ماذا تعني عبارة “كُتب عليكم” في القرآن؟
باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مفاهيم”. وكالعادة نلتقي الدكتور يوسف أبو عواد. أهلًا بك دكتور. في الحلقة السابقة كنا نتحدث عن مفهوم لفظة “كتاب” ماذا تعني في القرآن، وتحدثنا بإسهاب كامل عن المعاني المتعددة والممتدة على مجموعة لا بأس بها من الآيات حول مفهوم “كتاب” في القرآن الكريم. الآن حاليًا نريد أن نرتقي درجة أخرى في توضيح معنى “كتاب” لما يضاف لفظ الكتاب إلى شيء آخر. مثلًا “كُتِبَ عليكم القتال”، “كُتِبَ عليكم الصيام”، كُتِبَ عليكم كذا كذا كذا إلى آخره.
يوسف: أهلًا وسهلًا بك دكتور، وبالسيدات والسادة المشاهدات والمشاهدين. يعني إذا بدأنا مثلًا بتركيب “كُتِبَ عليكم”، نلاحظ هنا الصيغة تسمى في كتب النحو العربي صيغة مبني للمجهول. لكن هنا الأدق أن نقول صيغة المبني لما لم يُسَمَّ فاعله. أحسن من أن نقول مجهول، لأنه ليس مجهولًا لكن لم يُسَمَّ الفاعل هنا. لماذا لم يُسَمَّ؟ سنرى في الآيات. يعني مثلًا: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى” (سورة البقرة: 178). هنا هذا النوع من الكتاب هو ما تُلْجِئ إليه الظروف الطبيعية، يُسَمَّى في القرآن الكريم “كُتِبَ عليكم”.
باسم: نعم، فهمتك.
يوسف: يعني ليس شيئًا بالأساس ينبغي أن يُفعل، بالأصل الطبيعي. لأنه لو ما إنسان اعتدى على إنسان هل أحتاج للقصاص؟
باسم: بالتأكيد لا. فإذا وقع القصاص سيكون هناك كتاب يجب اللجوء إليه.
يوسف: نعم، إذا وقع الاعتداء يجب أن يكون هناك كتاب لهذا القصاص. لكن هل سيقع؟ قطعًا سيقع. بحكم أن الإنسان مختار ومريد ويستطيع أن يفعل الخير والشر. إذن سيكون إحدى النتائج التي بالمجموع الكلي لطبيعة البشر قطعًا سيحصل الاعتداء. فلذلك حصول هذا الاعتداء سيولد محددًا طبيعيًا يلزم.. أي الظروف الطبيعية ستجرنا إلى القصاص. فقال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى” (سورة البقرة: 178). طبعًا نحن لا نريد أن نشرح الآن كتاب القصاص. نريد فقط أن نركز على كلمة “كُتِبَ عليكم”.
هل الوصية واجبة دومًا في كل الحالات؟
نموذج آخر “كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ” (سورة البقرة: 180). وهذا النموذج جدًّا مهم أن الظرف الطبيعي لأي إنسان يقتضي أنه سيُلْجِئُه إلى حاجة إلى وصية. على عكس ما هو متعارف أنه “لا وصية لوارث”. وهو الآية ماذا تقول؟ “كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ”. يعني هناك رواية تقول “لا وصية لوارث”. ويقول لك الرواية نسخت الآية. هذه آية بغض النظر عن أن النسخ.. لا نريد أن ندخل في الموضوع. لكن لو كان فيه نسخ مثل هذه الآية لا يُنسخ. لماذا؟ لأنه كتاب. معنى كتاب يعني ظروف طبيعية تقتضي وجود هذا الأمر. أي معناها تغيرت طبيعة الكون فما عدنا في حاجة إلى هذا؟ لماذا؟ السبب أنه كل إنسان..
باسم: لأنه مربوط أيضًا بالموت.
يوسف: مربوط بالموت ومربوط بالوالدين والأقربين، بحكم أن حاجات من لهم صلة بك ممن سيرث مالك مختلفة. يعني قد يكون هناك صغير لم يتعلم وكبير مستغنٍ، قد يكون هناك معاق يحتاج إلى رعاية خاصة قد يكون إلى آخره. الآن كل إنسان ظروفه في الوالدين والأقربين لا تتطابق مع إنسان آخر. لذلك الوصية لصاحب المال ضرورية إذا اقترب الموت. هذا آخر حد يمكن أن يؤجل فيه الموضوع.
وعلى فكرة هناك ما يُسند هذا في الروايات. يعني “ما حق امرئٍ مسلمٍ يبيت ليلتين وعنده شيء يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عنده”. لاحظ هذه الرواية تتطابق تمامًا مع مفهوم الآية. لماذا آتي بها؟ لأنها تتوافق مع القرآن، وأترك “لا وصية لوارث” لأنه عكس الآية.
باسم: مقاصد النص، صحيح.
يوسف: هذه الطريقة التي نذهب إليها في التعامل مع الروايات.
إذن الإنسان في حالة وجود أقربين ووجود والدين وقد حضره الموت اقترب موته. الوصية أمر محتم. لماذا؟ حتى يحقق العدل. أما ما وضع بعد ذلك من أحكام المواريث فهذه الآيات كانت صريحة جدًّا من بعد وصية. ما يبقى من الوصية..
باسم: يدخل في نطاق..
يوسف: يدخل في كتاب الميراث. انظر إلى الترتيب القرآني.
باسم: دعني أفهم هنا “من بعد وصية”. يعني بمعنى الموصي قد يوصي بماله.
يوسف: نعم.
باسم: تم تنفيذ الوصية. من بعد الوصية يتم تطبيق أساس إرث. هل هذا المقصود أن الموصي لم يوصِ بكل ما يملك؟
يوسف: إي نعم. إذا جئنا للتحليل اللساني المباشر للآيات القرآنية وحدها. قد لا يوصي بكل ماله، وقد يوصي. فإذا استغرقت الوصية كل ماله. لم يبق مجال للميراث.
باسم: طيب.
يوسف: لكن الفقهاء هنا يتكلمون في قضية الثلث وكذا. وهذه مسألة أخرى، سنناقشها في باب.. لما نتحدث عن الموضوع. إنما الآية واضحة، الدَّيْن، هل هناك أحد يقول إن الميراث يُقسم قبل الدَّيْن؟ وكذلك الوصية. لا يقسم الميراث قبل الوصية، لكنهم لغوا الوصية للأقربين يا دكتور. عندما قالوا “لا وصية لوارث”، والآية ماذا تقول؟ لاحظ. “كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا..”. الوصية لمن؟
باسم: “الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ”.
يوسف: يقول لك: “لا وصية لوارث”. والآية تقول “الوصية للوالدين والأقربين”. يعني الوارثين.
باسم: الوارثون. صحيح.
يوسف: لأن صاحب المال أدرى بحاجات الورثة الأقربين، أدرى بحاجاتهم. يعني قضية الميراث: “لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ”، “وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ” (سورة النساء: 11). وإلى آخره. هي تعطيك الحكم بعد أن لا يكون هناك حاجات أخرى.
باسم: طيب وإذا لم يكن هناك والدان؟
يوسف: إذا لم يكن هناك والدان، يوصي لمن هو من الأقربين. فإذا لم يكن لا هذا ولا هذا. فليست الوصية مكتوبة في هذه الحالة. متى كُتِبَت الوصية؟ إذا عندك والدان وأقربون، لأنك تعرف حاجاتهم. فأنت تعطي وصية بما يتناسب.
باسم: هل الأقربون هنا المقصود بهم أيضًا الأولاد مثلًا؟
يوسف: الأقرب فالأقرب. يبدأ الموضوع من الأولاد، ثم الإخوان والأعمام وإلى آخره.
باسم: فالوالدان يعني يأتون قبل الأولاد، حسب النص؟
يوسف: من ناحية الاهتمام بالوصية، إي نعم. لأنه من ناحية الاهتمام بالوصية، الوالدان على الأغلب سيكونان أضعف من أن يعيلا أنفسهما من باقي الأقربين.
باسم: هنا وكأنه “إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ”، وكأن هذا ابن.
يوسف: إي نعم. ابن. الذي حضره الموت ابن.
باسم: ابن يعني معناه الآية محددة؟
يوسف: محددة إذا كان فيه والدان، وإذا ما فيه والدان أيضًا محددة بالأقربين. يعني هناك أكثر من حالة، إذا يوجد والدان وأقربون يوصي لهم، هي أعطتك المجموع. إذا لا يوجد والدان توصِي للأقربين. إذا يوجد والدان ولا يوجد أقربون توصِي للوالدين. وهكذا. لأن الواو تفيد الجمع. يعني لا تفيد أن أحدهما فقط، تفيد الجمع. فأيّ ما وُجد من هذا المجموع فقد كُتِبَت الوصية في هذه الحالة. يعني تقتضيها الظروف الطبيعية والعدالة الإنسانية الطبيعية لاختلاف حالات كل مجموعة عن أخرى.
طبعًا قد يقول قائل: فإن حصل ظلم، فإن الآيات عالجتها. سنشرح هذا لما نتحدث عن كتاب الوصية والمواريث إن شاء الله في مكانه بالتفصيل.
ما سر كون الصيام “كتابًا”؟
يوسف: مثل هذا أيضًا “كُتب عليكم الصيام”. أيضًا لا نريد أن ندخل في تفاصيل الصيام، لكن نريد فقط “كُتب عليكم الصيام”. ما الذي سنستنتجه الآن من المعنى؟
باسم: أن الصيام قانون، كتاب.
يوسف: قانون، لكن ما الذي يُلجِئ إليه؟ يعني هل للإنسان بطبعه الأصلي، لو يعني لو افترضنا أنه يسير في…
باسم: هذا هو سؤالي أنا، انتبهت له مباشرة، في الوقت الذي قلتَ إنه “كُتب عليكم القصاص”، أن الناس ستتولى الظروف، أو ستطرأ ظروف تُلجِئ الناس إلى البحث عن القصاص. إذن وعلى ذلك يمكن القياس أن الصيام أيضًا هو عبارة عن ظروف ستتشكل تُلجِئ الناس إلى البحث عن قانون الصيام.
يوسف: مئة بالمئة. وهذا يفتح لنا بابًا مهمًا جدًّا أن الصيام ليس قضية تبرّك، وعبادة ليس لها معنى كما يفهمها الناس. يجب أن يُعاد تحقيق معنى الصيام له، بحيث إن.. ما هي الظروف التي تُلجِئ إلى الصيام؟ لأن ما يدخل على جسم الإنسان فيه ما يزيد على حاجته، وفيه ما فيه سموم، وفيه ما فيه ما يضر بصحته. إذن بعد فترة، الظروف الطبيعية التي يعيشها الإنسان ستُلجِئه إلى حالة الصيام. لكن لا بد أن نعيد النظر في موضوع الصيام: كيف يعطي النتيجة المطلوبة، التي هي إعادة جسد الإنسان إلى حالته المستقرة الطبيعية، بحيث أنا لو عملت فحصًا طبيًّا ستعود كل الفحوصات في إطار الطبيعي. هكذا تطرح الآية فكرة الصيام..
باسم: هناك رأي يقول: أن “كُتب عليكم”، على اعتبار أنها فعل مبني للمجهول، أو كما كنت تقول فعل أُخفي الفاعل فيه.
يوسف: نعم.
باسم: تشير إلى قانون متضمن في الطبيعة، أنه في حال وقع ظرف، الذي هو الصيام، مطلوب وقتها الاتقاء منه. يعني يتحدث وكأن هناك قانونًا طبيعيًّا متضمنًا في الظروف الطبيعية، في حال وقع، يجب علينا أن نتقي الصيام. هو الهدف “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” (سورة البقرة: 183). يعني هذه النتيجة. هو الهدف أن نتقي من الصيام. إذن الصيام قانون موجود في الطبيعة، قد يقع وقد لا يقع، قياسًا على القصاص، “كتب عليكم القصاص”.
يوسف: يعني قد لا يقع مُسبِّب القصاص، فلا يُفَعَّل في هذه الحالة. يعني الكتاب موجود لكن ليس شرطًا أن يكون مُفَعَّلًا.
باسم: وقد لا يقع ظرف الصيام فبالتالي..
يوسف: هذا معناه السؤال طبعًا. حسنًا، نحن فرَّقنا بين الكتاب المُفَعَّل دائمًا، مثلًا “وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا”، لما قلنا “كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ” (سورة هود: 6) صح؟ هذا كتاب مُفَعَّل لا يتوقف، وكتاب الأرشفة والتسجيل، كتاب مُفَعَّل. هل كتاب القصاص دائمًا مُفَعَّل، أم إذا جاءت الظروف يُفَعَّل؟ إذا جاءت الظروف يُفَعَّل. حسنًا، نأتي إلى كتاب الوصية: “كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ”. حسنًا، لا توجد الظروف التي تحتاج إلى تفعيل موضوع الوصية: لا يوجد والدان، لا يوجد الأقربون.
باسم: ممكن شخص يفاجئه الموت فلا يستطيع أن يكتب وصية.
يوسف: هو لازم أن يكون كتب وصية. هذا معناه الكتاب، إذا توجد حاجة الآية تقول له لا بد أن تفعل، وإلا ستكون ساهمت في الظلم للورثة. ما دام هناك حاجة لا يُؤَخَّر الموضوع. نحن قلنا الرواية التي أسندت الموضوع، انظر في الرواية ماذا تقول: “ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وعنده شيء يوصي به إلا ووصيته مكتوبة عنده”. ما دام يعني أنت تعرف أن هناك ما يحتاج إلى الوصية من اختلاف حاجات الوالدين أو الأقربين، إذن لماذا تؤخر الموضوع فتنتظر الموت المفاجئ؟
لكن، الفكرة أقصد أن الآيات مثلًا “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ” (سورة البقرة: 216). نفس الفكرة. هل القتال كتاب مفعَّل دائمًا أم..؟
باسم: بالتأكيد لا.
يوسف: الآن نأتي إلى موضوع الصيام: هل ينجرّ هذا الموضوع إلى موضوع الصيام فنقول إنه قد لا نحتاج إلى موضوع الصيام إن لم يوجد سببه؟ طيب، أنا أريد أن أستدل بمثال طبيعي: هل الحيوانات تصوم؟ توجد عندي فكرة معينة أن الحيوان بطبيعته إذا تُرِك في البراري بالوضع الأصلي يأكل ما يحتاجه جسمه. إذا أنا أريد أن أفترض: هل يوجد إنسان يأكل تمامًا كل ما يحتاجه؟ لا يوجد (تخبيص) (بين قوسين) في الطعام والشراب وكذا؟ صعب جدًّا جدًّا جدًّا، يعني هذا الافتراض صعب. لذلك الفكرة؟ ما الذي جعل الإنسان يختلف؟ لأن الإنسان لا يأكل فقط بغريزة الجوع والحاجة إلى الطعام.
باسم: الشهوة.
يوسف: نعم، تدخل الشهوة التي تتولَّد عن العقل المريد، فيأكل أكثر مما يحتاج، ويأكل ما قد يضره. ولذلك فكرة الصيام أعتقد بالنسبة للإنسان لا تتوقَّف. لكن السؤال الأهم أنه يجب إعادة النظر: كيف نُفعِّل الصيام بحيث يؤدي إلى التقوى؟ يعني التقوى بمعناها، ما هو معناها؟ معناها أن أقي نفسي مما كان يضرها، مما كان في الفحوص سيئًا، مما كان موجودًا في داخل الجسد وفيه إضرار. على كل حال تفصيل هذا الموضوع في كلام وتتبع آيات الصيام من أولها إلى آخرها أيضًا له حلقة منفصلة. لكن الفكرة أنه هي نفس الطريقة، أنه في الكتاب ليس بالأصل يجب أن يكون فعَّالًا، وإنما في ظروف طبيعية تُلجِئ إليه..
باسم: يعني هذا يعطينا، لا أعرف الآن، يعني مجرد التفكير بصوت عالٍ، أنه يخرج الصيام من كونه عبادة مقدسة وعبادة لا أعرف كيف يعني…؟
يوسف: دكتور، نحن معظم الأوامر الدينية أخذناها من باب التبرك، ويعني يقولون لك فحسب هكذا الله يريد، يعني وكأنه نحن قلنا هذا أكثر من مرة، وكأنه تشعر أنه هذه حاجة الله أرادها، وأنا أفعل ما يريده الله.
باسم: لكن الآية هنا توضِّح أنه هناك هدفية واضحة..
يوسف: كل شيء في القرآن..
باسم: “لعلَّكم تتقون”.
يوسف: كل ما في القرآن يوضحه القرآن. لماذا؟ ليس فقط الصيام، كل ما في القرآن، لماذا؟ لأنه.. وهكذا ينبغي أن يُقرأ القرآن، وإلَّا رجعنا إلى فكرة: الله غني عن العالمين. يعني لما وضع لك الموضوع قال لك: تعبَّد لي بالموضوع وحسب؟ أم أفهمك.
باسم: حدد لك النتائج.
يوسف: لك مصلحة، نعم، لك مصلحة في الموضوع.
ماذا يقصد بـ”وابتغوا ما كتب الله لكم”؟
يوسف: حسنًا، هناك تركيب آخر: “وابتغوا ما كتب الله لكم”. لاحظ هنا ظهر الفاعل، لم يقل: “كُتِبَ”، “كَتَبَ اللهُ لكم”، ومَن بيَّن أن الكاتب هنا هو الله. بمعنى الآية طبعًا كانت تتكلم عن موضوع “أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ”، إلى أن قال: “فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ” (سورة البقرة: 187). بمعنى أن مباشرة الرجل للمرأة تؤدي إلى الإنجاب. كتاب الإنجاب هذا..
باسم: لا يتم إلا بالمباشرة.
يوسف: لا يتم إلا بكتاب الله الأصلي. بمعنى فعل الإنسان في عملية الإنجاب لا يساوي، لا أدري النسبة بدقة، يعني واحد في المليون أو شيء من العام من كتاب الإنجاب، لأنه حيوان منوي، غاية ما يفعله الرجل إيصالُ حيوانٍ منويٍّ إلى رحم المرأة، والباقي من يتكفَّل بالعملية؟
باسم: كتابُ الخلق..
يوسف: كتابُ الله، والإنسان الآن درس هذا الكتاب وصار يستفيد من دراسته له. هذا كما قلناه أيضًا في الكتاب الكوني، صار يستفيد كثيرًا من البحث عن مشاكل قد تؤدي إلى إعاقات تظهر في المراحل مثل الزيجوت أو البويضة المخصبة وهي مراحل مبكرة جدًّا. فهذا معنى قوله: “وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ”. كل ما ينتج بعد ذلك من عمليات ميكانيكية ثم بعد ذلك عمليات، يعني أنا أسميها فوق مادية، التي هي دخول النفس إلى هذا الجسد، كلها تجري بفعل الله، والإنسان لا يفعل فيها شيئًا. فهي دليل صارخ على فكرة البرمجة وعلى البناء الموجود في الكون.
هل كلمة “كتب” دليل على برمجة مسبقة للأحداث؟
باسم: يعني هل يُفهم أن كلمة “كَتَبَ” أو “كُتِبَ” يعني تدليل على أن هناك شيئًا مبرمجًا يقع، وبالتالي يستتبع نتيجة أو يستتبع فعلًا.
يوسف: سطور تتحول إلى عمل، وعلى فكرة سنأتي لاحقًا فنقول: لما تسمع كلمة “كتاب” في القرآن التركيز هنا على القوانين، على السنن، على الأنظمة الناظمة للعمل. إذا سمعت كلمة “قرآن” هنا التركيز على الجانب العملي من الموضوع، وسنؤكد هذا بالأدلة لما نأتي إلى شرح كلمة قرآن.
فالكتاب والقرآن، يعني كل ما في المصحف هو كتاب، وكله قرآن، لكن إذا أنا أردت إبراز الجانب النظري لأي موضوع على شكل معادلات، على شكل أنظمة، على شكل الأكواد إن صح التعبير.
باسم: فهو في الكتاب.
يوسف: فأنا هنا أستخدم، يعني أنظر إلى الموضوع من زاويته “كتابًا”، إذا أردت أن أركز على تحوله إلى عمل والمراحل العملية له فأنا هنا أركز على فكرة “القرآن”.
باسم: أنا في رأيي، يعني الفضل في إحداث أو في إيجاد تمييز ما بين لفظة “كتاب” في القرآن الكريم وما بين “القرآن”، الدكتور محمد شحرور، رحمه الله..
يوسف: يعني هو طرق.. لفت إلى أن هناك فرقًا.
باسم: هو لفت إلى أن هناك فرقًا حقيقة، الآن هنا هذا عمق أكثر، أو هو يعني بناء على ما وصل إليه، يعني وصلنا إلى معلومات أكثر دقة.
يوسف: إي نعم، لأن بعض الناس قد يتوهم، أو ربما فهم من الكلام -لا أدري- أنه ليس كل ما في المصحف كتاب، يعني كأنه هناك آيات هذا كتاب وهذا قرآن، وهو ليس هذا القصد، القصد أنه هناك وجه للآية يمكن أن تُقرأ به فتكون أقرب إلى أن نسميها في هذه الحالة جزءًا من الكتاب، وهناك طريقة في القراءة تجعلنا نُسميها في حالة هذه القراءة قرآنًا، وهذا سنذكر أدلته إن شاء الله بالتفصيل في مكانه.
كيف نفهم: “لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا”؟
يوسف: طيب، وبمثل هذا جاء التعبير: “قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا” (سورة التوبة: 51)، لماذا؟ لأنه كما قلنا، الإنسان صحيح في وسعه أن يفعل، وفي وسعه أن يبحث، ولكن ليس في وسعه أن يسيطر على كل العوامل.
باسم: كل الاحتمالات الممكنة مكتوبة.
يوسف: بالضبط.
باسم: فأي سلوك يسلكه الإنسان فهو موجود، لكن ليس مجبرًا على اتخاذ هذا السلوك.
يوسف: والتتمة، يعني يا دكتور، أنا دائمًا أشبه هذا الموضوع بألعاب الكومبيوتر، يعني هو مثال مهم جدًا، أرجو أن يؤخذ بجدية، الآن مثلًا في لعبة كرة القدم، أنت لو تلاحظ تحريك مؤشر اليد الإلكترونية، اليد التي تتحكم فيها في اللعبة، مثلًا لما تحدث تمريرة أو ركلة أو إلى آخره، لا يمكن أن تأتي بالزاوية الدقيقة التي توصل الكرة من لاعب إلى لاعب، هناك مساعدة في الخلفية في البرمجة، ما دام حصل عندك التوجه مثلًا بنسبة خمسين أو ستين بالمئة، ففهم النظام أنك هكذا تريد، وهناك مساعدة داخلية في البرمجة. الآن الآية التي ذكرناها قبل ذلك، التي قالت: “وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ” (سورة البقرة: 187)، تتمة عملية الإنجاب هذه التي كتبها الله كلها من الله، ولكن الشرارة الأولى إذا لم تحصل من الإنسان، التتمة لا تحصل، لذلك دور الإنسان محوري. الله سبحانه وتعالى وضع المسارات، ووضع الأشياء التي ليست في قدرة الإنسان، لكن طلب منك شرارة، لا تستهِن بما طلبه منك في كل أمر من الأمور، لأن ما طلبه منك يشبه كما قلنا إيصال الحيوان المنوي إلى البويضة عن طريق الجماع، وبعد ذلك تحصل البقية إن كان ذلك موجودًا في كتاب الله.
وهنا: “قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا” (سورة التوبة: 51)، كيف نفهمها؟ الشرارة الأولى من أين؟ من الإنسان، قد يكون فردًا، وقد يكون مجتمعًا، لذلك لا تعارض بين هذه الآية والآية الأخرى: “مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ” (سورة الحديد: 22)، وفي آية أخرى: “وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ” (سورة الشورى: 30). مهم جدًا النظر إلى الثلاث آيات معًا، لأنا نرجع إلى مثال الإنجاب، الآن صحيح أن المصيبة نتائجها، وتتمتها، وعملية ظهورها في الواقع، وآثارها، وما ينتج عنها، صحيح أنه كتاب كتبه الله، لكن الشرارة من أين؟
باسم: من الإنسان، صحيح.
يوسف: من أين جئنا بهذا؟ من الآية الواضحة جدًا: “وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ” (سورة الشورى: 30).
صحيح قد لا تكون أنت كشخص أحدثت الشرارة، لكن مثلًا هناك سلوك اجتماعي يغلب على المجتمع، صحيح؟ ينعكس علي أنا كفرد. يعني مثلًا المجتمع عنده سلوك في الغش، طيب أنا دخلت في معاملة تجارية، بيع وشراء، وتعرضت للغش، هذه مصيبة، هذه المصيبة ما سببها؟
باسم: الناس.
يوسف: شرارتها من أين؟
باسم: ما كسبت أيدي الناس.
يوسف: قد يقول لك لماذا لم يمنعني الله؟ لأن الله وضع كتابًا، ما دام الموضوع أحدثت شرارته ستحصل النتيجة، وإلا معناها الإرادة غير موجودة عند الإنسان.
باسم: وكأن هناك حثًّا متضمنًا على أن يظل الإنسان واعيًا وملتزمًا وفق القوانين والأسس ليكون فاعلًا في تغيير مآلات الأشياء نحو الأفضل.
يوسف: طبعًا، والوعي ليس فقط فرديًا، هناك وعي اجتماعي، بمعنى لا يجوز للمجتمع أن يسمح للمفسدين فيه أن يبقوا مفسدين، يعني دكتور نحن شهدنا عملية قتل فظيعة جدا للنساء والأطفال وإلى آخره في الفترة الأخيرة، والناس تساءلت لماذا لم يتدخل الله، كما نقول: “وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ” (سورة الشورى: 30). أحدثت شرارة المصيبة من أين؟
باسم: من الناس.
يوسف: إنسان معتدٍ ظالم متجبر صحيح، لكن لم يجد من يحجزه عن هذا الأمر، الآن النتيجة، لن يوقف الله كتاب المصيبة هذا، سيتفعل، لأنه لو أوقفه لألغي تأثير الإرادة البشرية.
باسم: وبالتالي الأمثال والأقاويل السلبية التي تحث الإنسان: “إنني ما لي وما للناس، أنا طلعت نزلت عن ظهري بسيطة، إنه أنا حر، وهو ماذا أفعل، المهم أنه لا يأتي لطرفي”. يعني إخلاء الإنسان طرفه من المسؤولية الاجتماعية الحاصلة في المجتمع ستكون وبالًا عليه نفسه، سيصيبه جزء من المصيبة.
يوسف: سيرجع الموضوع عليه هو، وتصيبه هو، هو ومن يخصه.
باسم: يعني هنا تعزيز المسؤولية الاجتماعية للفرد في المجتمع بغض النظر عن حجم الدور الممكن يقوم به.
يوسف: بالضبط القرآن كتاب اجتماع، أنا أقول لك هذه الثلاث آيات معا ماذا؟ تبني علم الاجتماع كاملًا مكَمَّلًا، فقط.
“وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ” (سورة الشورى: 30)، و”مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا” (سورة الحديد: 22)، و”قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا” (سورة التوبة: 51)، اجمع الآيات معا تفهم، وقارنها بـ: “وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ” (سورة البقرة: 187)، الشرارة دائمًا من الإنسان، فقط. قد إذا أصابته نفسه تكون منه وعليه، وقد تأتي من المجتمع عليه، وقد تأتي من المجتمع على المجتمع.
باسم: وبالتالي أصبح مطلوبًا من الفرد والمجتمع، وحتى قيادة المجتمع أن يبقى الناس واعين، لقراءة الكتب الموجودة في الكون حتى يتقوا شرّه.
يوسف: إي نعم، يعني أنا معني جدًا أن أدرس المصائب التي أصابت المجتمعات السابقة وأبحث عن هذه الشرارة التي ذكرناها، هناك مصيبة في مجتمع يعاني من حالة فقر مدقع هائلة، من حالة بطالة شديدة، هناك مجتمعات انهارت تمامًا، اتحادات كبرى ودول صحيح؟ انهارت وتفككت، لماذا؟ معني جدًا أن أبحث عن شرارة المصيبة الأولى التي كسبها الإنسان ففعَّلت كتاب المصيبة الذي حدث على هذا المجتمع وأعطت النتيجة النهائية.
لماذا أقول لك هذا علم اجتماع كامل؟ ابن خلدون أدرك طرفًا من هذا فكتب مقدمته، أدرك أن هذا “كتاب”، لماذا يعتبرون ابن خلدون واحدًا من أشخاص غيروا وجه الأرض عندما أنشأ ما سُمى علم الاجتماع؟
باسم: للأسف يعني لماذا لا توجد استجابة جماعية أو اجتماعية في المجتمعات العربية والمسلمة؟ لماذا؟ مثل هذه الآيات، لا يوجد تفاعل؟
يوسف: هناك اعتباطية، يظنون أنه انتهى ليس له نتيجة، هذه هي القصدية والاعتباطية مرة أخرى تحضر. يظن الأمر ليس له أي تبعة، وعادي، ولا توجد نتائج، ولا توجد أرشفة، ولا يوجد كتاب للكون، وليس كل شيء مسجلًا، يظن أن الفعل يفلت هكذا لا نتيجة له، وهذا نوع من إساءة الفهم لرب العالمين، لأنك تقول إن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وإلى آخره، لكن التصرف وكأنه لا يوجد إحاطة، ولا علم، ولا قدرة، ولا إلى آخره.
هل القتال والجلاء أقدار حتمية أم نتائج سلوكية؟
يوسف: طيب، مع أنه طبعًا هذه الآية كانت في سياق الصراع بين أهل الحق والباطل: “قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا” (سورة التوبة: 51)، لأنه أنا إذا جررت إلى مثل هذا الصراع: “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ” ماذا أفعل؟ هل أُسَلِّم للمعتدي الذي يريد أن يسرق الأرض والعرض والمال؟
باسم: ستقاتل.
يوسف: فإن وقعت المصيبة، صحيح هو السبب، وصحيح أنا تضررت، لكن أنا أُلجِئت إلى هذا إِلجاءً، هذا أهون من أي شيء آخر، لكن النتيجة في آية لاحقة، النتيجة الكلية دائما: “كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي” (سورة المجادلة: 21)، هذه آية في غاية الأهمية، لماذا؟ لأن الكتاب، نتيجة الكتاب النهائية في صراع الحق والباطل هي الغلبة لله ولرسله، سيقول قائل: حسنًا لماذا نحن لا نرى هذه الغلبة؟ تعرف لماذا؟ لأنه لا يوجد فعلًا من يحمل رسالة الرسل، لأنه متى ما وُجد من يحمل رسالة الرسل الكتاب لا يكذب.
باسم: صحيح صحيح.
يوسف: ستتحقق النتيجة.
باسم: يعني لا يكتمل الكتاب إلا إذا كان هناك رسول يحمل ما كتبه الله.
يوسف: بالضبط، والرسول معناها الرسول هو بشر، ومن ورثه بشر ينبغي أن يسير على وفق مضامين الرسالة فتتحقق النتيجة، لماذا؟ لأنه حسنًا ما هي الرسالة يا دكتور؟ لما رأيناها تبني حضارة، تبني أمة، تبني مجتمعًا متحضرًا عالمًا في جميع العلوم وقويًّا من جميع الجهات، كيف سيُهزم مثل هذا المجتمع؟ إضافة إلى ذلك هو متسلح أصلًا بعلاقته بالله.
لماذا أمر الله بالجلاء دون العذاب أحياناً؟
يوسف: طيب، و”وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ” (سورة الحشر: 3)، هذه الآية تتحدث عن سياق في سورة الحشر: “هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ” (سورة الحشر: 2)،
سُنَّة. إن كنت تعيش طائفة أو فرقة أو جزءًا من مجتمع فكان فعلك الخراب، الخراب هذا سيعود على بيوتك أولًا بالفساد، وتُخْرِب بيت الإيمان، بيت المؤمنين، معناها الإخلال بالأمن، النتيجة الطبيعية لأي فرقة أو عُصبة أو عصابة تخل بأمن مجتمع ما، أقل نتيجة طبعا أن تُجلى من هذا المجتمع، يعني أقل عقوبة، أنتم أحدثتم خللًا، وأحدثتم خيانة عظمى، وأخللتم بأمن المجتمع، النتيجة الطبيعية كتاب الله كتبه في الطبيعة، قطعًا باقي المؤمنين سيدفعونهم إلى الخروج. ولذلك قال لهم هذه النتيجة الأضعف على فكرة: “وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ” (سورة الحشر: 3).
باسم: يعني هنا الجلاء الإخراج من المجتمع الذي هم جزء منه.
يوسف: إي نعم، جلى يعني ظهر وخرج إلى الخارج، خرج من المجتمع، لأنه لم يحافظ على قيم الإيمان بما هي قيم تؤدي إلى تحقيق الأمن في المجتمع، فأخرب بيته وسعى في إخراب بيت المؤمنين بأيديه.
باسم: لاحظ أنت كيف حتى مررت الفكرة طبيعية، الناس يُمَارِسُونَهَا بدون الإحساس أنها جزء من آية أو جزء من كتاب موجود، أنه هناك بعض الدول تُجلي كثيرًا من المقيمين عندها تحت شعار أنه أنت اخترقت القوانين، أنت عارضت القوانين، وتُطرد من البلد.
يوسف: بالضبط نتيجة طبيعية. هو يقول لك: أنت كقاضٍ أو كحاكم لديك مساحة من الإجلاء إلى العذاب الأعلى من هذا. أضعف العقوبات، ليس دائمًا في القوانين. أيضًا هذه الآية تضع لنا مؤشرًا لطريقة بناء القوانين: أنه يكون هناك حد أدنى وحد أعلى للعقوبات، هذا موجود اليوم في معظم قوانين العالم. فهو يقول سبحانه: “وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ” (سورة الحشر: 3). فإذن اكتُفي بالعقوبة الأدنى. وعلى فكرة هذه الآية تتحدث عن جزء من القصص للسيرة النبوية التي هكذا تُدرس على فكرة تُدرس من كتاب الله، هذه الدراسة الصحيحة، ليس من ابن إسحاق.
فانظر كيف تشير لك الآية إلى عظم طريقة تطبيق الرسول عليه الصلاة والسلام للقرآن، كيف طبقه. كان هناك قوم.. طبعًا هم ركزوا الفكرة، حولوها مباشرة إلى عنصرية وكذا، وقال لك: يهود، وأجلي بعض الناس، وليس الكل من قال، البعض، لكن الآية ماذا تقول؟ “هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا..” (سورة الحشر: 2). كفر يعني عرف الشيء فأنكره، ورآه بوضوح فجحد به، “هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا”، ومع ذلك “مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ” يعني الحجة قائمة عليه أكثر من غيره لأنه يعرف الكتاب. طيب، “هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا..”، هو لا يظن أن هذه النتيجة، “وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ..”، طيب لماذا؟ “يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ”
وبعد ماذا قال لك؟ “فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ”، فاعتبروا يا يهود فقط؟ فاعتبروا يا نصارى فقط؟ فاعتبروا يا أولي الأبصار، إنه قانون، سلوك ربط الأمر بماذا؟ بالسلوك: أنه كفر بالحق الواضح، أنه خرب بيته، وسعى في خراب بيت المؤمنين، فكانت النتيجة العقوبة الأدنى. يعني الرسول عليه الصلاة والسلام لما نفذ اختار العقوبة الأدنى، وهي ماذا؟ الجلاء. كان يمكن أن يفعل..
طبعًا. أنت أحيانًا لما تجد تفسير بعض هذه الآيات يقول لك: بدأ يذبح ويقطع الرأس ومن أنبت ومن لم ينبت، إلى آخره من الكلام الموجود.
باسم: التخاريف هذه..
يوسف: ليس له أساس طبعًا. الهدف تشويه الصورة النبوية. هناك كلام كثير جدًا سنأتي له أيضًا عندما نتحدث عن موضوع السُّنة والحكمة وإلى آخره.
وأيضًا والمثال آخر على موضوع كتاب الله: “وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ..”
باسم: “وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ” (سورة النساء: 24).
يوسف: نعم، هذا الكتاب الذي كتبه الله هو يتعلق بموضوع النكاح والزواج والمحرمات من النساء، فهو أحد كتب الله التي كتبها على الناس، ولكن سيأتي شرحه بتفاصيله لأنه فيه تفاصيل كثيرة جدًا في مكانها.
لماذا وصف القرآن بـ”ذلك الكتاب”؟
يوسف: طيب دكتور، إذا تذكر السؤال الذي بدأنا به، نحن الآن نجيب على سؤال: “ذَٰلِكَ الْكِتَابُ”، لماذا ذلك؟ لاحظت الامتداد الكبير للكتاب؟
باسم: صحيح، إن الحديث لا يتحدث عن شيء موجود بين يدينا ملموس.
يوسف: بالضبط. أنا أتخيل صورة، تعرف الصورة التقليدية: الإنسان الذي يمسك مصحفًا، هذه صورة تقليدية موجودة في مجتمعاتنا، لماذا نكابر وننكر؟ يقرأ ويتمتم ويختم القرآن عشرًا وعشرين مرة في رمضان وإلى آخره، لكن هو أول كلمة فيها في سورة البقرة بعد “الم” (سورة البقرة: 1) لم يُفَعِّلها. الكلمة ما تقول له: ضع رأسك في الكلام، واقرأ وأنت لست فاهمًا شيئًا، تقول له: “ذَٰلِكَ الْكِتَابُ”، عليك أن تمد النظر، هناك امتداد كوني، هناك امتداد أرشيفي، هناك امتداد إلى يوم القيامة، هناك امتداد في المخلوقات، هناك امتداد في الحاجات التي تلجئ إليها الطبيعة، إذن الكتاب ممتد جدًا. لما تنظر في هذا الامتداد ستعرف أنه “لَا رَيْبَ فِيهِ”. لاحظ، يعني هو يقول لك: كيف “لَا رَيْبَ فِيهِ”؟ يعني الكتاب قطع وأعطاك نتيجة نهائية، هذا منطقيًا لا يصح، هكذا يعترض بعض الناس، أنت منطقيًا لم تُفعّل ذلك لكي تنتج النتيجة: “لَا رَيْبَ فِيهِ”.
باسم: هذه الآية: “ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ” (سورة البقرة: 2)، تغطي كل النشاط البشري البحثي للتأكد مما موجود في الكون من مصداقية للقوانين والسنن.
يوسف: إي نعم، وتعطيك النتيجتين المطلوبتين كلتيهما معًا: الأولى تعرف أن الكون مبني بنظام محكم لا تفلت منه شاردة ولا واردة، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات.
باسم: والبعض بغفلة من الوعي أو من الفهم يقرأ الآية بدون أن يعي ماذا يقرأ: “ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ”، ويكمل.
يوسف: انتهى، هذا هو. طبعًا النتيجة الثانية: أنه لما تقارن الكتاب، وهذا لابد دكتور أن أذكر هنا جهد الدكتور قُصي هاشم رحمه الله، وقد بدأنا ننشر حلقاته على موقع منصة مجتمع بطريقة مكتوبة، كان له جهد كبير جدًا، وعمل أنا أقول لا سابق له فيه: كيف نتأكد من ربانية الكتاب؟ يعني الكتاب يطرح نفسه أنه من رب العالمين، لكن هو يطرح نفسه أنه يجبرك على هذا، وانتبه إذا ما صدقت ستذهب إلى النار، أم يعطيك مجالًا لتسلك الرحلة؟
باسم: وتتأكد بنفسك أن “ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ”.
يوسف: بالضبط: كيف؟ انظر في كتاب الكون، واقرأ في الكتاب المسطور، انظر واقرأ، وانظر واقرأ، إذا وجدت التوازي والتناسق والتعاضد إذن ستعرف أن المصدر واحد، وخذ وقتك في النظر. الموضوع ليس إكراهًا، خذ وقتك حتى تصل إلى هذه النتيجة. على فكرة هذه هي الطريقة الصحيحة التي يُتأكد فيها من ربانية الكتاب. أما التلقين، فعند أصغر شبهة أو معارض يسقط هذا التلقين، لا تبقى له قيمة.
ما معنى “بالحق” حين تقترن بالكتاب والكون؟
يوسف: طيب من الربط، القرآن يربط كثيرًا جدًا بين الكون والكتاب بمسار آخر، يعني كلمة “بالحق”، هذه الآن، هذا بُعد آخر في الكتاب، دائمًا كلمة “بالحق” تجد فيها آيات كثيرة جدًا في الكتاب وفي خلق السماوات والأرض. يعني في خلق السماوات والأرض مثلًا يقول سبحانه: “وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ” (سورة الأنعام: 73). فما فائدة بالحق هنا؟ فائدتها أن الحق عكسه الباطل، الحق هو ما نُسميه بالمصطلح الذي تكلمنا فيه القصدية، إن كل شيء مقصود لما هو ملائم له. أما الباطل أنك تفكر أن هذا الشيء موجود وهذا موجود، لماذا؟ لا أعرف، هذا الباطل.
طيب “وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ” (سورة الأنعام: 73)، يعني ما معنى “وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ”؟
باسم: الدال يطابق المدلول بالواقع. إن كلام الله هو بعينه الشيء ذاته.
يوسف: وهذا يدل على قمة الحق وقمة القصدية، يعني “كن” التي اكتنزت ما يمكن أن أسميه الكود البرمجي لوجود أي شيء، لما ذهبت إلى الواقع صارت يكون، لكن ليس كان يكون، يكون معناها أن الأمر مستمر ويحتاج إلى مراحل..
باسم: يعني هناك توالد مستمر.
يوسف: نعم، هناك شيء يُبنى على شيء، ولذلك خُلقت السماوات والأرض في ستة أيام، لم يقل الله سبحانه في أي آية “كن فكان”، لا يوجد، ليست هذه طريقة الخلق، طريقة الخلق “كن فيكون”، هذه هي الحقيقة.
باسم: وتكون مستمرة إلى ما لا نهاية يعني، إلى يوم الدين.
يوسف: إلى أن ينفخ في الصور، هو كمل في الآية “وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ” (سورة الأنعام: 73)، ما هو النفخ في الصور؟ الصور هو التشكلات التي وُجدت بناء على هذه القوانين، يعني جذرها صور أو صورة، يعني الناس تعرف منها صورة. إذا نُفخ في هذه الصورة معناها أُلغي تأثير القانون على الصورة، فانهار البناء الموجود الآن، لأنه سيحل مكانه شيء آخر.
هل الاستبدال البشري سنة كونية؟
يوسف: طيب، “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ” (سورة إبراهيم: 19). الآن أنا سأفهم كلما ذكر خلق السماوات والأرض بالحق، هو يتكلم عن كتاب الخلق وعن كتاب الكون، فلابد أن أتنبه إلى السنة أو الكتاب أو النظام، “إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ”، معناها إن لم يُفلح، هي إن تفيد الشك ليست التحقق الأكيد. إن لم يُفلح البشر في تحقيق رسالة الاستخلاف وإعمار الأرض قطعًا سينقرضون، سينقرضون لأن هناك هدفًا، يجب أن يعمروا الأرض، يجب أن يُحققوا رسالة الاستخلاف. طيب إذا حصل التوجه البشري الكلي مثلًا ترك البشر بعضهم حتى مثلًا تحكم إنسان ساذج وغبي بالعالم فألقى قنبلة نووية، النتيجة سينقرض البشر، وسيأتي خلق جديد، سيخلف البشر خلق جديد ليقوم بهذه المهمة، هذه سنة وهي خطيرة جدًا طبعًا هذه الآية، ما دام استخدم “إِنْ” إذن الأمر مشكوك فيه قد يحصل.
باسم: هنا المقصود “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ” (سورة إبراهيم: 19)..
يوسف: إي نعم.
باسم: هنا قانون المشيئة يفعّل مثلًا؟ تفعيل قانون المشيئة لله؟
يوسف: ليس مؤكدًا، لأنه لو مؤكد كان لقال: “إذا شاء”، إذا معناها أمر سيحصل.
باسم: “إِنْ يَشَأْ” يعني أنه فيها احتمالية.
يوسف: لماذا سيُذهبكم؟ ما هو السبب الذي سيؤدي إلى إذهاب البشر؟ تطلع، انظر في آية أخرى في سورة يونس: “ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ” (سورة يونس: 14). إذن لما قوم لم يُفلحوا في تحقيق رسالة الاستخلاف.
باسم: أتى بناس غيرهم.
يوسف: هذا هو. طيب لو البشر كلهم كجنس لم يُفلحوا سيُذهبهم ويأتي بخلق جديد. فهذه سنة الاستبدال أو قانون الاستبدال موجود في البنية الأصلية للكون ولخلق السماوات والأرض.
باسم: يعني استبدال الطالح بالصالح مثلًا أو العكس؟
يوسف: هو الباء إذا أردنا الدقة اللغوية تقترن بالمتروك: أن نستبدل بالطالح صالحًا، يستبدل الله بالطالح صالحًا، فيذهب الطالح ويأتي الصالح.
طيب، “خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ” (سورة النحل: 3)، نقطة مهمة جدًا: المحافظة على الحق الموجود في السماوات والأرض يحتاج إلى التوحيد ضرورة، الشرك كما قلنا من أكبر عوامل الفساد، لأنه يبدأ عادة التخريب والتكلم باسم الله والافتراء على الله وعزل الناس عن النظر في السماوات والأرض، فالموضوع واضح..
باسم: وعبادة هذا فلان ولي، وهذا مولانا.
يوسف: إي نعم. هنا أيضًا يشير إلى نظام: “يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى” (سورة الزمر: 5)، هذا كله مسبوق بـ: “خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ”. إذن أيضًا النظام الفلكي كله يسير إلى حق، أنا علي فقط أن أبحث لماذا الليل موجود، لماذا النهار موجود، وقد أهمل الإنسان هذا فترة، فصار، يعني مثلًا العمل الليلي ينبغي أن يكون في أضيق نطاق ممكن، لماذا؟ لأنه يتعارض مع السنة الطبيعية لليل الذي جُعل: “وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا” (سورة النبأ: 10-11).
الآن الفحوصات الهرمونية التي أُجريت الآن على جسم الإنسان وعلاقة الهرمونات التي تشعر الإنسان بالراحة وحاجته إلى النوم وارتباطها بالليل صارت حقيقة علمية معروفة، فهنا فهمنا أن هذا حق.
طيب: “وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ” (سورة الجاثية: 22)، أيضًا هذا الكتاب الكوني الذي أشرنا إليه في كتاب تسجيل الأعمال.
“وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ” (سورة غافر: 64)، إلى آخره من هذه الآيات.
ما خطورة الكفر بنظام الكون والكتاب؟
يوسف: نرجع إلى تركيب “بالحق”، فنبحث عنه في كلمة “كتاب”، يعني أنا ما الذي فعلته؟ ذهبت إلى الآيات التي تتحدث عن خلق السماوات والأرض، فرأيت أنه يتكرر فيها كلمة “بالحق”، فجاءت في سبع مواضع في القرآن الكريم مباشرة، وفي موضع ثامن بطريقة غير مباشرة: “وَمَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ” (سورة الدخان: 39)، وعلى فكرة الآيات التي تتحدث عن خلق السماوات والأرض أحيانًا تُثلّب تثليبًا شديدًا على من لا يقبل هذه الفكرة، فيقول سبحانه: “وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ” (سورة ص: 27)، يعني هذه صورة من الكفر: أنت إذا كنت تظن أن كل هذا الخلق بإحكامه وإتقانه وتنظيمه والكتب التي فيه أنه عبثي، اعتباطي يعني، هذا أنت هكذا كفرت بنظام الخلق، فطبعًا سيصدر عنك ما لا يُتصور من الفجور لمصلحتك الذاتية. هنا تظهر الأنانية التي خرّبت العالم والمجتمعات، يعني الإنسان لما إنسان أناني أو مجموعة صغيرة أنانية عصابة فرقة عائلة إلى آخره تُفسد وتُؤذي مجتمعًا كاملًا وأمة كاملة بل والعالم. هناك عملية تزوير على مستوى الأدوية، وعلى مستوى الأغذية، تؤذي عالمًا كاملًا. الذي يفعل هذا لا يمكن أن يكون مقتنعًا بفكرة أن السماوات والأرض مخلوقة بالحق.
طيب هي إذا نظرت فيها ستعرف أنها بحق، إذن لم يبقَ إلا الكفر بمعنى هو سيرى قطعًا أن الموضوع فيه نظام، فلما يعمل عكس هذا النظام لمصلحته الفردية بما يهدم كل شيء فهو كفر بحقيقة هذا النظام. هذا الكفر الذي يذكره القرآن فيستحق عليه العقوبة. حتى الذي يعرف نفسه ينطبق عليه هذا الكلام إذا قرأ يقول: والله فعلًا أنا أستحق النتيجة. ليس من أنكر هذه الرواية فهو كافر، من خالفنا في هذا الحكم فهو كافر، من.. كيف الكفر يحولونه إلى شيء أنت لا تفهمه، تقول: كافر يعني سأذهب إلى النار، طيب لماذا؟ بينما القرآن لما يطرح الكفر يطرحه بطريقة الكافر نفسه لو قرأ لا يقول لك: أجل والله أستحق.
باسم: لأنه غير الموازين.
يوسف: غير الموازين، وأنكر ما لا يسع عاقلًا إنكاره.
باسم: أو أنكر ما لا يمكن إنكاره.
يوسف: بالضبط، واضح بآلاف الأدلة وليس فقط بدليل ودليلين ومئة ومئتين.
كيف نتأكد من أن الكتاب نزل بالحق؟
يوسف: فلما يتكلم الله عن الكتاب: “ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ” (سورة البقرة: 176)، ما معنى هذا؟ يا دكتور لما ربطنا الكتاب بالسماوات والأرض استكبروا علينا هذا، قالوا: أنت تشرح الدين والإسلام والإيمان أنه، أنت تتعامل مع قوانين الفيزياء والكيمياء والطبيعة، وهذا هو الدين. نعم هذا هو.
باسم: على اعتبار أن هذه علوم أرضية.
يوسف: طبعًا هو يقول لك: أنت هكذا ألغيت الدين وأرجعتنا..
باسم: علوم وضعية يسمونها.
يوسف: الآن القرآن لما خلق السماوات والأرض ذكر لك ظواهر كثيرة كما ذكرنا يربط فيها كلمة الحق. ويقول لك: “ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ” (سورة البقرة: 176)، ماذا تفهم؟ الكتاب الذي نزله هو نفس ما وضعه في السماوات والأرض، فلذلك النظر في السماوات والأرض طريقة توصل إلى ما في الكتاب، بل وطريقة تجعلك تقتنع بربانية الكتاب.
باسم: طريقة إيمان النبي إبراهيم لما نظر في الكواكب، في القمر، في الشمس.
يوسف: ولذلك نحن ركزنا، عملنا عددًا من هذه الحلقات لأن إبراهيم هو الذي أسس لهذه الطريقة، راح ينظر في السماوات والأرض، وما أُنزل عليه في الأخير صحف تتامّت حتى صارت كتابًا، موسى الذي أُنزل عليه بعد ذلك. أما إبراهيم بدأ من أين؟ لا يوجد كتاب. من أين بدأ إبراهيم؟ من النظر في السماوات والأرض، ومع القناعة طبعًا بأنها مخلوقة بحق، لأن القناعة لم تتولد تلقينًا، لا، هو بناها في نفسه شيئًا فشيئًا بالنظر، فهذا الذي جعلنا أصلًا نركز على ملة أبينا إبراهيم. نعم.
طيب: “وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ” (سورة البقرة: 176)، هذه نقطة مهمة جدًا هنا. الكتاب حق، لا، الاختلاف في الكتاب ليس حقًا. طبعًا الاختلاف الذي يؤدي إلى الاقتتال سأتكلم، هذا. قطعًا سيكون فيه اختلاف في وجهات النظر أثناء البحث، لكن هناك فرق شديد بين اختلاف يؤدي إلى البحث والنقاش البناء للوصول إلى نتائج، وبين الاختلاف الذي يتحول إلى اقتتال.
طيب يعني في سورة البقرة: “تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا..” (سورة البقرة: 253). قد يقول: طيب يا أخي الاختلاف سنة طبيعية، أنت تعارض الاختلاف؟ لا لا لا، الاختلاف الذي أتكلم عنه هو ما تحدثت عنه هذه الآية: “وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ” (سورة البقرة: 253). الذي هو أن طبيعة البشر لأنه أُعطي الإرادة سيحصل هذا الاختلاف. أما الاختلاف علماء الفيزياء يختلفون، صح، الصورة الطبيعية: يجلسون فيتحاورون، تُقام دراسات بحثية، تُقام تجارب مخبرية حتى نسعى أن نصل إلى الصواب.
حسنًا، نختلف يا أخي في فهم الكتاب، لكن أجلس أنا وأنت بدون ما نحول هذا الاختلاف إلى اقتتال. إذا حوّلناه إلى الاقتتال فمن بدأ بهذه العملية خرج عن الكتاب قطعًا قطعًا. خرجت عن حيز التمسك بالكتاب مئة بالمئة إلى أسوأ نقطة أيضًا خرجت، وليس إلى نقطة عادية. ولذلك قال: “وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ” (سورة البقرة: 176)، أبعد، أبعد عن ماذا؟ أبعد عن الكتاب، صار يتكلم في أمر خاص فيه، في فرقته، في عصبته، في مذهبه الفقهي، في ترجيحاته هو، ولا يتحدث في الكتاب.
يعني نختلف حسنًا، لكن المرجع كتاب السماء والأرض، أو إذا كنت مؤمنًا بالكتاب القرآن نرجع إلى الكتاب. كم قلنا لهم: الكتاب نرجع إليه بلسانه العربي المبين، لا يريد، يقول لك: لا لكن هو قال فلان وقال فلان.
هل الكتاب القرآني هو الكون ذاته؟
باسم: “ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ” (سورة البقرة: 2). كنا اتفقنا المقصود فيه هو الكون.
يوسف: والمسطور كله.
باسم: يعني هي إشارة على القرآن أو على الكتاب المسطور، والكتاب المنشور، بالإضافة للقرآن.
يوسف: نعم. ما هو القرآن ضمنيًّا في المسطور طبعًا.
باسم: لكن هل يقصد كالتالي: إن هذا الكتاب الكوني هو كتاب متشابك محبوك من عدة كتب؟
يوسف: نعم، طبعًا، طبعًا متشابك ومحبوك من عدة كتب. لأنه مثلًا: “آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ” (سورة البقرة: 285)، ونحن قلنا: “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ” (سورة البقرة: 183)، “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ” (سورة البقرة: 178)، “كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ” (سورة النساء: 24)، ذكرها في موضوع الزواج، “وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ” (سورة البقرة: 187)، في موضوع الإنجاب، في موضوع المصائب. هذه.. لكن ليست مجموعة كتب يضرب بعضها بعضًا، بل هي في نسيج محبوك محكم متقن.
هل المقصود بـ”الكتب” في القرآن فقط الكتب السماوية المعروفة؟
باسم: طبعًا عُلمنا ونحن فُهمنا أن الكتب هنا هي الإنجيل والتوراة والقرآن. يعني الإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه..
يوسف: نعم، وكتبه ورسله، نعم.
باسم: وكتبه ورسله، هل الكتب هنا المقصود فيها فعلًا هي القرآن والإنجيل والتوراة، أم هي مجموعة الكتب التي يتشكل منها الكون أو السنن الكونية؟
يوسف: التوراة والإنجيل هذه لها بُعد عملي سآتيه في آياته، لكن هل الكتاب معناها، لنقل مثلًا ما أُنزل على موسى وما أُنزل على عيسى وما أُنزل على محمد عليه الصلاة والسلام، والأنبياء السابقين أن هذه مجموعة كتب، أؤمن بها؟ طيب كيف أؤمن فيها وأنا لا أعرفها، يعني أؤمن بماذا؟ هو إيمان، نحن فهمنا إيمان أي أنقله إلى مرحلة التفعيل لينشئ مجتمعًا آمنًا.
باسم: صحيح.
يوسف: يكون الكتاب أساسًا، الباء تفيد الاستعانة، حرف الباء يفيد الاستناد على أمر، أريد أن أُحدث مفهوم الإيمان بالاستناد إلى الكتب.
باسم: إلى شيء موجود بين يديك.
يوسف: أين الكتب؟ هو هناك خلاف شديد جدًا، إذن لما يقول لك كتب إذن هي مجموعة الكتب المتضمنة في الكتاب، هل أُلغي بهذا كتاب موسى وعيسى؟ حاشا، تعرف لماذا؟ لأن الكتاب الذي أُنزل على محمد هو نفسه الكتاب الذي أُنزل على موسى وعُلِّمه عيسى نفسه، لا يختلفان. لكن لماذا أُنزل أكثر من مرة؟ سنأتي إلى هذا في مكانه، سنبين بالتفصيل الدقيق لماذا أُنزل الكتاب مرتين. لكن هو كتاب واحد.
هل القرآن نقل مكرر عن التوراة والإنجيل؟
باسم: من يدعي أو من يقول بهدف الإساءة لمصداقية النص، أن ما هو موجود في القرآن أو ما هو موجود في الكتاب أو المصحف للدقة، هو عبارة عن نقل مكرر عن التوراة وعن الإنجيل. يعني الحديث هنا نتحدث عن كتاب واحد، نحن نتحدث عن كتاب واحد أُنزل على النبي موسى وأُنزل على النبي محمد.
يوسف: طبعًا أصلًا احتمال التشابه بما أنه كتاب واحد سيكون احتمالًا كبيرًا، لكن أيضًا: “إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ” (النمل: 76).
باسم: نعم، صحيح.
يوسف: ولو حصل الاختلاف طبعًا لا يوجد تطابق أبدًا، وهناك أشياء كثيرة جدًا تختلف فيما هو متوارث من كتاب موسى وعيسى وبين القرآن، لذلك قال لك “إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ”، وأجاب أيضًا وبين لك الأسباب.
لكن يعني أنا قبل هذا مثلًا آية: “كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ” (سورة البقرة: 213). هذه الآية، دكتور، تذكر لما تحدثنا عن الأمة الواحدة. لاحظ أن المفاهيم التي طرحناها تستطيع أن تأتيها من زوايا كثيرة فتتوثق مرة بعد مرة أنه يعني بفضل الله كان الطرح صائبًا وصحيحًا.
هنا نحن قلنا الكتاب نزل بالحق، طيب هو الكتاب موجود أين؟ في الكون، إذن الإنسان إذا كان على حالة الأمة الواحدة الأصلية التي فعلها إبراهيم، يعني ربط الآيات “كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً”، “إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ..” ماذا؟ “أُمَّةً” (سورة النحل: 120)، طيب لما الناس كانوا أمة واحدة كما كان إبراهيم، هل كان فيه كتاب مسطور؟
باسم: لا.
يوسف: ما كان هناك كتاب، لماذا؟ لأن الإنسان يفكر بعقل الأمة، أمي، هذا طبعًا لا تقل لي أمي لا يعرف يقرأ ويكتب، انسَ هذا، ما له دخل في القرآن، أمي أي أنه يفكر بالنظر في السماوات والأرض بما هي كتاب كامل.
باسم: يعني على نهج واحد.
يوسف: بالضبط، هذا النوع من التفكير يفرق الناس أم يجمعهم؟
باسم: يجمعهم.
يوسف: ولذلك كانوا أمة واحدة، لكن حصل الاختلاف، لأنه لابد من اتباع سبيل الشيطان من بعض الناس، قال حسنًا سيتبع سبيل الشيطان، لما حصل الاختلاف كان يكفي أصلًا أن نرجع إلى كتاب السماوات والأرض لنحسم الاختلاف، لكن زيادة في إقامة الحجة: “لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ” (سورة النساء: 165)، نزل الكتاب، لا يمكن. لذلك أحد أهم المعايير في فهم القرآن ودراسته وشرحه هذا يجب أن يكون معيارًا أساسيًا أنه لا يقبل شرح للكتاب يتعارض مع حقيقة كونية، مستحيل، لا تقل لي: والله ما هو الكون.. يعني أحد الشيوخ ولن أسمي تسأله امرأة تقول له أنا ابني الصغير قرأ رواية أنه الشمس.. يعني لاحظ، سُئل الرسول عليه الصلاة والسلام: أين تذهب الشمس وهي تغرب؟ فقال: تذهب فتسجد تحت العرش. طيب، قال: فتستأذن الله أن تعود فيأذن لها فتشرق، ويوشك أن لا يأذن لها، فتقول للشيخ، تقول له أنا ابني قرأ الحديث وهو يدرس في المدرسة دوران الأرض حول الشمس، ويعرف أن غروب الشمس هو نسبي، لا تغرب الشمس حقيقة عن الأرض، فقال لها: اسمعي قال الله تعالى: “وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا” (سورة يس: 38)، مع أن الآية “تجري لمستقر لها” معناها الجريان مستمر، قال لها: والرواية تقول إنها تذهب فتسجد تحت العرش، إذن ما هو جريان الشمس؟ أن تذهب فتسجد تحت العرش، قالت: لكن هو يقول إن هذا يعارض العلم، قال لها: قولي يعني ما قال الله، وما قال الرسول أصدق من العلم، والعلم هذا انسيه، ارميه في.. طبعًا هو قطعًا ما قال الله صدق، وما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام مما هو صحيح يتوافق مع الكتاب أكيد صدق، لكن هذه الرواية لا يمكن أن تتوافق مع الكتاب، يعني بدلًا من أن يستخدم قاعدة أنه لا يجوز أن تنظر في آية فضلًا عن رواية فتخرج لي بنتيجة تعارض حقائق العلم، مستحيل.
أحقًا القرآن “حمّال أوجه”؟
باسم: هذا الفهم يقودنا لاستنتاج أنه طالما عندنا مرجعية دقيقة جدًا في كيفية فهم آيات الكتاب المسطور الذي هو الآيات المنشورة، يعني أنه من يقول إن القرآن حمّال أوجه هو مخطئ؟
يوسف: والله أنا أخشى ما أخشاه أن هذه العبارة قيلت لصرف نظر الناس عن القرآن.
باسم: نعم.
يوسف: والانشغال بمنظومة أخرى تشكل تدينًا آخر.
باسم: يعني إذا قلت عن كتاب حمال أوجه، إذن لا يصلح لأن يقرأ.
يوسف: أنت تقول القرآن حمال أوجه، والله سبحانه وتعالى يقول: “وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ” (سورة البقرة: 176)، كيف أجمع بين القولين؟ هو يقول القرآن حمال أوجه والآية تقول: “وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ”، ثم يقول: “وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا..” (سورة البقرة: 213)، ليس لأنه حمال أوجه، إذا حصل الاختلاف الذي هو اقتتال كما قلنا ليس تفكيرًا ونقاشًا للوصول إلى نتيجة، الاختلاف هذا الذي تحوّل إلى قتال في معظم تاريخنا للأسف الشديد يعني، هذا لأن القرآن حمال أوجه؟ أنا أصدقك أم أصدق الآية؟
باسم: أم عندك معيارية قائمة في الكون.
يوسف: بالضبط، يعني حتى لما نختلف، هو هذا شرحناه في حلقة سابقة، لو اختلفنا في فهم الكتاب هناك ما يُسندني في السماوات والأرض ليحسم هذا الخلاف، هناك ما يسندني، ولذلك قال: “وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ” (سورة الشورى: 10)، في الآية الأخرى قال: “فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ” (سورة النساء: 59)، لأنه يتكلم عن نزاع سنأتي إليه، لكن: “وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ”. طيب هو الكلام موجه لجميع الناس وجميع البشر، كيف نحكم الله في مسألة؟
باسم: بالضبط، كيف؟ صحيح.
يوسف: يعني أنتظر رؤيا مثلًا يحلم بها إنسان مخرف فيقول لي رأيت الله في المنام أم لا أعرف ماذا، فقال لي افعل كذا وافعل كذا؟
باسم: أم العودة للمعيارية الكونية والسنن الموجودة في الكون.
يوسف: نعم، ما فعله إبراهيم، ما قالته الآيات: “خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ” (سورة النحل: 3)، هكذا تُحسم الخلافات.
ما العلاقة بين الكتاب والميزان الكوني؟
يوسف: طيب: “إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ” (سورة الزمر: 2). الآن هنا دكتور آية يجب أن نقف عندها، “اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ” (الشورى: 17)، يعني الميزان أنزله الله، أين؟ في الكون وفي الكتاب أيضًا مسطورًا ومنظورًا، وهذه نقطة في غاية الأهمية، لماذا؟ يعني نقف مع، لاحظ كيف نثبت أنه في الكون، لاحظ: “وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ” (سورة الرحمن: 7-8)، الميزان ليس فقط أنه كفتان..
باسم: ليس كفتين.
يوسف: ميزان إلكتروني.
باسم: 2 كيلو، و3 كيلو.
يوسف: الميزان كل ما في الكون، يعني الآن التحاليل الطبية لجسم الإنسان هذه ما هي؟ الإنسان فهم ميزانها..
باسم: معادلات الكيمياء، العناصر، تركيب العناصر.
يوسف: هناك تعديل مستمر لأن البحث لا يتوقف. هذا الاختلاف الطبيعي، لاحظ الاختلاف الطبيعي الآن بين علماء الأحياء وعلماء الطب لما يبحثون في معايير أو محددات العناصر والهرمونات وإلى آخره في جسم الإنسان، هم يختلفون، لكن اختلافهم في النهاية بنّاء لأن فيه أساسًا يرجعون إليه، والكل متفق أنه هذا الأساس، فلما يظهر الصواب انتهى ينقطع الصوت، ثم لا يتحول هذا الاختلاف إلى اقتتال، إلا من من؟ يعني من من يبغي، لذلك قال “بَغْيًا بَيْنَهُم”، إذا اتجه نحو البغي ممكن..
باسم: خرب الميزان وخرب الحق في هذه الحالة.
يوسف: مئة بالمئة.
باسم: فالميزان هنا يعني عبارة عن معايير، معايير ضبط الواقع بالحكم أو بالاستناد إلى السنن الكونية مثلًا؟
يوسف: إي نعم. يعني القانون موجود، ولكن هنا توجد أشياء تحتاج إلى ضبط، معايرة، أثناء عملية تحول الكتاب إلى عمل، وهذا إرشاد للإنسان أنه يبحث عن هذه المعايير..
باسم: هذه المعايير موجودة كحق في الوجود.
يوسف: صح، مثلًا تفيدنا في كتاب الصوم أم لا؟ قلنا كتاب الصوم ما هدفه؟ تتقون، إرجاع الجسد إلى الحالة الصافية الطبيعية لكي جميع الفحوصات تكون طبيعية في الجسد، إذن أنا سأستخدم الميزان الطبيعي لأتأكد من تحقق هذه الغاية، لا أخرج من الصيام وأنا زائد..
باسم: إذن في هذه الحالة لم يعد الصوم محكومًا بفترة زمنية محددة خاصة بهذه الآية؟
يوسف: يعني سنترك هذا إلى مجاله في كتاب الصوم لأنه حتى نناقش مناقشة لسانية بحتة فلا نعطي حكمًا على عواهنه.
كيف يحدث اختلال الميزان في المجتمع؟
طيب: “وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ” (سورة الحجر: 19)، إذن السماء لما رفعها الله وضع الميزان، والأرض وضع الميزان، ولما نَزَّل الكتاب هل أشار لنا في آيات الكتاب إلى الميزان؟ نعم، أشار إلى الميزان، الميزان الضابط لحياة الناس أشار له كثيرًا.
طيب الميزان الآن، من صور استلاب الميزان ماذا؟ أن تحول العلاقات التي تزن بها حياة البشر وتفاعلهم إلى أسماء، مثلًا قال لك: مسلم، دار إسلام، الدم حرام، المال حرام، العرض حرام. ممتاز، كفر دار كفر، كيف دار كفر؟ يعني أنه والله مثلًا بريطانيا أو أمريكا أو لا أعلم ماذا دار كفر، طيب: الدم حلال -لكن يقول لك نحن لا نقدر- المال حلال، اسرق بطاقات الفيزا عادي، العرض حلال!
لا، يقول لك أنا أخالف، أخالف يوسف أبو عواد، أخالف باسم الجمل، أخالف هذا مبتدع، عرضه حلال، عادي تكلم فيه، هكذا..
باسم: أنا شاهد على مجموعة رجال دين في بريطانيا كانوا يشجعون الناس ويحللون للناس سرقة المحلات التجارية تحت شعار أنها أملاك كفار! هم يعيشون بينهم.
يوسف: إي نعم القرآن الكريم حتى يضبط الميزان، وطبعًا رب العباد يعرف أن هذا سيحصل فيه انحراف، لاحظ ماذا قال: “وَإِنْ طَائِفَتَانِ..” أعلى مسمى سُمي به البشر، “وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ” (سورة الحجرات: 9)، ربط الموضوع أعاده بالسلوك، قالوا أنت نعم مسمّاك مؤمن، طيب أنت بغيت وقاتلت، يعني أنا أقف عند المسمى أم سلوكك؟ لو سميت نفسك ما تسميها، مادام السلوك الذي فعلته يحتاج إلى ضبط. لاحظ ميزان القرآن، هذا ميزان، يعني لما شرحنا اليهود والنصارى إلى آخره. هذه موازين القرآن التي وضعها لتقيم حياة حقيقية، حياة فعلًا صالحة للناس.
باسم: أعتقد نحن بالوصول إلى فهم واسع للميزان، أتمنى من المشاهد أن يبدأ فعلًا يفكر بعمق وبتعميم هذا الفهم على الحياة اليومية، وبالتالي الناس في أعمالهم أعتقد، أو من يكلَّف بإنجاز أعمال خاصة، أو من المهم جدًا أن يكون فهم الميزان واضحًا وجليًا أمامهم، لأنه سيؤدي إلى نتائج كثيرة مرضية في المجتمع.
يوسف: يعني الآن أقول لك برامج المونتاج، برامج الصوت، برامج الديزاين أو التصميم وكذا أليست كلها قائمة على ميزان؟ هل يعقل أن حياتنا.. أيضًا هذا نفعله في البعد الاجتماعي، يجب ضبط الموازين: في تكافؤ الفرص، في تحقيق الوظائف، في القضاء على البطالة، في غيرها من الأمور. ونحن بدأنا بماذا؟ بـ”ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ” (سورة البقرة: 2).
ما معنى “سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم”؟
يوسف: هناك آية من الجميل جدًا أن نختم بهذا المحور، وهي: “سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ” (سورة فصلت: 53). يعني الله سبحانه وتعالى يقول لك أنا حتى لو لم تفعل، بين الفترة والأخرى بحكم أنك تعيش في السماوات والأرض وتعيش مع نفسك، ستظل ترى، وهذه الرؤية إذا نظرت في الكتاب بحيادية سترى ستعرف أنه حق، كما قلنا: “خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ” (سورة إبراهيم: 19)، و: “إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ” (سورة الزمر: 2)، فلما ترى هذا الترابط هنا سيظهر لك أن هذا الكتاب حق، كما أن خلق السماوات والأرض حق. لكن أسوأ من يمكن أن يكون موجودًا من البشر على وجه الأرض من يحول بين الناس وبين النظر المحايد في الكتاب، بلسانه العربي المبين، يحول بين الإنسان وبين أن يفهم الكتاب، فيحول بين إفادة الناس من الكتاب، يعني كثير من الناس يستطيع أن يفهم.. الآن نحن خسرنا عددًا كبيرًا جدًا من الناس كان يمكن أن يكونوا في ركب الإيمان والإسلام الذي نشرحه، لماذا؟ لأنه لا يعرف الكتاب، هو رأى الآيات ويطبق على فكرة، يطبق تطبيقًا عمليًا. طبعًا أنا أقول لك خسرناه لأن يكون منضمًا، فيساعد..
باسم: كمكوّن فاعل.
يوسف: أما في الآخرة فقد يكون أحسن منا بكثير، لماذا؟ لأنه قد يكون فعلًا بهذا الإيمان بما في الكون، آمن بالله واليوم الآخر بالاستنتاج فقط، من النظر في خلق السماوات والأرض بالحق، وعمل صالحًا.
باسم: دكتور يوسف يعني سعدنا، الحوار لطيف لكن الوقت ليس لطيفًا. نجعله لحلقة جديدة من برنامج “مفاهيم” قريبًا إن شاء الله.
يوسف: إن شاء الله.
باسم: شكرًا لكم وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مفاهيم” مع الدكتور يوسف أبو عواد، إلى اللقاء.