Skip to content Skip to footer

تأثيرات الكتب على المجتمع العربي | د. حسن أوريد

مقدمة

باسم: في الوطن العربي، قلة قليلة من هذه الكتب أثرت في المجتمع. لماذا هذه الكتب، وهي كثيرة، لا نرى تأثيراتها على السلوك الجمعي في المجتمعات العربية؟

حسن: ربما حدود أو أثر الكتاب في العالم العربي يعود إلى تحلل سردية. بتعبير آخر، العالم العربي لم يعد ليخدع أو يأتم بفكرة ناظمة. من المؤكد أنه لفترة معينة كانت القومية العربية الفكرة الناظمة، وبعدها الإسلام السياسي، وقبله ينبغي أن نتحدث عن فترة حقيقة لا نوفيها حقها، وهي الفترة الليبرالية. أظن، ولا أظنني مجانبًا للصواب، أن الذي أوقف هذا المد هو ما وقع في فلسطين. وأنا أشاطر حقيقة ما قاله مؤرخ إنجليزي، يوجين روجان، في كتاب عن العرب “The Arabs”، بأن النكبة ليست فقط ضياع فلسطين، ولكن وقف مد فكري. تغير المشهد الثقافي في العالم العربي بعد 48، تم إجهاض هذه الليبرالية التي كانت حاملة حقيقة لأمل، والتي حقيقة أفرزت عطاءات أدبية وفكرية وحتى الغناء. هذا المد توقف.

 

بين الفكر والأدب

باسم: أهلاً بكم. أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج مجتمع. في حلقة اليوم نلتقي الدكتور حسن أوريد، كاتب ومفكر وأستاذ العلوم السياسية في المغرب. الدكتور حسن له الكثير من الروايات والكتابات والأبحاث في الكثير من المواضيع، وبالذات المواضيع الاجتماعية والروايات. يعني حقيقة الواحد يحتار ماذا يحكي معك، دكتور. نحكي في الرواية، في الكتابة السياسية، أم في المقالة؟ أنا حابّ أن أسمع تجربتك في كتابة الرواية.

حسن: لا، بصراحة، ممكن أقول بأنني متطفل على الرواية، لأن مساري الدراسي وحتى المهني كان بعيداً عن الاهتمامات الأدبية. درست الحقوق، ثم بعد ذلك العلوم السياسية، والمسار كان باللغة الفرنسية. هناك مفارقة أن الواحد درس…

باسم: يعني درست بالفرنسية؟

حسن: ويكتب باللغة العربية. إنما كان لدي دائماً، هوى للقراءة. فأظن بأن الذي يقرأ يكتب.

باسم: لا شك.

حسن: فأعتقد بأن هذا الرصيد الذي تواتر لسنين، لما كنت أستهلك الثقافة، هو الذي أتى بي إلى الرواية. وحقيقة، أظن بأنه ككل بداية هي بداية، هاوٍ. يعني لا يمكن أن نتكلم عن الاحتراف. الاحتراف يأتي فيما بعد. والرواية تتيح مجالاً أكثر من البحث والكتابة الفكرية. إنما ما صار، ما كان نزوة، صار وأضحى علاقة وطيدة.

باسم: قبلُ كنت أريد أسألك عن قصة: كيف تتفاعل مع الرواية؟ أو من ترى ليس ذاتك، إنما فكرك أو ما همك أو همومك، سواء المجتمعية أو السياسية والفكرية. أنت تراها في الكتابة السياسية أو في التحليل السياسي أو في الكتابة البحثية أم في الرواية؟ يعني، ما الأسهل؟

حسن: هما مجالان مختلفان، ولكن بالنسبة إلي هناك صلة وصل بين الموضوعين. يعني، أول عمل إبداعي كتبته، بعنوان الحديث والشجن، كنت أتكلم بالأساس عن قضايا الهوية بعد سقوط جدار برلين. يعني أن البنية الثقافية التي كانت وتوزع العالم بين يمين ويسار وقومية عربية وكذا، التي كانت مؤثرة، وترنحت بعد حرب الخليج. هذه القضايا  كانت هي الهاجس الأكبر في كتابة روايتي “الحديث والشجن”. وهي بالأساس  تقف على نوع من أزمة أيديولوجيا والانتقال إلى خطاب هويات. هذا العمل الإبداعي انتقل إلى عمل فكري في رسالة دكتوراه الدولة، يعني دراسة الخطاب الاحتجاجي. فيمكن أن نجد الصلة بين عملي روائيًّا والقضايا التي عبرت عنها من خلال شخوص وظواهر، ولكن من خلال دراسة متأنية. فالصلة ليست منقطعة بين مثلاً الكتابات الإبداعية والكتابات الفكرية. ممكن أن أقول نفس الشيء بعد الفترة التي حقيقة نأيت فيها عن الشأن العام أو كل مسؤولية، وكتبت في نفس الفترة عملين: واحد رواية “الموريسكي”، وكُتب بالأساس باللغة الفرنسية وترجم، وعمل فكري “مرآة الغرب المنكسرة”. هناك صلة، بين، يعني، لأن حقيقة “الموريسكي” ليس فقط رواية عن الموريسكيين، بل عن كل المضطهدين، ويحكي كذلك عن أزمة فكرية وصدام الحضارات إلى آخره. طبعاً أنا لا أريد أن أتحدث عن الرواية، لكن هناك دائماً صلة ورابط بين كتاباتي الروائية وكتاباتي الفكرية. لا يمكن…

باسم: لا فصل بينهما؟

حسن: لا، لا يمكن الجزم بأن ليس هناك علاقة. دائماً حتى، وبتعبير آخر، يمكن أن أقول بأنني أكون مفكراً في الرواية وأكون أديباً في الأعمال الفكرية. أظن بأن من يقرأ لي، حتى الكتابات الفكرية المستعصية، أسعى جهد الإمكان أن أكتبها بلغة سلسة قريبة، يعني ليست لغة مستعصية، أو الجانب البياني حاضر حتى في كتاباتي الفكرية. وبنفس الشيء يمكن أن أقول بأن رواياتي تحمل دائماً طابعاً فكرياً. فليس هناك قطيعة بين العمل الإبداعي والعمل الفكري.

 

سبب كتابة الرواية

باسم: سؤالي: هل تقرر أن تكتب رواية أم أن فكرة كتابة الرواية هي لحظة؟ حالة انفعال مع الواقع، حالة تفاعل؟ أم تقرر أنت: أنا أريد أن أكتب رواية عن الموضوع الفلاني، وبالتالي تبدأ بشحن أو بتجميع كل المعلومات؟

حسن: لا، أبداً، لا أبداً. يعني بالنسبة إلي، إلا ربما في رواية “الموريسكي” التي كنت أؤمل دوماً أن أكتب عنها. قرأت لأكثر من عشرين سنة مخطوط أفوقاي، وكنت حينها مسؤولاً في الدولة، وكنت أؤمل أنني لو تسعفني الظروف سأكتب رواية، لأنه حقيقة قصته كانت تصلح لرواية. هذا يمكن أن أقول بأنني كنت دائماً أحمل مشروع كتابة رواية عن شهاب الدين أفوقاي المعروف بالموريسكي، وهو الأمر الذي قمت به من خلالها. لكن بالنسبة للأعمال الأخرى، الظروف هي التي فرضت. يعني لم يكن وارداً أن أكتب “ربيع قرطبة”. يعني لم يكن لدي تصور. هناك ظروف معينة جعلتني أكتب عنه، لأنه طرح مسألة التعايش والتسامح بين الديانات إلى آخره. فاستوحيت الأندلس كنموذج وكتبت. نفس الشيء بالنسبة لأعمال أخرى، يعني “الموتشو”. السياق الذي عرفه العالم العربي والمغرب من خلال التقارب بين الأديان أو ما هذا هو الذي أوحى إلي، بكتابة “الموتشو”. فلا أصدر عن فكرة جاهزة.

باسم: فكرة مسبقة؟

حسن: ولكن لا، أبداً.

 

العلاقة بين الكاتب والقارئ

باسم: ما مدى حصة الواقع أو الناس في الرواية؟ أنت قد تثيرك فكرة أو هم فتكتب رواية. وأنت تكتب، هل تشعر أنك تكتب للناس أو لترضي نهم الفكرة أو تأثرها أو تفاعلها معك؟

حسن: أظن بأنه لابد أن نزاوج بين الأمرين. لا يكون الكاتب كاتباً إذا لم يكن له جمهور. يمكن أن يكون صاحب كتاب، لكن هذه العلاقة من خلال القراء هي التي تجعل الكاتب كاتباً. في اللغة الفرنسية هناك “مصطلح فرنسي” كاتب، وهناك “مصطلح فرنسي” أي صاحب الكتاب. يعني يمكن لشخص أن يكتب من دون أن ينشر ولا يُسمى كاتباً، لأنه لابد من علاقة. ولذلك لا أتصور أن يكون الكاتب كاتباً من دون استحضار القارئ، وطبعاً يربط معه علاقة. طبعاً ليس بالضرورة لإرضائه، ولكن لا يمكن أن يكتب بمعزل عن القارئ. يعني قارئ مفترض. فلا أكتب فقط للقارئ ولا أكتب لنفسي، ولكن أزاوج بين الأمرين. فيما يخص قضية الواقع، أعتقد بالنسبة إلي أنني أصدر بالأساس من قضايا آنية. يعني أنا لا أكتب من أجل الإمتاع والمؤانسة، على الأقل من وجهة نظري، فيما يخص، الأعمال الروائية. هناك قضايا تستأثر بي وتهمني، وأسعى، أن أكتبها في قالب روائي. حتى فيما يخص الرواية التاريخية، أنا لا أكتب الرواية التاريخية بناء على الوفاء للتاريخ أو استحضار التاريخ. أنا أوظف التاريخ لقضايا آنية. فقضية استحضار القارئ شيء أساسي. لا نكتب لأنفسنا، نكتب كذلك للقارئ.

 

9:38

بين “قرطبة” و”الموريسكي” وصدام الحضارات

باسم: تولد لدي سؤالان حول “قرطبة” وحول “الموريسكي”، الاثنتان لهما علاقة بالتاريخ. واحدة لها علاقة بحوار الأديان، وهذا يبدو لي بالنسبة إلي موضوعاً، يعني، أحب أن أعرف ما المقصود بحوار الأديان؟

حسن: أنا بالنسبة إلي، الموريسكي كنا حينها قريبين مما يُسمى أو سُمي آنذاك بصدام الحضارات. واعتبرت بأنه الصراع الذي كان لفترة هنا في الغرب الإسلامي يمكن أن يكون صورة لصدام الحضارات، أو ما كان يسميه مثلاً الإسبان “لاراكونكيستا”، إلى آخره. فكان نعم من صدام الحضارات حينها. هذا الصراع أدى بالتضحية بشريحة كانت تعيش لأكثر من ثمانية قرون في الأندلس، كانت هي التي دفعت هذا الثمن لصدام حضارات، يعني، انتظم قبل خمسة أو ستة قرون. ولذلك يمكن أن نقرأ رواية “الموريسكي” كما لو أنها تحكي وتؤرخ للحظة تاريخية، ولكن يمكن أن نقرأها إجرائياً، يعني، لحالة من توزع حضارتين. فإذن، استحضار هذا السياق الذي كان على أشده، وأعني بصدام الحضارات، أظن بأن القارئ يجده في ثنايا رواية “الموريسكي”.

قضية “الموتشو” اقتحمتُ شيئاً، لا أقول إنه كان “تابو”، ولكن ضمن المسكوت عنه، من خلال استحضار شخصية يهودية في العمل الروائي. يعني، هل هذه الشخصية، هل ولاء هذه الشخصية المغربية، يعني ولاؤها للتراب أو للأرض أو لعقيدة؟ لأن هذا السؤال مطروح، أو طُرح. وبتعبير آخر، من خلال هذا العمل، “الموتشو”، كيف نصوغ حقيقة الانتماء إلى وطن؟ هل يمكن حقيقة أن نبني الانتماء بناءً على عقيدة أو بناءً على عيش مشترك؟ فهذه الأسئلة، طبعاً، التي يعج بها الفضاء الفكري والثقافي في المغرب وحاضرة بقوة. حاولت أن أستحضرها في هذا العمل بإيجاز شديد، لأنني لا أريد أن أطيل أو أتحدث بشيء مستغلق. أنطلق من قضايا آنية، وأسعى أن أعبر عنها. لا أصدر فقط من قضايا افتراضية أو شطحات. هل أوفق؟ هذا موضوع آخر. إنما المنطلق، حتى فيما يخص الأعمال، يعني، الأدبية، أنطلق من قضايا، الواقع، ولو وظفت التاريخ.

 

العلاقة بين الكاتب وواقعه

باسم: قضايا الواقع، يعني، من يختارها؟ أنت تختارها وفق إحساسك بها مثلاً؟ أو هل يكون الكاتب أو الروائي بالضرورة لديه قدرة على استنباط مشاكل المجتمع فيحس بها أكثر من الناس؟

حسن: العمل الروائي هو ما يطفح من حياة الكاتب. لا يمكن حقيقة أن نفصل بين حياة الكاتب وما يكتبه. يعني، هو امتداد بكيفية أو أخرى لما يكتب. طبعاً، لابد أن يربط مسافة بين شخوصه والأحداث، ولكن، هو ما يفيض عن الإناء، يعني، أو ما ينضح عن حياته في نهاية المطاف.

لو أخذنا مثلاً رواية “الموتشو”، هذه القضايا، حبل بها المجتمع وتوزعتني أنا كذلك، وحاولت حقيقة أن أعبر عنها في قالب روائي. إنما تبقى هناك الصنعة، وإلا سيصير في نهاية المطاف عملاً فكرياً أو ربما مقالاً صحفياً أو ما شابه ذلك. لابد من صنعة، ولابد من قواعد متواترة في العمل الروائي. مثلاً، طرحت السؤال عن الواقع. لا يمكن أن أكتب عن أشياء وأصور أشياء من أن تكون متلائمة مع هذا الواقع. أحكي عن الرباط، لابد أن تكون الصورة التي أعبر عن الرباط…

باسم: موجودة فيها.

حسن: مطابقة للرباط، أو مطابقة، يعني. أقوم بأكثر من ذلك، أقوم بمعاينة المكان. يعني، أعود إلى بعض الأمكنة. أنا مثلاً قبل يومين، كنت في الدار البيضاء، وكنت أتجول في بعض الأزقة التي صورتها في “الموتشو”. بعضها تغير، بعضها لم يتغير. بعض الأسماء تغيرت. فحينما أكتب رواية عن الواقع، لابد أن أكون وفياً لهذا الواقع.

فيما يخص مثلاً الرواية التاريخية، سألني سائل لأنه قرأ بعض الأشياء التي صورتها في البلاط العثماني، فقال لي: هل هي مطابقة للواقع؟ قلت له: نعم، لم يكن ممكناً أن أتجرأ على تصوير أشياء تكون منافية أو غير مطابقة للواقع. قمت بما يُسمى بالفرنسية “مصطلح فرنسي”، الانتقال إلى عين المكان فيما يخص “تاب كابي”. وطبعاً، قرأت، وأحياناً استعنت ببعض الأصدقاء من الأتراك فيما يخص طقوس الدولة العثمانية. لا يمكن أن نتجرأ على الكتابة في قضايا، لأنه من المفترض أن يقرأنا مختص. فجانب الصنعة هو جانب أساسي في…

باسم: طيب، هل يمكن للكاتب مثلاً أن يتصور، تريد أن ترى المجتمع في موقع ما، هل تكتب لذاك المجتمع المتصور  أو المتخيل؟ على أمل أنه في يوم ما يصل هذا المجتمع إلى هذا المستوى مثلاً؟ يعني، هل هناك أدب فيه من الخيال، الخيال المطموح إليه أن يقع، أن يصبح واقعاً؟

حسن: أنا أظن بأنه توزع الأدب في فترات معينة بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن. حتى لو درسنا أو وقفنا مثلاً عند بعض كبار المسرحيين في فترة، كان يقال مثلاً راسين، وهو من كبار القرن السابع عشر أو الثامن عشر على الأصح، يعني، كان يصور الإنسان كما هو، في حين أن كورني كان يصور الإنسان كما ينبغي. أظن بأنه ينبغي أن نصور الواقع كما هو.

باسم: كما هو؟

حسن: كما هو. قضية “كما ينبغي” لا أظن، على الأقل في مستواي، أن لدي، سلطة أن أفرض توجهاً، ولا حتى إرادة أن أفرض توجهاً معيناً. يعني، أظن بأنه إذا استطعنا حقيقة أن نجلّي وضعاً، أن نظهره كما هو، وأن نشرح وضعًا، فقد قمنا بعمل جبار.

باسم: يعني، هي خطوة فقط. لكن لماذا لا تعطي نفسك الحق أن تعطي تصوراً؟ لماذا؟

حسن: هذا خيار. أنا لا أريد..

باسم: متفق معك. هل يحق للكاتب مثلاً؟ ما هي مرآة الكاتب، خاصة المتفاعل مع الواقع، مطلوب منه أن يقدم صورة للواقع. وهي، اعتبرتها أنت خطوة فقط، لكن مطلوب منه أن يعطي أيضاً جواباً.

حسن: أنا بالنسبة إلي، على الأقل إذا فهمنا الوضع وطرحنا الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح، أظن بأننا قمنا بما ينبغي أن يقوم به مثقف. قضية الجواب: كل المجتمعات تتطور، وما قد يكون جواباً اليوم قد لا يكون غداً. وعلى كل حال، أنا بالنسبة إلي، يستحسن أن نعطي القارئ فانوساً أو قبساً ويهتدي به كما أراد، ويختار السبيل الذي أراد. أما أن نفرض عليه توجهاً، فعلى كل حال، أنا بالنسبة إلي غير وارد. يعني، أنا لا أرى الأمور، ولا أستطيع أن أزعم بأنه ينبغي أن أفرض تصوراً معيناً. ولذلك حقيقة غالب أعمالي، على الأقل الإبداعية، يعني، لا تنتهي…

باسم: بصورة ما؟

حسن: أو تنفتح على سيناريوهات متعددة. لا تنتهي إلى منفذ واحد، وتنتهي دائماً إلى أسئلة. وفي جميع الحالات، لا أريد أن أنتصب وصياً على القارئ. لدي علاقة احترام للقارئ، ولذلك لا أرى، أو لا أراني حقيقة أن أفرض عليه تصوراً قد يكون متجاوزاً بالنسبة إلي، لأنه في نهاية المطاف…

باسم: يعني، أنت تمارس المشخص للواقع أكثر من دور؟

حسن: أنا لا أنازع أشخاصاً يحملون أجوبة أو حتى يريدون أن يفرضوها. ولكن أنا بالنسبة إلي، يمكن أن تُقبل أو تُرفض، هذا موضوع آخر. ولكن أنا بالنسبة إلي، على الأقل في بعض الأعمال التي كتبت، لا أصدر من حقيقة ولا من أجوبة، وإنما، أصور الواقع كما هو، الذي يمكن أن ينشرع على مشارب عدة وآفاق عدة. أعتقد بأن تعاملي هذا هو احترام، أو تعامل يمكن أن نقول ندّيٌ مع القارئ. يعني، عوض أن أفرض على…

باسم: يعني، أنت تقدم دورك، وهو مطلوب أن يقدم دوره؟

حسن: هذه هي نظرتي.

 

دور القارئ في قراءة النص

باسم: على موضوع، إن القارئ أيضاً له دور في قراءة النص. هل تعتقد أن معظم الذين قرأوا أعمالك الأدبية، مثلاً، فهموا مقاصدك أم فهموها بطريقتهم الخاصة؟

حسن: لا، ليس هناك فهم واحد. هناك مستويات عدة. يمكن أنا وأنت أن نشاهد فيلماً…

باسم: نفهمه بطريقة؟

حسن: ونفهمه بطريقة معينة. يمكن أنا أن أشاهد فيلماً بصفتي مستهلكاً للثقافة، ونظرتي ستختلف عن سينمائي، مثلاً. فليس بالضرورة أن تكون هناك قراءة واحدة أو نمطية. يعني، هناك الذين يقرأون قراءة مؤكدة. ممكن أن نسميها نوعاً من خواطر أو انطباعية، وهناك الذين يقرأون بتأنٍّ وبقراءة نقدية. أظن بأنه حينما يكتب الـ.. أو يُقدِم الشخص على عملية الكتابة، لابد أن يخضع نفسه لبعض القواعد. إنه حينما يصدر الكتاب، يصبح ملكاً للجمهور، أو بتعبير آخر، يموت الكاتب. لابد أن يقبل بهذه العملية، وأن يقبل بحرية القارئ في قراءة عمله كما يشاء. لا ينبغي أن ينتصب في نهاية المطاف وصياً في كل تجاويف العمل. اعلم، افهم، لا، وكذا. لا، أظن بأن القارئ، أياً كان، له الحرية في أن يقرأ، وعلى الكاتب، أن يقبل بهذه القواعد. ولذلك أنا حقيقة، حينما يصدر عمل ما، لا أنتَصب وراء هذا العمل لكي أصوّب أو أسدّد أو أصحّح. لا، أنفصل عنه تماماً، والقراء أحرار في أن يقرأوا هذه القراءة. قد تكون أحياناً قراءات مغرضة وخلطاً بين العمل والشخص. أنا آسف لذلك. ليس من الضرورة أن أكون محبوباً لدى كل الناس. ولكن حتى الذين لا يخصونني بالمحبة، أظن بأنه لصالحهم أن نميز بين العمل وبين الشخص. لا أفرغ نظرتهم على شخص، أو نظرتهم عن الشخص على العمل. يعني، أنا آسف حقيقة، لكن هي جزء من العملية ومن اللعبة. أقبلها كما هي. وفي جميع الحالات، ليس هناك قراءة، هناك قراءات، والعمل حقيقة لا يكون عملاً إلا من خلال هذا التفاعل في نهاية المطاف.

باسم: كلامك سليم، صحيح. أنا أتفق معك أنه صعب أن تجد قراءة موحدة لنص موحد.

حسن: طبعاً.

باسم: لأنه حتى القرآن لم نجد قراءة موحدة لنفس النص.

حسن: التأويلات، يعني.

باسم: التأويلات، وإلى آخره. حتى القراءات في الطرق للفهم.

 

كاريزما الكاتب وتأثيرها على القراءة

باسم: لكن، هل تعتقد أن الشخص أو الكاتب، سواء الكاريزما الخاصة به أو صفته الاعتبارية في المجتمع، تؤثر على نسبة القراءة هبوطاً وصعوداً لأعماله، مثلاً؟

حسن: هو يُقال بأنه…

باسم: لنفترض، خلني أقل لك: مثل طه حسين، أو خلنا نسمع حتى الغناء. يعني، لحد الآن ما زالت أم كلثوم، كونها أن الذين يسمعون لها في ازدياد رغم تباعد الزمن بينها وبين الأجيال اللاحقة. شخصية أم كلثوم كشخصية اعتبارية لها عامل أن الناس ما زالت تسمعها. وهل ينطبق هذا، مثلاً، على المؤلف أو على الكاتب؟

حسن: من المؤكد. أظن بأنه هناك كتاب لجان بول سارتر، “ما الأدب؟” “مصطلح فرنسي”، ويتحدث عما يسميه بظاهرة التضخم الأدبي، أي حينما يصبح الكاتب اسماً، ويحجب هذا الاسم عن عمله. يعني، يتحدث الناس عن شخص لأنه صار اسماً أو علماً. يعني، أحياناً قلما يكونوا قد قرأوا له. أنت أشرت مثلاً إلى طه حسين، وطه حسين من المؤكد أنه يجري على كل لسان. ولكن لا أظن بأن كل الذين تحدثوا أو يتحدثون…

باسم: قرأوا له؟

حسن: قرأوا له. كذلك، هذا، إذا صح هذا التعبير، من المطبات. يعني، قد يصبح الشخص علماً، أو مثلما يقول سارتر، تحت ضغط ما يُسمى بالتضخم الأدبي، أي اسم. لا أريد أن أعطي أمثلة، لكن ينبغي أن نقر بشيء. مادمت قد أعطيت، يعني، مثال طه حسين، طه حسين قبل أن يكون طه حسين كان شخصاً عانى وكتب، إلى آخره، قبل أن يخرج درره المعروفة. هناك مسار، وهذا المسار هو الذي جعله يتبوأ مكانه. لكن يمكن كذلك، مادمت أنت قد أشرت إلى الكاريزما أو كذا، يمكن أن نعتبر بأنه أحياناً تواجد شخص أو حمله أو رؤية المجتمع له أو تصوره قد يسيء إليه. بتعبير آخر، مثلما يقال: المعاصرة حجاب. يعني، أنا مثلاً، يعني، قراءة شخص لأعمالي، مثلاً، في الرباط لن تكون نفس القراءة لشخص في سلطنة عمان، في مسقط، مثلاً، أو في بغداد. أو، يعني، الشخص الذي سوف يقرأني، مثلاً، لنقل في مسقط، يرى النص فقط، يتفاعل مع النص. الشخص الذي يقرأني في الرباط أو في الدار البيضاء قد يصدر من أحكام مسبقة أو رؤية معينة، إما أيديولوجية أو تصور معين. يعني، ولكن في جميع الحالات، أظن بأن.. ولذلك القراءة تتغير ليس فقط من خلال الفئات، ولكن عبر الزمن. يمكن للقراءة كذلك أن تتغير. يمكن لعمل أن يثير، مثلاً، اهتماماً في فترة معينة، وقد يذوي هذا الاهتمام ويتحلل فيما بعد. ويمكن لعمل أن يمر مرور الكرام لفترة، ويكتشفه جيل إلى آخره. على كل حال، لا أريد أن أكون ناقداً أدبياً، أنا لست ناقداً أدبياً. ولكن في جميع الحالات، الذي يمكن أن أقوله أنني أنطلق من قضايا آنية. يعني، ليس هناك قطيعة بين ما أكتبه وبين القضايا التي تسكنني وبين القضايا التي تسكن المجتمع.

 

دور الكتابة في التغيير

باسم: طالما الكتابة ليست للترف، والمقصود فيها إحداث تحديث أو تغيير في المجتمع. أي القصص أو أي الروايات شعرت أنها فعلاً تجاوب معها المجتمع؟ هل شعرت أن هناك تغييرًا سلوكيًّا ما، وإن كان بشكل مختلف أو بشكل بسيط في المجتمع؟

حسن: هو صعب أن نزعم أن كاتباً، وبالأخص في العالم العربي، يستطيع أن يغير المجتمع من خلال كتاباته. هناك مسار وئيد، كي يؤثر الكتاب في مجتمع ما، أو حتى إذا استطاع أن ينفذ أو يؤثر في فئة، فأظن بهذا مكسباً كبيراً. لا ينبغي أن نغالي فيما يخص تأثيره. ربما، أصبح مصطلح “الموريسكي” رائجاً، بعد عملي “الموريسكي”. ربما أنه أسهمت، لا أقول وحدي، ولكن بأنني كنت ضمن جمهرة حاولت أن تقرب التراث الأندلسي، وأنه هناك اهتمام الآن كبير بهذا التراث. يعني، وهناك أكثر من اهتمام ووعي بأهميته وافتخار. أظن، لا أزعم لنفسي أنني كنت صاحب الفضل، ولكن أظن بأنني كنت ضمن هؤلاء. مثلما يمكن القول بأن فيه مثلاً “الحديث والشجن”. يعني، أضحت قضايا الهوية والقضايا المرتبطة بالثقافة واللغة الأمازيغية. ولذلك، أنا حقيقة القول بأنه يمكن لكاتب في العالم العربي أن يزعم بأن أعماله أثرت في المجتمع، هذا صعب جداً. الأعمال التي أثرت هي بالأساس ذات طبيعة أيديولوجية. يعني، أكيد بأن، مثلاً، كتاب سيد قطب هذا أثر في المجتمع.

باسم: يعني، هذا كان سؤالي، لماذا هناك…

حسن: هذا كتاب لا يمكن أن يُقاس على كتاب “معالم في الطريق”. يعني، لا أظن بأن “الأيام” لطه حسين أثرت، ولا حتى ثلاثية نجيب محفوظ. وأكيد بأنها أصبغت صورة وتصويراً دقيقاً للمجتمع المصري في فترة قبل الثورة، إلى آخره. ولكن الزعم، مثلاً، أن الثلاثية غيرت المجتمع، أنا على كل حال لن أجزم ولن أغامر بذلك القول. ولكن يمكن القول بأن كتاباً مثل “معالم في الطريق” أحدث رجة في مصر وخارج مصر. لكن هذه كتب استثنائية.

 

كتب أثرت في المجتمع العربي

باسم: أنا في رأيي، الروائي قد يكون له وضع خاص، لأن الرواية تدخل فيها أحياناً انطباعات ذاتية. لكن كاتب الأفكار أو المفكر في الوطن العربي، قلة قليلة من هذه الكتب أثرت في المجتمعات. هناك من أثر، خذ مثلاً محمد شحرور، كتبه انتشرت وأخذت، لكن هناك كتاب آخرون لم نسمع عنهم. لماذا هذه الكتب، وهي كثيرة، وعندنا طبقة من الأكاديميين الواسعة في الوطن العربي، كتبهم تظل محصورة، إما في الدوائر الخاصة بهم أو بشرائح محددة من المجتمع، لكن لا نرى تأثيراتها على السلوك الجمعي في المجتمعات العربية؟

حسن: الكتب التي أثرت هي كتب ذات مرجعية أيديولوجية. أنا تكلمت، أشرنا إلى “معالم في الطريق” أو “من أجل بعث عربي” لميشيل عفلق. هذه كتب، أو أحياناً في ظرفية معينة، “ما معنى النكبة” لقسطنطين زريق، إلى آخره، والتي حقيقة كان لها مدى أبعد. مثلما أن بعض الكتب حتى هنا في المغرب، كتاب مثلاً “أزمة المثقفين العرب” لعبد الله العروي، “والأيديولوجيا العربية المعاصرة”. في فترة معينة بعد 67، كان لهذين الكتابين رجة وأثر عميق. ربما، حدود أو أثر الكتاب في العالم العربي يعود إلى تحلل سردية. يعني، بتعبير آخر، العالم العربي لم يعد ليخدع أو يأتم بفكرة ناظمة. من المؤكد أنه لفترة معينة كانت القومية العربية، الفكرة الناظمة، وبعدها الإسلام السياسي. وأظن قبله ينبغي أن نتحدث عن فترة قد لا نوفيها حقها، وهي الفترة الليبرالية. وهذه الفترة، في اعتقادي، التي حقيقة لم نوفيها حقها، وهي التي أعطت إلهاماتها التي كنا نتحدث عنها في مصر. وأنت تحدثت عن أم كلثوم في الغناء. هذه كلها، بالأساس، حتى قسطنطين زريق.

 

لماذا انحسر المثقفون في المجتمعات العربية؟

باسم: طيب، لماذا صار هذا الانكسار، هذا الانحدار؟ يعني، تحدثنا حتى عن انحدار في التعليم، في نسبة المثقفين في المجتمعات العربية؟

حسن: هذا السؤال مهم جداً. لماذا وقع، يعني، نوع من الافتئات على الليبرالية العربية التي، حقيقة، كانت حاملة لمشروع واستطاعت ما لم تستطعه كل القوى الأخرى، بالتوفيق بين المتناقضات.

باسم: وانعكس ذلك على كل المسيرات النشطة المجتمعية؟

حسن: نرى مثلاً، في مصر، الليبرالية الفكرية، أولاً سياسيًا أعطت نوعاً من الديمقراطية وبرلماناً وحزب الوفد في مصر، إلى آخره، ونوعاً من التمثيل في سوريا وفي العراق، وثقافياً هي التي أعطت هامات مثل طه حسين، مثل توفيق الحكيم، إلى آخره. ولا أظنني مجانباً للصواب، أن الذي أوقف هذا المد هو ما وقع في فلسطين. وأنا أشاطر حقيقة ما قاله مؤرخ إنجليزي يوجين روجان في كتابه عن العرب “The Arabs”، بأن النكبة ليست فقط ضياع فلسطين، ولكن وقف مد فكري. وأظن تغير المشهد الثقافي في العالم العربي بعد ثمانية وأربعين. يعني، تم إجهاض هذه الليبرالية التي كانت حاملة حقيقة لأمل ولإمكانية الانعتاق، والتي حقيقة أفرزت عطاءات أدبية وفكرية. وحتى الغناء، محمد عبد الوهاب، هذا كله نتاج، يعني، حتى في الحقوق، السنهوري مثلاً. هذا المد توقف. الآن يمكن القول بأن هناك فراغاً وانعدام سردية. وهذا ينعكس، طبعاً، على العطاء الفكري.

 

ظاهرة التفاهة

حسن: ولذلك أنا شخصياً لا يستحثني طموح كي أقدم تصوراً معيناً. على الأقل أن أسعى جهد الإمكان لشرح ما يعتمل. أنا أظن بأنني إذا استطعت أولاً لأفهم، لأن هناك قضايا شخصياً، يعني، لا ألم بها، وتكون لدي فكرة معينة ضبابية، أصرف الجهد لكي أفهمها. وهذا الجهد هو الذي حقيقة يدفعني لأن أكتب عنها، لأنني أكتب لأفهم، وحينما أفهم أريد أن أشاطر. يعني، أنا مثلاً كتبت عن الظاهرة الإسلامية، وعلاقة الدين بالإسلام. يعني، كانت قضايا ضبابية في فكري، في ذهني وحاولت، أن أوضحها من خلال  رؤى، من خلال اتجاهات تريد أن تؤسلم الحداثة، واتجاهات تريد أن تعمل على تحديث الإسلام، إلى آخره. فقصارى ما أستطيع هو أن أفهم وأشرك القارئ في الفهم. لكن لا أتوقع بأن هذا الوضع سيستمر. لا يمكن، حقيقة، أن يبقى عالمنا فقط، تحت وطأة، دعنا نقُل التفاهة. وأظن بأن…

باسم: هي التفاهة، حقيقة.

حسن: حقيقة، أنا ترددت…

باسم: سمِّ الأشياء بأسمائها.

حسن: أنا ترددت قبل أن أتفوه بهذه الكلمة. لا يمكن أن تستمر هذه التفاهة.

 

كيف أصبح المال هو القيمة؟

باسم: طيب، للخروج من هذا المأزق. يعني، أنت ذكرت أنه حتى 48 كان هناك سياق ماشٍ وانقطع بطريقة تعسفية.

حسن: أظن بأنه كانت…

باسم: هل يعني ذلك، هل يفهم من ذلك أن الضرورة هي أن يتم خلق أو بلورة سردية أخرى لاستئناف هذا السياق الذي انقطع؟

حسن: هناك مقولة مشهورة، هي أن المجتمعات لا تطرح من الأسئلة إلا تلك التي تستطيع أن تجد إجابة لها. ولذلك أنا أظن بأنه قبل أن نجد إجابات، لابد أن نطرح أسئلة. يعني، أحب دوماً أن أستشهد بشاعر ألماني، نوفاليس، يقول: حينما نحلم أننا نحلم، فساعة اليقظة غير بعيدة. يعني، دعنا نقُل بأننا الآن نحلم أننا نحلم، وعسى أن تكون هناك فترة يقظة. لأننا الآن نعيش بدون سردية، لاعتبارات عدة، منها التأثير السلبي كذلك لليبرالية الجديدة. الليبرالية الجديدة هي، بالأساس، تسعى إلى تسليع كل شيء. كل شيء يصبح سلعة. المال يصبح قيمة عوض أن يكون، مثلاً، وحدة قياس. وهذه أمور كتبت عنها، مثلما كتب عنها آخرون. المال عوض أن يكون وحدة قياس، يعني، نحن نقيس الزمن بالساعة، ونقيس المسافة بالمتر، ونقيس الجهد، وينبغي أن نقيس الجهد بالمال، وهذا شيء طبيعي. لكن حينما يصبح المال قيمة، أو قيمة القيم، كما يقول فيلسوف ألماني، هذا يهدد المجتمعات. يعني، أنا كأستاذ، أو واحد كطبيب، أن يشتغل ويتقاضى راتباً، هذا شيء طبيعي، لأنه لديه مصاريف، ولكن أن يكون هاجسه الأول هو المال، أو أن يكون هاجس الطبيب المال وليس مداواة المرضى ولا علاج المرضى، هذا يخلخل بنية المجتمع. نحن نعيش، حقيقة، العالم بصفة عامة، وهذا، طبعاً، ينعكس علينا. يعني، نعيش في فترة اندحرت فيها القيم، تراجعت فيها القيم. المال، عوض مثلما قلت وأكرر، عوض أن يكون وحدة قياس، صار هو القيمة أو القيمة المثلى أو قيمة القيم.

 

الأوليغارشية العربية

باسم: أنت من استخدمت مصطلح الأوليغارشية العربية، مثلاً، سواء في السياسة أو في الحكم؟

حسن: أنا لم أستعمل، ولكن وظفت هذا المصطلح من خلال، حقيقة، عمل قمت به حول تشريح العالم العربي، يحمل عنواناً غير موفق “إغراء الشعبوية في العالم العربي”، وعنواناً فرعياً أعتقد بأنه أكثر نفاذاً، وهو “الاستعباد الطوعي الجديد”. مدار هذا الكتاب هو أنه، حقيقة، صار هناك نوع من “أوليغارشية” متحكمة في العالم العربي. تختلف تسمياتها، عصابة أو ما شئنا، إلى آخره. حينما ننظر، مثلاً، في المشهد السياسي في العالم العربي، كانت النقابات فاعلة، والطبقة الشغيلة في المشهد السياسي، وكانت ممثلة في البرلمان، وكانت تسمع صوتها بكيفية ما، إما داخل أحزاب معينة أو بصفتها نقابات. الآن، الطبقة الشغيلة، لم تعد مؤثرة، والنقابات لم تعد مؤثرة. لكن، على النقيض، صارت الأوليغارشيات نافذة ومتنفذة، ليس فقط مالياً، بل سياسياً.

باسم: يعني، صارت تقود؟

حسن: إما مؤثرة من خلال بعض الأدوات في الإعلام، أو فاعلة. اكتسحت واقتحمت المشهد السياسي. يعني، نحن نحكي اليوم، يعني، بتاريخ 3 ديسمبر. قبل أيام صدر مقال في لوموند، ويتحدث في المغرب عن “أوليغارشية” في المغرب. يتحدث عن شخصيات ثرية أصبحت مؤثرة. طبعاً، الأوليغارشية، لكي نعود إلى المفهوم الأول الذي صاغه أرسطو، إلى آخره، الأوليغارشية هي فئة ثرية توظف مجتمعاً ما لمصلحتها. وهي لذلك تختلف عن الأرستقراطية. الأرستقراطية لها تصور لمجتمع. ولذلك، حقيقة، لا ينبغي أن نخلط بين البورجوازية التي وجدت في العالم العربي، وكانت تحمل تصوراً معيناً.

حسن: لمجتمعاتها، مثل حزب الوفد في مصر لفترة، إلى آخره. الأوليغارشية توظف…

باسم: الدولة أو المجتمع أو الوطن..

حسن: أو المجتمع لصالحها. وهذا النزوع، حقيقة، في اعتقادي، خطير جداً.

 

غياب السردية العربية

باسم: أعجبتني فكرة غياب السردية وانقطاع السردية، أدى إلى كثير من الانحدارات، سواء على المستوى المعرفي أو المستوى الثقافي أو المستوى الأكاديمي في المجتمعات العربية. طيب، هل هناك سبيل، مثلاً، لإعداد سردية؟ لأن الكل يتحدث عن موضوع هذه الفكرة، موضوع السردية، سواء نقدها أو طرحها أو إعادة صياغتها أو إعادة تقديم هذه السردية، وكأنها هي المخلص للمجتمعات العربية.

حسن: أول شيء، ينبغي أن نكون متواضعين في تقييم دور المثقف، وينبغي كذلك أن نكون متواضعين من خلال قراءة الوضع الذي نحن فيه. نحن نعيش فترة صعبة جداً. العالم، القواعد الناظمة للعالم تتغير. يعني، كما لو أننا، حقيقة، كنا نلعب مباراة لكرة السلة، وانتقلنا إلى لعبة لا نفقه بعدُ قواعدها. ولذلك لابد أن نقر بأننا نحن في فترة انتقالية لم تستقر بعد. لا نعرف الفاعلين الدوليين، لا نعرف القواعد، وهي فترة مرشحة لكل الاحتمالات، بما فيها الأسوأ. ولذلك، قصارى ما يمكن هو أن نسعى أن نفهم. لكن، من المؤكد، وأنا أتفق معك، لابد لهؤلاء الذين يشتغلون بالأفكار أن يصوغوا تصوراً في الفترة الحالية. وعلى الأقل بالنسبة إلى ما نعيشه، أن نفهم ما يجري. لكن، من المؤكد، حقيقة، أنه يتوجب بعدها حلم جمال أو طموح جمال، وهو الغائب. لكن حالياً، من منظوري، نمر بفترة اضطرابات كبرى، كما طائرة تمر في مطبات، إلى آخره، ويستحسن أن نلزم كراسينا إلى أن تمر هذه الفترة، فترة الاضطرابات.

باسم: هناك قائل يقول العكس. يعني، أنا أتفهم فكرة الهدوء في العاصفة حتى تمر، ومن ثم نرفع رؤوسنا ونفكر. لكن هناك من يقول العكس، هذا هو الوقت المناسب، وقت تزاحم الأفكار، وقت تزاحم السيادات، وقت تزاحم العولمة أو شركات العولمة. إنه الآن هو الوقت المناسب لكي نطل كمجتمعات عربية أو كشعوب عربية…

باسم: ونقدم أو نبدأ نصوغ سردية تتوافق، أو سردية الحد الأدنى، التي يمكن أن نسميها.

حسن: على كل حال، أنا أنتظر هؤلاء الذين يرون هذا الرأي أن يقدموا اقتراحات. أنا بالنسبة إلي، نعيش فترة، حقيقة، صعبة جداً، وربما غير مسبوقة. هناك دول، حقيقة، مهددة. كنا نتكلم عن العالم العربي، هناك دول فاشلة، دول، حقيقة، كسرت، والمهددة في وجودها، بالإضافة إلى قضايا مستجدة، منها الأمن الغذائي فيما يخص مصر والنيل أو العراق، إلى آخره. ولذلك أنا بالنسبة إلي لا أستطيع أن أجازف في تقديم تصور معين. أظن أنني من جانبي، على الأقل، أن أفهم وألتزم نوعاً من الهدوء. لدينا مثل في المغرب، وهو حقيقة مستقى من الثقافة البدوية “اللي يتلف يشد الأرض”. يعني، يأتي على الرحل أن تصادفهم زوبعة رملية، إلى آخره، فتضيع أو يضيع منهم التوجه ويفقدون الوجهة، ويحسن بهم حينها أن يلزموا أماكنهم. هذا المثل الذي نردده هنا “اللي يتلف”، يعني، من أتلف طريقه فعليه أن يلزم مكانه. أنا أحب هذا المثل. أظن بأن هناك أنواء وهناك زوابع على أكثر من صعيد. وأنا بالنسبة إلي، الذي أراه هو أن ألزم مكاني إلى أن تنقشع الزوبعة.

باسم: سأختلف معك؟

حسن: أكيد.

باسم: من الفكرة؟

حسن: أكيد.

 

إلى متى؟

باسم: لكن لو أردت أن تراجع التاريخ العربي منذ 48، من وقت، كما ذكرت، انقطاع السياق أو ضياع السردية، حتى الآن، والمجتمعات العربية تمر بالزوبعة، بالعواصف. يعني، أزمة وراء أزمة، أزمة وراء أزمة، أزمة وراء أزمة. يعني، هناك قرن، التزام الأرض إلى متى؟ حسب هذا الفهم.

حسن: حقيقة، في كتاب صدر باللغة الفرنسية لغسان تويني بعنوان “قرن من أجل لا شيء”، “مصطلح فرنسي”، يعني، يكاد، حقيقة، العالم العربي أن يمكث في المكان الذي بدأ فيه قبل قرن أو أكثر. لكن ينبغي أن نذهب إلى ما هو أبعد. لماذا؟ لأنه، حقيقة، إذا وقفنا في توصيف الواقع، فهذا في متناول أي شخص. يعني، ليس بالضرورة أن يكون باحثاً، يعني، يمكن أن يكون صحفياً أو مراقباً أو ملاحظاً، إلى آخره.

حسن: ولكن، في اعتقادي، هناك أشياء وأسئلة معطلة. هل، حقيقة، وهي متداخلة، فيها جوانب ثقافية، وفيها جوانب سياسية، وفيها جوانب ربما خارج سياق العالم العربي؟ لأن هذا العالم يشكو من عدم الاستقلالية، وبتعبير آخر من تداخل قوى أجنبية. بتعبير آخر، ليس مالكاً لشأنه. هو رهان دولي بالنظر إلى وضعه الجغرافي وموارده المهمة، والأطماع التي تولدت والتي انعكست في عدم استقلالية القرار. هذه أشياء درست من قبل خبراء. وهذا هو الأمر الذي، حقيقة، ينعته أو كان ينعته صحفي كبير فلسطيني لبناني، سمير قصير، بـ”لعنة الجغرافيا”. يعني، القرب من أوروبا ومن الغرب لم يكن بالضرورة إيجابياً على العالم العربي. علاقة العالم العربي بالغرب ليست كعلاقة مثلًا أمريكا اللاتينية أو الصين أو اليابان. يعني، ليس هناك مخلفات تاريخية. على كل حال، فيما يخص التشخيص، أنا ذكرت بما قيل عن عدم الاستقلالية. لكن نحن الآن في وضع جديد مرشح لكل الاحتمالات. الاتجاه الغالب الآن، حينما أستقرئ الخارطة السياسية والثقافية، هو نوع من الانكفاء، وهو مشروع لكل دولة لشؤونها. وما يسمى الهوية الوطنية. نلاحظ اهتمام كثير من الدول بمصلحتها وإعطاء الأولوية لمصالحها على حساب أي توجه أو انتماء، إلى آخره.

باسم: يعني، حتى هذه الدولة؟

حسن: الدولة كذا أولاً، وهو الشعار المرفوع هنا.

باسم: الشعار “أنا أولاً وفلان أخيراً”، هذا معروف. حتى هذا الشعار لم ينتج ما كان مأمولاً. كان من المفترض أن ينتج، لكن حتى الاهتمام بالذات لم يوصل أصحابه إلى نتيجة. يعني، بقيت هذه الدول ضعيفة على المستوى الاقتصادي.

حسن: على كل حال، الذي يمكن أن أقوله لشخص، حقيقة، يسعى أن يصبر ويتابع ما يجري، هو هذا الاتجاه. قد نسميه انكفائياً، أو قد نسميه وطنياً، أو ما شئنا. أنا أتفق معك بأنه لن يفضي إلى شيء. يعني، حقيقة، من خلال جهد قمت به فيما…

حسن: يخص مسألة التعليم والتربية في المغرب، وجدت بأنه لن أستطيع، لا نستطيع أن نتغلب على قضية التعليم فقط في إطار المغرب. قضايا التربية أو مشكلة التربية تتجاوز…

باسم: الحدود الجغرافية؟

حسن: لأن أول شيء، هناك لغة نشترك فيها مع دول أخرى. وهذا المعطى في حد ذاته يفرض أنه لا يمكن أن نحل قضية التعليم فقط من خلال إطار دولة بعينها. هناك قضايا مرتبطة، مثلاً، بالمصطلح. هل يمكن، حقيقة، أن نشتغل كمغاربة لوحدنا فيما يخص المصطلحات أو تطوير اللغة بمعزل؟ ولذلك، أنا شخصياً، يمكن أن نقول إننا نشترك في قضايا متشابهة، يعني، القضايا الاجتماعية متشابهة، أوضاع المرأة، الأقليات، أو حتى قضية الحكم أو علاقة الحاكم والمحكوم، والتي تظل معطلة.

باسم: هي الثقافة السائدة، هي ثقافة الكل، هي ثقافة المجموع.

حسن: على كل حال، حالياً، مثلما يقال بالفرنسية “مصطلح فرنسي”، أي في اللحظة التي نحن فيها، الاتجاه الغالب هو سمو الاتجاهات الوطنية وتغليب الاهتمامات الوطنية لكل دولة، والقول بالدولة كذا أولاً. وهذا هو الاتجاه الغالب في العالم العربي.

باسم: صحيح.

حسن: ويمكن أن أضيف شيئاً آخر، يعني، ازدياد حدة التوتر بين وحدات العالم العربي. كيف يمكن أن نفكر في تصور وحجم التوتر بالشكل الذي هو فيه؟

 

دور المثقف والمفكر العربي

باسم: كمثقف، كمفكر، كباحث وجهة نظرك تختلف عن وجهة الإنسان العادي. والمطلوب منك، ليس كفرد، عفواً، كصفة اعتبارية. أي مثقف مطلوب منه أكثر من الإنسان العادي. يعني، أنت صحيح، تشخيصك دقيق، والإنسان العادي يحس بهذا التشخيص. يعني، يعرف أن الوضع العربي ليس بهذا الشكل. لكن المطلوب منك أكثر من المطلوب من الإنسان العادي.

حسن: هو، فيه توزيع مهام. لأن الشخص العادي قد يكون أسمى مني في قضايا معينة، ويفقه أشياء، يعني، إما طبيب يفقه في قضايا الطب، إلى آخره، أو تاجر. فليس من الضرورة أن يكون، حقيقة، حاملاً لقضايا كبرى. يعني، الذين يشتغلون في الأفكار يصرفون… كل الناس لها أفكار، لكن الذي يشتغل أو ما يسمى، حقيقة، بالمثقف، هو شخص يصرف جهده في الأفكار أكثر من الإنسان العادي، ويسعى كذلك أن يدرج هذه الأفكار في إطار رؤية، أو في إطار براديجمي، يعني، له قوة وقدرة تركيبية. لكن لا ينبغي أن يكون منفصلاً عن المجتمع. ولذلك، مثلاً، هناك حقيقة مثقفون وباحثون يعيشون في جامعات أو يدرسون ويدرجون في جامعات غربية، لكن تأثيرهم يكاد أن يكون منعدماً لأنهم لا يعيشون مجتمعاتهم.

باسم: لكن، مثلاً، في المجتمعات الغربية، يبدو لي الصورة مختلفة. يعني، حتى هناك، في السياسة، هناك سياسيون لهم دور، أو حتى كاتب صحفي له دور، ومفكرون لهم أدوار. أنت عندك عمل تغييرات الحاصلة في بنية الغرب؟

حسن: أفول الغرب.

باسم: أفول الغرب.

حسن: لا، هو الذي قلت بأنه…

باسم: يعني، عفواً، قبل أن تدخل في الموضوع، إذا حكمت على الغرب من منظور ميداني أو من منظور قراءة الواقع، أنه آفل، فالعرب آفلون أيضاً.

حسن: لا، هو لا يمكن أن نقيس. لأن العالم العربي لم، على الأقل لقرون أربعة، يشكل القاطرة. أنا أتكلم عن الغرب لأنه هو القاطرة التي كانت تجر مقطورات العالم. هي التي وضعت النواميس والقواعد، ولها سبق معرفي وغلبة اقتصادية وعسكرية ومعرفية، وفرضت هذا التوجه على العالم. بل كل الدول أو المجتمعات التي أرادت أن تنسلخ عن التخلف حاولت أن تحتذي الغرب لتركب ما يُسمى بالحداثة. فأنا حينما أتحدث عن الغرب، أتحدث لأن الغرب قد يكون مرادفاً للتحديث وللخروج من…

حسن: أوضاع معينة، فلذلك، يعني، لا يمكن أن نقيس واقع العالم العربي بالغرب.

باسم: بمقياس الغرب.

حسن: طبعاً، هناك سؤال، أي شرعية لي لكي أتكلم وأدرس وأنقب في شؤون الغرب؟ وهل الغرب في عجز أو لم يعد ينجب أبناء يستطيعون أن يكبوا على قضاياه؟ هذا سؤال وجيه له شرعية. أنا لا أنطلق من خلال نوع من انتحال الشرعية. أنا لست غربياً ولا أعيش في بلد غربي، وأدرك محدودية جهدي. ولكن من واجبي، بالنظر إلى أن الغرب هو القاطرة، أن أتساءل: إلى أين ستقود هذه القاطرة؟ بتعبير آخر، قيل لنا قبل ثلاثين سنة بأن التاريخ انتهى أو بلغ منتهاه، وأنه ينبغي الأخذ، يعني، وفق التصور الذي قدمه فوكوياما، بنظام السوق في الاقتصاد، وبالليبرالية أو بالديمقراطية، إلى آخره، في السياسة. أنه ليس هناك بديل سوى هذا الذي برز في الغرب هو الذي ينبغي…

باسم: أن يسود؟

حسن: يسود العالم. هذا هو الذي قيل، يعني. طبعاً، من واجبي، بعد الأزمة التي ضربت العالم في 2008، الأزمة المالية، أن أتساءل: هل، حقيقةً، هذا هو النموذج الذي ينبغي أن نحتذيه؟ بالنظر إلى أن هناك أزمة. قيل لنا بأن الديمقراطية هي أفق غير متجاوز، حسب تعبير (..)، إلى آخره. رأينا أن الديمقراطية تعيش أزمة: أزمة الهيئات الوسيطة، عودة العنف. لأنه حينما يعود العنف، معناه أن هناك أزمة. لأن الديمقراطية بالأساس هي نوع من “مصطلح فرنسي”، يعني، أن تصرف العنف، إلى آخره. فإذن، من واجبي إذن أن أطرح هذا السؤال: هل هذه القاطرة تقود؟ طبعاً، هذا موضوع، يعني، ما الغرب؟ لكن لكي نتحدث الآن في نهاية 2024، الغرب ليس اتجاهاً واحداً.

باسم: عدة اتجاهات؟

حسن: عدة اتجاهات، البعض يقول بأن الغرب هو الولايات المتحدة والـ (G7) والناتو. الغرب ليس هو فلسفة الأنوار أو القيم.

باسم: ومؤسسات عسكرية؟

حسن: هناك من، حقيقة، بتعبير فج، يقول إن الغرب هو “Big 5″، يعني، خمس دول: نقول ساكسونية: الولايات المتحدة، بريطانيا، أستراليا، نيوزيلندا، وكندا. “بيج فايفز”، الناتو، وجي سفن. يعني، ليس هناك لا مونتسكيو ولا فلسفة الأنوار، إلى آخره. يعني، لا يمكن أن أقول الآن، لأنني، حقيقة، أخشى أن يجري البعض بعض القراءات المقتصرة والمختزلة لكتاباتي عنوان الغرب، كما يقول جيس دبغيه، هو الولايات المتحدة، هو البيت الأبيض. وهذا الفاعل سوف يكون مؤثراً في العقود المقبلة. يعني، لا أظن بأن هناك قوة مستقبلاً، رغم كل الأزمات التي مر بها العالم، ونوع من التشكيك في الأحادية القطبية، وبروز القطب الصيني، ونوع من الشغب الروسي. ليس هناك قوة، على الأقل عسكرياً، يمكن أن تزاحم الولايات المتحدة في الأمد القريب. وهذا سوف ينعكس على المنطقة التي نتكلم عنها.

 

ما المقصود باستهلاك الثقافة؟

باسم: بالتأكيد. حتى لا نتغول في السياسة أكثر، نعود لقصة: أنت أطلقت تعبير “استهلاك الثقافة”، ما المقصود بالاستهلاك؟ ممكن أسميه، مثلاً، تفاعلاً مع الثقافة؟

حسن: الثقافة لا ينبغي أن تكون مادة أو سلعة. من المؤكد بأن هناك جانباً ترفيهياً استهلاكياً. حينما أشاهد فيلماً، هذا استهلاك. حينما أقرأ في الصيف، مثلاً، وأنا أتعرض لأشعة الشمس، أقرأ رواية كذا، هذا استهلاك. لكن حينما أقرأ كتاباً فكرياً، لا يمكن أن أستعمل كلمة الاستهلاك. أتفاعل من أجل أن أفهم. الذي قلت، ربما في بعض من كتبي، بما فيها هذا الذي تكلمنا عنه، هو أن الثقافة انسلخت عن الفكر. كانت الثقافة هي المادة أو الجسم الذي يحتضن الفكر. الآن صارت الثقافة هي التسلية. ولا أنا أنازع، حقيقةً، في أن التسلية تكون هناك، يعني، مواسم أو مهرجانات، هذا شيء إيجابي. ولكن لا ينبغي أن يتم ذلك على حساب الفكر، والإطار الذي من شأنه أن يبرز الفكر، وهي الحرية. وأتمنى أن أكون مخطئاً، الجامعة في العالم العربي في أزمة. الهامش الذي يمكن أن يتفتق منه الفكر هو الحرية، وهامش الحرية يتقلص، يضعف، أو يضمر.

باسم: طيب، في اعتقادك، هل مؤسسات الدولة هي التي فرضت هذا النمط أم أن الظروف الاقتصادية في العالم؟

حسن: لا، لا، هو توجه عالمي.

باسم: توجه عالمي؟

حسن: لا، توجه عالمي، وانعكس بالنسبة إلينا أو انعكس علينا. ولا ينبغي أن نكون فقط هيئات تتأثر من دون وعي. يعني، أنا قلت لك بأنه قيل بأن التاريخ بلغ منتهاه. يعني، هل ينبغي أن نسلم بذلك؟ يعني، الرؤية التي فُرضت أبانت عن قصور. يعني، هناك كتاب صدر لسياسيين أمريكيين بعنوان “The Light That Fade” أو “النور الذي خبا”. يعني، اعتبر بأن الولايات المتحدة كانت تحمل تصوراً ليس فقط للولايات المتحدة بل الكون، إلى آخره. فهذا الكتاب يُظهر بأن هذا النور، حقيقةً، لم يبلغ وهجه، واعتراه نوع من الخبو، إلى آخره. على كل حال، هناك أزمة. أنا لا أظن بأنه يكفي فقط أن (نستهلك)، بين قوسين، بدون طرح سؤال، بدون نظرة نقدية. لنتكلم عن أشياء ملموسة، قيل لنا بأنه اقتصادياً ينبغي الخصخصة أو بيع بعض المؤسسات، إلى آخره. تبين فيما بعد بأنه، حقيقةً، تم التخلص من كثير من المؤسسات في كثير من الدول في العالم العربي لها بُعد استراتيجي، وأحياناً بأثمان بخسة. وتبين فيما بعد بأنها كانت أخطاء. هل، حقيقةً، ينبغي أن أسلم بذلك لأنه قيل؟ وواقع الحال يظهر بأنه كان خطأ.

باسم: قبول هذه النصائح بدون تجربتها، ما منبعه؟ مثلاً، سوء فهم؟ جهالة؟ فقدان معيارية؟ فقدان سردية مثلا؟ يعني، لماذا المجتمعات العربية؟

حسن: أنا، ربما، يمكن أن أجيب في حدود قضايا حاولت أن أفهمها، وهي هيمنة التكنوقراطية. التكنوقراطي هو شخص، بالأساس، صاحب معارف تكون، بالأساس، في مدارس وجامعات غربية. يحمل نفس التصور، له معرفة تقنية في ميدان البترول أو الفوسفات أو البنك أو في قضايا، ويفقه لغة المؤسسات الدولية، وهو الوسيط بينها. هذا الخبير لم يعد في دوره. يعني، دوره فقط إجراءات أو تنزيل بعض الرؤى، بل صار فاعلاً وأزاح السياسي وأزاح المثقف. قلت في تعبير في واحد من كتبي بأن مشكلة التكنوقراطي أنه هو الذي استحوذ على الفعل، ليس فقط التدبيري، ولكن حتى فيما يخص المخيال. التكنوقراطي شخص الأجوبة وليس الأسئلة.

باسم: يعني، موظف؟

حسن: موظف دولي، يأتي بخبرة، وتعتبر بأن هذه الخبرة هي عبارة عن سمسم. يعني، عبارة عن الحل السحري لقضايا التعليم، لقضايا البنوك، لقضايا الضرائب، وأشياء أخرى، لقضايا البترول،  لقضايا… مشكلة يطرح في بعض القضايا التقنية. أوكل، ربما، في قضية التعليم، أوكلت للتكنوقراط. ولكن هل يمكن، حقيقةً، أن نتجاهل واقع الأمر؟ مشكلة التعليم تتفاقم في المغرب. هل ينبغي أن أنزه أولئك الذين تولوا هذا القطاع؟ والواقع يقول شيئاً. فأنت حينما تسألني هذا السؤال، لأنه صار ما أسميه بانتحال الصفة. ليس هناك مجتمع عصري يمكن أن يستغني عن التكنوقراط. لا يمكن، حقيقةً، أن نستغني عن أشخاص لهم خبرة في الأملاك، في قضايا التقنية.

باسم: لا شك، لا يوجد مجتمع…

حسن: لكن، على أساس أن هؤلاء أداة. لكن الذي صار هو أن الأداة…

باسم: أصبحوا من أصحاب القرار؟

حسن: قرار.

باسم: دكتور حسن، الحديث طويل. كان بودنا أن نستمر أكثر. الوقت دائماً…

حسن: نحن لم نتكلم عن الرواية. كنا اتفقنا عن الرواية، فإذا شطح بنا الأمر، على كل حال.

باسم: لكن شكراً كثيراً، دكتور. شكراً على استضافتك. أتمنى أن نلتقي في حلقات أخرى في برنامج “مجتمع”…

حسن: إن شاء الله.

باسم: نناقش فيها أكثر عن الرواية.

حسن: إن شاء الله، بحول الله. شكراً على الاستضافة.

باسم: شكراً لك. شكراً لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج مجتمع. إلى اللقاء.