تمثل الهويةُ واحدةً من القضايا الخلافية والإشكالية في العالم اليوم. وعلى الرغم من الحديث المتواتر والمستمر عنها، وسيولة التدفقات والمقاربات المعرفية والسوسيولوجية والأنثروبولوجية والسياسية.. وغيرها؛ فإن ذلك لم يجعل الظاهرةَ واضحةً، بقدر ما أنه زاد في غموضها والتباسها، وفي صعوبة التوصل إلى تعميمات مستقرة حولها.
وهذا لا يقتصر على الهوية؛ بل يشمل أموراً لا حصر لها تقريباً في سوق المعنى والفكر والسياسة والاجتماع في العالم.
إن لمفهوم الهوية تاريخاً طويلاً، ويمكن تقصي تشكلاته الأولى في الفلسفة الإغريقية مثلاً، ولا شك أنه سابق على ذلك. والجذر اللغوي اللاتيني (Idem) وخط المعنى المعروف وشبه المستقر للهوية، يدل على “التوحد” و”الاستمرارية”.
وثمة معان ودلالات كثيرة في قواميس اللغات حول العالم. ومثل ذلك في العلوم والدراسات اللغوية والفلسفية والاجتماعية والنفسية والأنثروبولوجية والثقافية والسياسية.. إلخ. لقد تَعَرَّض مفهوم الهوية إلى تحولات كثيرة، ولم يعد مفهوم الهوية الأرسطي مثلاً شغالاً بالتمام، ولا المفهوم الديكارتي ولا الهيجلي ولا الكانطي.. إلخ، وهذا ينسحب على مفاهيم الهوية في الفلسفات والمدارس الفكرية اللاحقة، وصولاً إلى عتبة ما بعد الحداثة. المهم أن الهوية لم تعد معطًى ثابتاً لا يتغير، بقدر ما أنها “نتاج اجتماعي تكتسب ديمومتها اجتماعياً، وتتحول اجتماعياً أيضاً”، كما يقول إرفينج هوفمان. والحديث هنا هو عن الهوية بوصفها النقطة التي تتداخل وتتشابك وتتقاطع عندها مجموعة كاملة من الخطابات النظرية والممارسات الثقافية، وبالطبع الاجتماعية والسياسية. والتي لا تكتمل ولا تنتهي؛ بل هي في تطور مستمر. وهي دائمة الانقسام والتوحد، التلاشي والتوالد. وحيث تغيب الحدود بين الداخل والخارج، الماضي والحاضر.. إلخ، وهكذا، لم يعد مفهوم الهوية يحيل إلى “الجوهر” و”الثابت”؛ بل أصبح مفهوماً: ولوداً أو متوالداً.
يتحدث داريوش شايغان عن “هوية بأربعين وجهاً”. وذلك ليس على صعيد الواقع والتمثلات الاجتماعية والعالم الذي نعيش فيه فحسب؛ وإنما في عالم اللغة أيضاً، حسب فرديناند سوسير؛ حيث تتخلق المعاني، وبالطبع الحقائق الاجتماعية والثقافية وغيرها، باعتبار أن اللغة هي التي تخاطب الفردَ وتخضعه لقواعدها وليس العكس.
تعددياً
بمعنى أن الإنسان يملك هويات متعددة في آن، وليس هوية واحدة، حسب ميشيل فوكو مثلاً، ذلك أن أنواع الخطاب المختلفة، وبالطبع أنواع المدارك والاستعدادات والتمثلات والرهانات.. إلخ، تخلق أوضاعاً مختلفة أيضاً، ويتعلق الأمر مثلاً بـ: الدين، العمل، الإنتاج، الرياضة، اللغة، السلطة، الصحة، المتعة.. إلخ، وأن الهويات المتعددة داخل كل منا “ترتبط هي نفسها بأبنية هوية أكبر وأشمل”؛ مثل: الطبقة والعرق والنوع (الجندر)، وهي هويات تتفاعل في ما بينها، وتتعرض إلى مختلف أنماط التدافع والتأثير من الداخل والخارج.
تصورياً وتمثُّلياً
بمعنى أنه نتاج التصورات والتمثلات لدى الفرد أو الجماعة أو المجتمع.. إلخ، حيال نفسه وحيال الآخر، ولدى الجماعة حيال نفسها وحيال الجماعات الأخرى. وقابل للتدخل والتغيير والتعديل، في ما يُعرف بـ”سياسات الهوية” و”هندسة الهويات”.
وفصامياً
ذلك أن الهوية تتردد بين مدارك واتجاهات مختلفة، وقد تكون متعاكسة في بعض الأحيان، وتحدث تمزقات فيها، وأحياناً ما تتداخل الأمور بكيفية تجعل الانتماء إلى الهوية مسألة “تدبير” وأحياناً “إكراه”. وثمة كلام كثير مثلاً عن مدارك واتجاهات الهوية لدى المهاجرين أو الجاليات في مجتمعات ودول أخرى؛ خصوصاً في أوروبا؛ حيث يكتسب الفرد صفة مواطن، وتكون لديه مدارك هوية وانتماء بمعنى ما لمجتمع الدولة المستقبلة؛ لكنه يبقى محتفظاً بانتماء وأحياناً ولاء هوياتي لمجتمعه الأصلي. وبالتالي نكون أمام هويات فصامية تعيش “في” مجتمع ودولة؛ ولكنها ليست “منها” وقد “لا تنتمي” إليها بالعمق. مثَّلَتِ الهويةُ عاملَ تثوير وتفجير لعدد كبير من الصراعات والنزاعات والحروب في العالم. يتحدث أمين معلوف عن “هويات قاتلة”. ويمكن الحديث عن “بعد مكاني” أو جغرافي لمعاني وتدفقات الهوية. وإذ يتغير كل شيء في الظاهرة الاجتماعية والجغرافية التي تعبر عنها الدولة، إلا أن ثمة ما يواصل وجوده وتفاعله في أُفق المكان أساساً أو بالأحرى أُفق جغرافيا لمجتمع ودولة، حتى لو أن مفاعيل وتدفقات الهوية تتجاوز ذلك؛ سواء من الداخل إلى الخارج أو العكس. المهم أن يتواصل وجود “مركزية ما” للمعنى تضمن وجود دولة أو شبه دولة، كما هي الحال في عدد من البلدان العربية وكثير من البلدان في آسيا وإفريقيا، وهذا شرط لازم؛ ولكنه غير كاف لوجود “هوية وطنية”.
تتعرض الهوية الوطنية إلى نمطَين رئيسيَّين من الضغوط أو التحديات وربما “النداءات المتعاكسة”، بتعبير برتران بادي، والتي تمثل تهديداً متزايداً لها؛ الأول يخص الهوية الإثنية أو ما يُعرف بـ”ثورة الهويات”، والثاني يخص العولمة والتأثيرات والتدفقات والتحولات في الأفكار والقيم والسياسات حول العالم. وإذا كان “خط المعنى” للهوية الوطنية يتحرك في أفق الدولة؛ فإنه يتعرض لما تتعرض له الدولة نفسها من تحولات في المفاهيم وتراجع القابلية والقوة والاستقرار. وإذا كان “خط المعنى” تحت تأثير عوالم من المدارك والتداخلات والتدفقات والتأثيرات والرهانات، لا حصر لها تقريباً؛ فإن معنى الهوية يتعرض هو أيضاً لعدد لا حصر له أيضاً من التأثيرات، الأمر الذي يجعل من السلطة والدولة مجرد لاعب بين لاعبين أو مؤثر بين مؤثرين، قد لا يكون له الوزن النسبي الأكبر أو الدور المرجح أو الحاسم في موضوع الهوية. وإذا كان تعبير “الهوية الوطنية” لا يزال متداولاً في الخطاب السياسي والثقافي والإعلامي وفي الخطط والسياسات، خصوصاً في مجتمعات ودول الصراع والحرب؛ فقد يكون ذلك أقرب لـ”حكم العادة” منه نتيجة الرسوخ والقابلية الاجتماعية، ذلك أن تراجع أو تغير مفاهيم الوطن والولاء والانتماء، إذ ينعكس بكيفيات مختلفة على معنى الهوية الوطنية، كما تتكرر الإشارة؛ فإنه لا يقطع بالتمام معها أو مع ظاهرة الدولة والانتماء لها، كما أن العالم يشهد في بعض مناطقه بروز نوع من الأفكار التي تتحرك مجدداً وبقوة متزايدة في أُفق الدولة؛ مثل “النزعة الوطنية” و”الشعبوية”، ولو أن الأمر يتطلب المزيد من التقصي والتدقيق.
عودة إلى مفهوم الهوية الوطنية.. طبعاً ما نحاوله هنا، ليس تقديم تعريف أو تعيين جامع مانع لمعنى الهوية الوطنية، بقدر ما أنه محاولة في “خط المعنى” أو بالأحرى “خطوط المعنى” حول الموضوع.
الهوية الوطنية بها تتحدد هوية وانتماء الأفراد والجماعات والشبكات الاجتماعية في أُفق وطن ودولة، ولو أن الأمر يمكن أن يحيل إلى مجال جغرافي تاريخي ثقافي معين بصورة عامة، وليس بالضرورة دولة محددة العناصر والأركان. والهوية الوطنية هي “روح مجتمع”، و”وعي اجتماعي”، و”حس مشترك”، بالمعنى الذي تعرفه الدراسات السوسيولوجية والفكرية والأنثروبولوجية اليوم. وهي الانتماء إلى وطن، بما هو مجال أو فضاء جغرافي وتاريخي وثقافي وقيمي، وحيز اتصال وتفاعل اجتماعي واقتصادي، وبالطبع سياسي. وهي بمثابة “قانون طبيعي”، ينشأ متلازماً مع “العقد الاجتماعي”، بالنسبة إلى المجتمعات التي خبرت تجرية الدولة “بشكل طبيعي”، كما هي الحال في أوروبا مثلاً. وهي بمثابة “قانون وضعي” أو “تقنية سياسية”، بتعبير برتان بادي، بالنسبة إلى المجتمعات التي لا تزال الدولة فيها ظاهرة وتجربة حديثة نسبياً أو لم تحقق وجوداً آمناً ومستقراً، ولم تحقق قابليةً أو شرعيةً بالنسبة إلى “مجتمعها”. وفي الحالة الأخيرة، تكون الهوية الوطنية هشةً، وقابلةً للتمزق والاختراق، كما هي حال عدد من المجتمعات والدول في المنطقة العربية؛ وخصوصاً منها مجتمعات الصراع والحرب.
والهوية الوطنية هي ما تحدد شخصية مجتمع ودولة ما، والمعاني والسمات والقيم التي “تظلل” و”تحكم” إرادات الأفراد والتكوينات الاجتماعية (العرقية واللغوية والدينية والمناطقية/ الجهوية والطبقية.. إلخ) فيهما. وهي ليست “مجموع” الإرادات الفردية والجمعية الفرعية، ولا هي مجرد حصيلة “توليفية” لها، وهي لا تقوم إلا بها أو باجتماعها، وإلا باتفاق ضمني حولها، لكنها تحتفظ بوجود “متمفصل” معها. لعل المثال الأبرز في هذه الحالة، هو الهوية في أمريكا؛ إذ تمثل “بوتقة صهر” أو “إدراج” أو “تكييف” و”إعادة إنتاج” عدد كبير من معاني ومدارك الهوية لعدد كبير من المهاجرين من دول العالم المختلفة. نوع من الهوية الوطنية القائمة على “الهجنة” و”امتصاص” المعاني والتمثلات، و”إعادة إنتاجها” في خط هوية رئيس؛ يقول الأمريكيون إنه الأكثر دينامية حول العالم، ولو أنهم يشعرون أو يتخوفون من بروز تصدعات وتجاذبات متزايدة في المجتمع الأمريكي بهذا الخصوص.
يرتبط مفهوم الهوية الوطنية بوجود كيان سياسي هو الدولة، كما تتكرر الإشارة، تقوم على أساس “عقد اجتماعي”، بالمعنى الذي يرد لدى جان جاك روسو؛ و”توافق اجتماعي” و”روح مجتمع”، بالمعنى الذي يرد لدى ماكس فيبر وإميل دركهايم؛ و”إرادة عامة” بالمعنى الذي يرد لدى روسو وتشارلز تايلور؛ و”مشروع سياسي”، ومنظور للآخر أو العالم يحدد ما لـ”الأنا” وما لـ”الآخر”، وما يمثل فرصة وما يمثل تهديداً؛ مَن يمثل صديقاً ومَن يمثل عدواً، بتعبير كارل شميت.
الهوية الوطنية هي نتاج أو حصيلة توافقات ومدارك تتسم عموماً بالاستمرار والاستقرار، وتقوم مقام الأولوية بالنسبة إلى التكوينات الاجتماعية والأفراد. وهي في المحصلة تكوُّن وتشكيل وصياغة وصناعة، ذلك أنها لا تتشكل تلقائياً، وتتطلب تدخلاً قصدياً عميقاً من قِبل فواعل الثقافة والفكر والسياسة؛ خصوصاً في البلدان التي تشكلت فيها الدولة نتيجة توافقات دولية، كما هي الحال في المنطقة العربية والشرق الأوسط، وليس نتيجة طبيعية لإرادة اجتماعية. في هذه الحالة تقوم الدولة، وعليها أن تؤسس “مجتمعها” و”هويتها” الدولتية أو الوطنية.
يمكن الحديث عن هويات متداخلة ومتقاطعة لدى الأفراد والجماعات وحتى الدول، يتغير ظهورها أو تجليها وتأثيرها بين فترة وأخرى، بفعل عوامل مختلفة؛ كما لو أن معنى الهوية وتمثلها وفعلها يتنقل بين مستويات وخطوط تقطيعية متنوعة جداً، بتعبير جيل دولوز، منها ما يتميز بالصلابة أو المرونة، الديمومة أو التغير النسبي وحتى السيولة؛ الأمر الذي يجعل من ظاهرة الهوية فاعلاً على درجة كبيرة من التعقيد واللا يقينية.