نظرية المجموعات (Set Theory) بصفتها إحدى أهم ركائز الرياضيات الحديثة تهتم بدراسة المجموعات (تجميع لكائنات رياضياتيّة مجردة تسمى العناصر) والعمليات المطبقة عليها مثل الانتماء والجزئية والاتحاد والتقاطع.
هنا بعض الأمثلة من مجموعات الأعداد:
ـ مجموعة الأعداد الطبيعية: تشمل العدد صفر، والأعداد من موجب واحد وحتى مالا نهاية.
ـ مجموعة الأعداد الصحيحة: تشمل العدد صفر، والأعداد من موجب واحد وحتى مالا نهاية، والأعداد من سالب واحد وحتى مالا نهاية.
ـ وهناك مجموعة الأعداد القياسية والأعداد الخيالية والأعداد الحقيقية.
والذي يهمنا هو فكرة تنظيم الموجودات في مجموعات متداخلة، ولكل مجموعة صفات تحدد عناصرها حتى نميزها من بقية المجموعات أو ندرجها كزمرة في مجموعة أكبر منها؛ ولو أخذنا مجموعة الأعداد الطبيعية فسوف نجد فيها مجموعات جزئية، فالأعداد الزوجية والأعداد الفردية والأعداد الصماء كلها مجموعات جزئية من مجموعة الأعداد الطبيعية.
مدخل:
والقرآن العظيم يسير على المنهاج نفسه في ترتيب المجموعات وتنظيمها وربطها بمصيرها ومراعاة تداخلها، وهو دقيق إلى درجة الإدهاش في التفريق بين المجموعات، ومراعاة الحركة التطورية فيها، وقوانين الانتقال بينها٬ ويحدّد المجموعات النهائيّة في يوم الدين، وكذلك في يوم القيامة.
تعريف (المجموعة):
قولة (المجموعة) تنتمي إلى اللسان القرآني؛ لأنّ أصلها (ق، و، ل) قد ورد في القرآن في عدّة قوِلات٬ وهي تدلّ على جمعٍ في كينونةٍ محدّدة بصفاتها وعلاقاتها؛ والمجموعات في القرآن ليست كائنات رياضيّاتيّة مجرّدة٬ بل معظمها عن العالمين والناس٬ ومن المعروف أنّ المجموعة قد تكون (قوِلةً) وقد تكون (مركّبًا).
مجموعات سورة الفاتحة:
وسورة الفاتحة (المفتتح) من القرآن قد أوضحت طريقة (نظام) المجموعات بصفتها آليّة من آليّات ادّبار القول القرآني، حيث بدأت بذكر مجموعةٍ قوِلة هي مجموعة (العالمين)، وانتهت بذكر مجموعة أخرى في شكل قوِلة أيضًا هي مجموعة (الضالّين)، وبينهما مجموعتان في شكل مركّب هما مجموعة (الذين أنعم الله عليهم)، ومجموعة (المغضوب عليهم)، وبطريقة (توصيل القول) منهجًا لــ(ادّبار القول) وتدبّر القرآن نجد تفصيلًا لهذه المجموعات الأربعة على امتداد مساحة القرآن العظيم (المصحف).
المجموعات الجزئيّة لمجموعة (الذين كفروا):
ولنأخذ مثالاً آخر، فنحن نقرأ في كتاب الله مركبات مثل (الذين كفروا)، وقولات مثل (الكافرون) و(الكفَّار) و(الكفرة)، ونفهمها أنها “مترادفات ـ بمعنى التطابق”، أي أنها كلها بمعنى واحد، ولكن لو نزَّهنا كتاب ربنا من الحشو والعبث فسوف نكتشف بسرعة أنها مجموعات متباينة، ولكنها متداخلة، تعود كلها لمجموعات محددة من الناس يجمع بينها الكفر بدرجاته المختلفة وتطوراته المتباينة؛ فالذين كفروا (واحدهم: الذي كفر) هم الذين كفروا فعلاً بدلالة الفعل الماضي، ولكنهم أقل المجموعات كُفْراً، ومن يتقدمون منهم في الكفر ويصبح الكفر راكزاً عندهم فهم الكافرون (واحدهم: الكافر)، ومن تسوء حالته منهم في الكفر فيدخلون مجموعة الكفَّار (واحدهم: الكَفَّار)، ومن مجموعة الكُفَّار هناك من يصل إلى درجة الكفور (جمعه الكفرة).
وتطبيقاً لنظرية المجموعات نجد أن مجموعة الكفرة مجموعة جزئية من مجموعة الكُفَّار التي هي بدورها مجموعة جزئية من مجموعة الكافرين، وفي القرآن تحديد بالصفات لكل مجموعة حتى نميز التداخل والتباين بينها.
المجموعات الجزئيّة لمجموعة (الذين آمنوا):
ولو جئنا إلى مجموعات الإيمان فسوف نجد المجموعة الأولى العامة هي مجموعة الذين آمنوا (واحدهم: الذي آمن)، وهي المجموعة المقابلة لمجموعة الذين كفروا، وتمثل كل الذين آمنوا ولكنهم يحتاجون إلى ترقية إيمانهم بالأمر والكتابة والموعظة والنصيحة، وهذه المجموعة ذكرت كثيراً جداً في القرآن العظيم، حيث ورد مركب “الذين آمنوا” ١٦ مرة في سورة البقرة وحدها، منها ١٣ مرة تخصّ مجموعة (الذين آمنوا)، و ٣ مرات تخص مجموعة (الذين آمنوا وعملوا الصالحات)، ولذلك تحتاج مجموعة الذين آمنوا لدراسة مفصلة، ولكن هناك مركبات تساعد في دراستها مثل مركب (يا أيها الذين آمنوا) الذي ورد ٤٩ مرة، أغلب ما بعده أوامر ونواهٍ تدل أن الذين آمنوا يحتاجون إلى ترقية إيمانهم باتباع ما يؤمرون به، وهنا ١٠ أمثلة:
ـ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ (اسْتَعِينُواْ) بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
ـ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ (كُلُواْ) مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
ـ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ (اتَّقُواْ) اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
ـ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ (اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ) اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
ـ يا ايها الذين امنوا (لا تقربوا) الصلاة وانتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون …
ـ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ (آمِنُواْ) بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ …
ـ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ (أَوْفُواْ) بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ
ـ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ (لاَ تَتَّخِذُواْ) الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
ـ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ (فَاجْتَنِبُوهُ) لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
ـ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ (اسْتَجِيبُواْ) لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ.
وضمن هذين المركبين (ـ يا أيها ـ الذين آمنوا) نجد أن القصاص والوصية والصيام والقتال قد كتبت كلها على الذين آمنوا:
ـ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى …
ـ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ـ خطاب الذين آمنوا في الآية السابقة.
ـ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
ـ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ـ هذه الآية ٢١٦ من سورة البقرة والقتال هنا كتب على الذين آمنوا المذكورين في الآية ٢٠٨ قبل هذه الآية.
وهناك مجموعات جزئية مترقية داخل مجموعة الذين آمنوا مثل مجموعة (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) ومجموعة (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ) ومجموعة (المؤمنون).
ولو أردنا أن نفصِّل أكثر فسوف نجد أن مجموعة (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فيها خمسة مجموعات داخلها وأن مجموعة المؤمنين تشمل مجموعة (المؤمنون حقاً).
وبعد هذا التفصيل النسبي نسأل: أين (إقام الصلاة) في مجموعات الإيمان هذه؟
ـ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ … من الآية ٥٩ النساء.
ـ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ (فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ) فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ … من ال{ية ١٠٢ النساء.
واضح أن إقام الصلاة هنا أمر للذين آمنوا المأمورين أصلاً بطاعة الله وطاعة الرسول (طاعة منفصلة) وتنفيذ الذين آمنوا لأمر الصلاة يكون بطاعة الرسول فيها (طاعة منفردة) كما فصلته الآية ٥٦ من سورة النور: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ويتضح هنا أن إقام الصلاة أمر للذين آمنوا المذكورين في الآية ٥٥ السابقة لها (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ …).
وبذا نعرف أن إقام الصلاة أمر للذين آمنوا والأمر يمكن أن تؤديه ويمكن أن ترفضه وهذا ما تفعله هذه المجموعة التي تمثل سواد أهل الإيمان والواقع يؤيد القرآن في أن أفراداً كثرًا من الذين آمنوا لا يقومون بالصلاة ولا يقيمونها.
ملاحظة:
الصلاة وإقام الصلاة لم يقترنان بالفرض والسنّة٬ بل جاء اقترانها بالأمر والكتاب.
ولكن ماذا عن المؤمنين؟
إنّهم مجموعة مترقية داخل مجموعة الذين آمنوا وقد عرفهم القرآن بصفاتهم في كثير من آيات القرآن ولكنه أجمل تلك الصفات في سورة سميت باسم مجموعتهم هي سورة “المؤمنون”، وهؤلاء إقام الصلاة كان عليهم كتاباً موقوتاً:
ـ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ، فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ (فَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ)، إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا.
(إنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا)، ولسبر اغوار هذا المقطع من الآية تحتاج أيها (المؤمن) أن تعرف دلالة قوِلاتها كلها وخاصةً (كانت \ على \ كتاباً \ موقوتاً) ماذا تعني في كتاب الله؟ ولكن المهم أن الصلاة “كانت” كتاباً “على” المؤمنين فهم يؤدونها كما ينبغي، وهم “فيها” خاشعون، وبها وبغيرها (على صلواتهم يحافظون).
والآن ما هي صفات المؤمنين؟
(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ. أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ. الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَاخَالِدُونَ).
مجموعة (المفلحون):
وأول ما نلاحظه أن مجموعة المؤمنين هي مجموعة جزئية من مجموعة المفلحين (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)، ومجموعة المفلحين هذه مجموعة كبيرة تضمّ مجموعة المؤمنين (كما ذكرنا) وتضم أيضاً مجموعة المتقين (صفاتها في أول البقرة) كما فصلت ذلك الآيات الأولى من سورة البقرة (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ومجموعة المحسنين (صفاتها في أوّل لقمان) وقد وردت الآية الخامسة من سورة البقرة كما هي (مركّب مماثل) في الآية الخامسة من سورة لقمان، ويفرق بينما أنّ (أولئك) في البقرة تشير إلى مجموعة (المتّقين)، وفي لقمان تشير إلى مجموعة (المحسنين).
الخلاصة:
المجموعات وحدة من وحدات (توصيل القول) في القرآن العظيم وآليّة من آليّات (ادّبار القول) ولها سُنن تقوم عليها مقاربة لقوانين نظريّة المجموعات في الرياضيّات الحديثة؛ لأنّ القرآن العظيم هو المعادل الموضوعي للكون، كما قال المتدبّر محمّد أبوالقاسم حاج حمد يرحمه الله.
وبالله التوفيق والله أعلم.