كُرِّسَ المؤرِّخ (الإسرائيليّ) شلومو ساند (ولد عام 1946) بعد صدور كتابه “اختراع الشَّعب اليهوديّ” عام 2008م في المشهد الثقافيّ- السياسيّ العربيّ، بصفته ناقداً للتُّراث اللاهوتيّ الصهيونيّ وداحضاً للقول بوجود عرقٍ يهوديٍّ صافٍ نابعٍ من جيناتٍ مشتركة، ولم يُسلِّم بقوميّة يهوديّة أصيلة، وأكَّد أنَّ من يُسَمَّون الآن “يهوداً” ليسوا في غالبيتهم إلا خليطاً أنثروبولوجيّاً.
لكن ما أراده ساند فعلاً هو تأسيس نمطٍ جديدٍ من التَّفكير يضمن تجاوز الميثولوجيا الصهيونية المتهافتة، شريطة المحافظة على بقاء “دولة إسرائيل” فهو لم يقتلع الجذور التاريخيّة لـ”شعب الله المختار” من أرض فلسطين؛ من أجل أن يؤكّد أن “دولة إسرائيل” باطلة، ويجب إخراج اليهود منها وإرجاعهم إلى بلدانهم الأصليّة؛ بل ليبحث عن تسويغ جديد لوجودهم، فهو “يسكب الخمر الجديدة في زِق عتيق”، إذ يمكن اكتشاف أنَّ منهجَهَ التاريخيّ الذي يثبت فيه اختراع الشَّعب اليهوديّ ينطوي على مقولة ضمنيَّة هي اختراع الشَّعب الفلسطينيّ. لقد أعاد ساند إحياء منهج تأريخيّ وظَّفته الكاتبة الأمريكية جوان بيترز Joan Peters (1936-2015 م) في مؤلَّفها “منذ زمن سحيق: أصول الصَّراع العربي اليهودي على فلسطين” الصادر عام 1984م، كي تُظهر على نحوٍ مُضلِّل أنَّ السُّكان العرب في الأراضي المحتلة ليسوا فلسطينيين؛ بل هم من أحفاد المهاجرين من شبه الجزيرة العربيَّة ومصر وسوريا الذين قدموا إلى فلسطين، ابتداءً من أوائل القرن التاسع عشر، وصولاً إلى مرحلة الانتداب البريطاني.
لكن ساند ذهب إلى أبعد من بيترز في هذا الاتجاه، ففي مؤلَّفه نفسه “اختراع الشَّعب اليهودي” أشار إلى الإحراج الذي وقع فيه بنيامين مازار (1906-1995م) “عميد علماء الآثار الكِتابيين”؛ لأنه لم يستطع أن يجد أي دلائل أركيولوجية تثبت وجود الفلسطينيين -وفقاً للرواية التوراتيّة- في زمن النبي إبراهيم (القرن التاسع عشر قبل الميلاد): “وَتَغَرَّبَ إِبْرَاهِيمُ فِي أَرْضِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ أَيَّاماً كَثِيرَةً”. [سِفْر التكوين (21 :34)]، وهنا يقدِّم ساند رأيه مبيّناً أنه قد دلت المكتشفات والمخطوطات الأثريّة أنَّ الفلسطينيين لم يظهروا في المنطقة قبل القرن الثاني عشر قبل الميلاد. وهذا يعني أن ساند ينظر إلى الفلسطينيين بصفتهم غير أصلاء في أرضهم مثلهم مثل اليهود! استأنفَ ساند إثبات نظريته في كتابه “اختراع أرض إسرائيل”، الصّادر عام 2012 م فتحدَّث عن استخدام كلمة وطن (=מולדת= مُوْلِيْدِت) في أسفار الـتَنَاخ (התנ”ך=الكتاب المقدّس اليهودي) تسع عشرة مرة؛ منها ثماني مرات في سِفْر التكوين وحدَه، لكنَّ المعاني المخصَّصة لهذه الكلمة -في رأيه- تدلُّ إما على أرض ميلاد الشَّخص وإما على مكان منشأه العائلي. واستنبط من ذلك أنَّ أسفار التَنَاخ بوجه عامّ لم تُظْهِر القيمة الحقيقية لفكرة الوطن في نفوس أبطال الرواية التوراتية التي تَبَيَّنَ من تحليلها، أنّهم لم يُدافعوا بأصالة عن وطنهم في سبيل الحصول على حُرِّيته، كما أنَّ تعابيرهم عن علاقتهم مع أرضهم لا تدلّ على أيّ حبٍّ مدنيٍّ حقيقيٍّ، ولم يكونوا على وعي بمعنى الفداء المطلق للوطن.
أراد ساند من هذا التحليل النقدي تِبيان أنَّ الرواية التوراتية لم تنجحْ في تأصيل معنى الوطن في نفوس اليهود، وجاء تفسيره لذلك نابعاً من حكم مُسَبَّق مقصود وهو أنَّ فكرة الوطنية التي تطوَّرت في شمال حوض البحر الأبيض المتوسط لم تكدْ تكون معروفة على شواطئه الجنوبية، وكانت معروفة بشكل أقل في منطقة الهلال الخصيب. والحقيقة أنَّ هذا الحكم عينه يكشف عن جانب مُلْتَبِس من تفكير ساند، إذ يتضح أنه مُتيقِّن من أنَّ فكرة الوطنيّة لم تتطوَّر إلا في المنطقة الواقعة شمال المتوسط؛ أي في أوروبا، تحديداً في دول المدن اليونانية ومن ثَمَّ في الجمهورية الرومانية، وهذا يعني أنَّ مفهوم الوطنية نتاج للحضارتَين الهلينية واللاتينية، وفي المقابل لم ترقَ شعوب المنطقة الواقعة جنوب المتوسط -التي تمتد من الشرق الأوسط على طول السَّاحل إلى شمال إفريقيا- إلى مستوى أن تكون قادرةً على تكوين تصوُّر حقيقي عن معنى الوطن، وهذا سيشمل حتماً وفقاً لرؤية ساند ليس “الشَّعب اليهوديّ” وحدَه، بل أيضاً الشَّعب الفلسطينيّ، كما أن تقليل ساند من شأن فهم شعوب الهلال الخصيب التي كانت منتشرة، تحديداً في مناطق حوض دجلة والفرات لمعنى الوطنية يحمل إشارات بالغة العمق تدل على حقيقة تفكيره؛ ذلك أنه بانتقاضِهِ مفهومَ الوطنيّةِ عند الشُّعوب التي سكنت هذه المناطق، سعى إلى المماثلة بينها وبين “الشَّعب اليهوديّ”. وعليه، يمكن تحديد أطروحته؛ وهي: بما أنَّ شعوب هذه المناطق المذكورة لم تفهم حقيقة الوطنية، فهذا يعني أنها لم تمتلك أوطاناً حقيقية حالها حال الشعب اليهودي، ولذلك لا توجد أفضلية على مستوى الجذور التاريخية للوطن لأيِّ شعبٍ على آخر في مناطق حَكَمَها صراعُ الإمبراطوريات، وعصفت بها الهجراتُ السكانيّةُ، وسادتها التغييرات الديمغرافية على مدى أزمنة طويلة. وحاول ساند تسويغ آرائه على أساس زعمه أنَّ سكان “بلاد كنعان” -بما فيها فلسطين الحالية- لم يعيشوا في أيِّ وطنٍ حقيقيٍّ؛ لأنَّ معنى الوطن لم يتجسَّد فكراً ولا واقعاً في الشرق الأوسط في تلك العصور القديمة، لكن من بين الكنعانيين أنفسهم ظهرت فئة اعتنقت ديانة الإيمان بإله واحد، أي غيَّرت شكل اعتقادها الديني من الوثنيَّة إلى التوحيد، وهذه الفئة في رأي ساند تمثِّل اليهود الحقيقيين الذين لم يخرجوا من أرضهم ألبتة رغم خيالات المؤرخين المتداولة عن نشوب عدة حروب رومانية- يهودية، أكبرها الحرب الأولى (66-74م) وكان من نتائجها تخريب مملكة يهودا وتدمير الهيكل وبيع اليهود كعبيد ونفيهم وتشريدهم، لذلك رفض ساند فكرة وجود شعب مختار نُفي ليصبح موزَّعاً في الشتات، وركَّز على فكرة أنَّ اليهودَ هم سكان أصليون للبلاد، أما بالنسبة إلى تفسيره المتعلِّق بوجود يهود في أنحاء مختلفة من العالم، فلم تكن المسألة اليهودية عنده تتعلق بشعب فريد من نوعه مُشتَّت في جميع أنحاء العالم، ولكن بدينٍ جديدٍ ديناميكيٍّ ينتشر ويكتسب مؤمنين جدداً. واشتاقت فعلاً جماهير معتنقي اليهودية وأحفادهم بشغف وبتركيز عقلي كبير للمكان المقدس الذي فيه “أرض الميعاد”، لكنهم لم يفكروا جِدِيّاً في الانتقال إلى هناك، ولم يفعلوا ذلك أبداً. إذن، يميِّز ساند بين صنفَين من اليهود: يهود من سكان البلاد (=فلسطين) الأصليين، ويهود من مختلف أصقاع الأرض اعتنقوا الدِّين اليهوديّ. ومن هذا المنطلق يفرِّق ساند بين اليهوديّة والصهيونيّة، ويؤكّد التعارض بينهما.
وكان قد أوضحَ رأيه في كتابه “لماذا توقفت عن أن أكون يهوديّاً؟” الصادر عام 2010م، فزعم أنَّ أصل الشَّعب الفلسطيني اليوم لا يمكن تحديده بسبب ما مرّ على فلسطين من احتلال جيوش المصريين والفرس والبيزنطيين على مراحل تاريخية متعاقبة على نحو أدَّى إلى اختلاط هؤلاء بالشَّعب الفلسطيني عن طريق الزواج، فلم تَعُدْ هناك هُوية فلسطينية ثابتة. وبما أنَّ الشَّعبَين “اليهوديّ” والفلسطينيّ” مخترعان -في رأيه- فالحلّ الوحيد -كما ارتأى- هو دمجهما في دولة ديمقراطية اجتماعية ليبرالية ينتفي فيها نظام التمييز العنصري الصهيوني على نحو تام؛ لكن ما أراده ساند في الحقيقة هو طمس الهُويَّة الفلسطينية ودمج الشَّعب الفلسطيني باليهود الحاليين في “دولة إسرائيل”.
ولقد أظهر اكتمال نظريته في كتابه الجديد الذي تُرجم من العبرية إلى الفرنسية مؤخراً “شعبان لدولة واحدة”. وفي حوار معه عن هذا الكتاب نفسه بمناسبة صدور ترجمته الفرنسية، أجراه الصحفي فنسنت ريمي Vincent Remy، على موقع Télérama -وهي مجلة أسبوعية ثقافية تليفزيونية تصدر في باريس- بتاريخ 5 كانون الثاني 2024م، أظهر ساند ميوله الصهيونية التي كانت غير واضحة في كتبه السابقة؛ إذ تبنَّى اعتقاد الكثير من “المثقفين الصهاينة”، بما في ذلك بن غوريون، تمثيلاً لا حصراً، الذي زعم أنَّ “سكان فلسطين هم من نسل العبرانيين!”. وتغنَّى بما قاله الصهيوني آرثر روبين (1876-1943م)، مؤسِّس حركة بريت شالوم: “إن العرب قبل ألفَي عام كانوا يُسَمّون يهوداً!”، ولذلك سيحقق الصهاينة -في رأي روبين- معهم تفاهماً ثقافياً “أفضل من ذلك الذي مع أوروبا”. كما أشاد ساند بمبادرة عالم اللغويات الصهيوني إسحاق إبشتاين (1862- 1943م)، الذي أصر على أن المهاجرين اليهود يجب أن يتعلموا في مدرسته لتعليم العبرية، اللغةَ العربية أيضاً. ويأسف ساند لقلة عدد اليهود الإسرائيليين الذين يتقنون العربية؛ لأنَّ ثنائية اللغة تعطي القوة لـ”عرب إسرائيل”، الذين يأمل أن يكونوا الطليعة التي توحِّد الشعبَين “الإسرائيليّ” والفلسطيني”؛ لأنهم قد أقاموا بالفعل جسراً لغوياً. ويُبدي أَسَاه على حال حيفا؛ حيث يعيش اليهود والعرب معاً، لأنَّ العرب لا يشعرون بالانتماء إلى دولة لا تُعَرِّفُ نفسها بصفتها إسرائيلية، بل بصفتها يهودية، وهذا يعني أنَّ هذه الدولة -وفقاً لتعبيره- تكون مملوكة ليهود باريس أكثر من كونها مملوكة لأصدقاء ساند من العرب، لذلك يؤيد نوعاً من الفيدرالية يشابه ما دعا إليها مناحيم بيغن، في خطابه أمام الكنيست عام 1977، وهو دمج عرب “يهودا” و”السامرة” وغزَّة، بأن تعرض عليهم إمكانية الحصول على الجنسية الإسرائيلية. من هنا نكتشف أنَّ منهج نقد التاريخ التوراتيّ عند ساند يُبْطِن إحياءَ وتجديدَ نوعٍ مخصوص من الأيديولوجيا الصهيونية يمكن أن أُسمّيه “الصهيونيّة المُحْدَثة” التي تهدف إلى تحويل العرب الفلسطينيين إلى “مواطنين إسرائيليين”.