Skip to content Skip to footer

اللسان العربي في الأساطير الإغريقية | كمال الغازي

عندما نقوم بتفكيك الأساطير الإغريقية من منظور لغوي (لساني)؛ فسوف نلاحظ أن إحدى أعظم آلهتهم تُدعى ديميتر/ديميطر/Demeter. تعتبر هذه الإلهة، إلهة الزرع والخصب في الأساطير الإغريقية، وكل ما يتعلق بأعمال الحراثة والزراعة والحصاد؛ فهي التي علَّمت الإنسان، بحسب الأسطورة، الحراثة والزراعة؛ بل إن الأسطورة الإغريقية تقول إنها أهدت أحد أبناء الملك كيليوس Keleus بذور القمح، وطلبت منه أن ينشر زراعتها في العالم القديم. وقد أوحى إليَّ هذا الاسم الإغريقي العجيب بفكرة سرعان ما قررت أن أبحث فيها. يشير معجم إيتمولوجيا اللغة الإغريقية، إلى أن الكلمة Demeter، هي كلمة مركبة من: meterالتي تعني الأم، وهي: mother في الإنجليزية، وmére في الفرنسية، وماتِر/матерь بالروسية، وأن الكلمة de، لربما تكون تعني الأرض، في اللغات قبل- الإغريقية؛ أي في اللغات التي تكَوِّن جذور اللغة الإغريقية.


 

بمعنى أن Demeter تعني: أُمّ الأرض. والحقيقة، أن هذا التأويل يبدو غير مقبول؛ إذْ كيف يكون اسم الأرض، هو: De؟! فكيف يشرح اللغويون الغربيون ذلك؟ يقولون إن Demeter، هي في الأصل: Damater، وأن: da، هي تحوير للكلمة: ga، التي تشير إلى: gaïa، وهي الأرض، في اليونانية القديمة. وقد عارض هذا التأويل علماء لغة، يُعتبَرون مراجع في اليونانية القديمة. يقول ليدل وسكوت/ Riddell & Scott، في معجم اليونانية- الإنجليزية القديمة/Greek–English Lexico ، وهو معجم مرجعي تطبعه جامعة أكسفورد: إنه من غير المرجح، أن تكون: DA، قد أتت من: Ga. ويقول اللساني الألماني “Bekes”: لا يوجد ما يشير إلى أن [Da]، تعني “الأرض”، ويذهب جون شادڤيك/John_Chadwick ، وهو لساني إنجليزي، وأحد كبار المختصين في اليونانية القديمة، مذهب “Beekes”؛ فيقول إنه من غير السهل اعتبار أن da، تعني الأرض. ويذهب آخرون مذهباً بعيداً، لا نريد أن نسرده هنا، خشية الإطالة. 

ويبدو أن اللسانيين الغربيين، لم يجدوا حلاً للكلمة: De؛ لأنهم لم يفكروا مطلقاً في أن الكلمة فقد تكون عربية المنشأ، فالعربي المتمعن، الناظر إلى الكلمة: Damater، يرى بوضوح أنها تتركب من كلمتَين فعلاً؛ هما: mater، التي ليست إلا كلمة مَطَر في اللسان العربي، و: De، التي ليست إلا أداة تعريف في العربية القديمة: ذو، التي نجدها في الكثير من الأسماء اليمنية القديمة: ذو يزن، ذو نواس، ذو غيبة، وهو من أعظم آلهة الدادانيين العرب… والأداة: ذو، يقابلها تماماً: the، في الإنجليزية، بنفس النطق؛ وهي كذلك تُستعمل للتعريف. نحن نرى أن كلمة: Damater، هي تماماً: ذو مطر، في العربية القديمة، التي يقابلها في لغتنا المعاصرة؛ حيث عوّضت أداة التعريف المعاصرة: الألف واللام، أداة التعريف القديمة: ذو، يقابلها كلمة: المطر. أي أن الإلهة الإغريقية: Damater، أو Demeter، ليست إلا: المَطَر، في لغتنا العربية. والمطر، يمكن اعتباره فعلاً، “إله” الخصب والزراعة والحراثة، وكل ما اتصل بهذه الأعمال، فبدونه لا شيء ينبت مطلقاً. ويكفي أن نرى حال المزارعين اليوم في المناطق التي تعرف جفافاً وندرةً في الأمطار، وكيف تكون أحوالهم حين يغيب المطر، فلا غرابة إذن أن يجعل الإنسان القديم من المطر إلهاً معبوداً، ويقيم له التماثيل والمعابد والطقوس ويقدم له القرابين، كما كان يفعل الإغريق؛ حيث تشير المصادر التاريخية إلى أن طقوس الإلهة “المَطَر”، ومعابدها، كانت منتشرة في جميع أنحاء اليونان القديم. وقد ذكرها الشاعر اليوناني القديم هيسيودس/Hesiod  كثيراً في قصيدته الطويلة: الأعمال والأيام. 

ومن المثير أن نعلم أن الأسطورة الإغريقية تحكي أن الإلهة: Damater، حين ذهبت في رحلة البحث عن ابنتها المختطَفة، هدَّد ذهابُها الأرضَ، بالقحط والمجاعة، فتدخل الإله زيوس/Zeus، وأرسل Hermès، يطلب من مختطِفها، إرجاع البنت لأُمها، خوفاً على المحاصيل. وغياب الإلهة: Damater، في الأسطورة الإغريقية، يشير ببساطة إلى غياب المطر والقحط والمجاعة المترتبَين عنه. وقد سردت “الترانيم الجويرية”، المنسوبة إلى هوميروس، قصة هذه الإلهة، وحكايتها مع مختطف ابنتها، وتفاصيل أخرى كثيرة وطويلة من حياتها، لا نريد التوقف عندها وتحليلها؛ لأنها تصب أغلبها في ما نذهب إليه. وإذا عُدنا إلى الكلمات: μήτηρ / mếtêr اليونانية، وmother، الإنجليزية، وماتِر= Матерь، الروسية، التي تعني الأم، نجد أنها مَطَر بالعربية، فما علاقة المطر بالأم؟

نحن نرى أنه من المعقول جداً، تصوُّر، أن الشعوب السلافية واللاتينية، والشعوب القديمة عموماً، رأت في المطر، مُطعِماً لها من الجوع، وساقياً لها من العطش؛ راعياً لغذائها، حنوناً على زروعها وحقولها، فأطلقت اسمه، على اسم الأم، فهل يا ترى رأى العرب كذلك، في المطر، أمّاً حنوناً، راعية لغذائهم وشرابهم؟ هل ربط العرب، تسمية المطر، باسم الأم؟ الحقيقة أنني بحثت ولم أجد شيئاً؛ لكن وجدتُني أبحث في الكلمة، مطر، ومنشئِها اللغوي، فوجدتُني أشطرها نصفَين، لأعود بها إلى الجذر الثنائي، بدل الثلاثي مطر، فتحصل لدي: “م” و”طر”. وإذا كانت “م” تحيل لا محالة على الأم؛ إذ نجد إلى اليوم مَن يسمون أمهاتهم “مَّ” أو “مِّ” (في بعض مناطق المغرب) دون حرف الهمزة في البداية، أو يستبدلون الهمزة ياءً، فينادون أمهاتهم “يَمَّ” أو “يُمَّ” في المشرق العربي، أو “يِمَّ” في بعض مناطق المغرب. إذا كان الأمر ذلك كذلك، فإنه يحق لنا مواصلة البحث والنظر في الجذر: طرّ. جاء في لسان العرب: “والوَبَرُ يَطُرُّ، بالضم، طَرّاً وطُرُوراً: طلَع ونبَت؛ وكذلك شعرُ الوحشيّ إِذا نَسَلَه ثم نبت؛ ومنه طَرَّ شاربُ الغلامِ فهو طارٌّ. وغلام طارٌّ وطَرِيرٌ: كما طَرَّ شاربُه. والطَّرُّ: ما طلَع من الوَبَر وشعَرِ الحِمار بعد النُّسول. وفي حديث علي، كرم الله وجهه: أَنه قام من جَوْزِ الليل وقد طُرَّت النجومُ أَي أَضاءت؛ ومن رواه بفتح الطاء أَراد: طلَعت، من طَرَّ النباتُ يَطِرّ إِذا نبت؛ وكذلك الشاربُ”. وجاء في مقاييس اللغة: “(طَرَّ) الطَّاءُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى حِدَّةٍ فِي الشَّيْءِ وَاسْتِطَالَةٍ وَامْتِدَادٍ، وَمِنَ الْبَابِ فَتًى طَارٌّ: طَرَّ شَارِبُهُ. وَكُلُّ شَيْءٍ حُسِّنَ فَقَدْ طَرَّ، وَالطُّرَّةُ مِنَ الْغَيْمِ: الطَّرِيقَةُ الْمُسْتَطِيلَةُ. وَطَرَّ النَّبْتُ، إِذَا أَنْبَتَ ; وَهُوَ مِنْ طَرَّ شَارِبُهُ. قَالَ:

 

مِنَّا الَّذِي هُوَ مَا إِنْ طَرَّ شَارِبُهُ 

                   وَالْعَانِسُونَ وَمِنَّا الْمُرْدُ وَالشِّيبُ”

مما تقدم، يتضح أن الطرّ، هو النبات. وعليه، فنحن نرى أن أصل كلمة مطر، هو كلمة أمّ الطرّ، أي أمّ الإنبات، والمطر فعلاً، يمكن اعتباره أمّاً للإنبات والنبات. وإذا كان ذلك كذلك، فإنه لعمري، نفس مذهب الشعوب غير العربية القديمة التي رأت في المطر أمّ الإنبات؛ بل إلهة الإنبات: Demeter. ثم أطلقوا اسم أمّ الإنبات، أو أمّ الطّرّ: مطر، على أمهاتهم:  Motherبالإنجليزية أو Матерь باللغة الروسية. ولا يخفى على أحد علاقة الأم بالمطر، فكلاهما يقفان وراء الإنبات، سواء للنبات أو للأطفال. يبدو من الواضح، أن تعبير أمّ الطر، الذي أصبح بسبب التداول: مطر، لسهولته، مقارنة مع الأصل، أمّ الطرّ، هو أصل الكلمات: Mother الإنجليزية، وМатерь الروسية. ويتضح كذلك، لماذا لم يطلق العرب على الأم كلمة تشابه “mother” الإنجليزية أو “матерь” الروسية، أي لماذا لم يُسمِّ العرب أمهاتهم مطراً، على غرار اللغات الأجنبية التي ذكرنا، لأن الكلمتَين ببساطة، كلتاهما تتكونان من كلمتَين عربيتَين، هي الأمّ والطّر، أي أن معنى الأم موجود ابتداء في الكلمة العربية مطر، وهو حرف الميم، كما أشرنا إلى ذلك.

وقد يشهد على ما نقول وجود اسم الأم في اللغات الأخرى خالياً من الجذر “طر”. فنحن نجد كلمة ماما في كل اللغات تقريباً، كصيغة مصغرة لكلمة: الأم. 

وقد يسأل سائل، هبْ أن فرضيتنا صحيحة، فلماذا التصق اسم المطر بالأم عند الشعوب الأخرى، ولم يحدث ذلك عند أصحاب الكلمة الأصل، أي عند الذين تكلموا لساناً عربياً مبيناً؟ أي لماذا اقتصرت تسمية الأم عندهم على حرف الميم دون الجذر “طر”؟ وقد يكون الجواب عن هذا السؤال كامناً في العلاقة بين المفهوم والمصداق. فكلمة “مطر” كمفهوم، الذي يعني أم الإنبات، عموماً، عند أصحاب اللسان الأصليين، قد يكون انتقل إلى اللغات الأخرى وانحصر في مصداق واحد هو أم الإنبات البشرية، أي الأم، وغاب المعنى الأوسع الذي هو أم الإنبات، الذي يمكن إطلاقه على أي شيء يكون وراء الإنبات أو يكون أهم أسبابه، فحصروه في الأم البشرية، وقد شرحنا أعلاه العلاقة بين الأم والمطر في كونهما وراء الإنبات، سواء تعلق الأمر بالنبات أو بإنبات الأطفال. بل قد يكون للأمر علاقة بالمناخ. بمعنى أن الشعوب التي كانت تعاني نقصاً في الأمطار، لعلها أطلقت اسم المطر على الأم، لحاجتها الشديدة إلى المطر، وقد يكون ذلك بسبب جفاف جغرافيتهم، مثلاً. وهذا يدفعنا للتفكير في أن ذلك ربما لم يحدث عند أصحاب الكلمة الأصليين، أصحاب كلمة أو مفهوم: مطر؛ لأنهم لم يعانوا خصاصاً في الأمطار، ولربما كانت جغرافيتهم جنة خضراء أو ذات مناخ رطب، يستقبلون فيه من الأمطار ما يكفيهم، فلم يجدوا “حاجة” لإطلاق اسم مطر على الأم، كما الشعوب الأخرى الأقل حظاً. وإذا أردنا أن ندفع بالبحث أبعد من ذلك؛ فإنه يحق لنا التساؤل، وبجد هذه المرة، والقرينة تحت أيدينا، هل فعلاً أن اللسان العربي، هو أصل اللغات؟

ملحوظة: اللسان العربي لا نقصد به لسانَ العرب، وإنما اللسان الخالص النقي الذي تصف كلماته المفاهيم، وليس المصاديق، وتصف حروفه الظواهر الطبيعية (الحركة).