Skip to content Skip to footer

الهُويّة الوطنيّة والمواطنة الكَونيّة | د. بومدين بوزيد

نَستعمِل في حديثنا اليومي “الهُويّة” والقصد بها في بعض البلدان العربية “بطاقة التّعريف”، وهي الوثيقة الفرديّة الخاصّة بالشخص والتي تطورت اليوم إلى “البصمة” الرّقمية التي تحيل على هويّة الشّخص، ويضاف إليها زُمرة الدّم ومعلومات تفصيلية عن حياته، ولبطاقة التّعريف الوطنية في بعض البلدان العربية رمزيّة تاريخيّة؛ كونها ارتبطت بالاستقلال، إذ إنّ الحصول على “بطاقة وطنيّة” كان مَهيناً في زمن الاحتلال الأجنبي؛ مثل الاحتلال الفرنسي لبلدان شمال إفريقيا، فكان “التّعريف” أي “بطاقة الهُويّة” في الجزائر مهيناً، لأنه يعتبرونه فرنسياً من الدّرجة الثّانية، مسلُوب الحقوق مثل ما كان عليه نظام الأبارثيد بجنوب إفريقيا، أما على المستوى الثقافي والتاريخي فكان الوعي بـ”الهوية الجماعيّة” الحضارية حاضراً، وقد ساهم في بناء هذا الوعي الديني والوطني المقاومة والثورة في بعض البلدان العربية.


 

من هنا “الهوية الفرديّة” رمزيها فهي ليست “بطاقة” فقط تحمِل معلومات عن الاسم واللقب ومكان الميلاد، ولكنّها تعبير عن انتماء لتاريخ وقيم جماعيّة مشتركة، ومعانيها بعد استقلال هذه الشعوب هو استرداد “المواطنة” وكرامة “الفرد”؛ فهي بهذا المعنى “وثيقة تحرير” من الظّلم والهوان، ولذا فحديثنا عن “الهوية الوطنية” هو تعبير عن الفرد والمجموعة في آن واحد. ولو عدنا إلى الأدبيات الفلسفية والمعاجم فقد اسْتُعمل مفهوم “الهوية” في المصطلح الفلسفي الأرسطي بمعنى “الوجود”، ويقول الفارابي: “هُويّة الشّيء وعينيّته وتشخصه وخصوصيّته ووجوده المنفرد له، أي الذي لا يقع فيه اشتراك”، وقال الجرجاني: “الأمر المتعلّق من حيث إنّه مقول في جواب ما هو؟ يسمّى “ماهية”، ومن حيث ثبوته في الخارج يسمّى “حقيقة”، ومن حيث امتياز من الأغيار يُسمّى “هُوية”، ومن حيث حمل اللوازم له يسمى “ذاتاً” ومن حيث يستنبط من اللفظ “مدلولاً”، ومن حيث إنّه محلّ للحوادث “جوهراً” ، أما في الأدبيات المعاصرة فتستعمل كلمة “هوية” كمطابقة للمصطلح الإنكليزي Identity   معبّرة عن خاصية المُطابقة، مطابقة الشّيء لنفسه أو مطابقته لمثليه”، أي “التّشابه” وعلى الوحْدة وديمومة الخصائص الأساسيّة لشخص واحد أو مجموعة أشخاص، ومرادفها “الذّاتيّة”، أو “الشّخصية” ومجموع معطيات الواقع والقانون، كما أنّ الهُوية مجموعة لها صفة عرقيّة أو إثنيّة وتتسم بالوعي بالذّات والمصير المشتركَين، “الهُوية” حالة دائمة من التطوّر والتكوّن والتّحوّل، أي كونها كينونة مستمرّة شكلاً ومضموناً وأنها نسبيّة وليست أزليّة، وهي منفتحة قابلة للتّعديل والتّكيّف والتّفاعل مع الهُويّات الأخرى، شرط أن يتمّ ذلك باختيار واعٍ تفرضه الضّرورة وتقرّره الإرادة الجماعيّة. 

الهُوية جزءٌ من السّلطة والهيمنة، كما أنّها عامل استقرار وانسجام اجتماعيَّين، وهي في نفس الوقت مصدر مقاومة وتغيير، ولذا يَعتبر بعض المتتبِّعين أنّ الهُوية التي استفادت منذ أكثر من عشرين سنة من التطوّر الرّقمي هي “هُويّة الهامش” وصعود هُويّات جديدة على أساس العِرق والجنس، والتي قد تأخذ شكل مطالب سياسيّة واجتماعيّة مثل الحركات النَّسويّة والمثليّة، كما أنّ بعض القضايا البيئيّة تحوّلت أو أدمجت في معاني الهُويّة. ومن هنا ستكون الهُوية التّعبير الأكثر تأثيراً؛ خصوصاً في المجتمعات التي يؤطِّرها الدّين والتّاريخ، فقد تكون تهديداً ليس للسّلطة القائمة؛ ولكن أيضاً للاستقرار الاجتماعي وزيادة “العُنف المذهبي والدّيني”، كما قد تنجح السّلطة في استثمارها لصالحها.

 ولكن مهما كانت النّتائج فإنّ العلاقة بين الطّوائف، وعلاقة السّلطة بالدّين، وممارسة التّدين ستخضع لتغيّرات وظهور أنماط جديدة من التّدين، كما أنّ الهُويّة ستكون الفضاء الذي يحدّد الصّراع السّياسي والعسكري في المنطقة، أي أنّ الهُوية قوّة اجتماعيّة وسياسيّة قد تتحدّى السّلطة والعولمة والتّغيير أو تكون جزءاً من التّغيير الذي ليس بالضّرورة إيجابيّاً، أو تكون الحاضن لاحتمالات التّفكّك والهدم، وقد ميّز كاستلز ثلاثة أصناف مختلفة للهُوية:

1 ـ الهُويّة المُشرعنة: التي تمليها المؤسّسات المُهيمنة ومنها “المُواطَنة”، أي تُرسِّم المجتمع المدني وتحدّد علاقة الإدناء والإقصاء في ما يتعلّق بالحقوق والواجبات.

2- الهُويات المُقاوِمَة: معارضة الخضوع للأولى “الهُويّات المشرعنة” ولمؤسّساته وتقاوم التّهميش والإقصاء، وتتقوّى مما بسببه تهمّشت، مثل العامِل البيولوجي: (العِرق والجنس)، أو العامِل التّاريخي للطّبقة أو الأقليّات الإثنيّة والدّينية أو العامل الجغرافي أو الإقليمية مثل الحركات النّسوية في الغرب. 

3- الهُوية باعتبارها مشروعاً: عندما تبني الأطراف الاجتماعيّة الفاعِلة “استناداً إلى العوامل الثّقافية المتاحة لها” هُويّة جديدة تعيد تحديد وضعها في المجتمع، ساعيةً من خلال ذلك إلى تغيير بِنية المجتمع كلّه؛ مثل: هُويات البِيئة وحركات السّلم العالمي، وهكذا تنهار الهُويّات المشرعنة وتنتج أزمة الهويّات الشّرعية من انتشار أصناف كثيرة من الهُويّات المقاومة التي يلجأ إليها الأفراد بحثاً عن المعنى المحلّي وبناء الاستقلاليّة في مواجهة لحالة انعدام السّلطة وانعدام المعنى التي يعيشونها في ظل العولمة الاقتصادية والتّقانية وفي اندثار تقاليد المجتمع الصّناعي المعاصر، و”الهُويّات المقاومة” ردّات فعل دفاعيّة وانهيار العلاقات التّقليدية؛ بما فيها العلاقات العائليّة الأبوية، ففي هذا السّياق تبرز “النَّفس” أو “الهوية” باعتبارها قوة مضادّة شاملة. تحفّز هذه التّهديدات الحركات الاجتماعية التي نشأت حول الهويات المقاومتية ويشمل ذلك الأصوليّة الدّينية، والقوميّات الإثنية، من هنا يكون التّعطش إلى “هُويّة” في وجه المجتمع الشّبكي، ومثال عن ذلك حركات وقفت ضدّ العولمة في التّسعينيات ولم ترغب في الاندماج والإدناء (أشكال القُرْب)، ووقفت ضدّ النّظام العالمي الجديد، والمتمردون الزّباتيون في المكسيك والميليشيا اليمنية والحركات الوطنية في الولايات المتحدة الأمريكية، وحركة أوم شيزيكيو اليابانية. 

يقول كاستلز: في عالم تدفّقات الثّروة والسّلطة والصُّور العالميّة يصبح البحث عن الهُويّة، فردية كانت أم جماعية، مسندة أم مكتسبة، المصدر الأساسي للمعنى الاجتماعي، تُصبح “الهُويّة” المصدر الأساس، وأحياناً الوحيد، للمعنى في فترة تاريخيّة تتّسم بتدمير شامل للمنظّمات، وبنزع شامل لشرعية المؤسّسات، واندثار أهم الحركات الاجتماعية، والتّعبيرات الثقافية سريعة الزوال، وما عاد الناس يؤسِّسون المعنى استناداً إلى ما يفعلونه، بل اعتماداً على ما هم عليه، أو ما يظنّون أنهم عليه، مجتمعاتنا تتّخذ على نحو متزايد بنية قائمة على تقابل ثنائي بين “الشّبكة والذّات”. استخدم مفهوم “المرجعية” هنا بدل “الهُويّة” أو “الشّخصية الوطنية” أو “الخُصوصيّة الثّقافيّة” لكون لفظ “المرجعيّة” مشحوناً بالدّلالات الدّينيّة، ففي المنظومة المَعرفية الشّيعيّة تعني “المَراجِع” بلغة الفضاء السّني “المُفتون” أو “الفُقهاء”، وللمرجع عند الشّيعة قدَاسة لأنّه يتكلم باسم “المهدي المنتظر”، وهو الوسيط في تأويل الآية القرآنيّة والحديث النبّوي. 

انتقل هذا المفهوم إلى الوسط السُّني ليدلّ على “الخصوصيّة المذهبيّة والدّينيّة”؛ أي الانتماء الخاص بنا في المذهب والعقيدة في مقابل التّيارات الأخرى التي تختلف مع العقائد السّنيّة أو بقيّة النِّحل الأخرى، وفي السّبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي استخدم مفهوم “الأصالة” في مقابِل “التّيارات اليساريّة والتّحديثيّة”. هكذا جرى تَداول “مفهوم المرجعية” ليُحيل على ثلاثية تاريخيّة مثلاً في بلدان عربية وإسلاميّة، ليشير إلى الانتماء العَقدي أو الفقهي، ويمكن القول إنّ “المرجعيّة الدّينيّة الوطنيّة” من حيث الوقائع التّاريخية عرفت تنوعاً مذهبياً وعقدياً. نخلص إلى القول: إنّ “المرجعيّة” مفهوم يحُيل على ميراث ديني تاريخي صار جزءاً من الذهنية العامّة وجوهر الشخصية الوطنيّة في تنظيم ممارستهم الدّينية وحياتهم اليومية، كما أنه، أي هذا “المفهوم”، يُستخدم كذات “أنا” في مواجهة التّيارات الوافِدة؛ بما فيها ضّد “حركات التّبشير المذهبي الذي يتناقض مع الخيارات المذهبيّة المحليّة”، وهناك بلدانٌ إسلاميّة ترسِّم ذلك دستورياً وقانونياً؛ مما يؤدي إلى نزاعات واشتباكات على أرض الهُويّة، كما أنّ التحصُّن “بالمَرجَعية” بصورة انكفائية وحماسيّة قد يضرّ بها. 

بلداننا العربية في حاجة إلى رؤية جديدة تجمع بين تحقيق الحريّات الفرديّة والجماعيّة وحريّة ممارسة الشّعائر الدّينية والمعتقد، وفي نفس الوقت دعْم المرجعيّة الدّينيّة والوطنيّة في سياق احترام التنوع الثقافي والدّيني، هذه الرّؤية تتحقَّق عبر قوانين جديدة ومراكز بحث في الأديان، واعتبار أن “مواطَنة” اليوم هي “المواطَنة الكونيّة” التي تجاوزت المفاهيم التّقليدية لمفهوم المواطَنة القائمة على الحقوق الأساسية في إطار دولة القانون أو دولة الحريّات، فاليوم للبُعد الثّقافي حضورٌ في المواطَنة، أي الاعتراف بالتعدّد الثّقافي وبالحقوق الثّقافية، فهناك التّشابك بين مصائر الشّعوب وأوضاعها في سياق العولمة المعاصرة، و”المواطنة الكونيّة” هي الشّعور الواعي بحقيقة الانتماء للبشريّة كعائلة كبرى من خلال التّضامن والتّعارف وإشاعَة قِيم الرّحمة والغَوث ومعاني التّعاون والإحسان، وهو ما أسماه العلاّمة الشّيخ عبد الله بن بية “روح ركّاب السّفينة” المستلهم من حديث نبوي..