان ينطقه اللسان.. ما سمعت ما بتنطق. وهيك بنعلِّم الأولاد الصغار نفس المثل.. على تعليم اللغة للولد الصغير. بنعلمه؛ بنسمعه أصواتاً فبيبدأ هو يكرر ما يسمع. أما إذا عزلت عنه الصوت إطلاقاً وتركته يكبر بهذا الشكل وهو منعزل؛ يفقد اللسان، لا يمكن يتكلم، مع سلامة الجهاز الصوتي ما بيتكلم. فإذن السمع ضروري جداً للنطق؛ اللي بتسمعه بتنطقه، فالسمع موجود عند الإنسان على مستوى مشارف الأرض كلها. فمو بالضرورة يكون بمنطقة معينة، ممكن ينضج بمنطقة أكثر من منطقة، وهو عربي”.

وقال سامر إسلامبولي: “طيب ليه هذا الجذر، هذا العربي، موجود هنا وموجود في بقعة ثانية، وربما ما يكون فيه تواصل بينهم؛ اجتماعي وثقافي؟ السبب هو إن الاتنين تعلموه من الطبيعة؛ بشكل عربي. فممكن يكون حتى فيه مثلاً ربما يكون ألفاظ بما يُسمى الهنود الحمر. ممكن تدرس اللسان تبعهم؛ فتلاقي فيه كلمات عربية. هل إذن العرب وصلوا إلى هناك؟ لأنه ما لها علاقة.. علاقة العرب القومية، ما لهم علاقة أبداً، لا. يدل على أنه الكلمة هذه عربية؛ لأنه عَم يتعاملوا مع الطبيعة مباشرةً. والإنسان الآخر في بقعة جغرافية يتعامل نفس الطبيعة؛ الطبيعة صوتها ما بيتغيرش، يعني الذئب صوته صوت واحد وين ما حكيته في العالم؛ صوت واحد.. والبقرة، والحصان، والحمار، ما بيختلف؛ ما في صوت إنجليزي وصوت صيني، الصوت نفسه ما بيتغير أبداً.

الإنسان عَم يتعامل مع الأصوات، عَم يسمعها؛ فمن خلال تفاعل الإنسان مع هذه الظواهر الصوتية والأحداث، صار عنده مخزون صوتي كبير جداً في ذاكرته. أصوات؛ صار يربط الدال مع المدلول. يعني بده يحكي مثلاً عن البقرة؛ يوصل الفكرة إلى الآخرين، يستعمل صوته بشرط يكون الطرف الثاني يعرف البقرة. ابتداء شاف له اتنين، البقرة، واتنين سمعوا صوت البقرة. هلأ البقرة راحت هون في نقلة تجريدية. صار إذا بتلاحظ من التجسيد إلى التجريد. هلأ قاعدين لوحدنا ما لها علاقة البقرة. بدي أوصَّل لك شيء عن البقرة أنا؛ فأنت شايفها بتعرفها وأنا باعرفها. مجرد أنا قلدت صوتها وصل إلى عندك البقرة بذهنك صارت”.

نشأة اللسان العربي عالمياً.. تقليد ومحاكاة للأصوات

وتابع الكاتب والباحث السوري: “هذه بداية نشأة اللسان العربي على مستوى العالم كله بكل البقاع؛ تقليد ومحاكاة للأصوات، نشأة. دون أن يعي الإنسان أنه يخزن أصوات ما يُسمى أبجدية في العالم في ما بعد. الإنسان كان لما يتكلم بلسان عربي ما بذهنه هو أنه فيه شيء اسمه أبجدية، أصوات. لا؛ لذلك التعليم دائماً يكون من الكل إلى الجزء، وليس من الجزء إلى الكل، اللي في ما بعد عدِّلوا طريقة التدريس على مستوى العالم كله. الأطفال كانوا يدرسوهم في المقررات المبكرة من الجزء إلى الكل. حرف الباء حرف كذا، وبعدين يعطونا كلمات وجمل. هلأ غيروا الطريقة؛ من الكل إلى الجزء، هو بيصل إلى المعلومة الجزئية من خلال المعلومة الكلية. هيك طريقة التعليم الربانية، من الكل إلى الجزء، وليس من الجزء إلى الكل؛ فالإنسان يتعامل مع اللسان من الكل. ما دخل بالتفاصيل، في ما بعد وقت ظهرت هذه الأصوات صار فيه دراسات؛ فدرسوا هذه الأمور، فشافوا إنه الإنسان عَم يستخدم مثلاً ٢٠ صوتاً، ٣٠ صوتاً؛ فعملوا عملية ترميز، حطوه للأصوات.. إنه هادا هيك هادا هيك، وهادا هيك”.

واستطرد إسلامبولي: “أما الإنسان الأول ما بيعرف هذا الشيء؛ يتكلم دون وعي لوجود هذه الأصوات، هو سمعها من الطبيعة؛ سواء بركان، زلزال، مطر، هزات أرضية، أصوات حيوانات، صوت الريح.. هذه كلها أصوات عَم يخزنها؛ هكذا نشأ اللسان”.

نشأة اللسان.. 3 احتمالات

وقال الكاتب والباحث السوري: “فيه ثلاثة احتمالات؛ علماء اللسانيات حطوها في نشأة اللسان. نحكي عن الاحتمالات الموضوعة في ما بعد.. أول احتمال قالوا إنه اللسان نشأ بحالة تواضع واصطلاح؛ مثل القعدة هذه، قاعدين، بيقعدوا الحكماء مع بعض؛ شو رأيكم نسمي هذا الأمر كذا؛ إذا بتلاحظ معناها صار إيش اللسان، أسماء مو أفعال، اثنين واصطلاح؛ توافق، طيب السؤال هنا المطروح بشكل منطقي إنه وقت قعدوا هؤلاء ليتفاهموا ما فيه لسان بينهم ولا قعدوا مع بعض ليحطوا اسماً لشيء، ما في لغة أصلاً عندهم يحكون مع بعض.. هؤلاء اللي قعدوا بالأول، كيف تتواصلون مع بعض؟ ما في كلام بينهم، ما في أي شيء، هذا الاحتمال غير منطقي”.

اللغة واللسان والكلام

وأضاف سامر إسلامبولي: “إن نشأة اللسان كانت نشأة اصطلاحية توافقية في إصدار الأسماء على الأشياء؛ بشكل اعتباطي دون وجود علاقة الدال مع المدلول عليه. هذه الطاولة مثلاً نسميها كرسي. ما المانع؟ ما فيه مانع. سمِّها مقعداً ما في مانع. بنسميها تفاح ما في مانع؛ لأنه حالة اعتباطية، حالة اصطلاحية؛ لأنه بس هم اصطلحوا إنه نسميها طاولة، فسميناها طاولة؛ لأنه فيه علاقة ما بين كلمة طاولة وهذه الطاولة.. هذا الرأي توحَّد. هل هذا الرأي منطقي؟ لا؛ ليس منطقياً. هل عليه دراسات منطقية؟ ما فيه عليه دراسات. هل عليه براهين عملية، وكمان تاريخية؟ كمان ما في شيء، فإذن هذا الرأي كتير متهافت. لكن للأسف هو المتبنى بالمدارس اللسانية المعاصرة، عنا بتجيب من أشهر العلماء قديم ومعاصر. يقول العالم دي سوسور عندما بدأ بتعريف اللغة ميَّز بين ثلاثة مستويات من النشاط اللغوي (اللغة واللسان والكلام). فأما عن اللغة عنده فهي نظام من الرموز المختلفة التي تشير إلى أفكار مختلفة، وهي مجموعة المصطلحات التي تتخذها هيئة المجتمع بأكمله؛ لإتاحة الفرصة أمام الأفراد لممارسة ملكاتهم. أما اللسان عنده فيعني ذلك نظام اللغة التي من خلاله تنتج عملية المحادثة. أما الكلام فيعرف أنه التحقق الفردي لهذا النسق في الحالات الفعلية في اللغة. طبعاً خلال هذا الكلام نشوف إنه هي نظام من الرموز المختلفة التي تشير إلى أفكار مختلفة؛ وهي مجموعة المصطلحات. بنلاقي أنه التعريف تبعه فيه تناقض واضح يبدأ بكلمات نظام وبعدين باحل لك مجموعة إيش اصطلاحات. مو نظام، نظام علم. اللسان بدأ نشأته نظام، بعدين يصير اصطلاحات. فبتعريفه في التناقض؛ طبعاً هو يتبنى أنه حالة اعتباطية توافقية”.

اللسان واللغة والنشأة العلمية

وتابع الكاتب والباحث السوري: “ما فيه شيء اسمه نشأة علمية؛ حالة اصطلاحية هذه.. دي سوسور، مين مشي وراه من المعاصرين؟ نعوم تشومسكي، عالم اللسانيات المشهور، يقول إنه حصلت طفرة جينية في الجنس الإنساني القديم قبل نحو ١٠٠ ألف عام، ظهرت لديه اللغة فجأة؛ كان نايم فجأةً صار يحكي. من ١٠٠ ألف عام بدأت هذه الطفرة، كيف بدأت؟ ما أحد بيعرف.. فجأة الإنسان شاف حاله عَم يحكي. طبعاً هو ما بيعزيها لحالة غيبية، لا طفرة بها، طيب ماذا عن هذه الطفرة؟ منين؟ وكيف؟ فتمام نلاحظ رأياً اعتباطياً. ما يتكلم به ما يُسمى علماء اللسانيات جهل بجهل في موضوع نشأة اللسان.. ما عندهم أية دراسات. طبعاً في ما بعد تم إهمال دراسة هذه المسألة من علماء اللسانيات بالتوافق. توافقوا مع بعضهم أنه مسألة نشأة اللسان ما عاد أحد يدرسها. بعدوها من الدراسة، تعالوا ندرس الآن كيف يتعلم الإنسان اللغة ويكتسبها، صارت كل الدراسات اللسانية حول هذه النقطة”.

نشأة اللسان فطرية عربية.. إثبات للقرآن والثقافة الإسلامية

وأضاف سامر إسلامبولي: “طيب فيه سؤال؛ لماذا؟ سؤال ينطلب؛ أنتم علماء مو ناس، لماذا غيبتم نشأة اللسان؟ مو المفروض دائماً تسيروا في الأرض، فانظروا كيف بدأ الخلق؛ كينونة الشيء وبدايته، لازم نعرف نحن كيف بدأنا، نعرف كيف صار، ليش هي هون البداية روحتوها.. أنا بكتابه علمية اللسان العربي؛ قدم لي إياه دكتور حمصي، اسمه مازن الوعر، الدكتور في اللسانيات؛ كان أستاذ العلوم اللسانية في جامعة دمشق. رسالة الدكتوراه تبعهم أشرف عليها نعوم تشومسكي؛ فقدم لي مقدمة، فأنا سألته هذا السؤال؛ قلت له لماذا علماء اللسانيات أخفوا وغيَّبوا دراسة النشأة؟ قال لي صار فيه توافق بينهم كلهم أنه أو غيبوبة؛ لأنه ما فيه قدامهم براهين ولا معطيات ولا أي شيء. قُلت له هذا رأيك؟ قال لي مو موضوع رأيي؛ هذا اللي قالوه لنا. أنا ما عندي رأي في الموضوع. قُلت له؛ طب ما رأيك، تسمع رأيي؟ قال إيه أسمع. قُلت له هؤلاء درسوا القرآن، وعرفوا أن نشأة اللسان هي نشأة اللسان العربي في المنطقة هنا. وعرفوا أن اللسان نشأته نشأة فطرية عربية؛ خاضع للقوانين الفيزيائية، وهذا الكلام خطير جداً بالنسبة إليهم؛ لأنه بيثبت القرآن، وبيثبت الثقافة الإسلامية. ويغير نظرة العالم كله للمنطقة. قال ممكن. يعني عَم تحكي رأيي قوي وممكن بس أنا ما عندي علم فيه. مسألة غُيِّبَت؛ ما أحد يدرسها. طبعاً الدراسة المهم نحن في هذا الموضوع. طبعاً الرأي الأول حالة اصطلاحية توافقية، هذا رأي متهافت لا قيمة له”.

علماء اللسانيات.. عقلية نقلية آبائية

وتابع الكاتب والباحث السوري: “بتكتشف أن علماء اللسانيات؛ آلية العقلية تبعهم معظم العلوم تبعهم، حتى بالطب والفيزياء وكلهم؛ فيه آلية موجودة، العقلية هي عقلية الأبائيين، السلفية. طبيب؛ تلاقي هيك درسوني، أنا ما باعرف هيك درسوني.. كبار الأطباء هيك درسوني بالمقررات، فكمان علماء اللسانية، بياخد دكتوراه في علوم اللسانية. ولكن بيكرر أقوال نعوم تشومسكي، فباستدل فيه. ماذا يقولون؟ قال البخاري وقال زيد وقال نعوم تشومسكي كذا؛ فهذا يُرهب به الآخرين. عقلية نقلية آبائية، حالة سلفية؛ ما في دراسة. هذا مجاهد للكل؛ حتى بالفلسفة. إذن هذا الاحتمال الأول. جاء الاحتمال الثاني بالنسبة إلى الدارسين الإسلاميين، هل الاعتباطية ما معقول؟ لأنه لا ينزل القرآن كلام الله، عز وجل، بحال اعتباطية؛ صار هذا الكلام اعتباطي اللغو لا معنى له يحمل معنى إلهياً ما بيصير المبنى اللي بيحمل معنى محكماً، لازم يكون المبنى محكماً ليصير المبنى اعتباطياً؛ فاضطروا يقولون إن نشأة اللسان نشأة توقيفية، بمعنى الوحي الإلهي؛ الله أوحى لآدم الأول”.

آدم يعلم أسماء كل شيء إلى يوم الدين

وقال إسلامبولي: “طبعاً إذا بتلاحظ هنا عندهم ما يُسمى الخلق المباشر. يعني همّ اللي بيرفضوا مسألة إن الإنسان خضع للتطور. ما يُسمى المرحلة البشرية، بعدين المرحلة الإنسانية لا. الله خلق مباشرةً كائناً بشرياً إنسانياً اللي هو آدم. آدم هو ذاته علَّمه اللغة، اللسان، كيف؟ من خلال الأسماء. طبعاً إذا بتفوت بالموضوع أكتر. كيف يعني علموه الأسماء؟ ورأيي ما زال موجوداً إلى الآن بقوة في الثقافة الإسلامية ومتبنيه معظم علماء المسلمين. حتى كثير من أصحاب الأجهزة الحديثة، متبنون الرأي. فكيف الله علمَ آدم هذا الشخص الواحد؟ قال بالأسماء؛ مو أسماء، لأنه علَّم آدم الأسماء كلها. فقال آدم يعلم أسماء كل شيء إلى يوم الدين. يعني هذا موبايل بيعرفه آدم اسمه موبايل، حتى لو ما شافوش، هنا السؤال؛ إنه القيمة للحل ولَّا للحالة الوظيفية؟ يعني هل إذا أنا حفظت كلمة موبايل هذا اسمه علم؟ ولَّا إذا عرفت أستخدمه اسمه علم؟ وإذا عرفت تصنعه؛ فطبعاً أعلى وأعلى بالعلم. فإذن أسماء هون لا تعني حالة لفظية تطلق على الأشياء. هذا ما اسمه علم. كلمة الأسماء من السمة، الشيء، نظامه ووظيفته. وقت بتعرف أنت نظام الشيء ووظيفته، اسمه علم. أما إذا بتطلق عليه رمزاً، هذا ما اسمه علم. ولد صغير، خمس سنين، يستطيع أنه تعلمه رموز الأشياء كلها. ما يُسمى أسماء هذا كذا وهذا ما اسمه علم. ويظل الطفل ما بيفهم شيئاً، كل هذه الأمور معلومة عند آدم، فبييجي هون سؤال تاني: طيب آدم وقت حفظ هذه الكلمات كلها، ليه ما أعطاها لأولاده وأولاده لأولاده؟! يعني المفروض اللغة توارث؛ لأنه معناه مفروض نحن نعرف الموبايل والصناعات والأشياء قبل صنعها موجودة بالذهن، وهذا رأيهم يقولونه وما زالوا في المحاضرات والكتب..”.

الواقع المعيش.. المعلم الأول الصوتي

وأضاف الكاتب والباحث السوري: “فإذن هذا الرأي الثاني هو عبارة عن ردة فعل عن الرأي الأول؛ بس برضه لا برهان عليه ولا علم يعتمد على حالة تصورات ورغبات ومزاج، ما فيه براهين. ما البرهان؟ هو النقطة المهمة، لا تفكير إلا بواقع، لا دراسة إلا بواقع.. بدَّك تدرس شيء؛ البرهان، الواقع، قُل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق. بدك تعرف نشأة اللسان، سِر في الأرض وادرس نشأة اللسان. ومثال قريب جداً؛ هو الطفل اللي موجود عندك، إحنا عَم نربِّي أطفالنا، كيف هذا الطفل ينشأ ويتعلم لغة، كيف؟ من السماع.. معاناتها لا بد لهم من معلم أول صوتي.. يعطيهن الأصوات. مَن هذا؟ هو المعلم بالنسبة إلى المسلمين، الله؟ لا؛ هو الواقع، هو الواقع اللي عايشينه، هو المعلم الأول الصوتي. الحق هو الوجود الكوني؛ قول الحق.. كان المعلم الأول للإنسان صوتياً أعطاه الأصوات هو الواقع. فلذلك لا تفكير إلا بواقع. ما في واقع ما في تفكير؛ وإلا صار تفكيرك فراغاً. هذا ما يُسمى العرفانية، صار. تفكيرك دراستك دائماً مرتبطة بواقع؛ ما في واقع ما في تفكير؛ فإذا درسنا نحن إذن نشأة اللسان من خلال بدايتها، كينونتها، وسيرورتها؛ نكتشف أن المعلم الأول هو الواقع، بظواهره كلها؛ الصوتية، الحيوانات، الأحداث، الجبال.. كذا، عَم يسمع الإنسان الأصوات فعَم يكتسب ما يُسمى (أبجدية صوتية) صار عنده مخزون صوتي كبير جداً في رأسه؛ أخذه من الواقع”.

متى يصبح لسانك عربياً؟

وتابع سامر إسلامبولي: “هلأ لا يمكن يكون للسان صوت غير موجود بالواقع؛ إذا كان عندك صوت غير موجود بالواقع صار لسانك غير عربي. حتى يكون لسانك عربياً لازم تكون أصواتك كلها لها أصل عربي؛ اللي تعلمته. أما إذا أصدرت صوتاً أنت مثل اللغات الأعجمية، الأصوات الإنجليزي والفرنسي. هذه أصوات غير عربية؛ يعني أين الصوت هذا بالواقع؟ غير موجود. فإذن هو أعجمي. أما الصوت الموجود فهو عربي.. فكانت الـ٢٨ صوتاً التي نشأت في اللسان العربي، ٢٨ صوتاً موجودة في الواقع، سمعها الإنسان وتفاعل معها عبر طبعاً فترة آلاف السنوات، الأمر مو دائماً يعني الإنسان العربي والمسلم يفكر في الأمور، كن فيكون؛ يعني بلحظة لا كن فيكون، يعني يكون وَفق مرحلة زمنية وتطور. مثل الجنين في بطن أُمه، كن فيكون إيه، بس تسعة أشهر الحمل؛ مراحل، مش كن فيكون دغري وليل؟ لا؛ مو هيك، فيه مراحل زمنية في مراحل تطور مشي فيها. وكذلك كلمة الله في الوجود كله (كن) خاضعة للمرحلة الزمنية والتطور. ضمن (كن) طالما أناقش الأمر أنه هل هو عجز أو غير عجز؟ لا؛ هكذا أراد الله أن يكون الأمر بهذا الشكل. إذا وقفوا دعا المسألة؛ تعلم آدم الأسماء كلها..”.

تعليم الإنسان مستمر إلى يوم الدين

وأضاف الكاتب والباحث السوري: “بنتطرق إلى مسألة تعلم آدم الأسماء كلها؛ لإثارة أو لإزالة هذه الشبهة، ثم عرضهم على الملائكة، قال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين.. فالموضوع أولاً آدم ليس شخصاً واحداً. آدم هو اسم للمجموعة المتأنسنة. هنا بقى علَّم آدم الأسماء كلها؛ بكل بساطة ليس التعليم الذي نجسده على أرض الواقع؛ إنه أنا أجيب إنسان أحطه قُدامي وأحط لوحاً، وأكتب له أبجدية مو بهذا الشكل أبداً، وبنستخدم نحن هذه الكلمة في الواقع عندما نقول مثلاً علَّمَ الأب أولاده الطب، ما أحد بيخطر في باله إنه الأب هو اللي كان عَم يدرس الطب في بيته، لا أنا درست أولادي؛ بمعنى أنا دفعتهم وشجعتهم وهيأتهم ودعمتهم للدخول في دراسة الجامعة، وظلوا يدرسون ١٢ سنة؛ ليتخرجوا طبيباً. مو أنه علمته للطب؛ يعني بعد ما انتهيت أنا من كلمتي تعلمت، علمته الطب يعني تخرجوا. لا بذلوا جهداً حقيقياً على أرض الواقع. هكذا الإنسان إنه علم آدم الأسماء كلها؛ بمعنى إنه هذا الإنسان مهيأ كجهاز صوتي، عنده السمع والبصر والوعي موجود على أرض الواقع. قال له قُم حرك حالك وتلقى العلم من الواقع. أنت الآن مهيأ؛ هذا اسمه تعليم.. أما البهائم ما اسمه تعليم، مو مهيَّأة. أما الإنسان فمهيأ. صار بنقدر نقول علَّم آدم الأسماء كلها، تعلم آدم. علم وتعلَّم.. تعلم الإنسان وعلم. الرب علَّمه (يعني علَّم آدم الأسماء وتعلمها) والتاء هنا تاء الجهد والقوة؛ مثل اسطاعوا واستطاعوا.. فهنا تعلموا معناها الإنسان هو اللي بذل جهداً في التعلم. طيب؛ كان هو بمرحلة زمنية قصيرة في زمن الحدث هذا، لأ؛ هذا الحدث القرآني مستمر إلى يوم الدين. التعليم لهذا الإنسان مستمر إلى يوم الدين. نعم؛ التعليم مستمر بشكل دائم وسجود الملائكة مستمر بشكل دائم لهذا الإنسان المتعلم. كل ما تعلمت اكتشفت أنت سنناً وقوانين، وبالتالي سيطرت على حركة الأشياء. فعندما تكتشف هذه السنن، الملائكة تسجدها لك؛ يعني تخضع هذه السنن لك أنت. فصار اسمها سجود الملائكة وليس سجود جبهة مثل الصلاة. سجود؛ خضعت لك كل ما تعلمت، كل ما سهلت، خضوع القوانين واكتشافها..”.

واستكمل سامر إسلامبولي: “هذا النص معناه ما له علاقة بموضوع ما يُسمى نشأة اللسان العربي إطلاقاً. طبعاً قد يأتي أحد يقول طب أنا هذا الرأي ما اقتنعت فيه، هذا رأي ظني له معطيات منطقية مقبولة. طيب عندك بديل؟ ما فيه بديل. البديل المطروح تبع المسلمين ما وصل إلى مستوى دلالة ظنية، ضعيف جداً؛ فهذا رأي مقبول. طيب الرأي لو يكون مبنياً على أدلة ظنية ومعطيات، كيف نحكم عليه بالقوة؟ وقت بينسجم مع منظومات تانية، بينسجم؛ سواء المنظومات بتدفعه، يعني تكون عندك المعلومة زمنية، أنت، إيه؛ بس منسجمة مع المنظومة. وقت هذه المعلومة الجزئية بتحطها ضمن المنظومة، والمنظومة بتقبله، وبتحكم عليه بالصواب. فأنت رفعت مستوى الصحة بهذا الجزء إلى مستوى عالٍ قد تصل إلى القطع؛ لأن وافقت المنظومة، صارت قطعية ثابتة صح ١٠٠٪؛ إذا وافقت المنظومة، فإذن هذا الطرح أنا أدَّعي أنه طرح ظني؛ ولكنْ منسجم مع المنظومة. فعندي إياه مرتفع.. القوة الأقرب للصواب معها أدعي القطعية، ما زال الأمر مفتوحاً. فإذن أنا أتبنى أن اللسان العربي ذو نشأة طبيعية فطرية نتيجة تفاعل الإنسان ومحاكاته مع ظواهر الطبيعة”.

تطبيقات اللسان.. كيف صار  الترميز  للحرف؟

وقال سامر إسلامبولي بشأن تطبيقات اللسان ونشوء مفاهيم الحروف أو الأصوات.. وكيف صار الترميز للحرف؟: “بعد ما عرضنا الرأي الأول أنه رأي اعتباطي؛ هذا رأي باطل، الرأي الثاني على الغالب إنه فيه وجود إشارات في الثقافة؛ إنه الإنسان عنده نشأ من خلال محاكاة الطبيعة، خصوصاً عند آراء المعتزلة؛ مثل الجاحظ أو غيره.. لكن مو متبنى؛ المتبنى أن اللغة توقيفية، وحي من الله.. كمان قُلنا إنه هذا رأي اعتباطي باطل؛ عبارة عن تصور ورغبات، ما له أية قيمة. وصلنا إذن إلى أن الواقع هو أساس التفكير، ومن خلال دراسة الواقع. وكيف نشأ اللسان وقياس الغائب على الشاهد وليس العكس. فيه قياس شاهد على غائب، هذا خطأ منطقي. ما يصير تقيس معلوم على مجهول؛ بينما الصواب أن تقيس المجهول على معلوم، فالمعلوم لدينا الإنسان الحالي. كيف الإنسان الآن، كيف نشأ اللسان عند الأطفال؟ كيف عَم يكتسبها؟ فمن خلال دراسة كيف يكتسب الطفل والأطفال اللسان، هو بيطلع معنا قواعد، هي اللي بتساعدنا على أنه كيف نشأ اللسان الأول؛ لأنه هو بمثابة طفل في اللسان بذات الوقت، عندما لم يكن عنده علم باللسان. طفل.. فكيف هذا تعلم واكتسب هذا، اتعلم واكتسب.. قياس الغائب على الشاهد. هذا قياس صواب؛ فالإنسان إذا نحن قُلنا إنه كائن اجتماعي، الإنسان عنده العقل اللي هو الوعي، عنده النظام الصوتي المتمثل بجهازه. عنده الحرية اللي منحه الرب إياها، وعنده التمكين في الأرض، وجعله خليفة في الأرض”.

التعليم بالتقليم.. وعَلَّم بالقلم

وأضاف الكاتب والباحث السوري: “هذه الأمور كلها هي قوة عطاها الرب للإنسان وأطلقه في هذه الأرض ليكون خليفة. وأطلقه ليتعلم، وهذه أدوات التعلم، ويعمِّر. وقال له التعليم يكون بالتقليم، وعَلَّم بالقلم. التقليم نستخدمها لكلمة شائعة بين الناس جداً؛ مثلاً تقليم الورود والأزهار، اللي هو تشذيبها؛ وتهذيبها، إذا فيها شوائب وطالعة. فكلمة قلم بمعنى صنف، جدول؛ فلا يمكن لإنسان أن يتعلم إلا من خلال عملية التقليم، أي علم بدّك تتعلمه لازم يتقلم، كمبيوتر بدّك تتعامل معه لازم تقلِّم المعلومات؛ كل المعلومات بمجلد معين.. إلى آخره، ما بتقدر تتعلم، فإذن التقليم قاعدة أساسية، فكمان الرب علمه له، قال له بدّك تتعلم، قلِّم معلوماتك حتى ما تدخل المعلومات ببعضها، ما تنسى. أداة التعلم هي التقليم من خلال الوعي اللي حاطّه، فانطلق الإنسان يتعلم، وصار يقلِّم.. الأصوات، يقلِّم المعلومات، ويجمعها”.

وعلم آدم الأسماء كلها

وتابع إسلامبولي: “فإذن هذه الأمور المجتمعة اللي ذكرناها هي أساس للتعلم، وبفقدانها تنتفي صفة التعلم على الإنسان. ومن هذا الوجه ورد النص يخبر (وعلم آدم الأسماء كلها). والنص الآخر (علم بالقلم). وآدم لا شك أنه من الجنس الإنساني، ويتضمنه الخطاب ضرورةً. والملائكة استمروا في السجود لآدم طالما آدم طبعاً آدم وجنسه مقصود به يتعلم؛ فتسجد له المعلومات. الرأي الثاني تبع المسلمين؛ التوقيفي الاعتباطي، يعني ما هناخد فيه، خصوصاً في عملية من خلال ما يُسمى سبر وتقسيم؛ السبر والتقسيم هما من القواعد المنطقية العلمية بالبحث. وقت ما نحصر الأمور كلها؛ احتمال واحد اثنين ثلاثة. فيه احتمال واحد اثنين ثلاثة، فيه احتمال رابع حطّه؟ ما فيه؛ إذن ثلاثة ما في غيرها. طيب أي واحد صح؟ في سبر بيسموه؛ اللي هو عملية معرفة رأي، فعرفنا نحن الرأي الأول اعتباطي؛ ما له أي براهين ولا أدلة.. اللي هو التوقيفي والاعتباطي. الثاني تبع اللي تبناه المسلمون”.

واستطرد الكاتب والباحث السوري: “إنه هو وحي من الرب؛ كمان رأي غير صواب. فعملياً ما صفي غير الرأي الثالث؛ إنه الإنسان تعلم من خلال ظواهر الطبيعة من الواقع. إضافة إلى وجود معطيات طبعاً، مو بس حالة سبر؛ بس السبر هو أساليب المنطق.. المرحلة البشرية كانت مرحلة بهيمية غير عاقلة، بعد ما تأنسن؛ الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك.. بعد ما اعتدل الإنسان، الكائن البشري، نزل الوعي فيه. ما الوعي اللي نزل فيه؟ هو النفس. الكائن البشري ليس لديه نفس. كان عبارة عن كائن حيواني له طاقة حياتية؛ مثل أي حيوان آخر. كائن حي؛ فالحياة غير النفس. هذا الكائن البشري ليس لديه نفس، كائن حيواني حي مثله مثل الحيوانات الأخرى؛ لكنه اعتدل جسمه، تطور ووصل إلى مستوى، طبعاً حسب المشروع يهمه أنه بشكل اعتباطي يتطور، لا في ما يسمى إرادة إلهية؛ مشروع لأنه يتطور، الكائن هذا يوصل إلى مستوى معين؛ حتى يصير إنساناً. فعندما وصل بالمرحلة البشرية كخلق، جسم إلى هذا المستوى والمواصفات، نزلت النفس فيه؛ اللي يعبر عنه القرآن (ونفخفنا فيه من روحنا)؛ اللي صار فيه خلط عند المسلمين إنه الروح انتفخت بالإنسان.. لا مو الروح اللي انتفخت بالإنسان. الروح تم استخدامها في عملية نفخ شيء آخر”.

“الأنسنة” ميَّزت الكائن البشري عن بقية البهائم

وقال سامر إسلامبولي: “نفخنا فيه من روحنا، ما الذي نفخته؟ ليس الروح. تم نفخ شيء بهذا الكائن. بواسطة الروح. ما الذي انتفخ في الكائن البشري؟ النفس هي التي أُضيفت إلى هذا الكائن البشري. أما صار بها إنساناً سميعاً وبصيراً؛ لأنه الوعي شهوات، كلها صفات إنسانية.. العقل، التفكير، المشاعر؛ كلها صفات إنسانية ليست صفات جسمية. فإذن تميز هذا الكائن البشري عن بقية البهائم بالأنسنة. من خلال نزول النفس فيه؛ فتفعَّل عنده السمع والفؤاد، صار يفكر. هنا بدأ التعليم، هنا بدأ تاريخ آدم الإنساني الواعي. وقبل منه ما في تاريخ. الحيوانات ما لها تاريخ، البشر ما لهم تاريخ. البشر كجسم مخلوق من تراب وماء، طين. النفس مخلوق آخر؛ النفوس..”.

كائن بشري + نفس = إنسان

وأضاف الكاتب والباحث السوري: “الإنسان كلمة عامة عَم تشمل الجسم والنفس. الإنسان خُلق من تراب، وهذا الجانب البشري؛ الإنسان خلق من نفس واحدة. تفصيل لا بد منه؛ لأن الإنسان هو (كائن بشري + نفس = إنسان)، كائن بشري وحده ما بيساوي إنساناً.. (كائن بشري + نفس = إنسان).. فالصفة الإنسانية هي الوعي والعقل. طبعاً هذا لمن يؤمن بأنه فيه نفس غير الجسم. لما كتير من علماء النفس اللا دينيين بينفوا وجود النفس بالكائن الإنساني؛ بيقولوا ما فيه نفس؛ هي عبارة عن تفاعلات كيميائية. ما فيه نفس؛ طبعاً ما فيه نفس، يعني ما فيه توفي؛ يعني ما فيه يوم آخر، يعني ما فيه الله، التوفي لا يكون للجسم. الله لا يتوفى الأجسام؛ يتوفى الأنفس، توفى الأنفس. الجسم وين بيروح؟ يموت، يهلك، ينفق.. الجسم يتحلل ويرجع إلى أصله (تراب)، مثله مثل أي كائن حيواني آخر من تراب وإلى تراب. هذا اللي بيندفن في التراب، أما النفس ما بتندفن؟ توفى معناه عملية استرجاع، استرجع النفس، يتم الاحتفاظ بها، في مكان معين ليوم البعث. فعندما نقول الإنسان من حيث المآل هو النفس، هو الوعي.. ما اكتسبته من الحياة الدنيا أنت؛ من بيانات، من معلومات؛ بنفسك لا بدماغك. الدماغ كائن عضوي مثل أي عضو”.

النفس والروح.. الروح من أمر ربي

وتابع سامر إسلامبولي: “أما لمَّا اكتسبتم المعلومات، بينتقل للنفس؛ فيظل موجوداً بالنفس.. شخصية، يعني ما يُسمى الشخصية. الشخصية هي النفس، الزاد، النفس؛ وليس يعني أنا بدِّي أنا تفكير لا بجسمي. أنا باحب ليس  بجسمي، بنفسك؛ نفسي. نفس؛ لأنه الحب مشاعر. التفكير وظائف واعية. كله للنفس. النفس هي الكائن الواعي. وبدأ الإنسان يتعلم بعدما تجاوز مرحلة البشر وارتقى وصار في التعليم؛ بمعنى أطلق يدَيه.. الإيدين كانت مقيدة، مرحلة المملكة البشرية؛ فأطلق يدَيه واستوى جسمه واعتدل، صار جاهز إنه تنزل النفس فيه، تم نفخ النفس فيه بواسطة الروح. ما الروح؟ الروح لفظة مذكرة، ليست مؤنثة؛ يوم يقوم الروح.. فإذن اللفظة مذكرة. طبعاً اللفظة مذكرة؛ لا يعني أن نوعها مذكر. لأ؛ بس كلفظة اصطلاحية، صفاتها مذكرة.. أما يستخدموها إنه هيَّ الروح مؤنثة؟ لأ؛ هو الروح. الروح في القرآن إذا بندرسه بنلاقي إنه الروح هو من أمر الرب، (ويسألونك عن الروح قُل الروح من أمر ربي). فهلأ شو ظنوا أنه قُل الروح من أمر ربي؛ يعني لا أحد يسأل ولا أحد يدرس. بينما النص هو عَم يشير إلى أنه فيه جواب ما هو إنه الروح من أمر الرب. طيب؛ ما الروح؟ ادرس أمر الرب، ادرس الروح، ما هو؟ طيب، ما هو أمر الرب في القرآن؟ ألا له الخلق والأمر. ألا له الخلق والأمر. ما الخلق؟ الخلق هو الوجود الموضوعي. الوجود إن أراد شيئاً يكون له كُن فيكون، الأمر ما هو؟ هو السنن والقوانين التي تحكم الخلق. الإله؛ الخلق والأمر، فإذن الأمر هو عالم السنن، نظام السنن. هذا الروح؛ فنفخنا فيه من روحنا، من سننا ونظامنا وعلمنا. هذا الأصل في الروح. وسمي القرآن روحاً (وأنزلنا إليك روحاً من أمرنا). إذا بتلاحظ كل الوقت دائماً الروح متعلقة بالأمر؛ ليس بالخلق، بالأمر؛ لأنه أيام النظام سنن.. لأنه القرآن يحتوي على مجموعة من الأوامر؛ فهو روح. سُمِّي جبريل، باستخدام القرآن، أيضاً روحاً؛ لأنه مسؤول عن نزول الروح. فصار إذن الروح الأصلي التعريف تبعها هو النظام السُّنني الذي يتم في حكم الوجود من الذرة إلى المجرة، والإنسان جزء لا يتجزأ من هذه المنظومة”.

اللسان العربي روحاني

وأضاف الكاتب والباحث السوري: “يعني الروح حكمتني، وحاكمة كل شيء في الوجود.. الذرة، الشجرة، البهائم؛ كله محكوم بالروح.. هلأ أنا أتميز عنهم، مو بس أنا محكوم بالروح. أنا باتميز عن البهائم وغيرها. نزل عليها روح.. هو متمثل بالكتب الإلهية. لذلك العلوم روحية. مو بالمعنى الشائع عند الصوفية وغيره أو المشروبات الروحية. هذا استخدام خطأ شائع. الرياضيات علم روحي، الفيزياء علم روحي. ماذا يعني؟ علم سُنني، قواعد ومنطق.. ما دراستك؟ دراسة روحية، أنا دراستي رياضيات، فيزياء، كيمياء.. كلها هي علوم روحية، منطق؛ كلها اسمها علوم روحية، ليس بالمعنى العرفاني إنه يغيب الإنسان عن الواقع إطلاقاً. هذا الروح في القرآن، اللسان العربي لسان روحاني؛ مو عربي، روحاني عربي معناه خاضع لسُنن، هذا هو لسان روحي. اللسان العربي، عربي روحي، لسان حيوي؛ مو جامد، أنا عَم أسقطه على هذه الأمور؛ حالة اصطلاحية. لسان حيوي؛ الشيء هو عَم يعلمني ماذا أسميه، انظر إلى الشيء، فالشيء هو بيعلمني أنه أنا وظيفتي كذا. يعني إذا بنجيب أمثلة بسيطة؛ في بلاد الشام في عندنا شيء بيسموه النشافة.. النشافة بحلب بيسموها سلاتة. طبعاً النشافة؛ لأنه بتنشف الأرض. نظروا إلى وظيفتها، عَم سموها نشافة وظيفة. أهل حلب شافوها إنه عَم تدفع المياه وتسلتها في البلوعة؛ فسموها سلاتة، بتدفع المياه. قوم آخرون سموها دفاشة، طريقة دفشها. فيه ناس آخرون بيستعملوها سحب، سحابة. لاحظت؟ نشافة، سحابة، سلاتة، دفاشة.. كلها أسماء وظائف لشيء واحد”.

معضلة التسمية.. هل يوجد شيء اسمه خمر؟

وتابع إسلامبولي: “الزاوية اللي عم تنظر منها إلى الشيء. إما بتسميه حسب وظيفته. ما وظيفته؟ أو حسب شكله، ممكن تكون تسمية وظيفية أو تسمية شكلية أو تسمية بنيوية؛ يعني الخمر، ما فيه شيء اسمه خمر. من الأخطاء اللي وقعوا فيها الفقه الإسلامي؛ الخمر، ما في شيء اسمه خمر. يعني مفيش شيء موجود اسمه شراب خمر.. فهو صفات تحقق عملية التخمير كيميائياً في بنية شيء معين، فيصير اسمه الخمر. سواء أكان صلباً أم سائل خمر؛ تخمَّر، ومنه التخمير.. تسمية كيميائية بنيوية. والحجر؛ تسمية لطبيعته؛ فإذن من نشأة اللسان العربي هنا، الإنسان هذا الروحاني صار يتفاعل مع الواقع. شوف الواقع شو طبيعته، فيختار له من الأصوات اللي عَم يركبها ضمن جذور، صار صورة صوتية عن حركة ووظيفة الشيء، فمجرد الإنسان العربي يسمع بيفهم مباشرةً شو عم تحكي أنت من الحالة الصوتية. يعني لو جبنا نحن الآن عربياً مثلاً من ألف عام أو أكثر، ربما قُلنا له ثلاجة، بيفهم عليك مباشرةً أنه هذه آلة تصنع الثلج. أما الإنجليزي إذا بترجع مئة سنة ما عاد يفهم عليك.. (ولهذا الإنجليز لا يفقه ما كتبه شكسبير)؛ بينما العربي أي شيء بتحكي معه فوراً بيقدر يحدد أنت عن شو عَم تحكي. ما بيعرف الشكل، الثلاجة. لا بيعرف فعل ثلاجة؛ يعني ماذا بيصنع الثلج. آلة بتصنع الثلج، كتابة حصادة؛ آلة بتحصد، لماذا؟ لأنه اللسان عربي؛ لسان عربي حيوي. روحاني اشتقاقي يقوم على الجذور. وهذا صار في علاقة ما بين الدال اللي عَم تلفظه والمدلول عليه. علاقة منطقية؛ فقيمة النظرية الصوتية هو أنه إذا نحن ضبطنا المفاهيم الصوتية لـ٢٨ صوتاً. وقت بتعطيني أنت كلمة معينة مثلاً (كتب)، بقدر أنا وإذا ما باعرف (كاف، تاء، باء) شو بتدل؛ ممكن خلال تحليل الصوت (كاف، تاء، باء) كل واحد شو؟ بعدين تجمع التحليل، أصوات الثلاثة مع بعض. باقدر أقول لك أن (كتب) هذه كلمة تدل على ضغط ودفع منتهٍ بجمع مستقر. بس هلأ أنت شو بدك تستخدمها؟ أنا ما باعرف، صار لها معنى. أما هذا مفهوم؟ وهذا الفرق ما بين مفهوم والمعنى الشيء اللي عرضناه”.

مفهوم اللفظ والمعنى القصدي أو الحركة

وقال الكاتب والباحث السوري: “الفرق ما بين الأرقام والأعداد؛ هذا اسمه مفهوم (ما بين مفهوم اللفظ وما بين المعنى القصدي أو الحركة)؛ بتحط لي كتب.. بتحطها بسياق بيطلع المعنى؛ دون سياق ما في معنى. مفيش متكلم فيه معنى. ما فيه متكلم ما فيه معنى، فيه متكلم فيه معني؛ يعني في سياق جملة. (كتب زيد كتابه على زينب)؛ فهمت أنا أنه مو شرط أعرف تفاصيل، فهمت أنه جمعوا أمورهم مع بعضهم. في حالة اتفاق واستقرار؛ أنت بتلاحظ ما في خط أدَّى الفرق ما بين كتبها وخطها.. وين الخط؟ ما فيش خط. حالة أمور اجتمعت مع بعضها. بنييجي بنقول مثلاً (كتب زيد الدرسَ على قرطاس). على قرطاس، دوري صار ظهر، إيش؟ عملية الجمعة والاستقرار بطريقة خط. ظهر الخط؛ لأنه فيه قرطاس، هذا اسمه الدلالة المادية. هذه اسمها الدلالة المعنوية”.

تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى.. الضاد أقوى صوت في اللسان العربي

وأضاف إسلامبولي: “نفسها مثل (ضرب)؛ ضرب في اللسان العربي (الضاد، والراء، والباء). تعد (ضاد) من الأصوات القوية جداً التي تدل على دفع شديد جداً؛ وهو أقوى حركة دفع؛ من خلال ثلاث حركات قبل منه، تبدأ بالتاء والطاء والدال والضاد.. دفع تصاعدي. الضاد هو أعلى درجة في الدفع وأقواها. وهو أقوى صوت موجود في اللسان العربي. وجاء في القرآن؛ استخدمه بكلمة واحدة، موجود.. كلمة ما استخدمها غير مرة وحدة، (ضِيزَى)؛ ما معنى ضِيزَى؟ وما فيه غير مرة وحدة بالقرآن. الكلمة هذه مستخدمة؛ يعني أساس أنه القرآن ممكن تفهم الكلمة إذا قريتها بسياق آخر. فيفسر بعضه بعضاً. أما وقت تلاقي كلمة ما يستخدمها غير مرة واحده (ضِيزَى)، شو يعني تشوف التفاسير تستغرب، قالوا الملائكة الإناث لله والذكور لنا، (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى)، قسمة ظالمة، إذن قسمة ظالمة بمعدل، بالقسمة، مو ظالمة معناها، شيء أشد، الضاد يدل على دفع شديد جداً، ضز الأمر إذا ابتعد عنك كثيراً وصارت بروزاً.. فهون تلك إذن قسمة مو ظالمة؛ باطلة جداً غير قابلة للإصلاح.. صار معناها. طبعاً إذا بتلاحظ احتوت الظلم، (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى)، قسمة باطلة؛ لدرجة الابتعاد والبروز إلى ما لا نهاية. غير قابلة للإصلاح؛ القانون السوري بالمحاماة، عندنا قوانين بيسموها قوانين الضيزى، وقت تكون شريك، اتنين؛ واحد يمثل بالعقد الأسد، يملك كل المواصفات والوظائف بالعقد. التاني هذا مسكين مستعبد. رايح هو واكله؛ فبيسموه هذا عقد الأسد؛ اسمه عقود الضيزي، العقود الباطلة، يجب إبطالها وإعادة العقد مرة ثانيةً. ما بتصلح العقد؛ عقد غير قابل للإصلاح، شو بتصلح فيه؟ كله باطل. فلذلك (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى)”.

اللسان العربي.. رفع الوصاية الإلهية ونزول القرآن

وتابع الكاتب والباحث السوري: “اللسان العربي نتيجة تفاعل الإنسان وتصويته وتعقله وتفكيره في الواقع وتواصله مع بني جنسه وتراكم هذه المعلومات وتواصله مع المجتمعات اللاحقة؛ فكل مجتمع يضيف تفاعله في علم اللسان لما سبق، إلى أن تم بناء نظام وأساس اللسان عبر التراكم. واكتمال الأبجدية الصوتية، المقاطع الصوتية لـ٢٨ صوتاً التي هي بمنزلة اللبنات، والعناصر الأساسية التي استخدمت في بناء اللسان. والتنزيل الحكيم، اللي هو القرآن، نزل مستخدماً اللسان العربي. لذلك الجواب عن سؤال إنه ليه نزل بهذه الفترة؟ لأنه اكتمل اللسان العربي. والجنس الإنساني وصل لبداية النضج الفكري. ومرحلة التجريد يعني؛ فارتفعت عنه الوصاية الإلهية. اليتامى بيصير عليهم وصاية.. الوصاية ما يصير تظل طول العمر.. خلاص صاروا رجالاً؛ هناك مرحلة معينة ينبغي أن تترك الوصاية، ونعطيهم صلاحيتهم وأموالهم.. قل لهم أنتم تابعوا حياتكم بمعرفتكم وانتبهوا وتقيدوا بالتعاليم والتوجهات التي أنا علمتكم إياها. صرتم أنتم مسؤولين وكباراً؛ نفس الشيء بالضبط اللي حصل مع علاقة الرب مع الجنس الإنساني. كان المرحلة السابقة مرحلة يتم فكري، إلى أن وصل المجتمع الإنساني إلى هذه المرحلة، فاقتضى رفع الوصاية الإلهية. (اليوم أكملت لكم دينكم)؛ أكمل الدين، ختم النبوة. تفضلوا تابعوا حياتكم. عندكم وعي بدل طبعاً جواب سؤال: لماذا لا يتدخل الله كما تدخل في الأقوام السابقة بنفسه وعاقبهم؟ كانوا يتامى؛ كانوا بحاجة إلى تدخل إلهي؛ لإهلاك قوم وإزالتهم من الوجود، لينفتح مجال للتطور. بعد ما اكتمل، وصرتم أنتم كباراً ما عاد فيه داعي.. يعني وقت تصير وصايا اليتامى بيرتفع الوصاية. ما يصير هذا الوصي يرجع يقول أنا بدِّي أمارس وصايتي عليكم. ما بنسمح لك. طيب فيه مشاكل، ما احنا بنحلها بيننا. فإذن ما يحصل الآن من خير وشر إنما هو صراع بين إنسان وإنسان، وليس بين إنسان والله. ليش الله ما عَم بيدخل؟ لا. فتم توقف التدخل الإلهي المباشر؛ رفع الوصاية الإلهية، الدين اكتمل.. ختم النبوة؛ صار عندكم عقل، صار عندكم وعي. قوموا مارسوا خلافتكم بأيدكم، حلوا مشاكلكم بأيديكم. صراع بين الخير والشر.. قل هو من عند أنفسكم، امشوا بهذا الشكل”.

لماذا نزل القرآن باللسان العربي؟

واستكمل إسلامبولي: “فإذن القرآن نزل باللسان العربي؛ ليوصل للناس مضموناً معيناً من الدلالات. واستخدم الله الكلمات في صياغة التنزيل الحكيم، مؤلفة من ذات الأصوات التي يستخدمها الإنسان. ما جديدة. والإحكام في التنزيل الحكيم كان في طريقة استخدام الأصوات وتركيبها مع أصوات بصورة مطابقة لمحل الخطاب من الواقع تماماً. يعني بمعنى أنه الأصوات العربية الـ٢٨ موجودة، تراكيب الكلمات موجودة قبل نزول القرآن؛ الناس عَم تستخدمها. وشو الميزة بالقرآن، الميزة بطريقة الاستخدام والتركيب. أنتم، كل كائن متكلم استخدم هذا النص وَفق قدراته العقلية والعلمية. هلأ الرب وقت نزل القرآن استخدمه وَفق قدراته العلمية. فمَن كان يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، وعلم شمولي وإحصائي. طبيعي جداً أن النص يأخذ نفس الصفات؛ لذلك هو بلسان عربي مبين.. بينما النص الإنساني لا يمكن؛ هو يتكلم نصاً أو يصيغ نصاً يغطِّي الأحداث، الماضي والحاضر والمستقبل دون أن يطرأ عليه أي تغيُّر. صار علمه شمولياً إحصائياً؛ يعني صار الله. لا يمكن، إطلاقاً؛ لذلك كان التحدي بهذه النقطة أنه فأتوا بسورة من مثله، ضمن هذه المواصفات، مو موضوع بلاغة وشعر وموازين؛ لا، ممكن تجيب أنت، لا بدنا مضمون، نحن المضمون، هو المهم، وهذه حالة فنية، مضمون علمي تتحقق فيه الحالة الشمولية الإحصائية، غير قابل للتعديل بلسان الصفة الثانية؛ لا أحد يستطيع، يعني اللي بيفهم الفكرة بيدرك تماماً أنه لا يستطيع أن يأتي بمثل النص القرآني أبداً ولا بأي شكل”.

انفراد النص القرآني

وأضاف الكاتب والباحث السوري: “فانفرد النص القرآني بهذا الاستخدام، وظهر كما قُلنا الجذر الثنائي في بداية الجنس الإنساني. ولد المجتمع فظهر الجذر الثلاثي، ورافقته ولادة التفكير.. كل دول مع بعض، ومن ثم ولادة المجتمع، والذي رافقته ولادة الدولة.. فيه مجتمع فيه دولة، ما في مجتمع ما في دولة، التنفس في الإنسان حاجة عضوية، ما فيه أحد ممكن ييجي يعلمك كيف تتنفس، كذا قيام دولة بعد المجتمع، مجرد نشأ مجتمع، نشأت دولة، بنشوء المجتمع والدولة ظهر التفكير وتوسع اللسان.. علاقات متلازمة مع بعضها البعض، ومشي اللسان بهذا الشكل؛ فإذن اللسان العربي ذو نشأة فطرية واقعية، دلالات الأصوات لها مفاهيم فيزيائية، الصوت ما له مفهوم ما له معنى، بس الكلمة لها معنى، الصوت وحده ما له معنى.. صوتان لهما معنى؛ طيب هنا السؤال اللي عَم ينطرح، (الصوت ما له معنى + صوت ما له معنى = كلمة لها معنى)؟ مفروض يصير لا معنى؛ فـ(صوت لا معنى له + صوت لا معنى له = كلمة لا معنى لها)، ليه بنقول كلمة لها معنى؟ لأنهم متبنون المعنى الاعتباطي، لأنه كلمة اصطلاحية”.

الأصوات كلها حركات

وتابع إسلامبولي: “الألف والواو والياء.. سموها أصوات المد. صوت المد إذا بتلاحظوا بصوت الحيوانات كلها، بتلاقيه الصوت؛ صوت الألف أو الياء أو الواو، ٣ أصوات مد. موجودة بأصوات الحيوانات كلها. الأصوات الثلاثة هذه الألف اللي هو صوت الآه باقصد. طبعاً الألف هو اسم، اسم للصوت مو الصوت. الصوت آه له صوت صغير اللي هو الهمزة. الباء اسم.. الصوت في الدراسة مو للاسم. للصوت صوت؛ الصوت يدل على امتداد. ثلاثة؛ بيدل على امتداد الألف والواو والياء. صوت يدل على امتداد مع إثارة زمكانية، الامتداد بما قبله. حسب ترتيبه في الجملة. الآن شو عَم تحكي أنت؟ جاء هنا صوت الألف، عم يعطي امتداداً وإثارة زمنية مكانية للحركة اللي لها من كله. الأصوات كلها حركات.. الحركة نفسها؛ ما قد يكون فعلاً ماضياً. عَم يعطيها إنه هذا الحدث حصل؛ لكن بهذا الشكل. الأصوات كلها حركات؛ أي صوت، مثلاً حرف الدال. وقت ما نعرف الدال من الناحية الفيزيائية بنقول ماذا؟ حركة تدل على دفع شديد، (تاء) حركة تدل على دفع وسط، (تاء) حركة تدل على دفع خفيف. (الضاد) حركة تدل على دفع شديد جداً؛ فإذن كل الأصوات حركة، لأنه هي منبثقة من واقع حركة؛ فانعكس حركة. فالحروف ترميز للحركة، حركة هي، أصوات حركية هي.. هو الصوت حركي. هلأ أنت تجمع صوتاً حركياً مع صوت حركي؛ لتشكل أنت كلمة حركية. فعل لأنه هذا ثلاثي أو ثنائي، حركية. فلما المفروض يكون لها معنى. بس هلأ الاصطلاحات ما اسم، ما بنسميها معنى، لأنه المعنى معناه في متكلم. فإذا الصوت له مفهوم فيزيائي، جمعه مع صوت آخر له مفهوم فيزيائي، بيشكل كلمة لها مفهوم فيزيائي؛ اللي هو اسمه مفهوم الجذر. نجيب مثل (ضرب) بدنا ننهي الموضوع فيها هنا؛ (الضاد) صوت يدل على دفع شديد جداً، و(الراء) صوت تكرار، و(الباء) صوت يدل على جمع مستقر. جمع الأصوات هذه الثلاثة مع بعضها لنعرفها بتعريف ثقافي. بنقول (ضرب) كلمة تدل على إيقاع شيء على شيء بشدة؛ يترك فيه أثراً. هذا تعريف فيزيائي، تعريف الجذر، مو معناها؛ لأنه المعنى بده متكلم. هذا تعريف الجذر (ضرب). هلأ نستخدمه بالواقع”.

لسان عربي.. لسان حيوي اشتقاقي عربي روحي

واختتم إسلامبولي: “نقول عند وجود متكلم؛ بده يستخدم كلمة (ضرب) بده يحطها فبيحملها المعنى اللي هو يقصده. فهون بيظهر المعنى. وقت نقول ضرب الله مثلاً.. إيقاع شيء على شيء على الإنسان، يترك فيه أثراً تفكيرياً؛ يفكر. وضرب في الأرض. فضرب الله مثلاً حالة فكرية معنوية. ضربها في الأرض، حالة مادية. كمان إيقاع شيء على شيء يترك فيه أثراً. صارت الصورة مادية. هذه صورة معنوية، صار معناها هنا معنى ضرب، هنا معنى ضرب. وكلاهما محكوم بمفهوم ضرب الجذر؛ هو المفهوم الفيزيائي، ولذلك لسان عربي؛ لسان حيوي اشتقاقي عربي روحي”.